العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21 / 11 / 2004


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

تفاؤل حذر

العلاقات السورية الأمريكية لم تعرف، وطوال أكثر من نصف قرن، تقارباً أو تفاهماً بالمعنى المعتاد بين الدول، والسبب ليس عائداً لعداء سوريا لأمريكا، بل هو عائد لموقف هذه الأخيرة ـ باختلاف إداراتها الديمقراطية أو الجمهورية ـ الداعم للدولة الصهيونية المحتلة.

هذه النقطة كانت ومازالت أهم نقاط الخلاف بين الدولتين السورية والأمريكية منذ نكبة عام 1948 وحتى هذه اللحظة.

في مرحلة التوازن الاستراتيجي الذي كان يحكم منطق العلاقة بين أمريكا والمعسكر الشرقي، كانت أمريكا تمارس آنذاك دبلوماسية تأخذ بعين الاعتبار هذا التوازن، ولكن ما إن انهار الاتحاد السوفييتي وبالتالي بقية الدول المرتبطة به حتى بدّلت أمريكا أدواتها وطرقها وأسلوب سياستها.. لتستبيح العالم بعد انفرادها به كقوة عظمى وحيدة، هذه الاستباحة لم تخلُ من تهديد ووعيد صريحين لدول لم تتفق مع رغباتها ومع ما رسمته من تصوّر لنظام عالمي جديد الذي أعلنه جورج بوش الأب بعد حرب الخليج الأولى.. ليرتفع إيقاع هذا التهديد بعد أحداث أيلول وبعد احتلال العراق.

واليوم تقف سوريا أمام مفترق طرق.. فهي إما ستعمد إلى كبح جماح الغول الأمريكي الهائج الذي يقف على حدودها مع العراق بعيداً عن خطوط المواجهة الصدامية، أو أن تعمد إلى تحديه بشكل لن يؤدي في النهاية إلا إلى خسارة لن تكون في مصلحة الشعب السوري.

وجاء التحرك الدبلوماسي السوري موفّقاً، فاتفاقات المشاركة في حماية الحدود السورية العراقية مع القوات الأمريكية لن يضير سوريا بشيء سوى إسكات هؤلاء القابعين في البيت الأبيض والذين يتهمون سوريا بتمرير (إرهابيين) عبر أراضيها.

والدبلوماسية السورية تعرف أن هذا لم ولن يحصل لأن سوريا حريصة على استتباب الأمن في العراق أكثر من الأمريكيين أنفسهم، تماماً وبنفس الطريقة التي سبق أن شاركت فيها سوريا في حرب الخليج الأولى والتي كان لابد من المشاركة فيها في ذلك الوقت، فلا ضير من المشاركة إذن ولتسكت الأصوات المعادية لها، واليوم تمت إعادة انتشار القوات السورية في لبنان وسواء قال البعض إنها مصادفة في تاريخ التنفيذ مع القرار 1559 أو أن إعادة الانتشار ناتج عن ضغط أمريكي إلا أن العملية برمتها تركت الكرة بالملعب الأمريكي، وسواء كان السبب الضغط أم المصادفة فمصلحة الشعب السوري هي الخيار الوحيد في النهاية، والتفاهم السوري الأمريكي هو أفضل الحلول.

ولكن هل ستستكين القوى المناهضة للجهود الدبلوماسية السورية الأمريكية؟ لا نتصور ذلك وعلينا الحذر وكل الحذر من هؤلاء الذين يتحركون من أجل إفشالها سواء في الولايات المتحدة أو إسرائيل بسبب العداء المتأصل للمواقف السورية وخاصة حول موضوع السلام العربي الإسرائيلي، أو من بعض الذين مازالوا يفكرون بنفس الوسائل التي كانوا يستخدمونها في مرحلة الحرب الباردة ويرون أن الدبلوماسية السورية يجب أن تنطلق من أفكارهم المتعلقة في ذلك الزمن وهو ما لم يعد مثمراً نتيجة للتغيرات الجذرية الحاصلة.

التفاهم السوري الأمريكي ضرورة تمليها الظروف المستجدة ومصلحة البلدين معاً، لكنه تفاهم مازال في بداياته، والتفاؤل يجب أن يكون حذراً.

ـــــــــــــــــــــــــــ

مجلة أبيض وأسود السياسية الاقتصادية الثقافية السورية المستقلة

العدد 98

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ