العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد20 /11 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

بين تقرير ميليس وانتحار كنعان أسئلة برسم الإجابة

مسعود عكو

فوجئت الأوساط السياسية السورية, واللبنانية, والإقليمية بإعلان دمشق انتحار وزير الداخلية السورية اللواء غازي كنعان برصاصة في الفم داخل مكتبه صباح 12/10/2005, وخاصة أنها جاءت بعد ساعات من تصريحات للرئيس السوري بشار الأسد توعد فيها بتخوين, ومحاكمة أي مسؤول من بلاده يثبت تورطه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري, وبعد أسابيع من استجواب كنعان من قبل لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري برئاسة المحقق الدولي ديتلف ميليس الذي قدم تقريره في 21/10/2005 لمجلس الأمن وسط تصريحات, وتقارير مختلفة كان آخرها تقرير تلفزيوني لبناني أذيع ليلة 11/10/2005 أي قبل ساعات من انتحار كنعان يتهم فيه بالتورط في عمليات فساد مالية واسعة النطاق في لبنان, وهو ما نفاه كنعان نفسه قبل انتحاره بساعتين طالباً تعميم تصريحه بالنفي باعتباره «آخر تصريحاته».

اللواء غازي كنعان كان رمز الحقبة السورية, ورمزاً للقبضة الحديدة التي سيطرت بها سورية على الساحة اللبنانية بعد أن عين رئيساً لدائرة الأمن, والاستطلاع للقوات السورية العاملة في لبنان منذ العام/1982/وحتى /2002/، ثم عاد إلى دمشق ليترأس إدارة الأمن السياسي, ويعين فيما بعد وزيراً للداخلية في تشرين الأول/ 2004/. بعد أن تبوء العديد من المناصب الفاعلة, والحساسة في الجسد الأمني, والعسكري للنظام السوري حيث شغل منصب رئيس فرع مخابرات المنطقة الوسطى بعد أن تخرج من الكلية الحربية حيث كان حينئذ ضابطاً برتبة نقيب, وانتقل بعدها مباشرة إلى مقره في لبنان, وخلال عقدين في لبنان تمكن كنعان من السلطة على كل حيثيات الحكم فيها, وكان يعد حاكم لبنان الفعلي, أو القائم بالأعمال السوري هناك, وكان يعتبر الحاكم غير المتوَّج للبنان طوال فترة وجوده هناك، أو المندوب السامي السوري، أو الوالي، أو الحاكم بأمره كما كان يحلو لبعض اللبنانيين تسميته، حيث أن كنعان, ومثله غزالة، كان يتدخل في أدق التفاصيل في الحياة السياسية في لبنان، بما في ذلك تعيين كبار المسؤولين اللبنانيين (رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة), أو القادة الأمنيين.إلا أنه انتهى برصاصة خذلته وأردته قتيلاً على أرض مكتبه في دمشق بعد كل هذا الجبروت والقوة.

غازي كنعان أكبر مسؤول سوري في لبنان على مدى عقدين من الزمن. قد التقى بالمحقق الدولي ديتليف ميليس في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري. بعد أن رفع المصرف المركزي اللبناني في أيلول /2005/ السرية المصرفية عن حساباته, والعميد رستم غزالة الذي تسلم منصبه في لبنان، بناءً على طلب من لجنة التحقيق الدولية، للاشتباه بعلاقتهما في حادثة الاغتيال, وسبق أن أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في حزيران /2005/ تجميد أرصدة كنعان, وغزالة، في خطوة قالت أنها "تهدف إلى العزل المالي للاعبين السيئين الذين يساندون جهود سورية لزعزعة الاستقرار في دول الجوار", وقالت الإدارة الأمريكية أنها تعتقد أن كنعان, وغزالة "أدارا التواجد العسكري والأمني لسورية في لبنان, وساهما في دعم الحكومة السورية للإرهاب", وأوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أن "غزالة وكنعان شاركا في العديد من الأنشطة الفاسدة، وتردد أنهما استفادا من صفقات أعمال فاسدة خلال فترة تعاقبهما على منصب (رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري) في لبنان".

رغم كل التفاصيل, وهي قليلة لسرد حياة ضابط عسكري كغازي كنعان. إلا ان اللغز يكمن في انتحاره, أو نحره, أو استنحاره لا تهمنا العملية بقدر ما الدوافع, والأسباب التي أدت إليها تهمنا فخرج المحقق الدولي ديتليف ميليس إلى الملأ بتقرير غير نهائي طبعاً لم يذكر فيها حتى اسم كنعان لا من قريب, ولا من بعيد في قضية اغتيال الشهيد الحريري بل استجوب كشاهد لحقبته في لبنان, ولم تتطرق أسئلة القاضي إلى شكل من أشكال الاتهام بضلوعه, أو عدمه في هذه الجريمة كما أعلن في العديد من الأجهزة الإعلامية, والأمر الذي تناقله الإعلام الرسمي السوري, وعلى لسان معظم المسؤولين السوريين الذين اتخذت آرائهم في انتحار كنعان, وأكدوا بأن التقرير ينفي علاقة كنعان بحادث الاغتيال الأمر الذي أدحض جميع التهم, والتكهنات في هذه المسألة.

بالافتراض جدلاً, وصدقنا الرواية الرسمية السورية بإقدام كنعان على الانتحار, وحسب العديد من المسؤولين السوريين جاء انتحاره بعد كآبة وتدهور في حالته النفسية بسبب التشويه, والإشاعات التي بات الإعلام اللبناني يطلقها حوله, وأدى ذلك إلى انهيار نفسي لديه, وأقدم على الانتحار حيث يرى بعض المراقبين أن غضب وزير الداخلية السوري غازي كنعان الذي أقدم على الانتحار من التقرير الذي بثته محطة (نيو تي في) اللبنانية, وجاء فيه أن  كنعان  تلقى رشاوي من رئيس الوزراء اللبناني رفيق تقدر بـ(10 ملايين ) دولار هو الذي دفع كنعان إلى قتل نفسه لاعتقاده بأن هناك جهات سورية على ارتباط بمحطة نيو تي في تسعى لـ"تشويه صورته لإبعاده عن مركز صناعة القرار في سوريا".  

غير أن الإعلامية اللبنانية ماريا معلوف مقدمة برنامج " بلا رقيب" بمحطة تليفزيون نيو تي في  قالت "إن شخصية مثل  غازي كنعان من الصعب أن يهزها تقرير تلفزيوني، وتبقى ملابسات انتحار غازي كنعان غير واضحة المعالم, ونحن مثل أي محطة, أو شركة تليفزيونية عندما يصلها خبر, ويكون لها مصدر معلومات، ليس من الضروري أن تكون للقصة الخبرية أبعاد كبيرة, ولا اعتقد أن اللواء غازي كنعان قد يهزه تقرير".

تحليل ساذج, وشبه دعابة بحيث أن ينتحر أي مسؤول في أي دولة لأن المعارضين له بدؤوا يعلنون حرباً إعلامية عليه, وعلى هذا الإثر ستنتحر كل قيادات العالم لأنه لا توجد دولة إلا, ونرى فيها معارضة تشكك في كل شيء ابتداءً من خيانة الوطن, والتصرف بقدراته وانتهاء بالتشكيك في أخلاقياته, ونزاهته كإنسان فضلاً كمسؤول, ولم نرى أي مسؤول عراقي في النظام السابق أقدم على الانتحار, وطالما كانت هناك المئات من القنوات الإعلامية مفتوحة أمام المعارضة العراقية السابقة, وكان حكام الاستبداد العراقي يتابعونها إلا أنهم لم يفكروا حتى بتخفيف معاناة هذا الشعب, وليس الاستقالة, أو حتى الانتحار بل أصر صدام حسين, وولديه على البقاء في العراق بعد أن وجهت الولايات المتحدة الأمريكية إنذاراً لهم بمغادرة العراق تجنباً للحرب لكنهم آبوا انتقاماً من كل العراقيين, وكلفهم حرباً كان العراق والعراقيين بغنىً عنها.

رغم ضعف هذه الرواية, وعدم مصداقيتها لأن غازي كنعان ليس هو من ينتحر من أجل تقرير تلفزيوني, وما عليه يجدر بكل مسؤول في أي بلد أن ينتحر لإن الإعلام بدأ حرباً عليه بغية فضحه, وإشهاره, وتمكين الناس كلهم من معرفة حقيقة هذا المسؤول, أو ذاك فالمنطق لا يقبل تحليلاً كهذا بالمطلق, وعن تشكيك وسائل الإعلام في حقيقة انتحار كنعان إن ذلك قد يرجع لما هو معروف عن اللواء كنعان من صلابة، فقد قضى في لبنان 20 سنة، ومن خلال تحليل للكلمات التي قالها (لمحطة صوت لبنان) إنه بدا متوتراً, ومستاءاً لكونه – ربمااستطاع في لبنان عمل تركيبة سياسية، فالتغيرات التي صارت أثرت على الخطة الأمنية التي وضعها.التغير كان كبيراً، ومن كانوا أصدقاء سورية في لبنان لفترة 30 عاماً، اليوم أصبحوا أعداءً لها، هذا شيء مخزي, وغير مقبول للمواطن العربي فكيف يكون إذاً لمسئول أمني كبير مثل كنعان.

التكهنات كثيرة ما بين مرجح للرواية الرسمية التي تؤكد انتحاره، وبين من يرى أنه تمت تصفيته ليس بالضرورة بتحريض من النظام، بل من جهات رأت أن من المصلحة تغييبه لإلمامه الشديد بخفايا الملف اللبناني, وخوفها من أن يتسبب في كشفها، وقد يكون هناك أيضاً مؤامرة من جهة خارجية، لتوريط النظام السوري أكثر، والإيحاء بأنه قام بتغييب كنعان لخوفه من كشف حقائق كثيرة يملكها حول اغتيال الحريري, وقد يكون انتحار غازي كنعان أنه شعر بأنه سيكون المتهم الرئيسي بسبب ملفه الطويل في لبنان، وأن تحقيقات ميليس قد تدينه، خاصة بعد أن استمع إلى التقرير الذي أذاعته محطة "نيو تي في" المحسوبة على سورية, وهو التقرير الذي أغضبه بشدة, وربما اعتقد كنعان أن النظام السوري, أو مقربين من ملف التحقيق الذي يشرف عليه ميليس وراء تسريب معلومات هذا التقرير، مما أثار إحباطه الشديد, ودفعه إلى الانتحار هروبا من تبعات ما سيحدث بعد ذلك.

إلى حين صدور التقرير النهائي للقاضي ميليس, وبنتيجته ستتضح على ضوئها معالم, وخفايا انتحار اللواء غازي كنعان, وكشف الحقيقة بالأساس من مصلحة النظام السوري تفادياً له من اتهامه بأنه وراء انتحار المسؤول الأول والأخير عن الملف اللبناني في النظام السوري حتى, ولو بعد أن خرج كنعان من لبنان كضابط إلى أنه بقي كشخص له شبكة عنكبوتية من العلاقات, وما أخلفه هو استفهامات حول حقيقة تغييبه, أو نحره, أو انتحاره.

وأياً كان الأمر، سواء انتحر الوزير كنعان, أو نُحر، فإن موته يعني أن سورية قد باتت اليوم في عين العاصفة, ويبدو أن بواكير خسائر هذه العاصفة من الوزن الثقيل، فموت وزير داخلية في دولة عربية، نُحر أم انتحر، يعني أن ثلمة كبيرة قد حصلت في هيكل النظام الحاكم, فوزير الداخلية عمود رئيس، بل العمود الرئيس من أعمدة النظام العربي، ووزارته هي أم الوزارات.كما يعني موت الوزير كنعان، بأي صيغة حصل، أن الضغوط الدولية بدأت تقطف رؤوس شخصيات رئيسية في النظام السوري، وأن موت الوزير، بعد تجميد أرصدته، ورفع السرية عن حساباته في لبنان، من شأنه أن يدخل ارتباكاً جديداً على الوضع السوري المرتبك أصلاً، على خلفية تداعيات اغتيال رفيق الحريري، وذلك في ظل التوتر المتنامي بين سورية ولبنان، وتزايد الضغوط الدولية عامة، والأمريكية خاصة على الحكم في دمشق, ومن المفارقات أن كنعان، الذي عمل لفترة طويلة من الزمن في لبنان، سطع فيها نجمه، وكان فيها الحاكم الحقيقي للبلاد، ينتحر بسبب تقرير نشرته قناة تلفزيونية لبنانية, ومن المفارقات أيضا أنه اختار قبل موته أن يكذب المزاعم الواردة في ذلك التقرير من خلال وسيلة إعلام لبنانية أخرى، هي إذاعة "صوت لبنان", وهكذا يكون كنعان قد ارتبط بلبنان إلى حد التماهي، حياً وميتاً.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ