العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20 / 03 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

بعـث واحـد لا بعثـان

عمر بهلول

صرخة المسجد المحزون

هل كانت جرائم البعث خافية على أحد في العالم العربي قبل سقوط نظام صدام حسين في العراق؟ ألم نكن جميعاً نسمع ونعلم بما جرى على حزب الدعوة والشيعة وسكان الجنوب، وعلى الأصوليين السنة في بغداد، وكذا ما جرى في حلبجة، وما عانى منه الأكراد في الشمال. ألم نكن جميعاً مطلعين على الديبلوماسية الداخلية لصدام وعدي وقصي وسبعاوي والجزراوي؟ هل كان يغيب عن العالم أن العراق البعثي عاش حتى القرن الحادي والعشرين بلا صحف ولا مجلات ولا منابر ولا أحزاب ولا جمعيات ولا صحون لاقطة ولا حتى بث إذاعي؟ هل العالم الذي تصنع الدهشة يوم كشفت المقابر الجماعية التي ضمت مئات الألوف من الشيعة والسنة والأكراد يستطيع أن ينسى أن العراق البعثي كان كله (قبراً أكبر..) تحت سمع العالم وبصره؟

وأي شيء قلناه عن بعث العراق يبرأ منه بعث سورية؟ هذا البعث الذي تتواطأ معه اليوم دول وأنظمة وأحزاب ومثقفون عرب كما تواطؤوا من قبل مع نظام صدام.

بعد مضي ما يقرب من خمس سنوات على عبور القرن الحادي والعشرين ماتزال سورية تعيش كما كان عراق البعث يعيش بلا صحف ولا مجلات ولا منابر ولا إذاعات خاصة ولا أحزاب ولا جمعيات و(البعث القائد) وحده هو المهيمن على الدولة والمجتمع.

في سورية اليوم كما كان في العراق بالأمس مئات الألوف من المواطنين (البدون) أكراد في الداخل، ومعارضون في الخارج تسمع استغاثاتهم على الفضائيات فلا تكاد تصدق، يحدثونك عن أطفال ونساء لثلاثة أجيال حرموا مما حرم منه آباؤهم وأجدادهم.

منذ أيام قرأت لأحدهم يرى أنه أكثر شقاء ومرارة من لاجئ فلسطيني. لقد اعتبر اللجوء حالة متقدمة لم يحظ بها مهجرو البعث القسريون.

من يستطيع ان يفرق بين ما جرى في حلبجة أو في الأهوار وبين ما جرى في حماة أو تل الزعتر أو الكرنتينا؟ من يستطيع أن يفرق بين هويات الأشخاص الذين دفنوا في مقابر العراق أو أؤلئك الذين تحدث الصحفي (نزار نيوف) عن رفاتهم المغيبة في صحراء تدمر؟

إلى أي حد اختلف احتلال صدام حسين للكويت واحتلال حافظ أسد للبنان إلا بالطريقة والأسلوب والزمن.

من قرأ ما كتبه الرياضي العراقي (عبدالرزاق) في صحيفة القدس العربي منذ سنوات قريبة عما يجري في سجن تدمر في عهد الرئيس بشار الأسد، لا يستطيع أن يطلق لسانه ليدين ما فعله صدام حسين في سجون العراق أو ما فعلته القوات الأمريكية في أبي غريب أو ما تفعله في غوانتانامو حتى الآن.

حين سقطت الأقنعة، وتطايرت الستائر عن معاناة شعب العراق من (حزب البعث العربي الاشتراكي) وضع البعث السوري استراتيجيته الإعلامية على أساس نفي العلاقة بينه وبين بعث العراق واعتبار البعثين منفصلين تماما ولكن لا..

فالحقيقة التي يجب أن يعلمها العالم وتعلمها أمة العرب وتعلمها النخب الإنسانية في كل مكان أن: البعث واحد لا بعثين.

البعث واحد في المنطلقات، وواحد في الأهداف وواحد في الوسائل والمناهج وواحد في ثمرات غرسه التي يشبه طلعها رؤوس الشياطين.

وحين تتابع نص المسرحية البعثية السوداء المكربة، لن يخدعك أبداً اختلاف المسرح أو اختلاف الممثلين. ولقد كان البعث في العراق فرع البعث في سورية وكان أشبه به من الماء بالماء.

ففي سورية كما في العراق مئات الألوف من الضحايا الذين سحقتهم مجنزرات البعث. لا يجوز لأحد أن يغفل عن عشرات الألوف الذين طحنتهم الحرب الأهلية اللبنانية التي كان بعث سورية يدير ببراعة رحاها. لا يجوز أن يُنسى الضحايا من الفلسطينيين ومن منظمة أمل ومن المسيحيين الذي ضربهم بعث سورية مباشرة أو ضرب بعضهم ببعض.

أذكر أن أحد الساسة العرب أرسل للرئيس حافظ أسد كتاباً مفتوحاً عندما كان يمعن في ذبح أهل طرابلس يذكره أن الناس في طرابلس ليسوا قططاً شاردة أو كلاباً ضالة. قد أكون أنسيت الواقعة والنص، ولكنني لا أزال أذكر العبارة..

القتل والفساد والتدمير هي حصاد نصف قرن من حكم البعث في سورية والعراق. والجناية الكبرى التي جناها البعث على الأمة ;,أمهي أنه قطع الطريق على أملها في النهوض.

لقد أجهض البعث بتبنيه الكاذب للوحدة العربية مشروع الوحدة في عنفوانه. وشوه البعث العلمانية بصبغه طريق الخلاص العصري العلماني بالاستبداد والفئوية هنا وهناك.

هل سيصدق أحد إذا قلنا إن هذه الهبة الأصولية التي يشهدها العالم العربي والتي يشهدها العراق وسورية هذه الأيام هي ردة فعل مباشرة على الأداء البعثي الكريه للدور العلماني.

فُهمت العلمانية في عالمنا العربي بفضل البعث على أنها معادية للدين وللإسلام بشكل خاص. ولم تكن العلمانية إلا حامية لعقائد الناس مطلقة لآفاق الحرية الدينية في كل مكان.

فُهمت العلمانية في عالمنا العربي على أنها قرين الاستبداد الذي تزيا بطيلسانه البعث القائد للدولة والمجتمع، وسُحق الآخر شيوعياً كان أو ليبرالياً أو إسلامياً فنفر الناس من الاستبداد وممثليه.

فُهمت العلمانية في عالمنا العربي ـ بفضل الأداء البعثي ـ على أنها قرين الفساد والتفلت من القيم والمعايير. وحل مفهوم (الشطارة) الحزبية مكان معنى (العيب) الاجتماعي، فلاذ الناس بالقيم الدينية ليحتموا بها من قراصنة السلب الوطني.

حين اندحرت العلمانية في الشارع العربي اندحرت معها الديموقراطية. وردنا البعث بفضل جهوده إلى عصر محمد علي ورفاعة الطهطاوي لنبدأ مشروع النهوض من القاع.

بعث واحد لا بعثان..

هذه حقيقة يجب أن تدركها الأنظمة والنخب العربية وكل أصحاب الضمائر من بني الإنسان.

القائلون باستئصال البعث هم في أساليبهم بعثيون أجمل وأكمل ما يواجه به هذا الحزب المريب أن تفتح أوراقه وملفاته أمام أعين الشعوب ومحكمة التاريخ.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ