العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد20 /11 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

تحفظات على إعلان دمشق

قصي غريب

باحث عربي سوري

   في بادرة وطنية واعية و جريئة, أجتمعت في دمشق أحزاب و منظمات و شخصيات وطنية, معارضة للنظام الحاكم, و أطلقوا في 16 تشرين الأول 2005 ((إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي)). من أجل تعزيز الجبهة الوطنية الداخلية, و ضمان سلامتها ضد الضغوط الأمريكية المستمرة على سورية, و الذي يتحمل النظام الحاكم مسؤوليتها بسبب سياساته الضيقة الأفق مع لبنان الشقيق في الوقت الذي كان فيه من الحكمة عليه أن يكون متسلحاً بسياسة وطنية و عربية و إقليمية واعية بالمتغيرات الدولية و تفاعلاتها وأبعادها يكون من أولوياتها الحفاظ على سورية أرضاً و شعباً و ثوابتاً وطنية و عربية خاصة في ظل إدارة أمريكية محافظة و متصهينة بوصلتها نبوءات توراتية خرجت من عقالها, لها أجندة قائمة على أن أمن إسرائيل هو الألتزام الأساس للولايات المتحدة الأمريكية, في حين أن مصادر الطاقة مصلحة إستراتيجية حيوية لها و قد أعتمدت في تنفيذ سياستها على أخطاء و هفوات الأنظمة الدكتاتورية التي دعمتها بأستمرار بإعتراف وزيرة الخارجية كونداليزا رايس.

   لقد جاء ((إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي)) من قبل المعارضة السورية على الرغم من أن النظام الحاكم ما يزال سادراَ في غييه, فبدلاً من التوجه نحو الشعب السوري و الأنفتاح عليه في كل النواحي و خاصة من الناحية السياسية ما يزال مصراً على قيادة سورية بعقلية شمولية و ديكتاتورية و أستبدادية و فئوية و أسرية إقطاعية, سلاحها ضد الشعب السوري الأجهزة الأمنية, فالرئيس بشار الأسد نقض وعده بالإصلاح الذي وعد به في خطاب القسم الرئاسي الذي تسلم فيه سدة الحكم بترقيع دستوري فاضح و ضعيف الحجة تعايش معه الشعب السوري على أمل التغيير, و لكن يبدو أن الرئيس الأسد ما يزال أسير مراكز القوى الفئوية المتخلفة التي أورثته الحكم.

   أننا في ظل هذه الظروف نعتبر ((إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي)) شمعة أضيئت في ليل سورية الدامس تبشر بإنبلاج فجر آت على شعبنا الأسير تسود فيه الديمقراطية و ترفل عليه الحريات المتكيفة مع قيمنا و ثقافتنا العربية الأسلامية و مع إنفتاح و تفاعل و إنطلاق على أفكار و متطلبات العصر و الحضارة الأنسانية.

   و على الرغم من تأييدنا لـ ((إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي)) من حيث المبدأ, الآ إن لنا بعض التحفظات على الفقرات الآتية:

1. ((الأسلام الذي هو دين الأغلبية و عقيدتها بمقاصده السامية و قيمه العليا و شريعته السمحاء يعتبر المكون الثقافي الأبرز في حياة الأمة و الشعب. تشكلت حضارتنا العربية في إطار أفكاره و قيمه و أخلاقه, و بالتفاعل مع الثقافات التاريخية الوطنية الأخرى في مجتمعنا, و من خلال الأعتدال و التسامح و التفاعل المشترك بعيداً عن التعصب و العنف و الإقصاء. مع الحرص الشديد على إحترم عقائد الآخرين و ثقافتهم و خصوصيتهم أياً كانت انتماءاتهم الدينية و المذهبية و الفكرية و الأنفتاح على الثقافات الجديدة و المعاصرة )).

   في هذه الفقرة تم تناول الأسلام بطريقة ((ديماغوجية)) واضحة من أجل إرضاء الجميع و لكن على حساب الجميع, و كان الأجدر و الأجدى و بشكل شفاف تبيان مكانة الأسلام و دوره في حياتنا, و المكانة و الدور الذي يجب أن يأخذه في بناء الدولة السورية الديمقراطية المقبلة طالما ((هو دين الأكثرية و عقيدتها)) بعيداً عن العبارات الزخرفية الرصينة.

   فالمفكر العربي  د. قسطنطين زريق رأى في الأسلام أنه مبعث الأنطلاق العربي و مبدع حضارتها التي أشرقت على الأنسانية, و هو كيان متكامل تنظم شريعته سلوك الفرد و الجماعة في شؤونهم الحياتية المختلفة, فقد بلغ كل ناحية من نواحي ثقافتنا العربية إيجابياته و أنه يحض المجتمع و الفرد العربي على التجدد و الأرتقاء.

   و من خندق معادي رأى فيه المفكر الأمريكي صاموئيل هنتنغتون أنه في (صراع حضاري) مع الحضارة الغربية.

   و لمكانة الأسلام و دوره في حياة الأمة و الشعب و كونه ((دين الأكثرية و عقيدتها)) لا يجوز تناوله من قبل الإعلان بهذه الطريقة التوافقية لإنها على حساب مكانته و دوره الأنساني و الحضاري.

2. ((ضمان حرية الأفراد و الجماعات و الأقليات القومية في التعبير عن نفسها, و المحافظة على دورها و حقوقها الثقافية و اللغوية, و إحترام الدولة لتلك الحقوق و رعايتها في إطار الدستور و تحت سقف القانون)).

   في هذه الفقرة تظهر بوضوح تاثيرات نوح فيلدمان كاتب (قانون إدارة الدولة العراقية الأنتقالية), فهل يريد الإعلان الشروع في تفكيك سورية ذات الأغلبية العربية الى كانتونات و إقطاعيات بدلاً من أن يؤكد على وحدتها ارضاً و شعباً من خلال ضمانات دستورية عامة تؤكد على ((إن المواطنيين أمام القانون سواء و هم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية و السياسية و في ما عليهم من الواجبات و التكاليف و لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللغة)). الا تكفي الضمانات العامة التي تضمنها الإعلان ذاته: }((إقامة النظام الوطني الديمقراطي و الإعتراف بالآخر)), ((بناء دولة حديثة يقوم نظامها السياسي على عقد إجتماعي ينتج عنه دستور ديمقراطي عصري يجعل المواطنة معيار للإنتماء, و يعتمد التعددية و تداول السلطة سلمياً و سيادة القانون في دولة يتمتع جميع مواطنيها بذات الحقوق و الواجبات, بصرف النظر عن الجنس أو الدين أو الأثنية أو الطائفة أو العشيرة)), ((ضمان حق العمل السياسي لجميع مكونات الشعب السوري على إختلاف الإنتماءات الدينية و القومية و الإجتماعية)){.

   إن هذه المبادئ العامة التي تضمنها إعلان دمشق لا بأس أن تكون ضمانات دستورية عامة, اما الفقرة التي تضمنها الإعلان فنحن نتحفظ عليها بشدة لأن سورية رقم غير قابل للقسمة لدينا, و وراء هذا التحفظ إن هذه الفقرة تخدم الإستراتيجية الأمريكية التي تهدف الى (( تشجيع الشعوبية عن طريق إحياء القوميات و العصبيات و تدعيم مفهوم الولاء الطائفي بإذكاء الصراع بين أبناء الوطن الواحد)). ففي ظل المتغيرات الدولية الجديدة و للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى رفعت الولايات المتحدة الأمريكية شعار حماية الأقليات, ففي 14 شباط 1998 أصدر مجلس النواب الأمريكي قانون يقضي بفرض عقوبات على الدول التي تمارس الأضطهاد ضد الأقليات – و بالتأكيد نحن ضد هذه الدول التي تمارس الأضطهاد ضد أقلياتها و ندينها – و قد صادق عليه الرئيس بيل كلنتون في تشرين الأول 1998.

   لذلك ليس من المستبعد أن يحاول أعداء الشعب السوري و المتربصين به إثارة الفتنة بين أبنائه تمهيداً للتدخل الخارجي و هذا ما نرفضه و لن نقبل به أبدا.

3. ((إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية)).

الأكراد السوريون هم اهلنا و أشقاؤنا و شركاؤنا في الماضي و الحاضر و المستقبل و المصير, فنحن ننظر على انهم صلاح الدين الأيوبي و إن ما أصابهم من إضطهاد و ظلم و تمييز أصاب أبناء وطنهم جميعا, فالنظام الحاكم و هذا ليس دفاعاً عنه كان عادلاً في توزيع الأستبداد على كافة أبناء الشعب السوري و من دون تمييز لإنتماء, فكاتب هذه السطور في المنفى منذ أكثر من عقدين و هو (بدون) محروم من حقوقه المدنية و السياسية و لم يحمل جواز سفر او اي وثيقة سورية طوال هذه المدة الطويلة.

   لذلك فإن المطلوب ليس إيجاد حل ديمقراطي (للقضية الكردية في سورية) و إنما إيجاد حل ديمقراطي عادل لقضية كافة أبناء الشعب السوري و منهم الأكراد, الذي يجب أن لا يميزوا أنفسهم عن أخوانهم السوريين إلآ بإنتمائهم الى صلاح الدين الأيوبي بطل التوحيد و التحرير, لنكون وراءهم و ليس أمامهم.

4. ((التأكيد على إنتماء سورية الى المنظومة العربية)).

مرة أخرى تظهر تأثيرات نوح فيلدمان على إعلان دمشق, فالصيغة بهذا الشكل تبدو و كأنها تشكك بهوية سورية العربية التي كانت حاضرتها دمشق مركز الخلافة العربية الأسلامية – الدولة الأموية – و كانت موئل الحركة القومية العربية و قلبها النابض, و يدها العاملة في العصر الحديث, و كان الأنجع بالإعلان التأكيد على دور سورية العربي بدلاً من هذه الفقرة الأستفزازية, و اللغة العربية مفرداتها غنية للتعبير عن الأفكار بصورة واضحة, و نحن نؤكد و بدون لغة الإستحياء و الخجل أو القول على مضض التي وردت في الفقرة إن هوية سورية عربية مثل أركان الأيمان و أركان الأسلام.

5. ورد في الإعلان إن الموقعين عليه: ((الأحزاب و المنظمات: التجمع الوطني الديمقراطي في سورية, التحالف الديمقراطي الكردي في سورية, الجبهة الديمقراطية الكردية في سورية)).

   إن عبارة (في سورية) التي حملتها عناوين التجمع و التحالف و الجبهة تطرح تساؤلات عدة: هل التجمع و التحالف و الجبهة تنتمي الى دولة اخرى و لها فروع في سورية؟ هل التجمع و التحالف و الجبهة هم جاليات أجنبية في سورية؟ هل يرفض التجمع و التحالف و الجبهة الهوية الوطنية السورية؟

لقد كان عليهم إبعاداً لكل سوء فهم أو لبس او تشكيك أن تكون عناوينهم كالآتي:

التجمع الوطني الديمقراطي السوري.

التحالف الديقراطي الكردي السوري.

الجبهة الديقراطية الكردية السورية.

خاصة و إن سورية بتاريخها و جغرافيتها و أهلها يكون الإنتماء اليها فخراً.

   و بناء على ما تقدم فقد تم التحفظ على فقرات ((إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي)) الآنفة الذكر لأنها تشكل خطراً على سورية أرضاً و شعباً, مثلما نرى و نجتهد و لكل مجتهد نصيب.

و بالمقابل فأننا نعلن تأييدنا للاعلان من حيث المبدأ, آملين أخذ هذه التحفظات بعين الأعتبار في حال إنعقاد المؤتمر الوطني الذي يدعو اليه الاعلان.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ