العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

قـراءة في سـقوط الجـولان  - 5

في الحلقات الماضية كررنا أن سوريا هي التي دعـت وحرضت على المعركـة ، مع أنها تعلم علم اليقين أنها ليست أهلاً للحرب ، وفي هذه الحلقة سنعرض شهادات السياسيين والعسكريين الذين واكبوا هذا الحدث الخطير الذي غير الفكر العربي ، من فكر مجاهد يريد تحري فلسطين من النهر إلى البحر ؛ إلى فـكر مفاوض ، يعترف بإسرائيل في حدود (1948) ويتذلل لها كي تنسحب مما احتلته عام (1967) ...

 

ويقول الفريق عبد المنعم ريـاض ( قائد الجبهة الشرقية العربية )  :

 

الثلاثاء ( 6/6/1967) الساعة العاشرة مساء أبلغنا الملحق العسكري السوري في عمان العقيد عدنان طيارة أن اللواء (17) سيصل بعد ساعة ..

الأربعاء (7/6) الثانية صباحاً لم يصل اللواء (17) بعد .

الساعة الثانية والربع صباحاً : اتصل الفريق رياض بغرفة العمليان بدمشق ، وطلب مساعدة لواء مدرع إضافي بأقرب وقت ممكن ... وفي الوقت نفسه ابلغ دمشق أن اللواء (17) لم يصل بعد ..

الأربعاء (7/6) الساعة الحادية عشرة صباحاً : لم يصل اللواء (17) ..

الأربعاء (7/6) الساعة الثامنة والعشرون مساء وصلت طلائع اللواء (17) فصدر الأمر لها باحتلال محور ( وادي شعيب ) حين تكتمل وحداتها ..

الخميس (8/6) أمضى القائد السوري يومـه في دراسة مواقعه الجديدة مع ضباطه ..

الخميس (8/6) الساعة الثامنة مساء لايزال اللواء (17) عند نقطة تجمعه الأولى في البقيعـة ..

الخميس (8/6 العاشرة مساء ضابط الاتصال الأردني الملحق باللواء (17) أبلغ الفريق رياض أن قيادة اللواء (17) ترفض المرابطة في الموقع المحدد لها ، وتطلب مهلة إضافية حتى يوم غـد ..

حاول الفريق رياض إقناع القائد السوري بأن يجري استطلاعه في هذه الليلة ويحتل الموقع لكن عبثاً يحاول ..

الجمعة (9/6) أبلغ الفريق رياض القائد السوري أنه يستطيع العودة إلى سوريا مع قواته عند الغروب ...وانسحب اللواء (17) دون أن يشترك بأي عملية ...

 

مـقارنـة مع العراقيين في حرب (1973) :

وتذكرني هذه بحديث نقله لي الملازم أول ( .... ) من قيادة الفرقة الخامسة خلال حرب تشرين (1973) ، وهو ممن توثقت صحبتي معـه خلال خدمتي العسكرية ،وكان في قيادة الفرقـة الخامسة ، التي كنت أتبع لها تعبوياً ، وكان ضابط الاتصال بين اللواء العراقي الذي وصل للقتال في قطاع الجبهة مع الفرقة الخامسة ، يقول الملازم أول :

قابلت العقيد العراقي في الزمن والمكان المحدد من قبله بالضبط ، وأوصلته إلى أحد الملاجئ المزود ضد الهجمات الذريـة ، الذي تتخذه عمليات الفرقة الخامسة ، وحيث يوجد فيه العميد ( علي أصلان ) قائد الفرقة ... يقول الملازم أول : نظرت إلى العقيد العراقي قائد اللواء المدرع العراقي ... منظره يبعث القوة والعزة ، يلبس لباس الميدان الكامل مثل أي جندي ، والحيوية والتفاؤل يملآن وجهه ، والتحدي وحب القتال يتطاير كالشرر من عيونه ... ولما وصل عند العميد أصلان وقف باستعداد وقدم التحية العسكرية بكل أدب ونظام وقال: العقيد ( .... ) قائد اللواء ( .... ) سيدي العميد ...

يقول الملازم أول : وخجلت من نفسي لمنظر العميد أصلان الذي بقي جالساً ولم يقف يـرد التحيـة العسكرية بأدب ، وإنما اكتفى بكلمات من فمـه ، ونظرت إلى لباسـه ، بنطال عادي بدون حذاء عسكري ، وكأنه سينزل إلى دمشق بعد قليل ... ونظرات العميد أصلان تبعث الأسـى والحزن ، والملل والقـرف ...

يقول الملازم أول : قال العقيد العراقي : سيدي آمل أن يحدد لي القطاع عاجلاً كي نبدأ القتال ... لأن رجالنا يتحرقون على الالتحام مع العدو ... فهـز ( أصلان ) رأسـه ، وقال بوجـه كالح أصفر : تعـود إلى وحـدتك ، وسوف تبلغ بالأوامر في حينها ...

يقول الملازم أول : شعرت ورأيت الأسـى وخيبة الأمل في عيني العقيد العراقي ... وهو يؤدي التحية العسكرية وينصرف ، ورافقته حتى وصل مكانه ولم ينبت ببنت شـفة ...

وللذكرى أقول أن العميد ، ثم اللواء فيما بعد ( علي أصلان ) من أزلام حافظ الأسـد الذين وقفوا معـه ضـد شقيقه رفعـت ، ولم يفترق عن حافظ  ثم بشار إلا بعد أن داهمه المرض والشيخوخة في عهد بشار ...

 

روايـة سـعد جمعـة :

 

رئيس وزراء الأردن الأسبق ... هداه الله ، وكتب عدة كتب قيمـة ، منها ( المؤامرة ومعركة المصير ) يقول فيه :

ظهر الخامس من حزيران اتصل سفير دولة كبرى في دمشق بمسؤول كبير ، ودعاه إلى منزلـه لأمر هام وعاجل !! وتم الاجتماع في الحال ، فنقل السفير للمسؤول السوري نص برقية عاجلة من حكومته ، تؤكد أن سلاح الجو الإسرائيلي قضى قضاء مبرماً على سلاح الجو المصري ... وأن المعركة بين العرب وإسرائيل قد اتضحت نتائجها منذ التاسعة صباح (5/6/1967) وأن كل مقاومة أرضية ستورث خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات لا مبرر لها ، وأن إسرائيل لاتنـوي مهاجمـة النظام السوري بعد ، ... لأن يستتب لها تأديب جمال عبد الناصر ، وبانتهاء الزعيم المصري ، تتفتح الآفاق العربية أمام الثورية البعثية من المحيط إلى الخليج ، وأن إسرائيل من قبل ومن بعد بلـد اشتراكي ، يعطف على التجربة الاشتراكية البعثية ... ... ويمكنها أن تتعايش وتتفاعل معها لمصلحة الكادحين في البلدين ... لذا فمصلحة سوريا ، مصلحة الحزب ومكاسب الثورة ؛ أن تكتفي سوريا بمناوشات بسيطة لتكفل لنفسها السـلامة ..

وبعد مدة عـاد المسؤول السوري يخبر السفير موافقة القيادة السورية على هذه البرقية العاجلة ... وهكذا كان ...

 

روايـة دريـد المفتـي :

ويقول سعد جمعة : جاءني ذات يوم في مكتبي بلندن شخص لا أعرفه قال : أنا الدكتور ( دريد المفتي ) من دمشق ، كنت وزيـر ســوريا المفوض في مدريد أثناء حرب حزيران (1967) ، وقد قرأت في كتابك ( المؤامرة ومعركة المصير ) عن جريمة تسليم الجولان دون قتال ، وأحب أن أزيدك بياناً :

قال دريد المفتي : استدعاني وزير خارجية اسبانيا صباح يوم (28/7/1967) وأعلمني أن مساعيه الطيبة قد أثـمرت لدى أصدقائه الأمريكان ، بناء على تكليف السيد ( ماخوس ) وزير خارجية سوريا للسفير الاسباني في دمشق ... ثم سلمني مذكرة مؤرخة في (27/6/1967) جاء فيها :

( تهدي وزارة خارجية الحكومة الاسبانية تحياتها إلى السفارة السورية بمدريد ، وترجو أن تعلمها أنها قامت بناء على رغبة الحكومة السورية بالاتصال مع الجهات الأمريكية لاعلامها برغبـة سـوريا في المحافظـة على الحالـة الراهنـة الناجمة عن حرب حزيران (1967) ، وتود إعلامها أنها نتيجة لتلك الاتصالات تؤكد الحكومة الأمريكية أن ماتطلبه الحكومة السورية ممكـن ، إذا حافظت سوريا على هـدوء المنطقـة ، وسمحت لسكان الجولان بالهجرة للاستيطان في بقية أجزاء الوطن السوري ، وتعهدت بعدم قيام نشاطات تخريبية من ناحيتها تعكر الوضع الراهن ([1])...

 

روايـة الضابط  خليل مصطفى :

 

يقول الملازم أول ( .... ) عضو الوفد السوري إلى لجنة الهـدنة المشتركة مايلي :

( استدعيت إلى مكتب الدكتور يوسف زعين رئيس وزراء سوريا في (9/6/1967) الساعة العا شرة ليلاً وجدت عددا ً من أفراد لجنة الرقابة الدولية برفقة السفير ( ..... ) في دمشق ، فكلف الملازم أول بالترجمة بين رئيس الوزراء ومخاطبيه :

قال السفير : إذا لم تسحب القيادة السورية قواتها من الجولان ... فإن القوات الإسرائيلية لن ترضى هدفاً يتوقف زحفها عنده إلا دمشق ...

وهنا سأل زعين  : وماهي الحدود التي تريد إسرائيل الوقوف عندها ؟

أجاب السفير : هل عندكم خريطة ؟

فأبرز الملازم أول خريطته ، وهنا وضع السفير عدداً من النقاط التي يجب أن يمر بها خط الحدود الجديد ... وتتوقف عنده القوات الإسرائيلية ... إذا قامت السلطات البعثية بسحب قواتها خارجاً عنه ..

وافق الدكتور زعين ، ووعد السفير بتحقيق ماطلب ...

وفي الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي أذيع بلاغ سقوط القنيطرة ... وكان الهروب الكبير والانسحاب الفوضوي ([2])...

 

سـر تـل أحمـر  :

 

وأذكر من خلال خدمتي العسكرية ، عندما كنت أزور بعض دبابات ( الوضـع ) عند تل أحمـر ، وهو موقع عسكري استراتيجي  هام جداً بقي بيـد القوات السورية ، وقد صعدت إلى مرصده الذي يكشف معظم الجولان أمامـه ، يقول أحد الرجال من عشيرة النعيـم :

جـاء ت لجنـة الهدنـة الدولية التابعة للأمم المتحدة ؛ كي تخطط الحدود الجديدة  بعد معركة حزيران (1967)، ومعهم ضابط باكستاني يتحرق ألمـاً على أوضاعنا ، وقال لي بانفراد بعيداً عن اللجنة : هذا الموقع الهام جداً كيف يترك ... كيف ياخذه الإسرائليون !!؟  ألايوجد عندك عسكري واحد فقط !!! ، وكان عندنا عساكر من أولادنا ومن الفارين جلسوا عندنا يستريحون ... فأحضرتهم لـه فأقنعهم أن يحفروا خندقاً صغيراً لهم على سفح تل أحمر غربي ، ويتمركزوا فيه ، وفي اليوم التالي يحضر معـه لجنـة ترسيم الحدود ويجدون الجنود السوريين في هذا التـل فيبقى مع الجيش السوري ، وهكذا كان ... هذا هو سـر بقاء هذا الموقع الاستراتيجي بيد الجيش السوري ، الفضل للـه ثم لذلك الضابط الباكستاني الذي أخـذتـه الغيـرة الإسلامية على إخوانه المسلمين السوريين ...

 

الرائـد أحمـد الحسـين :

 

وخلال خدمتي العسكرية ، قامت إسرائيل بحفـر خندق ( م/د) الذي دمـر نصف قواتنا المهاجمـة في حرب (1973) ، كانوا يحفرونه أمامنا وعلى بعد أقل من (1500) م وهو مـدى المعركـة للمدفع (85) المركب على دبابات الوضع ( ت 34 ) المتمركزة على الخط الأول حسب الحكمة القائلة ( مكانك تحمدي أو تموتي ) ... وتحركت الغيرة لدى بعض ضباط الصف ، وفكروا في إطلاق النار من الدبابات على الجرافات التي تحفـر الخندق ، وعلم الرائـد أحمد الحسين ( من كبار البعثيين )  ، قائد الكتيبة المسؤولة تعبوياً عن خطنا الدفاعي المواجـه لتل الفرس ، فحضر إلى الموقـع وهدد ضباط الصف بمحكمة ميدانية في الحال إن هم أطلقوا طلقة واحدة ... ومما قاله لهم ( على ذمتهم حيث نقلوا لي ذلك ) : قال لهم : أرضهـم يفعـلون فيها ما يحلـو لهم !!!

 

وممـا لا أنسـاه أنني ذهبت إلى تلك النقطـة ، ولي دبابة وضع فيها ، أشرف عليها فنياً فقط ، أما أمر القتال فهو لكتيبة المشاة ، ونحن دعم لهم ...ذهبت ورأيت الجرافات تحفر الخندق ، وتأكدت أن أول قذيفة  ستدمر أحد البلدزورين ، وأن الدبابة يمكنها إطلاق ثلاث طلقات على الأقل قبل أن تـدمر من دبابات العدو المتمركزة في سفح تل الفرس ، والمسافة كما قلت ضمن مـدى المعركـة (1500م) ...

وسمعت ماقاله الرائد أحمد الحسين لهم ، وتهديده لهم ، فآلمني ذلك ، ورجعت مساء إلى قيادة اللواء في نـوى ، حيث أبات فيه ، وقبل الوصول سمعت ألحان الـعود والـبزق وغيرهما ، يرافقهما صوت المطربة ( .... ) ينبعث من مكبرات الصوت ويصل للعدو في تل الفرس ، ورائحـة الخمـر تنتشـر فتملأ نـوى كلها في تلك الليلـة ...

 

هذا غيض من فيض ، جزء من آلامنا التي زرعها فينا نظام حافظ الأسـد الذي باع الجولان من أجل تثبيت حكمه وحكم أولاده من بعده في سوريا ...

 

الدكتور خالد الاحمد          ... كاتب سوري في المنفى 


[1]  ـ مجتمع الكراهية ، سعد جمعة ، دار الكتاب العربي ، ص 130 نقلاً عن مؤامرة الدويلات الطائفية لعبد الغني النواوي ..

[2]  ـ سقوط الجولان ، خليل مصطفى بريز ، ص 306 ) .


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ