العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20 / 03 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

سوريا: وسد الذرائع

سليم يونس الزريعي

لا يحتاج المرء إلى كبير ذكاء ليكتشف هشاشة وكذب ادعاء  إدارة بوش الابن والجماعة الأوربية بحديثهم الممجوج عن " الحرص " المشترك تبني الدفاع عن الديمقراطية والشرعية الدولية التي تنتهك من قبل بعض الدول العربية ، فيما يتجاهل ذلك " الحرص " بل ويبرر عدوانية النازيين الصهاينة تجاه الشعب الفلسطيني بل واستمرار ذلك الكيان الغاصب إدارة الظهر لكل قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي منذ أن تم زرعه في المنطقة العربية وعلى مدى أكثر من نصف قرن من الزمان .

هذه العدوانية " النيوكولنيالية " في نسختها الجديدة والمطورة  هي بالضرورة  تؤدي وظيفتها العدوانية لصالح التحالف الوظيفي بين الدولة العبرية كتجلي للحركة الصهيونية العنصرية ، والصهيونية المسيحية ممثلة في المحافظين الجدد في مركز القرار في الدولة الأمريكية ، رغم كل الشعارات المضللة والخادعة التي يتم رفعها حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والشرعية الدولية ، التي تنتهكها الإدارة الأمريكية والدولة العبرية في كل الأوقات أمام سمع وبصر هذا النظام الدولي الجديد المتواطئ بعضه والمستكين بعضه الآخر لشروط الحالة الأمريكية الجديدة التي يغذيها ذلك التفوق العسكري والاقتصادي وهواجس  الرئيس الأمريكي بوش الابن أنه اختيار العناية الإلهية من أجل خير البشرية .

ولأن هذا الخداع والتضليل تغلفه تلك القوة الأمريكية المتوحشة المنفلتة من كل المعايير القانونية والأخلاقية ، فقد بات من حسن التصرف لدى العديد من الأطراف دولا كانت أو حتى أحزاب هو التلطي خلف تلك الادعاءات وتردادها حتى بات البعض لا يعدو أن يكون صدى للآلة الدعائية الأمريكية ـ الصهيونية التي لا ترعوي من قول أو فعل أي شيء لخدمة مصالحها حتى لو كانت على حساب حقوق ومصالح الشعوب وبالضد من مقتضيات الحق والعدل وقواعد القانون الدولي.

 ولعل في كذبة  ما سمي بأسلحة الدمار الشامل العراقية التي كانت صناعة صهيونية ـ أمريكية بامتياز والتي شنت الإدارة الأمريكية مع مجموعة الدول التي تدور في فلكها صغرت تلك الدول أم كبرت ، الحرب على الشعب العراقي بذريعتها ما يمثل  أنموذجا صارخا على عدوانية تلك الإدارة وكذب تلك الدعاوى والشعارات المضللة التي تتحدث عن الحرية والديمقراطية والتحرير، على الطريقة "البوشية " والتي راح ضحيتها حتى اللحظة ما يقارب  المئة  ألف ضحية من أبناء الشعب العراقي حسب بعض التقديرات الأجنبية ، إنما تؤشر إلى الهدف الحقيقي وراء تلك الحرب العدوانية .

وإذا ما تابعنا قراءة المشهد العراقي في ظل  الاحتلال ومن ثم تداعيات ذلك العدوان لأغنتنا تلك التداعيات عن كل تحليل ، ففيما يتبجح الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني بالإنجاز الديمقراطي العراقي الذي يجري تعليبه ليصبح الوصفة الجاهزة لكل أنظمة الممانعة في المنطقة العربية تحت مسمى تعميم الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير الذي يسكن مخيلة الرئيس الأمريكي والكيان الصهيوني كانت نتيجة تلك الديمقراطية تدمير العراق ونسيجه الاجتماعي وبنيته التحتية  من خلال خلق  مناخات سياسية واجتماعية  تتكئ على البعد الطائفي والاثني على حساب التساوي في المواطنة بين جميع أبنائه أيا كانت مذاهبهم أو معتقداتهم الفكرية أو السياسية .

ولعله من نافل القول الإشارة هنا إلى أن الحرية والديمقراطية والمساواة في المواطنة هي على الطرف النقيض من المحاصصة الطائفية سياسية كانت أم اقتصادية أم جغرافية ، فحيثما يجري " تشريع "  المذهبية والطائفية والاثنية تصبح الديمقراطية مجرد أكذوبة وبضاعة فاسدة لا سوق حقيقي لها إلا لدى تجار الطوائف والمذاهب والاثنيات الذين لا تربطهم بالوطن بمعناه الكلي سوى المصلحة وحيث تكون المصلحة بمعناها الضيق والرخيص يكونون دون النظر إلى مصلحة الوطن بكليته راهنا أو مستقبلا .

ولأن الديمقراطية العراقية تعتبر المثل المفضل حاليا لدى بوش الابن ورئيس وزراء المملكة المتحدة التي كانت لا تغرب عنها الشمس ، فيبدو أن حالة التجريب الثانية " للتحرير والدمقرطة" قد وقعت على سوريا ، والذريعة هذه المرة هو الاحتلال السوري للبنان ، ولأن اختلافا جوهريا بين ما كانت عليه الحالة العراقية والحالة السورية ، من فقدان للعامل الداخلي السوري بثقله ووزنه وتأثيره مقارنة بما كان عليه الحال في العراق .

 وإذا ما أضفنا إلى العامل الداخلي الضاغط  ذلك الكم من العداء الذي كان يكنه جيران النظام  العراقي السابق له ، وبالطبع كل كانت له أسبابه بصرف النظر عن مدى موضوعيتها وصدقيتها من عدمه ، كان لابد من الدخول إلى  سوريا عبر بوابة التواجد السوري في لبنان حيث أخذت المعارضة اللبنانية على عاتقها تلك المهمة ببدء حملة ما يسمى بإنهاء  الاحتلال والهيمنة السورية للبنان ، وذلك عبر" الأم الحنون " فرنسا ، ليثمر ذلك التحرك الذي تبنته الولايات المتحدة بقوة مع فرنسا عن قرار مجلس الأمن رقم    1559 ، الذي يطالب في أحد بنوده بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان .  

ولكي يثقل ملف الادعاء ضد سوريا ليستحق أن تباشر الدعوى ضدها من أكثر من طرف دولي ، كان لابد من اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري ، لكي يصبح  ورقة تتاجر بها المعارضة من جانب ، ولزيادة الضغط على دمشق ومن أجل جلب جزء من الطائفة السنية في ظل بث حملات التحريض والكراهية والعنصرية ومن ثم الاتهام  من قبل بعض المعارضة ضد سوريا وحلفائها في لبنان والتي سبقت تلك الجريمة وواكبتها ، عبر تجنيد مكثف وغير ومسبوق لوسائل الإعلام المرئي والمكتوب اللبنانية والأجنبية ، إلى موقع المعارضة التي باتت تتخندق وراء  أمريكا وفرنسا والقرار الدولي المذكور موضوعيا من جانب آخر  ، ليصبح الطلاق بين بعض السنة و سوريا وحلفائها في لبنان بعد كل ما قدمت من أجل لبنان الواحد والمحرر من الاحتلال الصهيوني بائنا .

وفي إطار دور إدارة بوش المباشر والمحرك للمعارضة اللبنانية ، فقد  قام  ديفيد ساتر فيلد نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية بقيادة وتوجيه ميداني لتحرك تلك المعارضة التي لم يرف لها جفن وهي تتحدث عن الحرية والاستقلال والتدخل الخارجي ، خلال الفترة التي سبقت استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي ، حيث لم يغادر بيروت إلا والحكومة الكرامية قد استقالت ، ليسجل بذلك النقطة الأولى لصالح المعارضة .  

وبالتوازي مع ذلك ، باتت الحالة اللبنانية ـ السورية مقررا يوميا لدى بوش الابن وأركان إدارته لاستثمار الحالة النفسية والارتباك الذي ساد أطراف حلفاء دمشق ، باستمرار الهجوم السياسي والإعلامي من خلال تأليب الرأي العام الدولي المحكوم بشروط آلة الدعاية الأمريكية الهائلة ، في إطار استخدام الذريعة اللبنانية من أجل معاقبة سوريا ، حتى بعد أن تخرج  من لبنان ، وهو الأمر الذي لم تعد تخفيه الإدارة الأمريكية بعد أن قدمت لها المعارضة اللبنانية مفتاح البوابة السورية تحت عنوان التأثير والحضور السوري في الواقع السياسي اللبناني رغم عدم وجودها المادي .

ولذلك فقد استمرت الإدارة الأمريكية وبالتبعية المعارضة اللبنانية رغم القرار السوري ـ اللبناني المشترك بانسحاب القوات المسلحة السورية من لبنان بتصعيد هجومها المكثف على سوريا وحلفائها في لبنان في سياق الاستخدام الوظيفي لتلك المعارضة لخدمة المشروع الصهيوني ـ الأمريكي ليس للبنان وسوريا فحسب  بل لعموم المنطقة العربية تحت عنوان ما يسمى بتعميم الديمقراطية ، ومن ثم سيبقى دور هذه المعارضة في خدمة الاستخدام الأمريكي ، طالما بقيت القوى الوطنية اللبنانية في موقع المعاداة للمشروع الصهيوني واستمرت الممانعة السورية للمشروع الأمريكي قائمة  .

 ومع أن القوى الوطنية اللبنانية المناهضة للمشروع الصهيوني قد استعادت توازنها من خلال استعراض القوة الجماهيرية غير المسبوقة في يوم له بالتأكيد مدلوله ومغزاه القومي لأنه يوم الثامن من آذار، فإنها أكدت في الوقت نفسه و بما لا يقبل الشك حضورها كرقم يمثل أغلبية الشارع اللبناني في رسالة واضحة لمن يريد صحيح القراءة  ، سواء كانت القوى الخارجية أو المعارضة اللبنانية ، أن حذار من اللعب بالنار لأن لبنان لا يحتمل حربا أهلية أخرى ، وأيضا فإن سوريا ليست وحدها .

 ومع ذلك فإن  بعض المعارضة اللبنانية في مجال دورها الوظيفي التاريخي المحدد وفي ظل ما تعتقده من خلل في موازين القوى راهنا لصالح مشروع " الأمركة " لن تعدم الوسائل  من أجل خلق ذرائع جديدة ليس في مواجهة سوريا فحسب ، بل في مواجهة القوى الوطنية اللبنانية الأخرى ، ومن ثم   فإنه لا يبدو خارج سياق ذلك الدور  ما كشفت عنه بعض المصادر الصحفية من اتصال تلك المعارضة بالكيان  الصهيوني في ذروة الأزمة اللبنانية الحالية ومن عودتها مجددا الدفاع عن اتفاق 17 أيار المقبور  ، الأمر الذي يلقي بظلال من الشبهات حول  دور بعض هذه المعارضة في إطار مشروع الدولة اللبنانية ككيان واحد لجميع أبنائه.

وهي في إطار تكامل  دورها غير المباشر في  سياق المشروع الأمريكي ـ الصهيوني تجاه سوريا ، مع  دورها المباشر على صعيد الداخل اللبناني على قاعدة أن دورها في إضعاف الممانعة التي يقودها حزب الله وبقية القوى الوطنية اللبنانية بجميع ألوان طيفها لذلك المشروع ، إنما يصب في مجرى محاصرة سوريا وفرض الإملاءات الأمريكية الصهيونية عليها ، وبالتالي فإن حديث بوش الابن عن دعوة حلفائه في أوربا من أجل محاصرة والضغط على سوريا بالترافق مع إعداد بعض المشرعين الأمريكيين لتبني مشروع " تحرير سوريا " على غرار ما كان من تحرير للعراق ، إنما يؤشر إلى الأهداف والأبعاد الحقيقية وراء القرار 1559 ومن ثم فإن ما جرى وما يجري في لبنان ، لا يعدو أن يكون الشجرة التي تخفي الغابة .

وفي هذا السياق  فإذا كان  متطلب سد الذرائع  هو ضرورة ، فإن سحب البساط عما  يمكن أن تأتي بها شرعية دولية أسيرة لدى البيت الأبيض منذ أن أصبح العالم يعيش على وقع القوة الوحيدة المهيمنة في العالم في ظل النظام الأحادي القطب هو ضرورة أكبر ، لأن ذلك كفيل بتوفير المناخ الملائم لزيادة  حجم الممانعة الدولية إن لم يكن العربية الرسمية لأي عمل أو تصرف أحمق من قبل تلك الإدارة تجاه دمشق رغم صدور بعض الأصوات النشاز من بعض النظام الرسمي العربي .

ففي ظل إدارة تحاول أن تكيف القانون الدولي لصالح أجنداتها الخاصة ولا تقيم وزنا للشرعية الدولية ، وفي وقت باتت لا تخفي  نواياها العدوانية تجاه سوريا ، دون مراعاة للحد الأدنى من اللياقة السياسية ، واحترام حقوق الدول وسيادتها كما أقرها ميثاق الأمم المتحدة ، فإن متطلب قفل ملف التواجد العسكري السوري في لبنان كفيل بأن ينزع على الأقل كل المبررات الواهية التي بات يلوكها الرئيس الأمريكي في كل الأوقات ، على قاعدة أن خاصرة سوريا في لبنان مع كل هذا الحضور الشعبي المؤيد للمقاومة والرافض للتدخل الأجنبي ستكون من القوة والمنعة بأهل لبنان وقواه الحية المجربة .

ومن ثم فإنه رغم المخاطر الجدية من حماقة أمريكية أو صهيونية تجاه سوريا ، فإن الإدارة الأمريكية  ترتكب خطأ فادحا إذا ما حاولت التفكير بتعميم الحالة العراقية على أي قطر عربي آخر ، وذلك للاختلاف الجوهري بين الحالة العراقية وأي حالة عربية أخرى  إن لأسباب موضوعية أو ذاتية أو إقليمية ، ناهيك أن الاحتلال الأمريكي كان ولا يزال غارقا في المستنقع العراقي ، ليصبح السؤال هل يتعظ  بوش الابن من درس العراق ؟ ذلك بالتأكيد ما ستجيب عليه الأيام القادمة .

كنعان النشرة الألكترونية 12 آذار (مارس) 2005


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ