العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد22 /01 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

محنة الوطنية في سورية والبلاد العربية

برهان غليون

معنى الوطنية:

بعكس ما يميل الحس العادي إلى الاعتقاد، لا تولد الوطنية، وما يرتبط بها من تضامن أو ألفة بين الأفراد،  بصورة تلقائية. ولا تشكل امتدادا أو إفرازا للقرابات الثقافية أو اللغوية أو الدينية. إنها ثمرة عملية بناء سياسي مستمرة لرابطة وضعيه، أي اصطناعية، هي الرابطة السياسية التي تتجسد في تعميم وضعية المواطنة، أو في المواطنية التي تعيد تكوين الفرد كعضو في جماعة جديدة تتجاوز الجماعات الطبيعية التي يولد فيها وينتمي بالوراثة إليها، مثل الرابطة القرابية والدينية والثقافية.  وتعني المواطنية العضوية في جماعة سياسية تقوم على الالتزام بمباديء مشتركة والخضوع لقانون واحد والمساهمة في الحياة العمومية على قدر المساواة من منطلق المشاركة في المسؤولية. وأصل المواطنية الإقرار بالسيادة الشعبية أي بأن مصدر السلطة الشعب، وأن هذه السيادة ليست إلا التجسيد والمحصلة لسيادة كل فرد من أفراد الجماعة الوطنية. وأول أركان السيادة، الفردية والجمعية، الحرية: حرية الفرد التي تجعل منه مواطنا وحرية الدولة التي تجسد في استقلالها وسيادتها هذه الحرية الفردية وتضمن تحقيقها في الممارسة العملية. فالدولة الوطنية هي دولة سيدة بوصفها دولة مواطنين أحرار وأسياد. وبهذا تختلف اختلافا جذريا عن نموذج الدول السابقة عليها التي لا تقوم سيادتها وسيادة القائمين عليها إلا بخضوع الرعية وعبوديتهم السياسية.

لم تولد الوطنيات، بما تتضمنه من معاني الحرية والمساواة القانونية والمشاركة في السلطة على قدم المساواة بين جميع الأفراد، ولا الأمم التي نشأت عنها، من الفراغ، ولكنها بنيت بالجهد وبالاستثمار التاريخي لنخب استبطنت قيم المواطنية وعملت على تغيير شروط حياة الأفراد النفسية والثقافة والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية بما يعمم هذه القيم، وساعدت على تغيير أنماط سلوكهم تجاه الدولة والقانون الذي يمثلها وتجاه بعضهم البعض. وفي هذا السياق نشأت أشكال تضامن جديدة وطنية تتجاوز التضامنات العصبية الموروثة، الطائفية والقبلية، وتستلهم قيما إنسانية عمومية.  لذلك لا توجد الوطنية، أي الرابطة السياسية النوعية، بمعزل عن سياسة ذات أهداف وطنية، تقوم بها النخب الحاكمة وتكفلها الدولة بوصفها التجسيد المباشر للسيادة الشعبية.

فالوطينة هي، بهذا المعنى أيضا، مشروع تاريخي لا يتحقق إلا عبر التطبيق الدائم لأجندة وطنية، بما تشمله من برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية لا غنى عنها لتكوين أي أمة. ومن دون هذه البرامج الوطنية تنتكس العلاقة داخل المجتمعات الحديثة بسرعة إلى طابعها العصبوي القديم، حتى في الدول التي حققت مكاسب كبيرة على هذا الطريق. ولو طبقت النخب الحاكمة أجندة طائفية أو عشائرية أو دينية فستكون النتيجة دولة طائفية أو عشائرية أو دينية. ولو كفت الدول الكبرى الراهنة عن تطبيق أجندتها الوطنية أو عجزت عن تحقيقها، لانهارت لحمتها الوطنية هي أيضا ولم يبق ما يجمع بين أفراد شعوبها، بالرغم من كل الانجازات التاريخية، ومن رسوخ القيم الوطنية في الثقافة المحلية. فلو تخلت الدول الأوروبية عن برنامج الديمقراطية، وصرفت النظر عن تنظيم السوق الاقتصادية الوطنية، وافتقرت إلى منظومات الدفاع الناجعة عن سيادة شعوبها واستقلالها، واستبدلت سياساتها الدفاعية بسياسات أمنية داخلية قائمة على تسليط أجهزة الأمن على مواطنيها، للانتقاص من سيادتهم وتقليص حرياتهم والاعتداء على حقوقهم أو تجريدهم منها، وأحلت لغة العنف والعقاب الوقائي والجماعي محل التطبيق الفردي والسليم للقانون، وقبلت بعدالة تقريبية خاضعة لمزاج أصحاب السلطة والمال والعلاقات العشائرية والمحسوبية، كما هو الحال في أغلب الدول العربية، لما بقيت فرنسا فرنسا ولا بريطانيا بريطانيا ولا ألمانيا ألمانيا. فهذه الأجندة هي المضمون الحقيقي لعقد الوطنية الذي أعاد بناء العلاقات الاجتماعية على أسس مختلفة عن الأسس القرابية والدينية. ولا تجتهد النخب الاجتماعية في تحسين أدائها، والبحث عن الحلول الأنجع للمشاكل الاجتماعية، إلا للبرهان على مقدرتها على المحافظة على عقد الوطنية هذا، ومن وراء ذلك على جدارتها في الحكم، وهو مصدر الشرعية، وما يرتبط بتحقيقها من استقرار الدولة وانسجام المجتمع وضمان الوحدة الوطنية.

ومن الواضح أنه من دون هذه الأجندة الوطنية، التي تكمن وراء بناء الأمة أو الرابطة السياسية، وتضمن وحدتها واستمرارها، تبقى الدولة في العصر الحديث آلة صماء، مفتقرة للفكرة الموجهة وخالية من أي أجندة تاريخية، وقابلة للإنقلاب على المجتمع والتجيير لصالح تنفيذ أي أجندة خاصة بالفئات التي تحتل أجهزتها الإدارية والعسكرية والسياسية. وهو ما حصل بالفعل، ليس في العالم العربي فحسب، ولكن في العديد من بلدان العالم التي لم تنجح في تطبيق برنامج التحول الوطني  أو أخفقت فيه. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تنحسر الرابطة الوطنية، مع أشكال التضامن والوحدة المواكبة لها، وتذبل أيضا العاطفة النابعة منها، لصالح العودة المظفرة للعصبيات الطبيعية التي نشأت قبل نشوء الأمم وبمعزل عنها، أعني التضامنات الدينية والطائفية والعشائرية والثقافية التي أمكن الحفاظ عليها، أو بقيت ذات فاعلية كبيرة، في ظل دول وطنية مفتقرة لشروط بناء أمة، وتكوين الفرد المواطن، بما يتضمنه معنى المواطنية من العلاقة القانونية والسيادة والحرية والمساواة بين جميع الأفراد المكونين للجماعة السياسية. وهذا ما يفسر التحلل والانفجار الذي أصاب العديد من الشعوب والمجتمعات التي كانت تبدو لفترة قريبة وكأنها نجحت في تكوين مجتمعات وطنية، في العالم أجمع.

الوطنية كشعار للحركة الاستقلالية:

والحال أن الفكرة الوطنية، والحركة التي ارتبطت بها، قد نشأت في العالم العربي، وفي سورية بشكل أكبر، في سياق الكفاح من أجل الاستقلال ضد القوى الاستعمارية. وتطابق مفهومها أيضا مع الحفاظ على هذا الاستقلال وتحقيق الأجندة المرتبطة به. وبقيت في الحقيقة مشروع وطنية ينتظر التحقيق عبر أجندة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وبرامج عملية، أكثر منها حركة ناجزة. ولا تختلف هذه النشأة عن ما حدث مع جميع القوميات والدول الوطنية العديدة التي ولدت في الكفاح ضد عدو خارجي، وليس بالضرورة ضد سلطة قهرية استبدادية داخلية. لكن، بعكس ما حصل في معظم البلاد العربية، لم تمثل الحقبة الوطنية المرتبطة بالاتحاد، ضد خارج عدو، إلا فترة بسيطة شكلت مدخلا نحو حقبة التأسيس الوطني الداخلية، أي حقبة بناء العلاقة الوطنية الجديدة  التي تعيد إخضاع الدولة للمجتمع والجماعة لقانون المساواة والندية، والتي تكون سمة المجتمعات الوطنية. أما في المنطقة العربية التي دخلت في سياسة العصر، مفككة ومشتتة ومفتقرة لقيادة وطنية على مستوى التحديات الخارجية والداخلية، فلم تنته معركة الصراع ضد النفوذ أو السيطرة الأجنبية مع نيل الاستقلال ولكنها استمرت بعده بصورة أقسى، ولو على أسس جديدة سياسية واقتصادية.  ولذلك عملت حقبة ما بعد الاستقلال على تكريس مفهوم المواجهة الخارجية أكثر مما ساعدت على فتح آفاق جديدة للانتقال من مفهوم سلبي للوطنية، يؤكد مركزية التضامن ضد آخر، نحو مفهوم ايجابي يؤسس للحريات الفردية ولدولة المؤسسات القانونية. فقد دشن الاستقلال حقبة تالية من الضغوط السياسية والاقتصادية، بل والعسكرية، الأجنبية الرامية إلى احتواء الحركات الوطنية، وإخضاع الدول الفتية والمجتمعات إلى منظومة الأحلاف الأجنبية، في سبيل إبقاء السيطرة عليها وتأمين المصالح الاستراتيجية، النفطية والجيوسياسية والسياسية الخاصة بها. وكان لقيام إسرائيل، والحرب المستمرة التي فجرتها حركتها الاستيطانية، دورا كبيرا ومتواصلا أيضا في ترسيخ المضمون الخارجي الذي تبلور في حقبة الصراع ضد الاحتلال للوطنية.

ومن أنقاض الوطنيات المحلية التي انهارت تحت الضغوط الخارجية القوية وأخفقت في الحفاظ على استقلال الدول الفتية، أو في إعطاء هذا الاستقلال مضمونا أكثر من شكلي، ولدت القومية العربية التي عبرت عن نشوء وطنية جامعة، لا تختلف في الهدف والمضمون عن سابقتها، ولكنها ترمي إلى تحسين شروط الشعوب العربية جميعا في مواجهة التدخلات الاجنبية والرد عليها. وقد عكست "الوطنية" القومية الجديدة التي استعادت، لكن بصورة أكثر اتساقا وقوة، فكرة الوحدة الوطنية في مواجهة المخاطر الخارجية، حاجة المجتمعات العربية التي سئمت من الوصاية أو شبه الوصاية الأجنبية، إلى توسيع إطار المقاومة والعمل، عبر حدود الدول العربية ومن ورائها، في سبيل تعزيز قدراتها وزيادة فرص نجاحها في الحصول إلى استقلالها الناجز والفعلي. ومن هنا أصبحت الوحدة العربية الشعار المركزي للحركة القومية العربية، بقدر ما ظهرت هذه الوحدة على أنها الأداة الرئيسية والضرورية لتطبيق الأجندة السياسية المتمحورة  حول القضاء على الاستعمار والصهيونية، والوقوف في وجه الأحلاف العسكرية المفروضة ومواجهة الضغوط، الاقتصادية والسياسية والثقافية للدول الغربية.

والواقع أن الفكرة القومية لم تغير في الغاية الرئيسية للحركات الوطنية الماضية ولا حادت عنه، ولكنها جاءت باستراتيجية ووسائل عمل وإمكانيات أكثر نجاعة وشمولا. ولذلك نجحت بسهولة في جب ما قبلها من الوطنيات لصالح تأسيس وطنية عربية جامعة كان لها صدى شعبيا لا مثيل له لدى جماهير البلدان العربية. وبقدر ما حظيت الحركة القومية بزعامة كارزمية واستفادت من انتشارها الواسع في كل الأقطار العربية، شكلت بالفعل خطرا كبيرا على مراكز النفوذ الغربية المتغلغلة في المنطقة، وهددت العديد من مواقعها التاريخية. وبعد أن حررت الجمهور العربي من مشاعر الضعة والمذلة والخنوع والاستسلام للتفوق الغربي، استحدثت ثقافة قومية كان لها دور كبير في ايقاظ مشاعر السيادة والكرامة الكامنة وتفجيرها عند ملايين العرب. وهكذا نجحت هذه الحركة في فتح جبهة واسعة للتحرر من النفوذ الأجنبي شملت المنطقة العربية برمتها وخلال عقود طويلة.

في هذا السياق حصل التطابق بين اهداف هذه الحركة القومية والأجندة الوطنية الخاصة بكل قطر من الأقطار العربية، فصار التكتل من حول الزعامة الناصرية والمشاركة في أجندة الصراع لتحقيق السيادة العربية وضرب مواقع النفوذ الغربي هو معيار الوطنية عند الشعوب على المستوى القطري والقومي معا. ووسمت النظم التي رفضت تكييف سياساتها مع هذه الأهداف، أو التي لم تتعامل بايجابية مع أجندة الصراع ضد قوى السيطرة الأجنبية، من قبل هذه الشعوب نفسها، باللاوطنية إن لم تتهم بالخيانة. وصارت تصفية القواعد العسكرية وتأميم الشركات الأجنبية وإقامة مؤسسات وسياسات تعزيز الاستقلال والسيادة العربية، على مستوى المنطقة ككل وداخل كل دولة عربية، مقياس الولاء للوطنية، بينما أصبح ينظر لأي شكل من أشكال التحالف، بل التعاون مع القوى الغربية، بمثابة  خروج على الإجماع العربي الوطني.

وفي سياق هذه الوطنية العربية الصاعدة تطورت أيضا أجندة وطنية داخلية اكتست طابعا شعبويا قويا، وجمعت بين إدماج النخب الاجتماعية، وبشكل خاص المنبثقة من أصول ريفية، في الحياة الوطنية والسياسية، وتطبيق برنامج إصلاحات داخلية، اقتصادية واجتماعية، اتسمت بسمة الاشتراكية وعملت على إعادة توزيع الثروة بصورة أكثر عدالة.  

بيد أن هذه الوطنية العربية الجديدة الجامعة، التي سيطرت عليها الصفة الشعبوية التي تقوم على تعبئة الجمهور العريض وراء قيادة تاريخية كارزمية، على حساب بناء مؤسسات الدولة السياسية والقانونية، لم تنجح في تحقيق هدفها في الوحدة العربية التي تشكل الرافعة الرئيسية للتخلص من الهيمنة الأجنبية. وبدل أن تنجح في القضاء على نظام السيطرة الخارجية سقطت هي نفسها تحت ضربات النفوذ الاستعماري الغربي المعشعش في المنطقة، وأخذت بالانحسار منذ حرب حزيران يونيو 19967، لتخلف وراءها حركة شعبية ضائعة وقيادات حائرة لم تلبث حتى تفككت وتفسخت أمام إغراءات السلطة المطلقة الموروثة والضغوط الخارجية. وبانهيار التحالف الاجتماعي الذي كان يقف وراء تحقيقها، فقدت الأجندة الوطنية القومية حاملها التاريخي وبدأت هي نفسها بالذوبان والانحلال. وكان من علائم ذلك الطلاق المتنامي بين الأجندة القطرية والأجندة القومية الوطنية، والانفصال المتزايد بين برنامج المواجهة الخارجية وبرنامج الاصلاحات الاجتماعية الداخلية. وشيئا فشيئا حلت الاستراتيجيات القطرية محل الاستراتيجية العربية القومية، كما تخلت النخب الحاكمة عن السياسات الشعبوية، بالرغم من استمرارها في تزيين سياساتها القطرية بأوشحة قومية وشعارات شعبية فارغة من أي مضمون. 

تفكك الوطنية الموجهة نحو الخارج ومخلفاتها :

وبموازاة انهيار الحركة القومية وتراجع الحركة الشعبية، ستبرز بقوة بيرقراطية الدولة لتصبح القوة الاجتماعية والسياسية الرئيسية التي يستند إليها النظام، وتستولي بسرعة على مقاليد السلطة وعلى مؤسسات الدولة ومواردها. وفي هذا السياق لتفكك الحركة القومية الشعبية، وصعود بيرقراطية الدولة، وانحسار الفكرة الوطنية وتشتت برنامجها، ستولد آلية الانفصال المتزايد بين الدولة والمجتمع، واستقلال كل واحد منهما بنفسه.  وهو ما أسس لبداية أزمة الوطنية العربية بنموذجها القطري القديم ونموذجها القومي السابق معا. فلم يعد لدى الدولة البيرقراطية الجديدة أي برنامج لتوحيد الجماعة الوطنية أو المساهمة في توحيدها وتجاوز تناقضاتها، باستثناء برنامج الحفاظ على الوضع القائم وإعادة إنتاج المصالح الحاكمة والسائدة كما رست عليه الحال في الحقبة السابقة. وسيطرة هذا البرنامج الجديد للحفاظ على الوضع القائم هو الذي يفسر كيف تحول محور نشاط النظم الحاكمة نحو بناء الأجهزة الأمنية والتثمير فيها وتوسيع صلاحياتها حتى قضت على الحركة الشعبية كليا، وحلت محلها كقاعدة للحكم، ولم تلبث حتى أكلت الدولة نفسها ومؤسساتها.

لكن البيرقراطية الحكومية ومعلقاتها الخاصة وإفرازاتها لم تكن هي الثمرة الوحيدة لتحلل الوطنية العربية واختفاء برامجها السابقة، القطرية والقومية معا. فلن يمر وقت طويل قبل أن تفقد المجتمعات نفسها، في سياق التراجع وصعود السلطات المافيوزية، أي مرجعية لا غنى عنها لبلورة أي أجندة وطنية، بما تعنيه من تحديد غايات الاجتماع السياسي وبلورة خيارات واضحة ومقبولة وتطبيق برامج عمل تاريخية فعالة، وتحقيق التسويات الضرورية بين مجموعات المصالح والتيارات العقائدية والسياسية المتنافسة. ومن دون هذه المرجعية ليس من الممكن قيام أي سياسة لا من حيث هي بلورة لتوجهات واضحة ومقبولة، ولا من حيث هي مسؤولية ومحاسبة أو مساءلة عن تحقيقها.  ومن هنا لا تعني الأزمة الوطنية خروج الشعب من السياسة، نتيجة الانكفاء الذاتي أو التراجع أمام القمع، فحسب، ولكن أكثر من ذلك افتقار النخب الاجتماعية إلى التفكير المشترك الضروري للتوصل إلى بلورة سياسات وطنية جامعة. وهو ما يفسر ما حصل بالفعل في العقود الأربع الماضية من انفراط عقد الجماعة الوطنية وتشتت الرأي العام السياسي وبالتالي من تمديد تلقائي للوضع القائم، وفي ما وراء ذلك إلى إطلاق يد النخب الحاكمة، أو التي نجحت في الاحتفاظ بالسلطة بطريقة أو أخرى، في تقرير سياسة البلاد وتحويل أجندتها الخاصة، أي أجندة إعادة إنتاج سلطتها ونظامها ومصالحها، إلى أجندة بديل للأجندة الوطنية. وإذا كانت هناك ظاهرة تعبر بقوة عن هذه الوضعية، وتعكس حقيقة خروج الشعب من السياسة، وتشتت النخب الاجتماعية، واستفراد القوى الحاكمة بالسلطة، وإخضاعها لخدمة أجندة تجديد نظامها القائم، فهي ظاهرة توريث السلطة. ليس بما هي تعبير عن انعدام الخيارات عند النخبة الحاكمة فحسب، ولكن أكثر من ذلك من حيث التعبير عن عجز المجتمع السياسي نفسه عن اقتراح بدائل ممكنة وقابلة للتطبيق لهذا التمديد التلقائي للنظم القائمة.

فبغياب مفهوم واضح للمصلحة الوطنية عند الرأي العام، أي في الواقع عند الشعب المحروم أحيانا حتى من تكوين رأي عام بسبب الافتقار للمناظرة الوطنية الحرة، سواء ما تعلق منها بالأمن الوطني أو بالوحدة الداخلية أو بالتنمية أو بأي ميدان من ميادين النشاط العمومي، بما في ذلك ميادين التعليم والتربية واللغة والأدب والفن، لا يبقى هناك مجال لتكوين إرادة أخرى غير تلك الإرادة الحاكمة والتي توحد أفرادها المصالح المشتركة في الحفاظ على النظام، وأحيانا إرادة الرئيس والزعيم التي تكاد تتحول إلى إرادة إلهية أو شبه إلهية، مقدسة ومطلقة معا، لا تخضع لأي شكل من أشكال المحاسبة أو المساءلة. وفي هذه الحالة لم تتحول الحكومة أو مجلس الوزراء، كما يشهد بذلك تاريخ الوزارات السابقة في سورية في العقود الأخيرة، إلى مجلس أركان لأصحاب المصالح المسيطرة والإطار التنفيذي لتوزيع المغانم والمكارم والصفقات على قوى التحالف الحاكم، حسب قاعدة القرابة والنفوذ والقوة فحسب، ولكن، أمكن لزعيم فرد، أكثر من ذلك، أن يجعل من الدولة والمجتمع ومواردهما معا أدوات في خدمة بناء هرم مجده الشخصي وزعامته القومية أو الإقليمية.

تأسيس دين عبادة الشخصية كبديل للوطنية:

من الواضح أنه لا توجد في سورية اليوم، كما هو الحال في العديد من البلدان العربية، أجندة وطنية، ولا من باب أولى أجندة قومية عربية، ولكن أجندة نظاموية تتعرض هي نفسها الآن للتآكل والتخبط، مع تبدل موازين القوى وتفاقم نزاعات شبكات المصالح القائمة والمتآلفة، البيرقراطية والخاصة، الزبائنية والعائلية والتجارية والكبمرادورية معا.  وفي منظور هذه الأجندة، تكمن المصلحة الوطنية، كما بدأ المسؤولون وإعلامهم نفسه يردد، منذ اندلاع أزمة التحقيق الدولي في مقتل الحريري، في المطابقة المطلقة بين النظام والدولة. وبهذا المعنى يصبح معيار الأمن الوطني تعزيز النظام ودعمه بأي وسيلة كانت، ذلك أن زعزعة النظام هي زعزعة استقرار البلاد. ومن وسائل تعزيز النظام الحفاظ على نفوذه الإقليمي والدولي، ووقف أي نشاط اجتماعي أو سياسي يثير الشك في استمرار النظام، وفي مطابقة مصالحه لمصالح الوطن. كما يصبح معيار الوحدة الوطنية التفاف الشعب، بكل مكوناته وتياراته وجماعاته، من دون نقاش ولا تساؤل أو تردد، حول النخبة الحاكمة والرئيس القائد الذي يمثلها، تماما كما يشير إلى ذلك شعار التظاهرات "الشعبية" المنظمة من قبل السلطة، والذي أصبح رمزا للعهد الجديد : الله وسورية وبشار وبس. وهو يعني في الواقع بشار وبس، ذلك أن الله وسورية ليسا مجال اختيار وموضوع نقاش من قبل أحد. فكما لا يمكن لمؤمن أن يجادل في وجود الله، لا يمكن لسوري أن يضع سوريته موضع مساومة واختيار.  هكذا يتطابق مفهوم الوطنية في النظام القائم مع الولاء للرئيس وتقديسه والتماهي مع خياراته الاستراتيجية والسياسية. وأي نقاش لهذه الخيارات ولأسلوب إدارة الشؤون الداخلية والخارجية عموما، حتى لو لم تكن من إنتاجه الشخصي، هو إنكار للحق  وخروج من دين الوطنية، وخيانة تعادل التعامل مع الدول الأجنبية.

هكذا نرى كيف تجردت الوطنية من جميع برامجها التاريخية، الخارجية المتعلقة بالأمن والسيادة والاستقلال، والداخلية المتعلقة بحقوق الأفراد وتحولت إلى عقد لعبادة الشخصية. وهو ما يسميه أنصار النظام القائم "سقف الوطن". فهو الكافل لجميع مؤسسات النظام والحامي لها، بمصلحيها ومخربيها، وهو الذي يعطي للدولة ومؤسساتها وقوانينها وبرامج عملها الاصلاحية وغير الاصلاحية، معناها. فهو رمز الوطن ومعيار الوطنية، وهو الحكم والمعارضة معا. وكل انتقاد لهذا العقد، في أي وجه من وجوهه، سواء أكان نظريا، عبر انتقاد السياسات، أو عمليا عبر تشكيل منظمات معارضة ليست مبرمجة من قبل النظام، بل حتى جمعيات المجتمع المدني، يشكل خرقا لسقف الوطن وتجاوزا لخيمته وكفرا بولي أمره وسيده. وكما  أن الوطنية الجديدة، كما يتصورها أصحاب النظام، لم تعد ترتب على السوري أي التزامات أو واجبات سوى التماهي مع القائد الملهم، وتأكيد الولاء له، فلا يترتب عليها أيضا، في ما يتعلق بقادتها وممسكي زمام الأمر فيها، أية مسؤوليات. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون الشعار الثالث الأهم، وهو الذي أخذ يطغى على الشعارات السابقة منذ بعض الوقت : سورية الله حاميها. فما يصيبها أو يمكن أن يصيبها، من السراء والضراء قدر من الله، لا يمكننا إزاءه شيئا. ولا فائدة ترجى من فتح النقاش في السياسات المتبعة ونتائجها إلا الدفع نحو المزيد من الانشقاق والانقسام وتفتيت الوحدة الوطنية. 

هذه هي الطبعة الوحيدة من الوطنية التي يطلب من جميع السوريين إعلان ولائهم لها وإنتمائهم إليها، والالتحام عبرها بالرئيس والنظام والحزب، بصرف النظر عن موقعهم ومصالحهم وحقوقهم ومستقبلهم. لا تبدو الوطنية فيها مرتبطة بحقوق وواجبات ومصالح ومسؤوليات والتزامات تخص الجميع وكل فرد، وتحتمل النقاش والتطوير والتجديد والتحسين، وإنما سقفا تفرضه مقتضيات الأمن ويتجسد عبر تعزيز القيود والحدود التي تؤمن وحدها الوحدة والالتحام والانتظام.  فليس المطلوب من أحد، لا من الشعب ولا من المسؤولين، تأدية أي واجب من أي نوع كان، ولكن الطاعة والهدوء وإعلان الولاء.  ولذلك لا تتجلى الوطنية هنا عبر إنجازات، سواء أجاءت من الجمهور أم من النظام، ولكن عبر تأكيد الثوابت وإحباط إرادة الأفراد والجماعات المستمرة والمتكررة لتجاوزها وخرق السقف والخروج من الخيمة وكسر القيود أو توسيع الحدود. ولذلك فهي تتنامى وتتطور بقدر ما تنجح في إنتاج الخيانات وتصنيفها والكشف عنها، تماما كما كان إيمان الكنيسة القرسطوية لا ينمو ولا يتجلى إلا من خلال تعميم المحارق المعدة للسحرة والملحدين. ومثلما تطابق التعبير عن هذا الإيمان في الماضي مع علم الزندقة الذي طورته محاكم التفتيش حتى أصبحا شيئا واحدا، يتطابق مفهوم الوطنية الجديدة مع علم الخيانة ولا يستقيم إلا به. فمن دون هذا الإنتاج المستمر للخيانات، تبقى وطنية الولاء الشخصي المطلق، الخالي من الحقوق والواجبات والمسؤوليات والالتزامات، فارغة، بالضرورة، من أي مضمون.


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ