العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22 / 05 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

أصدقاء وأعداء الكورد في سوريا

جان كورد

لقد تعلمنا في شباب العمر من بعض السياسيين المخضرمين والأساتذة اليساريين بأن لا حركة تستطيع التقدم والنهوض ما لم تتمكن من "فرز" أصدقائها وأعدائها في الداخل والخارج... ولا تزال لذة تلك المعرفة والخبرة تحت اللسان كما يقال... و"خذوا الحكمة ولو في الصين" أو كما قيل عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

ولكن قبل الدخول في هكذا موضوع بصدد التقدم خطوة صوب طرح ما يمكن تسميته بالمشروع الكوردي في سوريا أن نسأل أنفسنا بموضوعية : هل ثمة أعداء للكورد في سوريا؟ وهل يمكن الحديث أصلا عن وجود أصدقاء لهم، أم أن الكورد لا يزالون كما قال عنهم زعيمهم التاريخي الكبير مصطفى البارزاني " لا أصدقاء للكورد سوى الجبال؟!

بعض الأكراد يصف كل من شتم الكورد أو تجاهل وجودهم عدوا، يجب إدانته ومقاطعته وعدم الجلوس إليه أو مفاتحته في هذا الموضوع الهام، موضوع "الوجود القومي الكوردي السوري في سوريا كثاني قومية إلى جانب القومية العربية من حيث الحجم السكاني والانتشار الجغرافي على مساحة البلاد".. وبعضهم يعتبر كل من كتب مقالا عن الكورد مدح فيه خصالهم الجبلية أو قال في مناسبة شعرية بأنهم مظلومون أو لمجرد حضوره عرسا كورديا أو زارهم في قراهم الجبلية قبيل حملة انتخابية ما أو ذكر الكورد في بعض مناقشاته التلفزيونية الساخنة صديقا عزيزا ومؤيدا لقضية الكورد ومضحيا من أجلهم ، يجب على الكورد تفضيله على كل المؤلفين والشعراء والسياسيين والإعلاميين الكورد وتخصيص مساحات كبيرة له ولصوره ومقالاته وتصريحاته، بل منحه وساما من أوسمة الوفاء والصداقة والشكر والامتنان....

وبين هذا وذاك من يأخذ القضية مأخذ الجد والدراسة والتمحيص ويسأل :

- ما الفرق بين الصديق والعدو؟ وهل يمكن أن ينقلب الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق، وكيف؟

طبعا هذا موضوع نقاش في داخل الحركة السياسية الكوردية (السورية) وخارجها، بين المثقفين والسياسيين والإعلاميين (المستقلين!!)، وكذلك على صفحات الانترنت التي تظهر بسرعة كالفطر كل يوم، وتفتح نوافذ وزوايا لا تنشر فيها من الآراء والمواقف إلا ما يرضى عنها صاحبها أو من كلفه بالعمل فيها بالوكالة...

وأنا بدوري أتطرق في هذا المقال إلى وجهي العملة التي بين يدينا: الصداقة والعداوة، دون اثارة للحزازات والحساسيات والعصبيات، وآمل أن يدلو غيري أيضا بدلوه في هذا الموضوع الذي أراه ضروريا من أجل أن يكون للحركة السياسية الكوردية مشروع قومي كوردي سوري، يقدمه لكل معارض سوري، ديموقراطي أو وطني، حيث سمعنا مؤخرا بأن أحد بهلوانات المعارضة الديموقراطية السورية قد اختزل أسباب مشكلته مع الأحزاب الكوردية وأكرادها في أنهم بلا مشروع قومي موحد، في حين يزعم لدى لقاءاته مع ممثلي الدوائر الأجنبية بأن كل القوى الكوردية تسير تحت لوائه سرا" ، أي أنها وجلة ومرتعدة من الظهور العلني حاليا حسب رأيه... وهذا يعتبر نفسه صديقا للأكراد فكيف بمن ثبتت عليه جريمة العداوة والبغضاء والكره تجاه الأكراد؟

طبعا كما تعلمنا من السير ونستون تشرتشل رئيس الوزراء البريطاني الذي قاد بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية بأن ليس هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة وهي تتأرجح وتتراجع وتتطور وتتعمق حسب المصالح الاقتصادية والعلاقات السياسية، والعداوة المطلقة التي يبديها البعض لشعب من الشعوب ليس إلا نوعا من الانحطاط والهمجية والتخلف والتأخر على درجات السلم الحضاري....

وحقيقة رغم كل وشائج الدين المشترك الداعي إلى الأخوة والتآخي والمساواة بين العرب والعجم فإن أحدا لا يستطيع الصراع الطويل في منطقتنا عبر العصور التاريخية بين الدول والامارات، والذي يتحدث عن تاريخ مشترك طويل يستند إلى استثناءات كما كان في زمن السلطان صلاح الدين الأيوبي، دون التطرق إلى تفاصيل التاريخ الذي كتب بالدماء والمذابح والاغتيالات وتدمير الممالك واغتصاب السلطة والقهر التام لقرون من الزمن، كما لا يستطيع انكار الحقد القومي الأعمى الذي تأجج في نفوس مريضة من قادة وزعماء القوميين العرب، من بعثيين وأشباههم، منذ أواسط القرن الماضي ، وما لم يتمكنوا من القيام به ضد أعدائهم اليهود الذين أنشأوا بعون الانجليز والفرنسيين دولة لهم في "قلب العالم العربي" فقد قاموا به ضد الكورد، سواء في العراق أو في سوريا، من مذابح جماعية وتشريد وتعريب شامل وتهجير وإسكان العرب في مناطقهم بعد اغتصاب أموالهم ودورهم ومزارعهم وتجريدهم من الجنسية وانكار وجودهم... وهذا موضوع شيق لعلماء النفس والاجتماع الذين يمكن لهم أن يحلوا ألغاز هذا الالتفات من جبهة المواجهة مع الاسرائيليين إلى جبهة "اسرائيل ثانية!" مزعومة لا وجود لها، أي الشعب الكوردي، حسب ما عهدناه وألفناه من الإعلاميين العرب العنصريين منذ أكثر من خمسين عام، والتعاون مع الحكومات الأخرى المغتصبة والمقسمة لكوردستان فيما بينها بهدف تصفية الوجود القومي الكوردي، من باب المصلحة المشتركة، تحت ذرائع الأمن القومي والقضاء على التمرد العميل والمشاغبين "عملاء الامبريالية والشيوعية والصهيونية!" ، في حين أن التعاون والتنسيق كان تاما مع "الشاه العميل" و"جنرالات طوران" المتأمركين حتى العظم على طول الخط.

الصديق في نظري هو من يعطف على صديقه وقت الحاجة ويشد أزره ويواسيه حين تصيبه المصيبة ويقف معه مدافعا عن حقه ولا يغدر به وتجمعهما القيم والمثل العليا التي تجعل منهما صديقين واثقين ببعضهما ومتحالفين في وجه التحديات ردحا طويلا من الزمن... ولكن مع الأسف فإن الذين وقفوا مع الشعب الكوردي في محنه ومصائبه وهزائمه وانتكاساته كانوا قلة من المثقفين الذين يمكن تعدادهم على رؤوس الأصابع...

وعلى العكس من ذلك فإن العدو غادر ولئيم وليس في قلبه ذرة من الرحمة ولا يعترف بالقيم والمثل العليا ويضع مصلحته القومية فوق كل المصالح الأخرى وينتزع ما يستطيع انتزاع ويدمر ما تصل إليه يداه ويتنكر لحقوق الجار ويتآمر عليه بهدف استئصاله وتهجيره وتشريده وكتم صوته ومنعه من ممارسة حقوقه القومية والثقافية ويمارس كل أشكال الهيمنة والاستبداد والسيطرة من أجل ارغام الآخرين ليكونوا عبيدا له وليكون هو سيدا عليهم... وهذا كان حال القوميين العرب ، وعلى رأسهم البعثيين، تجاه الكورد وكوردستان... فشتان بين الصديق والعدو، ولا يمكن أن يخطىء المرء في التعرف عليهما ، كل على حدة...

وعليه يمكن القول بأنه لمدة ما يقارب نصف قرن أو أكثر كان للكورد أعداء كثر وأصدقاء قلة في العراق وسوريا..  والفرق بين الصديق والعدو تجاه قضية الحق القومي للشعب الكوردي ووجوده القومي في ظل السيطرة البعثية والاستبداد العنصري البغيض كالفرق بين الأبيض والأسود، بين النهار والليل، بين الحياة والموت ، وبين الخير والشر، فهما نقيضان متنافران، لكل منهما نظرة تختلف عن الأخرى تجاه القضية. ولا يجوز أبدا للحركة السياسية الكوردية أن تخطىء فتسمي الصديق عدوا أو العدو صديقا، ولكن هذا ما حدث تاريخيا، بأن وقف بعض زعماء الكورد مع أعدائهم المتسلطين عليهم في وجه القادم الجديد ، إذ وقفوا مع فلول الامبراطورية العثمانية التي كانت تستعبدهم حقا ضد  الأوربيين، كما وقفوا ضد الانجليز والفرنسيين مع القوميين العرب في سوريا والعراق فنالوا جراء ذلك جزاء سنمار، ووقفوا مع البعث السوري ضد بعضهم بعضا كما حدث - مع الأسف –  في السنوات الأخيرة، وعلى مستويات عليا في الحركة ...

أصدقاء الكورد هم من يعترفون بأن معاهدة سايكس – بيكو الاستعمارية لعام 1916 قسمت كوردستان قبل غيرها من بلاد الشرق الأوسط، وبأن جزءا من هذا الوطن الكبير، وطن الكورد، قد ألحق بسوريا دون موافقة أو مساءلة الشعب الكوردي، وأن ذلك كان ضد مبدأ حق تقرير المصير للشعوب. وأصدقاء الكورد هم من يوافقون على أن وضع الشعب الكوردي في سوريا ازداد صعوبة وتخلفا وتشتتا وعداء للإنسانية وللحق القومي الكوردي باستيلاء حزب البعث على السلطة بانقلاب عسكري عام 1963، وأنه طبق مشاريع عنصرية مثل اقامة المستعمرات العربية في الجزء السوري من كوردستان تحت إسم "الحزام العربي" الذي فاق جدار برلين وجدار شارون في تأثيرهما بكثير... وألغى حق المواطنة لمئات الألوف من المواطنين الكورد بحيث تحولت حياتهم الاجتماعية والاقتصادية إلى جحيم لا يطاق، وأن البعث مارس سياسية تمييزية بحق الكورد وعمل بكل ما لديه من صنوف القمع والاضطهاد على انهاء الوجود القومي بتعريبه وتشريده وتجويعه وسلبه خيرات أرضه ... أما العدو فهو ذلك الذي ينكر كل هذه الحقائق ويزعم أن الكورد ضيوف في سورية وعليهم احترام حق صاحب البيت بأن يسجدوا له ويقدموا له الولاء ويسكتوا على الضيم ويتقبلوا بالعروبة قومية لهم وبالعالم العربي وطنا لهم وبالبعث رائدا لهم....

أصدقاء الكورد يتحدثون عن مجازر النظام الطوراني التركي والنظام البعثي العراقي والنظام "الإسلامي!" الفارسي في إيران ضد الأمة الكوردية ويطالبون بحق هذه الأمة مثلما يطالبون بحق أية أمة أخرى، أما الأعداء فينكرون أن صدام حسين قصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيميائي أو يعطونه الحق في ارتكاب مثل تلك الجريمة، وينكرون ماحدث لشعب كامل في حرب "الأنفال" لسنوات طويلة من تدمير شامل للقرى وتشريد شعب وتجويعه وتعريضه لمختلف صنوف الأسلحة المحرمة دوليا وتعذيب عشرات الألوف من أبنائهم وسد ينابيع مائهم واخلاء مدنهم بقوة السلاح ، ويعتبرون ذلك الإجرام الكبير عقوبة مناسبة لخيانة الكورد للبعث والدكتاتور، وهاهم يصفقون فرحا لأن الإرهابيين يفجرون أنفسهم في مقرات الأحزاب الكوردية أيام الأعياد الإسلامية وفي مساجدهم ومدارسهم ومستشفياتهم، ويرفضون منح الكورد أي حق سوى حق المواطنة العراقية ذات الصبغة العروبية ...

أعتقد أن هذا السرد الطويل يجعل من السهل معرفة الصديق من العدو ويمكننا من عدم الخلط بينهما في أي حال من الأحوال.

ولكن كيف يمكن تحويل العدو إلى صديق والصديق إلى عدو؟

الصديق لن يتحول إلى عدو إلا إذا اعتديت على حقه وظلمته وسلبته ما هو عائد له.. والكورد في وضعهم هذا هم المعتدى عليهم وهم المظلومون بشهادة كل أحرار العالم ومنظمات حقوق البشر وحقوق الحيوانات، والذي حدث للشعب الكوردي خلال المائة سنة الماضية  لم يحدث إلا لقليل من شعوب العالم. وعلى الكورد أن يرفضوا إيذاء أحد أو اغتصاب حقه أو منعه من ممارسة حريته، عندما يتحررون بأنفسهم، والذي ذاق مرارة العبودية والاضطهاد يجدر به أن لا ينسى ذلك ويقف مع حرية غيره ونضالاته وطموحاته وكأنها حريته ونضالاته وطموحاته، وهذا ما يفعله الكورد – والحمد لله - في تقدمهم صوب الحرية اليوم.

أما كيف يمكن تحويل العدو إلى صديق فهذا يتطلب مزيدا من دراسة المصالح والاستراتيجيات ومعرفة ماذا يريد العدو وأين تلتقي مصالح الكورد بمصالحه وأين تفترق.. على الكورد أن يقللوا من الأعداء بأن يحترموا مشاعر الجيران وحقوقهم وحرياتهم ويناضلوا من أجل الشعوب المجاورة والأقليات التي تعيش بين ظهرانيهم نضالا لا هوادة فيه، وعليهم توضيح قضيتهم القومية وحقوقهم للعالم أجمع وللجيران على وجه الخصوص بروية وتؤدة وعبر الحوار الأخوي والصداقة وفي سلام ووئام، وأن لايطالبوا بما ليس حقا لهم، ويساعدوا الجيران على التخلص من مخاوفهم تجاه انجازات الكورد وتوحدهم ونيلهم أسباب القوة.. على الكورد أن يكونوا خير دعاة للسلام والأمن والعيش المشترك لشعوب المنطقة ضمن أشكال متعددة من الأنظمة كالفيدرالية والكونفدرالية لضمان حقوق الجميع ومصالحهم المشتركة والمتبادلة. وهذا يحتاج إلى قيادات وكوادر مؤمنة بالحياة المشتركة لشعوب المنطقة وإلى مزيد من الصبر وسعة الصدر والايمان بأن حل المشاكل يتم من خلال الحوار وليس بالسيف أوالدبابة... ونحن واثقون من أن قيادات الكورد وكوادرهم الوطنية الواعية تسير على هذا الطريق وليس على طريق آخر كما يزعم بعض الأعداء الذين يحاولون تسويد صفحة الكورد وزج إسمهم في قائمة أعدائهم على الدوام.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ