|
نشرنا
لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة
موافقتنا على ما فيه
الموقع
مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

من
ذا الذي ينقذ لبنان من قبضة المجهول...!؟.
نوري
بريمو*
أخيراً
في السابع من أيار 2008م إنكشف مستور
المعارضة أو بالأحرى بانت عورة المقاومة
اللبنانية التي تحوّلت بين ليلة وضحاها
إلى قوة إحتلال لبيروت وضواحيها التي كانت
في يوم من الأيام عاصمة لا بل حامية لهذه
المقاومة المنقلبة عليها بتحريض ما...!؟،
وحدث ما كان متوقـّعاً فقد وقع لبنان
فريسة سهلة في قبضة المجهول بعد مدٍّ وجذر
بين فريقي السلطة والمعارضة اللذّين
لطالما سهرا على تشحين الأجواء السياسية
وتبادل الخطابات الإعلامية النارية وعرض
العضلات الميليشياوية على الأرض وعبر
الإعلام المرئي والمقرو والمسموع...! بعد
أن أقدم مسلّحو حزب الله وحركة أمل ومن لفّ
لفهما على خرق السكون الأمني الذي كان
يسبق هذه العاصفة الطائفية الهوجاء،
والتي أسماها البعض بحالة اللاحرب
واللاسلم الأهلي التي كانت سائدة قبل
الإنقلاب المسلـّح الذي قامت به ميليشيات
المعارضة لجهة إسقاط حكومة الأكثرية عبر
الإخلال بأمن المواطنين الذين راح منهم
ضحايا والتهجم بشكل همجي على الممتلكات
العامة والأملاك الخاصة وسدّ الطرقات
والمعابر وعزل بيروت ووضع اليد على مطارها
وإغلاق مينائها و...إلخ، في حين وجدنا
الجيش اللبناني يقف موقف الحياد المتفرّج
الذي إقتصرت وظيفته على لعب دور مسالم
أشبه ما يكون بقوة طوارئ تسعى من أجل تهدئة
الأوضاع وتفريق بعض التداخلات
والإشتباكات التي تحدث تكراراً بين
مسلـّحي الطرفين المتنافسين...! لكنّ الأمر
الملفت للنظر والإندهاش معاً، هو بروز
مظاهر العربدة العلنية لمسلحي المعارضة
الذين إقتحموا العديد من وسائل الإعلام
وفي مقدمتها تعطيل تلفزيون وجريدة
المستقبل وراديو الشرق أمام أعين قوات
الأمن والجيش التي يبدو أنها لم تستطع
توفير الحماية اللازمة لتلك المرافق
الإعلامية، علماً بأنّ تيار المستقبل كان
قد أوكل مهمة حماية مكاتبه وباقي مؤسسات
الدولة إلى عهدة المؤسسة العسكرية التي
على عاتقها تقع مهمة حفظ النظام وسلامة
أمن البلد...! لكنْ بسبب عدم مقدرة هذه
القوى الأمنية على كبح جماح وحقد
المسلّحين المهاجمين اضطرت مختلف وسائل
الإعلام التابعة لتيار المستقبل إلى
التوقف عن البث وإخلاء محطاتها تحت
التهديد بقصفها وتدميرها، ورغم إحتكام
قوى الأكثرية للعقلانية والإنصياع لأوامر
العصاة عبر تسليم منابرها الإعلامية
ومكاتبها الحزبية للجيش؛ إلا أنه قد جرى
في وقت لاحق إقتحام وتخريب وإضرام النار
في بعض هذه المقرات. ووفق هكذا منوال لم
يعتد عليه اللبنانيون سابقا رغم الصعاب
التي مروا فيها على يد مختلف سلطات
الوصاية المعادية منها والشقيقة، إذ في
هذه المَـرّة المُـرّة كالعلقم إعتدى
الأخ على أخيه في حين غرّة مباغتة، تكون
بيروت أو بالأحرى لؤلؤة حوض المتوسط لا بل
حاضرة العرب قد تحوّلت خلال الأيام
الماضية إلى خاصرة محاصرة بفعل فاعل
إقليمي يستهدف إركاع وثني عزيمة أهلها
اللبنانيين الأصلاء الذين لطالموا دافعوا
عن عاصمتهم في وجه الحصار الإسرائيلي،
وبهذا الشكل يكون أهل البلد مدعوين دون أي
تردد لتعزيز وحدتهم في مواجهة هذا العدوان
الجنجويدي والحفاظ على مؤسساتهم
الدستورية عبر الإسراع في إنتخاب رئيس
جمهورية كسبيل ضامن لوحدة وأمن واستقرار
البلد...! وبهذا الشكل أيضاً تكون الحكومات
العربية مدعوّة قبل غيرها والمجتمع
الدولي أيضاً إلى المبادرة واتخاذ مواقف
حازمة وإجراءات رادعة لتطويق هؤلاء
المطوّقين ورد كيدهم وإنقاذ بيروت من بين
مخالب هكذا إحتلال من طراز جديد لم يسبقه
مثيل سوى إنقلاب حركة حماس على أهل غزة
وعلى السلطة الوطنية الفلسطينية. وبهذا
الصدد الإنقلابي غير المستساغ لبنانياً
وعربياً ودولياً...، لا نتوقـّع أنْ تكون
هنالك أية جهة ـ ماعدا حزب الله وأعوانه
وأسياده ـ ترضى بإجهاض مسيرة دمقرَطة
وحرية وإستقلال لبنان الذي كاد أو يكاد أن
يستعيد عافيته لولا تدخلات الآخرين
لإغراقه في بحور دماء أبنائه الذين ينوي
البعض المعادي تقديمهم كقرابين أو علـَف
بشري لقراصنتهم المستلبين لهكذا بحار
عنفية هائجة أو محيطات مائجة وتبتلع رؤوس
ديموقراطيي لبنان وأخواته من بلداننا
المبتلية بنعمة لا بل بنقمة التعددية
القومية والدينية والطائفية وغيرها، إذ
من غير المعقول أن يتم بحجة الوفاء
للمقاومة إنشاء دولة مقاوماتية داخل
الدولة المركزية...! ليس هذا فحسب وإنما
إلحاح المعارضة بالمطالبة عبر إستخدام
القوة بأحقيـّة هيمنة اللاشرعية على
الشرعية عبر الدّوس على مؤسسات الدولة
وإقفال مجلس النواب والإنسحاب من الحكومة
وتعطيل إستحقاق إنتخاب رئيس توافقي لهذه
الجمهورية التي أسهمت في تأسيس الجامعة
العربية وهيئة الأمم المتحدة ومنظمة
المؤتمر الإسلامي. ولعلّ المشهد اللبناني
المعاش تحت الحصار الميليشياوي يوحي إلى
إنّ الإنقلابيين يريدون إستشفاف رحيق
الديمقراطية من عروق جسد عروسة البحر
الأبيض المتوسط عبر نفخ زفيرهم المسموم في
شهيق ثقافة التوافق والتعايش والحوار
الحضاري التي زرعها الزعماء اللبنانيون
الأوائل ـ آل الصلح والخوري والجميـّل
وكرامة وجنبلاط والحريري وجبران وغيرهم ـ
في عقول أبناء وطنهم الذي أحبوه وأسّسوه
أحسن تأسيس كي يغدو دولة للحق والعدل
والقانون والتحابب بين جميع مكوناته
وساكنيه، وهو مشهد مؤلم ومؤسف وهو الشاهد
الأكثر دلالة على أنّ العصبة لا بل
العصابة الظلامية التي إستدارت فوهة
بندقيتها وصوّبـَتها صوب الداخل تريد أن
تدحرج أهل البلد إلى مجبورية العيش في
غياهب الجهالة وتحت سياط وسطوة العقائدية
العمياء التي عفى عليها الزمن، وهو بحد
ذاته صاعق متفجر جرى التحضير له كحلقة
عنفية جديدة من مسلسل إرهاب المواطنين
الأحرار والفعاليات المجتمعية الناشطة
والأحزاب السياسية التي تنوي مراكمة
حراكها الديمقراطي على طريق إستعادة بناء
وإعمار لبنان الذي تهدّمت بناه التحتية
والفوقية بفعل القصوفات العسكرية
والحملات الثقافية الإستبدادية التي
إستهدفت بنيان البلد على مدى عقود زمنية
ملؤها الوصاية والإحتلال والتدخل السافر
في الشؤون. ورغم مساعي المجتمع الدولي
المكثـّفة ومبادرة الجامعة العربية التي
نصّـت صراحة على أولوية إنتخاب العماد
ميشيل سليمان كرئيس توافقي للبنان، ورغم
منتهى المرونة التي أبداها فريق الأكثرية
والتي لا تزال تبديها حكومة السيد فؤاد
السنيورة التي تتمتع بغطاء عربي ودولي
وتستمد قوتها من الأكثرية النيابية
والشرعية الدستورية، إلا أنّ فريق
المعارضة الذي كان يتباهى بأنه مقاوم
للإحتلال وتحوّل إلى قوة إحتلال للبلد، قد
تعنّـت وأصرّ وأبى إلا أن يبقي الفراغ
الرئاسي هو سيد الموقف عبر تسويف الحلول
بذريعة وجود مسلسلة متكاملة من الشروط أو
بالأحرى الإشتراطات التعجيزية، كما لو
أنه فأر أراد أن يغيّب القط من طريقه لكي
يتحوّل إلى ديناصور عنفي يتسنـى له كمحتل
جديد أن يعبث بحاضر وبمستقبل البلد كما
يشاء هو ومن يقف وراءه داخل لبنان وخارجه،
حتى جاء اليوم الموعود الذي أعطى فيه الحق
لنفسه الإستباحية بالإنقضاض على البلد
وتقطيع أوصاله عبر الجنوح لمنطق القوة
والجهالة وليس بالإحتكام العقلاني لقوة
المنطق والعصرَنة التي لا بديل عنهما
كسبيل آمن للإنقاذ. في هذا اليوم
الإنقضاضي الموعود يكون فريق المعارضة قد
ركب رأسه ورفض منطق التشاور وشقلب الطاولة
المستديرة وألغى الحوار اللبناني الذي قد
يتوقف إلى أجل غير مسمى، بعد أن فضـّل
الإستقواء بالدوائر الإقليمية على
الإلتقاء بشركائه في الوطن والمواطنة...!
وبعد أن أضحى طرفاً ساطياً ويعتز بنشوة
إنتصاره على مؤسسات الدولة اللبنانية
التي باتت تستصرخ كل مناصري الديمقراطية
في جميع أنحاء المعمورة لفك أسرها
وإخراجها من فاه هذا التنـّين الهائج وسط
ترهل الأسرة الدولية التي لم تحرّك ساكناً
من طرفها كحكم في فض هكذا نزاعات وتوترات
قد يكون لها تداعيات لا يُحسَد أحد على
عقباها. لكن إلى متى تطول مأساة لبنان في
الوقت الذي يدرك فيه الجميع بأنّ إنتخاب
رئيس توافقي وتطبيق الدستور وإحترام هيبة
الدولة هي المسار الشرعي الوحيد والآمن
والمنقذ من هذا المنقلب الخطر المداهم
للبنان المقترب من موعد المحكمة الدولية
بخصوص مقاضاة الجناة في جرائم مقتل الشهيد
الحريري ورفاق دربه من شهداء إرواء شجرة
حرية لبنان المقتـَحَم حالياً بقوة سلاح
معارضته العنفية. في كل الأحوال ومهما
ساءت الظروف، لا يجوز إستسهال ما يجري على
أرض الواقع أو قراءته بشكل سطحي قد يخفي
حقيقة خلفيات وتداعيات هذه الأحداث
المسمومة والمرسوم لها في الخارج المتربص
بأهل البلد وبغيرهم من أهالي البلدان
المتاخمة، ولا ينبغي إدارة الظهر له لكونه
منعرجاً خطيراً يلتف ليس حول عنق دعاة
الديمقراطية والمجتمع المدني ودولة
القانون في لبنان فقط وإنما حول أعناق كل
المناهضين للإستبداد والشمولية في كل
أنحاء العالم، بقي أن نتساءل: من ذا الذي
ينقذ لبنان من مخالب المجهول...؟!.

|