|
نشرنا
لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة
موافقتنا على ما فيه
الموقع
مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

تطور
حقوق الإنسان والديمقراطية
سلمان الخليل
تمهيد:
غدا الحديث عن " مصطلحي حقوق الإنسان
والديمقراطية " مسيطراً على مجمل الفكر
الإنساني في وقتنا الراهن، بالتأكيد توجد
ثمة تقاطع وتداخل وارتباط موضوعي
بين هذين المصطلحين، وتناول هذا
الموضوع أصبح من الأولويات، ويشغل حيزا
واسعا من الاهتمامات على الصعيد العالمي
وتعقد بشأن قضايا حقوق الإنسان،
والديمقراطية ، المؤتمرات وتنشغل عليها
الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني ورجال
الفكر والقانون وأصبحت
تدرس كمقررات دراسية في الجامعات من أجل
تعميق الوعي لدى مواطني هذه الدول بمفاهيم
حقوق الإنسان وترسيخها على أنها مبادئ
عالمية يجب أن تحترم وتصان
وتمارس على أكمل وجه بوصفها مكاسب حضارية
اكتسبها الإنسان عبر نضال طويل وشاق امتد
منذ فجر التاريخ وحتى الآن إزاء هذا
الاهتمام العالمي بقضايا حقوق الإنسان
والديمقراطية لن نستطيع في الشرق عامة
وسوريا خاصة أن تكون بمنأى عما يحصل ويدور
في العالم بهذا الشأن
خاصة شعوبنا هي أكثر الشعوب التي
تنتهك حقوقها وتفتقر إلى الديمقراطية وهي
أكثر الشعوب أيضا غائبة عن الوعي وهي
مبتعدة عن المشاركة في الشأن العام وليس
لها دور في صنع المستقبل وكأنها في حالة
موت سريري أمام هذا الواقع نحن بحاجة إلى
جهود كبيرة وكبيرة جدا لإعادة الإنسان في
مجتمعاتنا إلى المشاركة في الحياة العامة
ومهمة تحقيق ذلك يقع على عاتق المثقفين
ومؤسسات المجتمع المدني ورجال الفكر
والسياسة وعلى عاتق كل إنسان يشعر بانتماء
عضوي إلى بلده يجب أن لا يقف موقف المتفرج
بل عليه أن يساهم في الارتقاء بالوعي
المعرفي لمجتمعه
ونشر ثقافة حقوق الإنسان بين أفراد
المجتمع هو عامل مهم في تنشيط الدورة
الدموية لمجتمعاتنا .
1) عرض تاريخي لمفهوم الديمقراطية: لمفهوم
الديمقراطية تاريخ طويل وعبر هدا التاريخ
الطويل كانت هناك تفسيرات ودلالات
واجتهادات وتصورات واختلافات حول هذا
المفهوم وجميع هذه التصورات والتفسيرات
والاختلافات هي نتيجة زمانها ومكانها،
كونها مرتبطة بالواقع الاجتماعي الذي
نشأت فيه فالمجتمع الإنساني كان وما يزال
محور الفكر الإنساني تعود
الجذور الأولى للديمقراطية إلى الحضارة
اليونانية وهي حضارة كانت تمتاز بالفكر
السياسي والفلسفي ،وبرزت فيها مذاهب
ونظريات كانت الأساس، والمستند للحضارة
الإنسانية جمعاء
الأصول الأولى للديمقراطية
تعود إلى الأرخونيين صولون 594 ق.م
وكليسنيس 510 ق.م في أثينا . فصولون كان
حكيماً من حكماء اليونان السبعة وكان
سياسيا أيضا أنتخبته أثينا أرخونا
لها والأرخون هو الحاكم الأعلى في
أثينا وأصدر صولون قانونا عرف باسم قانون
أو تشريعات صولون وعلقها في الأماكن
البارزة في أثينا حتى يراها الجميع
ويعملوا بمضمونها
وحدد حوالي مئة سنة كفترة اختبارية لها ،
تعدل بعدها(1) .
قسم السلطات إلى :
1)السلطة التنفيذية ( الأرخون):
وحصر تولي هذا المنصب في الطبقة
العليا .
2) السلطة التشريعية وقسمها إلى:
أ) مجلس الأكليزيا أو الجمعية العمومية
وتضم عامة الشعب .
ب) مجلس الأربعمائة أو البولا: وكانت
مهمته إعداد جدول أعمال الجمعية العمومية
وكانت دخوله محصوراً في الطبقات الثلاثة
العليا دون عامة الشعب .
3) السلطة القضائية وقسمها صولون إلى :
ا) مجلس الاريوباجوس:
هذا المجلس كان حكرا على الطبقة
الارستقراطية و كان موجودا قبل صولون لكنه
أدخل على مهامه بعض التعديلات وكانت مهمة
هذا المجلس بعد التعديلات :
أ) حماية دستور أثينا .
ب) صيانة القوانين .
ج) محاكمة الأفراد المتآمرين .
2) المحاكم الشعبية الهيلية:
ويعتبر إنشاء هذه المحاكم أكبر خدمة
قدمها للديمقراطية في أثينا
حيث أصبح لعامة الشعب بموجب إنشاء
هذه المحاكم
الحق في أن يشتركوا فيها كمحلفين حيث كانت
القضايا الهامة ترفع إلى هذه المحاكم
تحديداً قضايا الاستئناف
ضد أي حكم يصدر من مجلس الاريوباجوس
.
وأيضا أبرز ما جاء في تشريعات صولون إلغاء
استرقاق المدين غير القادر على إيفاء دينه
،ووضع نظام للتركات، بموجبه نالت المرأة
بعض حقوق الإرث وألغى حصر الإرث في الابن
الأكبر وأُحلَّ محلها قاعدة تقسم التركة
لكنه أبقى نظام الطبقات السائدة في
المجتمع وحرم العبيد في المشاركة
السياسية أحسن توصيف دقيق لهذه التشريعات
عبر عنه أرسطو بقوله: " إن دستور صولون
يعتبر بداية التطور الديمقراطي في أثينا
لأنها كانت تمثل مرحلة انتقالية نحو
الديمقراطية الكاملة ، لهذا جاء مزيجا خدم
كل الطبقات فقد تمثلت فيها المصالح
الارستقراطية من خلال مجلس الاريوباجوس
ومجلس الأربعمائة وتمثلت فيها مصالح
الديمقراطيين وذلك من خلال اشتراك أفراد
الطبقة العامة في مجلس الاليزيا والمحاكم
الشعبية"(2) . عندما صار كليستينس حاكماً
لأثينا تابع إصلاحات صولون بل وطورها وقام
بإصلاحات سياسية واجتماعية كبيرة أشعرت
كل شعب أثينا برابطة قومية بينهم ، ودعا
الشعب أن يحكم نفسه وعلى أن جميع
المواطنين متساوين غير أنه أبقي العبيد
خارج نطاق الحرية والمساواة هناك بعض
النواقص في ديمقراطية اليونان حيث كان
الحقوق التي تعطي للإنسان كانت نابعة من
الطبقة التي ينتمي إليها لا بصفته الشخصية
وكان ينظر إلى الفرد على إنه ناقص بطبيعته
وعاجز أن يستقل بنفسه لذلك من الضروري أن
تقوم الدولة باستيعاب حياته ونشاطه ،
واجتماعيا كان الأفراد في المدينة
اليونانية مقسمين إلى أربع طبقات(3) .
1) طبقة الأشراف ومنهم الحكام والقضاة
والكهنة .
2) طبقة أصحاب
المهن .
3)طبقة الفلاحين
الفقراء .
4)طبقة الأرقاء .
سياسياً كانت السلطة السياسية مقصورة على
طبقة معينة ، وهي طبقة الأشراف رغم هذه
النواقص تبقى الديمقراطية التي كانت
موجودة عند اليونانيين حالة متقدمة
ومتطورة جدا في ذلك الزمان، وأمدتنا
بالفهم الكلاسيكي عن الديمقراطية ومجتمع
المدينة، واطلعنا من خلالها على أفكار
المواطنة ومسؤوليات الأشراف وواجبات
الأرقاء ،وتقسيم العمل .كما يمكن تتبع
جذور الديمقراطية في حضارة روما ففي سنة 509
ق م سقطت الملكية في روما، وبدأ السكان في
تأسيس المؤسسات السياسية للحيلولة دون
عودة الملكية والحكم الفردي وأسسوا نظاما
جديدا عرف بنظام القنصليةconsul وبمقتضى
هذا النظام يقوم شعب روما بانتخاب قنصلين
يحكمان في وقت واحد، ويستمر تمتعهما
بالسلطة التنفيذية لمدة عام واحد فقط(4)
ولا يجوز بقاء القنصل في السلطة بعد ذلك
إلا إذا كان يقود الجيش ولم تكن قد انتهت
المعركة يوم إنهاء عام قنصليته ،في هذه
الحالة يستطيع السناتوس الهيئة التشريعية
أن يمنحه حق الاستمرار في مهمته في
مجال ميدان الحرب فقط ، أما داخل المدينة
فان سلطته تنتهي وكان لهذين القنصلين نفس
المهام وكل منهما يتمتع بحق الفيتو في
توقيف قرارات شريكه وكانا يتناوبان على
الحكم شهريا داخل المدينة ،أما في ميدان
المعركة يتناوبان يوميا وكان القنصل
يمارس السلطة القضائية ولكن في القرن
الرابع قبل الميلاد تم فصل هذه السلطة عن
السلطة التنفيذية ،واستحدثت وظيفة جديدة
، مهمتها القضاء وكان يشغلها اثنان في
البداية وكان يسمى كل منها بريتور، ثم
ازداد عددهم باتساع الدولة ظهرت وظائف
أخرى في السلطة التنفيذية فكان هناك
المختص بالشؤون المالية ويتم بالانتخابات
ثم وظيفة (الايديل)
ويتولاها أربعة أشخاص ، اثنان من
النبلاء ، واثنان من عامة الشعب ، وكانت
مهمتهم الإشراف على حسن النظام والسلوك في
الشوارع ومراعاة
النظام العام والإشراف على الأسواق
ومعاقبة المتلاعبين ، وكانت هناك أيضا
وظيفة الرقيب وكان يتمتع بالسلطة
الإدارية، وكانت مهمته الإشراف على أهلية
المرشحين للوظائف العامة، كما كان يشرف
على المباني العامة للدولة ، طبعاً أعلي
المناصب في السلطة التنفيذية كما قلنا
سابقا كان منصب القنصل الذي لم يكن يحق له
تولي هذا المنصب ثانية إلا بعد مرور عشر
سنوات على انتهاء مدة ولايته، إنها
ديمقراطية روما، أما السلطة التشريعية
كان يسمى مجلس السيناتور وكانت حكرا على
الطبقة الارستقراطية وكانت عضويته مدى
الحياة ،وموافقته ضرورية لإصدار أي قانون
، وكان له حق مسائلة القنصلين عن أعمالهما
بعد انتهاء فترة حكمهما، إنه نوع من أنواع
الفصل بين السلطات التي طبقته روما .
تعتبر الحضارة
الرومانية حضارة عسكرية وحضارة مدنية
قانونية ، هي حضارة عسكرية لأنها كانت
تتوسع بالقوة وضمَّت أراضي كثيرة وشعوب
متعددة تحت سيطرتها وكان حضارة قانون حيث
تعددت مصادر التشريع والسلطة كما رأينا
سابقا وكانت القوانين تصدر من الملك ومن
ثم القنصل أو عن السناتور ) مجلس الشيوخ
التي كانت تمثل السلطة التشريعية ، وهذه
التشريعات والقوانين سجلت في ستة مصنفات
سميت باسم (جامع الحقوق المدنية ) ، وقد
تأثرت كثير من الدساتير الأوربية الحديثة
بالتشريعات الرومانية من أشهر القوانين
التي أصدرت وكان لها تأثير بالغ على مسيرة
حقوق الإنسان ( قانون الألواح الاثني عشر )
فبعد ثورة عامة الناس في القرن الخامس
قبل الميلاد على طبقة الأشراف قام مجلس
الشيوخ بتعيين لجنة كلفت بوضع نواة لكل
تشريع روماني لاحق؛ قامت هذه اللجنة خلال
سنتين بجمع العادات الرومانية في ذالك
الوقت ثم جمعت ما نقشته على اثني عشر لوحا
نحاسيا ، وقد أقر هذا القانون المساواة في
الحقوق بين طبقات الشعب الروماني، فأزال
بعض الفروق بين الفقراء والأغنياء وبحث قي
حق الملكية وفي مسائل الأحوال الشخصية ،
غير إنه كان قاسيا في بعض أحكامه، حيث أجاز
بيع الأب لأولاده ، استرقاق المدين
الذي يعجز عن دفع ديونه(5).
فكريا
كان المفكر الروماني ماركوس توليوس
شيشرون المولود عام 106 ق.م أول من دعا إلى
إزالة الفوارق التي تتعلق باللغة
والعقيدة والعرق ، صحيح إنه لم يكن مع
مصادرة أراضي الأغنياء، لكنه كان مع مفهوم
العدالة و ضرورة
إيجاد سياسة التوازن بين الأغنياء
والفقراء وآمن
بالدستور المختلط ، كتعبير عن تباين
المواقف السياسية والاجتماعية في هذا
الدستور، يتم تحديد سلطة الحاكم وسلطة
الارستقراطية وضبط الخارجين على القانون
واسند إلى مجلس الشيوخ سلطة، لا تضاهي في
الدولة حيث ينصهر فيه مبادئ الملكية
الارستقراطية ، والديمقراطية؛ كان
شيشرون يسعى من وراء أفكاره هذه ، دون سقوط
النظام الجمهوري في روما، لكن
الجمهورية انهارت على يد يوليوس قيصر وفي
بداية القرن الرابع الميلادي
، اعتنق إمبراطور الرومان قسطنطين
الديانة المسيحية، وأصبح
للمسيحيين مركز مساو لمركز الوثنيين
الرومان، وعندما جاء الإمبراطور تيودور
جعل المسيحية الدين الرسمي للدولة، ومثل
ذلك تحولا جذريا في جميع نواحي الحياة
السياسية والاجتماعية ، وبسب دمج الدين
بالدولة وتضاعف سلطة القيصر بما يسمى
بأبوية القيصر ولم تكتف الكنيسة بالقيادة
الروحية للمجتمع بل أصبحت تقوده سياسيا ،
وأصبحت الكنيسة دولة ضمن دولة، وأصبحت
لها ممتلكات ومحاكم ومجالس، ولم
تعد حدودها جدران الكنيسة وامتطت
الكنيسة ظهر الدين مدعية أنها الحارس
الأوحد المطلق للغايات الإلهية في العصور
الوسطى ، في القرنين السابع العشر والثامن
عشر فقدت واستنفذت الكنيسة كل
مبررات تدخلها في السياسة ، في المجتمعات
الأوربية بعد إن تطورت هذه المجتمعات في
المجال الاقتصادي وشهدت أسواقها نموا غير
مسبوق في التجارة ودخلت مرحلة الإنتاج
الصناعي الضخم ، كما شهدت هذه المرحلة
ظهور الدولة القومية الأمر الذي اقتضى
التخلص من سيطرة الكنيسة في كل مفاصل
الحياة ، والتخلص من كافة البنى
الاجتماعية المساندة لها من الإقطاعية
والرأسمالية التجارية، لتظهر
أفكار ونظريات تثور على الوضع القائم ،
وضرورة التخلص منه بعد إن
أدَّى هذا الواقع إلى مآزق اجتماعية
وسياسية واقتصادية متعارضة مع التطور
المتسارع ، وأدى هذا الفكر الجديد إلى
ثورات وحركات اجتماعية ، لترسم للمجتمعات
الأوربية هوية متطورة متميزة عن بقية
الأمم .
عالم جديد يتنفس
وعالم قديم يتهاوى .
في (عصر التنوير) ظهر مفكرون في أوربة
استطاعوا أن يؤثروا بمجتمعاتهم
ويغيروا وجه التاريخ، وكانت الثورات
والحركات التي قامت في هذه المجتمعات كانت
صدى لأفكارهم ونظرياتهم ؛ ومن هؤلاء جان
جاك روسو الذي طرح نظرية العقد الاجتماعي
، وتتلخص في فكرة الإرادة العامة للتعبير
عن اتفاق أخلاقي بين الفرد والمجتمع ،
تنشا بذلك الدولة ، ومصدر السلطة هي
الإرادة العامة الإرادة العامة تتيح
للمواطن إمكانية تحويل مصالحهم الخارجية
إلى قواعد عامة ملزمة يتنازل فيها الفرد
عن جزء من حريته ، من اجل تحقيق الأمن
الاجتماعي والسلام . إن العقد الاجتماعي
عند روسو يقوم بانتزاع الإنسان الطبيعي من
حالة الفطرة، ليصبح أنسانا كامل
الإنسانية. وقد عرف روسو(6) أن لكل نفس حية
قيمة وكرامة، والمجتمع في حالته الفاسدة
الحالية لا يتيح للبشر تحقيق إمكاناتهم
الكاملة ويستلزم العقد الاجتماعي جماعة
تنظمها الإرادة العامة ، لأن صالح الكل
يتيح لكل فرد أن يحقق أعمق أهدافه
وأصدقها، وإن الإرادة العامة تحمي
الأفراد والجماعة من التدمير المحدود
التي ينجم عن النزعة الجزئية وسوء الظن
والتحامل والإقصاء، إنها توفر الوسائط
بين الفرد والجماعة التي تمكن الأهداف
الشخصية والمصالح الخاصة في خدمة بعضها
البعض. وتأثرت الثورة الفرنسية التي قامت
عام 1789 بأفكار روسو؛ ونظرية العقد
الاجتماعي؛ تعد
أفكار المفكر الانكليزي آدم سميث التي
عرضها في كتابه ثروة الأمم محطة هامة في
تاريخ تطور الفكر الحديث، فقد صاغ في هذا
الكتاب أول نظرية توضح وتطرح التصور
البرجوازي من الديمقراطية و المجتمع
المدني ، لقد أصبح الاقتصاد في القرن
الثامن عشر الشريان الحيوي للمجتمع
المتطور في أوربا، وأثر علم الاقتصاد في
بقية العلوم واستطاع ادم سميث أن يربط بين
الاقتصاد وكافة مناحي الحياة الأخرى ورأى
بان تقسيم العمل هو جوهر الحياة
الاقتصادية والاجتماعية والضامن للتحسن
الأخلاقي في تحقيق الديمقراطية، أراد
سميث أن يقوم السوق الحر بتنظيم المجتمع
ذلك لأسباب عديدة وأحد هذه الأسباب هو ما
يتمتع به السوق من طابع لا شخصي، فالمعاير
القديمة من قبيل الثروة والمكانة ومنحدر
الأسرة والشرف وما إلى ذلك لم تكن ذات
أهمية في اقتصاد السوق الجديد، سوق
الإنتاج والاستهلاك والأرباح والبيوع ،
وكفاءة الأداء وذهب بشكل مفهوم تماما إلى
اعتبار السوق آلية موضوعية ونزيهة وعادلة
من أجل تنظيم الحياة الاجتماعية فالسوق
بوصفه الأساس الاقتصادي لمستقبل واعد
يستطيع أن ينظم كميات العمل بشكل متساو
ولكن في شروط الحرية وحكم القانون فقط(7) .
إن آدم سميث عندما عبر عن الميل
الليبرالي وتفضيل الرغبات الخاصة على
الصالح العام وتقديم المجتمع على الدولة
أكد أيضا إن ثمة شيء يربط ويعشق المصلحة
الفردية بالمصلحة العامة سماه ( اليد
اللامرئية ) وزيادة في التوضيح ؛ يرى سميث
بان الفرد تسيره ضروراته وحاجاته ومصلحته
الفردية ولاشيء آخر. ولا يهدف الفرد بشكل
واع المصلحة العامة ومع ذلك فان التحقيق
الأفضل والأمثل لمصلحته يستوجب ضمان
الصالح العام وهذا الواجب والارتباط
الضمني وهو ما يطلق عليه سميث ( اليد
اللامرئية ) يد تحرك الإنسان من دون أن
يدرك ما يحصل فعلا .كما إن سميث احتفظ
للدولة بثلاث مهام :
أ) حماية المجتمع المدني من الخطر الخارجي
وهذا يتطلب وجود جيش .
ب) حماية كل عضو
في المجتمع من الظلم الذي قد يلحقه من
الآخرين وهذا يتطلب وجود جهاز قضائي مستقل
لتحقيق العدالة وحماية الملكية وضمان
الحرية.
ج) إقامة وصيانة
المؤسسات العامة والإشغال العامة
والخدمات الاجتماعية . يعتبر المفكر
الفرنسي (
مونتسيكو ) صاحب الفضل الأكبر في توضيح
أهمية الفضل بين السلطات وتنظيم العلاقة
بين السلطات العامة في الدولة للحيلولة
دون استئثار سلطة واحدة بالحكم ومنع
الاستبداد ، وتاليا تحقيق الديمقراطية
وحماية الحريات ، قد يكون المفكر ( جون لوك
) سبق ( مونتسيكو) في إبراز أهمية الفصل بين
السلطات وذلك في كتاب (الحكومة المدنية )
الذي صدر عام (1690) عندما أوضح في كتابه هذا
ضرورة الفصل بين السلطات التي قسمها إلى
ثلاث سلطات :
أ) السلطة التشريعية
ب ) السلطة التنفذية
ج ) السلطة الاتحادية
وأكد على ضرورة الفصل بين السلطتين
التشريعية والتنفيذية وبرر لوك ضرورة فصل
السلطات على هذا الشكل على أساس أن طبيعة
عمل السلطة التنفيذية يتطلب وجودها بصفة
دائمة في حين أن الحاجة ليست دائمة إلى
وجود السلطة التشريعية من ناحية كما أن
جمع السلطتين التشريعية والتنفيذية في
هيئة واحدة سيؤدي حتما إلى الاستبداد
والتحكم من ناحية أخرى(8) ؛ لكن مبدأ الفصل
بين السلطات لم ينضج مضمونه وتتبلور
معالمه إلا على يد المفكر ( مونتسيكو )عندما
نشر كتابه الشهير (روح القوانين او روح
الشرائع ) سنة (1748) والذي يعتبر أول مصنف في
علم الاجتماع السياسي يقول (مونتسيكو) في
هذا الكتاب ( انه ما من فرد يتمتع بسلطة إلا
ويميل إلى التعسف في استعمالها وهو لاشك
مستمر في تعسفه ومصر عليه حتى
يصطدم بما يوقفه ولا يوقف السلطة إلا
السلطة ولا سبيل إلى وقف السلطة إذا تولى
مباشرة السلطات الثلاث رجل واحد أو هيئة
واحدة وقام بسن القوانين وتنفيذها والفصل
في المنازعات أي أن إذا اجتمعت السلطات
الثلاث في يد شخص واحد أو هيئة واحدة (حزب
واحد ) ستنتهي
الحرية ذلك لان نفس الحاكم أو الحزب سيقوم
بسن القوانين استبدادية وينفذها بطريقة
استبدادية كذلك التجربة أثبتت أن كل إنسان
يتمتع بسلطة لابد أن يسيء استعمالها إلى
أن يوجد الحدود التي توقفه أن الفضيلة
نفسها في حاجة إلى حدود بذلك قسم (مونتسيكو)السلطات
إلى ثلاث السلطة التشريعية السلطة
التنفيذية السلطة القضائية أوضح المهام
الأساسية لكل سلطة في هذه السلطات هدا
التقسيم يختلف عن تقسيم لوك لان مونتسيكو
جعل القضاء سلطة مستقلة على النقيض من لوك
الذي لم يدرج القضاء في السلطات العامة
للدولة اكد (مونتسيكو) على ضرورة الفصل بين
السلطات وضرورة كل سلطة بمراقبة السلطات
الأخرى حتى لا تتجاوز الحدود المقررة لها
ان الهدف من فصل السلطات عند مونتسيكو هو
إيجاد توازن بين هذه السلطات مع وجود
تعاون بينها لتنفيذ مهامها في توافق مع
وجود رقابة متبادلة بينها بالمحصلة تكون
النتيجة منع قيام حكم استبدادي وبناء دولة
قانونية وحماية حقوق الإنسان والمواطنين
وصون الحريات العامة.
تطور حقوق
الإنسان
أو التطور العالمي لحقوق الإنسان وتثبيت
هذه الحقوق في الدساتير الوطنية استطاعت
الإنسانية أن تخطو خطوات متلاحقة
ومتعاقبة لإقرار حقوق الإنسان .
1) وثيقة العهد الأعظم (الماغنا كارتا) :
عندما اعتلى عرش بريطانيا الملك جون في
القرن الثالث عشر اخذ يفرض على النبلاء
(البارونات ) ضرائب كثيرة ومصادرة بعض
أملاكهم وكاد هذا الأمر يؤدي الى القضاء
على نظام الطبقات في انكلترا . فقام
النبلاء بثورة على الملك
(جون ) وانضم إليهم الكثير من بقية
طبقات الشعب ، وانتصروا على الملك واجبروه
على توقيع وثيقة عام (1215) سميت هذه الوثيقة
بالعهد الأعظم ، أو العهد الكبير
(الماغنا كارتا ) وهذه
الوثيقة قيدت سلطات الملك في فرض الضرائب
وهي تمثل أساس الحقوق والحريات التي مازال
الشعب الانكليزي يستند إليها حتى ألان
؛ نذكر بعض نصوصها مثلا المادة (39)
تقول لا يجوز القبض على أي رجل حر أو
سجنه أو نفيه أو مصادرة أملاكه إلا بمقتضى
حكم يصدر، وطبقا لقوانين البلاد وهذا
الأمر كان لأول مرة في تاريخ انكلترا يؤكد
على عدم إلقاء القبض على الأشخاص او سجنهم
إلا وفقا للقانون، وهذه القاعدة تعتبر حجر
الزاوية.
2) إعلان الاستقلال الأمريكي :
كانت الولايات
المتحدة الأمريكية مستعمرة بريطانية،
وكانت مكونة من ثلاث عشرة ولاية لكنها لم
تعد تحتمل هذا الاستعمار فقامت هذه
الولايات بحرب ضد السلطة البريطانية عام
(1775) مطالبة بالاستقلال لهذه الولايات،
وتحققت لها ذلك وصدر إعلان الاستقلال
الأمريكي ، هذا الإعلان صاغه جيفرسون
معبرا فيه عن روح الشعب وجاء في مقدمة
الإعلان " إننا
نؤمن بان الناس جميعا خلقوا متساوين وأن
خالقهم قد وهبهم حقوقا لا تنزع منهم منها
حق الحياة وحق الحرية والسعي لتحقيق
السعادة وإنما تقوم الحكومات بين الناس
لضما ن هذه
الحقوق، وتستمد
سلطانها العادل من رضا المحكومين ومن حق
الشعب وانه إذا ما قوضت الحكومة هدفا من
هذه الأهداف أصبح من حق الشعب أن يغيرها
ويلغيها ثم يقيم بدلا عنها حكومة يضع
أسسها على تلك المبادئ وينظم سلطانها في
الصيغة التي تحقق له الأمن والسعادة "(9)
بعد هذا الإعلان أصبح لكل ولاية
أمريكية دستورها الخاص والذي يتضمن مقدمه
على شاكلة إعلان لحقوق الإنسان وعندما
اتحدت هذه الولايات اتخذت
لها دستوراً جديداً ثم أضاف إليه لائحة
حقوق وسميت ( شرعة الحقوق الأمريكية).
3 ) وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن
التي أعلنتها الثورة الفرنسية عام ( 1789):
قام الشعب بثورة على الملك الذي كان يتمتع
بكافة السلطات التنفيذية والتشريعية
والقضائية بشكل مطلق واستطاعت أن تنتصر
على الملك وكان انتصارها انتصاراً
للديمقراطية وحقوق الإنسان، لقد حقق لا شك
فيه أفكار لوك في تغير الحاكم إذا فقد رضا
الشعب وكذلك حققت أمل روسو في سيادة الشعب
وأخذت من نظرية مونتسيكو في مبدأ فصل
السلطات وقد ضم إعلان حقوق الإنسان والمواطن
فئتين من الإحكام :
أ- الفئة الأولى:
خاصة بالحقوق الأساسية التي يتمتع بها
الإنسان كالمساواة والحرية الملكية
والأمان ومقاومة الظلم .
ب- الفئة الثانية: خاصة
بممارسة الحكم وبالمبادئ التي تقوم عليها
سيادة الأمة والفصل بين السلطات العامة .
4) المواثيق الدولية:
لقد ساهمت وثيقة العهد الأعظم الماغنا
كارتا في بريطانيا ووثيقة إعلان
الاستقلال في أمريكا ووثيقة حقوق الإنسان
والمواطن في فرنسا في إدخال قضية حقوق
الإنسان ومبادئ الديمقراطية في القانون
الوضعي ودساتير هذه الدول التي أدت إلى
تحديد السلطات ووظيفة كل سلطة لكن كان
لابد من أن تدخل قضايا حقوق الإنسان في
المواثيق الدولية وضرورة حماية هذه
الحقوق واحترامها فكان:
أولاً: ميثاق
الأمم المتحدة: بعد الحرب العالمية
الثانية اقر فيها المجتمع الدولي إنشاء
ضمانات لحماية حقوق الإفراد والجماعات
وجاء في ديباجته (نحن شعوب الأمم المتحدة
وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال
المقبلة من ويلات الحروب التي جلبت خلال
جيل واحد على الإنسانية مرتين أحزانا يعجز
عنها الوصف وأن نؤكد من جديد إيماننا
بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد
وقدره، بين ما للرجال والنساء والأمم
كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية) الفقرة
الثالثة من المادة الأولى في هذا الميثاق
تؤكد وجوب تعزيز احترام حقوق الإنسان
والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع
على ذلك بلا تميز بسبب الجنس أو اللغة أو
الدين ولا تفريق بين النساء والرجال .
ثانياً: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
عام ( 1948 ):
يعتبر أهم إعلان في قرن العشرين لشموله
على جميع الحقوق والواجبات والحريات التي
تصون إنسانية الإنسان وكرامته واحتوى على
مقدمة وثلاثين مادة وجاء في مادته الأولى (
يولد جميع الناس أحرار متساوين في الكرامة
والحقوق وقد وهبوا عقلا وضميرا وعليهم أن
يعاملوا بعضهم بروح الإخاء وقد أكد
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في جميع
مواده على حقوق الإنسان في الحرية الشخصية
وحرية الرأي والتفكير وحرمه الملكية
الخاصة والعمل والتعلم وحقوق الأمومة وحق
المشاركة في الإدارة والسلطة والتنقل وحق
الجنسية والمعتقد ورفض التعذيب وحرمة
المنزل ...............الخ
ثالثاً: العهدان الدوليان لحقوق الإنسان
عام (1966):
يمثل هذان
العهدان خطوة هامة ونقلة نوعية من اجل
الحماية التشريعية لحقوق الإنسان على
المستوى الدولي وهما 1- العهد الدولي الخاص
بالحقوق المدنية والسياسية 2- العهد
الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية، استوحى هذان
العهدان من الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان مبادئ مهمة، ولكن بشكل أكثر
تفصيلا وإيضاحا، وبيّنا الترابط الجوهري
بين الحريات السياسية والمدنية من جهة
والمعايير الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية من جهة أخرى.
الديمقراطية الغائبة في مجتمعاتنا:
قد يكون
مصطلح الديمقراطية من أقدم المصطلحات
السياسية التي اهتم بها الفكر الإنساني
مؤكدا على ضرورتها وأهميتها للمجتمعات
الإنسانية كونها (أي الديمقراطية ) الشرط
الأول والأساسي لتوفير الأمن والاستقرار
ودفع عجلة التطور باتجاهها السليم
ولتحقيق الرفاهية والازدهار الاقتصادي
للأفراد والمجتمعات على حد سواء ، بالفعل
ما وصلت إليه المجتمعات الغربية من تطور
وحضارة واستقرار سياسي وازدهار اقتصادي
كان بفضل الديمقراطية التي تعبر عن
الإرادة العامة لشعوبها. رغم قدم هذا
المصطلح ورغم تجربة أوربا الديمقراطية ،
ما زالت شعوب الشرق الأوسط وتحديدا العالم
الإسلامي لا تعرف الديمقراطية ومدلولاتها
على صعيد الممارسة العملية وما زالت هذه
المجتمعات تفتقد إلى الحكم الديمقراطي .
السلطة القائمة في هذه المجتمعات هي سلطة
الفرد المطلق الدكتاتور الطاغية المستبد
عندما تخلصت مجتمعاتنا من سيطرة الاحتلال
الأجنبي ،ونالت استقلالها ، استلم زمامَ
الأمور أو السلطةَ العسكرُ عن طريق
الانقلابات قام هؤلاء العسكر بإنشاء
مؤسسات ونظم متوافقة مع شروط الدولة
الحديثة ولكن هذه النظم كانت شكلية ،
الهدف منها إضفاء الشرعية على سلطتهم حيث
كان الواقع العملي يؤشر إلى إحكام هؤلاء
العسكر سيطرتهم التامة على هذه المؤسسات
والنظم، وعسكرة الحياة وتجاهلوا الإرادة
العامة للمجتمع الذي يجب أن تكون السيادة
له في إدارة شؤونه وفقا للقانون ، وبموجب
الدستور الذي يكفل له حقوقه وحريته
وكرامته ، إن معنى الإرادة العامة
ومدلولها يتجلى في أمرين اثنين يتعلقان
بالسيادة حسب ما يراه جان جاك روسو .
الأمر الأول : إن
السيادة لا تقبل أن تكون موضع تفويت عندما
يقول: "ففي الإمكان أن ينتقل الحكم من
جهة إلى أخرى لكن الإرادة ذاتها لا تنتقل"
.
الأمر الثاني : إن
الإرادة لا تقبل التجزئة للسبب نفسه الذي
يستحيل أن تكون بموجبه محل تنازل أو تفويت
، ولا يخلو الأمر من اعتبارين فإما أن تكون
الإرادة عامة وإما أن تكون عكس ذلك ، وإما
أن يكون إرادة الشعب بأكمله ، وإما أن تكون
إرادة جزء منه ، فإما في الحالة الأولى
فإنها تكون تعبير عن السيادة ، فهي تفعل
فعل القانون ، وإما في الحالة الثانية فان
الإرادة المعلن عنها لا تكون سوى إرادة
خاصة لا تعدو أن تكون قرارا أو مرسوما أي
إن نظام الحكم يجب أن يكون قائما على أساس
إرادة الشعب ، واحترام هذه الإرادة من
جهة، وعلى قوة القانون وتفعيله من جهة
ثانية، لا على قانون القوة كما هو حاصل
الآن في مجتمعاتنا حيث الحكم الفردي
المطلق، حكامنا يرون إن سلطتهم مقدسة
لأنهم خلفاء الله على الأرض – حسب زعمهم –
وعن طريقهم تدار شؤون مملكته، لذا فحكمهم
هو حكم إلهي بحد ذاته وسلطتهم أبوية لأن
الحكام يحلون محل الله الذي هو الأب
الحقيقي للبشر، استناداً إلى ذلك فسلطتهم
يجب أن تكون مطلقة وغير مقيدة ويجب ألا
تكون سلطتهم موضع استياء من الشعب حتى إذا
كان الحاكم ظالماً ولا يحق للشعب الاعتراض
على استبداده وقمعه وعنفه إلا على شكل
تقديم تظلم ، ويكون هذا التظلم ممزوجاً
بالتبجيل والتعظيم للحاكم مع الدعاء له
بالهداية وهذا ما يسمى بنظرية الحق الإلهي
المقدس للحكام التي صاغها الفرنسي بوسويه
ويعمل بها حكامنا لذا لا نرى من هؤلاء
الحكام سوى القهر والتصرف الحر في بيت
المال كما يقول عبد الله العروي، ومازال
قول الكواكبي الذي قاله قبل أكثر من مئة
عام يعبر عن واقع الحال لمجتمعاتنا "المستبد
يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم،
ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه
إنه الغاصب المعتدي فيضع كعب رجله على
أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق
بالحق والتداعي بمطالبته".
قام هؤلاء الحكام في بداية استلامهم
السلطة بإجراء بعض الإصلاحات من أجل تطوير
المجتمع والدولة من خلال نشر التعليم
وتأميم المصانع والمعامل وتوزيع الأراضي
على الفلاحين، لكن هذه الرغبة
في تحقيق التنمية وتحسين حال المجتمع
تراجعت ومن ثم تلاشت لصالح تركيز السلطة
وإلغاء الحياة السياسية ومنع التعددية في
المجتمع، وتالياً الإبعاد القسري للشروط
الضرورية اللازمة لبناء الديمقراطية
فغابت الأحزاب السياسية والنقابات
ومؤسسات المجتمع المدني، وفي حال وجد حزب
سياسي يكون هذا الحزب من صنع العسكر الذين
يستخدمونه كأداة لخدمة أغراضهم، يرى أحد
الباحثين الأوربيين من خلال دراسته
الأحزاب السياسية في الشرق الأوسط "من
ناحية نشأة الأحزاب السياسية ، إن قلة أو
نادراً ما جاءت هذه الأحزاب إلى السلطة عن
طريق الانتخابات أو عن طريق ثورة شعبية ،
بل إن أغلبها من صنع ضباط الجيش الذين
استولوا على السلطة بالانقلابات، فتم
إنشاء أحزاب أو إعادة تكوينها من الأعلى
ومن ثم فإن معظم هذه الأحزاب هي أدوات بيد
السلطة أكثر مما هي وسائل تسيطر القوى
الاجتماعية من خلالها على الدولة"(10) أي
بدلاً أن تكون هذه الأحزاب تنظيماً
وتعبيراً وتمثيلاً لقوى اجتماعية، تصبح
مطية بيد السلطة التي لم تعد تأبه بمصالح
المجتمع، بل أصبح جل همها واهتمامها
الحفاظ
على مواقعها وتكديس ثروات البلاد وإحكام
قبضتها الأمنية على رقاب مواطنيها بعد أن
فشلت في تحقيق التنمية الاقتصادية
والعدالة الاجتماعية والتعددية السياسية
وأيقنت إنها فاقدة للشرعية الضرورية
لبقائها واستمرارها، لكنها مطمئنة إلى حد
كبير على وضعها ، كونها تفهم جيداً طبيعة
مجتمعاتها وهي نتاج هذه المجتمعات،
مجتمعات خائفة، غيبية، متواكلة، عشائرية،
تحتاج إلى القائد الرمز الملهم، إلى
الزعيم الأوحد تحتاج إلى من يقودها، إلى
سلطة تحتمي بها، لقد انطبعت مجتمعات الشرق
بطابع القابلية للاستبداد على مر التاريخ
حتى إن هيغل عند دراسته للعالم الشرقي يرى
إن الشرقيين كانوا جميعاً عبيداً للحاكم
الذي ظل هو وحده الرجل الحر في الدولة،
يقال إن أرسطو أرسل إلى تلميذه الإسكندر
الأكبر الذي أصبح قائداً رسالة ينصحه فيها
بمعاملة اليونانيين كقائد، وأن يعامل
الشرقيين معاملة السيد ، لأنهم بطبيعتهم
عبيد، فالرجل الحر لا يستطيع أن يتحمل حكم
الطاغية ،ولهذا فإن الرجل اليوناني لا
يطيق الطغيان بل ينفر منه، بينما الرجل
الشرقي فإنه يرى الطغيان أمراً طبيعياً.
يقول الكواكبي " الأمة التي لا تشعر
كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق
الحرية ". إن
الطغيان والسلطة المطلقة والحكم
الاستبدادي هي نتاج المجتمع الأبوي
البطرياركي فالعلة تكمن في باطن
مجتمعاتنا التي تؤمن بالمطلق ومازالت
هناك موانع لها جذور تاريخية تحول دون
دمقرطة العقل وعلمنته في هذه المجتمعات
كما يرى أحد الباحثين(11) وتتمثل في: 1- حرفية
التفسير، حيث الجمود والحرفية ورفض
التأويل 2- تكفير المعارضة منذ استلام
الأمويين للحكم باسم الإسلام ، حيث جرى
تكفير المعارضة استناداً إلى الحديث
النبوي المشكوك في صحته " الفرقة
الناجية من ثلاثة وسبعين هي حزب السلطة"،
3- سلطوية التصور حيث الفرد لا يملك لنفسه
خيراً أو شراً ولا يستطيع أن يفعل شيئاً
إلا إذا تدخلت الإرادة الإلهية، وجعلت هذا
الأمر ممكناً، فالعالم خاضع لسلطة مطلقة
لا يستطيع الإنسان لها دفعاً، لينتج عن
ذلك فكرة القائد الأوحد والزعيم المنقذ
وسيد الوطن ويختزل الوطن والمجتمع كله في
شخصه، 4- تبرير المعطيات: كان هناك بشكل
دائم تبرير لما يحصل، أما النقد والحوار
والاعتراض فهو غير موجود.
استناداً إل ما سبق يمكن اعتبار حال
مجتمعاتنا بالخروج عن الصيرورة التاريخية
التي تفسر منشأ التحول الديمقراطي في بلد
ما وتفضي بأن ارتفاع مستويات التعليم
وعمليات التحضير، وارتفاع مستوى الشريحة
الاجتماعية ذات الدخل المتوسط يؤدي إلى
ظهور طبقة وسطى لها مصلحة في كيفية إدارة
الأمور السياسية وتحس إحساساً عالياً
بالمواطنة، مع الإصرار على جعل السلطة
مسؤولة عن أعمالها. لكن رغم وجود هذه
المؤشرات ليس هناك حراك مجتمعي حقيقي يسعى
إلى تحقيق الديمقراطية بل على العكس نرى
نسبة كبيرة من الطبقة الوسطى تعتمد
اعتماداً مباشراً على السلطة وتستخدم من
قبلها، وغالبية المثقفين هم مثقفو السلطة
.
المعارضة في مجتمعاتنا غير موجودة وإن
وجدت فهي ضعيفة جداً وعديمة الفاعلية
والتأثير لأسباب عديدة، فهي لا تملك
المشروع الثقافي السياسي الذي يستطيع من
خلاله التعامل مع القضايا و المشاكل
الموجودة في المجتمع، يقدم من خلالها
برنامجها التغييري يقدر عبره من استمالة
وتعبئة فئات المجتمع، بالتالي فهي غير
قادرة على التعبير عن مصالح وأهداف ورؤى
طبقات لمجتمع ، وهي لا تملك سوى الشعارات
الانفعالية تسعى من خلالها إثارة الوجدان
لا إصلاح الميزان، أضف إلى ذلك إن
المعارضة لا تختلف كثيراً عن الأنظمة
الدكتاتورية نفسها، فهي تطالب الأنظمة
بتداول السلطة، بينما زعمائها مخلدون لا
يتركون مواقعهم إلا في حالة الموت، تطالب
بالديمقراطية للبلاد، في حين أنها تتعامل
مع الآخرين حتى وإن كانوا معارضين بمنتهى
الدكتاتورية، وعدم احترام الرأي الآخر،
معارضة طلاب مناصب وعشاق مكاسب لذا فهي
هزيلة لا تخيف السلطة وتنطبق عليها نصيحة
حكيم لأحد الطغاة " لا تخشوا المعارضة
يا مولاي، ففي أيام الشدة لوحوا لها
بالجزرة تأتي إليكم طائعة، وفي أيام
الرخاء لوحوا لها بالعصا تأتي إليكم بائعة
".
الديمقراطية ضرورة حضارية:
رغم هذا الواقع المأساوي في
مجتمعاتنا، من وجود سلطة مستبدة فاقدة
للشرعية ومعارضة ضعيفة هزيلة، ومجتمعات
خائفة غير مستوعبة حتى اللحظة ضرورة
الديمقراطية وأهميتها في حل المشاكل
العالقة والتخفيف من معاناتها، رغم كل هذا
أو ذاك، تبقى الديمقراطية هي البلسم
الشافي والوحيد لآلام وأوجاع هذه
المجتمعات، وعلينا أن ندرك جيداً أن غياب
الحريات الديمقراطية وسيادة الحكم المطلق
هو السبب الأول و الأخير في إخفاقاتنا
وهزائمنا وهو الذي أدى إلى انتشار ظاهرة
الفساد الذي تغلغل في كل المؤسسات الرسمية
للدولة، وهذا الفساد الاقتصادي في
مؤسساتنا هو نتيجة طبيعية لفساد سياسي لا
يخضع لأي مساءلة أو محاسبة أو رقابة نتيجة
غياب التعددية السياسية، إن وجود الأنظمة
الشمولية الفاسدة، أقال المجتمع من
المشاركة في الحياة العامة وكان سبباً في
انتشار الفقر والبطالة وتراجع عملية
التنمية إلى أدنى مستوياتها، إن هذه
الأنظمة المستبدة هي العقبة الأساسية
أمام تطورنا، وإذا كانت هذه الأنظمة
تستخدم القمع والعنف ضد مجتمعاتها، فهذا
لا يعني إن قمعها وعنفها لا نهاية له وأن
هذه المعادلة ستبقى قائمة، فليس هناك نظام
أو سلطة سياسية قادرة على البقاء
والاستمرارية لفترة طويلة مهما كان حجم
العنف والقمع الذي تستخدمه، بعد إن أصبحت
هذه الأنظمة العقبة الرئيسية أمام تطور
مجتمعاتها ونهضة دولها، والسياق التاريخي
لهذه المجتمعات تتطلب تحقيق الديمقراطية
كمهمة وطنية من أجل اللحاق بركب الحضارة
ومواكبة العصر.
الهوامش والمراجع:
1-
يحيى أحمد الكعكي، مقدمة في علم السياسة،
دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1983،
صــ44.
2-نفس
المصدر السابق ، صــــ45
3-هاني
سليمان الطعيمات، حقوق الانسان وحرياته
الأساسية، دار الشروق، عمان،2000، صــ42.
4-يحيى
أحمد الكعكي، مقدمة في علم السياسة، دار
النهضة العربية للطباعة والنشر، 1983، صــ39.
5-هاني
سليمان الطعيمات،حقوق الانسان وحرياته
الأساسية، دار الشروق، عمان، 2000، صــ44.
6-المجتمع
المدني من اليونان حتى القرن العشرين، جون
آرينبرغ، ترجمة حسن ناصح وعلي حاكم صالح،
ط2007، صـــ304.
7-
نفس المصدر السابق، صــ213.
8-عبد
الغني بسيوني، النظم السياسية – أسس
التنظيم السياسي، 1985، صــ262.
9-يحيى
أحمد الكعكي، مقدمة في علم السياسة، دار
النهضة العربية للطباعة والنشر، 1983، صـــ144.
10-سعيد
بنسعيد العلوي – السيد ولد أباه، عوائق
التحول الديمقراطي في الوطن
العربي،الطبعة الأولى، 2006 ، دار الفكر،
صــ65
11-عبد
الرزاق عيد – محمد عبد الجبار،
الديمقراطية بين العلمانية والإسلام،
الطبعة1، 2000، دار
الفكر، دمشق، صـــ37-38.

|