العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 20 / 03 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

الديمقراطية والدين

هل تستطيع الديمقراطية أن تلغي الديمقراطية؟

في النظام الديمقراطي حيث الحكم للأكثرية، هل تستطيع الاكثرية إتخاذ قرارات بتجريد الاقلية من أموالها وحقوقها؟

هل تستطيع الاكثرية أن تشرع في الدستور الظلم والتحييز؟

هل تستطيع الاكثرية أن تلغي الديمقراطية؟

قد يكون الجواب نعم من الناحية النظرية، غير أن هذا أمر غير واقعي من الناحية العملية،

حيث أن للديمقراطية أعرافا ومبادئ قد تكون مكتوبة او غير مكتوبة غير أنها بدون شك موجودة ومعتبرة ومتشابهة في كل الانظمة التي يصلح أن تسمى ديمقراطية ... إننا نجدها في الفقرات الاولى من أي دستور ديمقراطي ... إنها بكل بساطة مبادئ العدل والمساواة والحرية والكرامة وتكافؤ الفرص ...

وهي مبادئ الفطرة السليمة ومكارم الاخلاق وحلف الفضول ومنظمات حقوق الانسان ... إنها روح التعاليم الدينية لعلاقة الانسان بالمجتمع.

فعلى سبيل المثال: نجد أن مقدمة الدستور الاميركي تقول بالحرف الواحد:

We the people of the United States, in order to form a more perfect union, establish justice, insure domestic tranquility, provide for the common defense, promote the general welfare, and secure the blessings of liberty to ourselves and our posterity, do ordain and establish this Constitution for the United States of America.

وترجمة ذلك: نحن شعب الولايات المتحدة، لأجل تحقيق الاتحاد كامل، وإقامة العدل، وتحقيق الامن الداخلي، وتوفير الحماية العامة، وزيادة الخير العام، وضمان نعمة الحرية لأنفسنا ولذرياتنا. نسن ونرسم هذا الدستور للولايات المتحدة الامريكية.

وعليه فإن الديمقراطية بالاضافة الى أنها الاحتكام الى صناديق الاقتراع فانها تقوم أيضا على مجموعة من المبادئ الاخلاقية والاجتماعية التي تصلح لأن تجتمع عليها أصوات ثلثي الامة أو أكثر، وهو المقدار الذي يلزم لاجراء تعديل دستوري في أغلب الانظمة الديمقراطية.

 

هل نختار الدين أم الديمقراطية؟

إن في هذا السؤال مغالطة تجعل من الديمقراطية ندا منافسا للدين وهذا غير صحيح، إن يشبه أن نسأل هل نختار الدين أم مكارم الأخلاق؟ لقد بذل كثير من الكتاب المسلمين جهودا كبيرة ليقنعوا الناس أن الديمقراطية ليست من الدين بل هي كفر ... وهذا في الحقيقة ظلم للديمقراطية وتجن عليها، إن الديمقراطية الحل الامثل للمجتمعات المتعددة الاديان والمذاهب والاتجاهات، وهو حال معظم الدول في عصرنا هذا، وهو يشابه حال الدولة التي نشأت في المدينة المنورة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، فقد أصبح في المدينة أكثرية مسلمة وأقلية يهودية، وكان الحل هو إبرام عقد إجتماعي واقعي عادل يشمل علاقات الانسان الثلاثة:

علاقة الانسان بنفسه يحددها الانسان بنفسه حسب أفكاره أو دينه

علاقة الانسان بربه يحددها الانسان بنفسه حسب أفكاره أو دينه

علاقة الانسان بمجتمه يحددها عقد اجتماعي يقوم على العدل والمساواة والحرية، وينظم المصالح المرسلة الكثيرة التي يحتاجها الناس في حياتهم اليومية، ومنها مثلا الديات الذي تشترك في أدائها القبائل بحسب علاقاتها القبلية لا بحسب دينها، فيتعاون فيه المسلمون مع اليهود بحسب قبائلهم وصداقاتهم القديمة، كما يضع هذا العقد الاجتماعي صيغة للدفاع المشترك عن المدينة كل من جهته ...

إن هذا العقد الاجتماعي هو صورة من صور الديمقراطية، صورة مبسطة واقعية تتناسب مع طبيعة ذلك المكان والزمان.

أما اليوم وفي عالم أصبح الناس فيه كأنهم في قرية واحدة، وأصبح المهاجرون والاقليات والاختلاط السمة العامة لمعظم البلدان، فلا شك أن الطرح الديمقراطي هو صيغة عادلة واقعية حضارية صالحة للحياة الاجتماعية، وقابلة لأن يجتهد المصلحون والمنظرون في طرح أفكارهم وعقائدهم فيها في جو من الحرية والعدالة والمساواة، إنها المركب الحيادي الذي يسع الجميع، ويقوده الربان الماهر الذي يقنع الناس بمنهجه وأفكاره ويسير بهم في رحلة سلام برضاهم وحبهم. وفرص الصالحين والنزيهين في الديمقراطية أكبر من فرص المفسدين والكاذبين، لأن للفساد روائح نتنة تفوح منه ولو بعد حين، وحبل الكذب جد قصير ...

 

المتدينون والعلمانيون:

إن هذه النظرة العملية إلى الديمقراطية ستجعل المتدينين والعلمانيين يقفون صفا واحدا أمام الظلم والفساد. وينتقلون من حرب داحس والغبراء إلى الالتقاء على ما اتفقوا عليه وعلى إعذار بعضهم بعضا فيما اختلفوا عليه.

إنهم قد اتفقوا على العدل والمساواة والحرية، واتفقوا على محاربة الظلم والفساد والاستبداد، فليلتقوا على ذلك.

وقد اختلفوا في معتقداتهم وثقافاتهم، فليعذر بعضهم بعضا في ذلك. 

أن كثيرا من العلمانيين أصبحوا يدركون أن عدوهم الحقيقي هم المستبدون والفاسدون وليست الشريحة المتدينة المتنورة من المجتمع، كما أن كثيرا من المتدينين أصبحوا مقتنعين بان الدولة المنشودة هي دولة مدنية ديمقراطية، دولة تلحظ وجود التنوع والتباين في أبناء الوطن، فتضع قوانين وتشريعات توفر العدل والمساواة والحرية لابناء الوطن وتوفر الحماية للاقلية من جور الاكثرية. ولو حصل بعض الاختلاف في البرلمانات فعلى الجميع أن يبذلوا وسعهم في أجواء من الحرية لبيان الحق وإقامة الحجة على الآخرين بالمنطق والحوار.

ولو أن البرلمان يضم الراشدين من الامة، فإن القرآن الكريم يبحث عن رجل رشيد ( أليس منكم رجل رشيد)، فلعل رجلا واحدا رشيدا في برلمان حر، حري به أن يهدي قومه سبيل الرشاد، بالحجة والاقناع لا بالادعاء بأنه يملك سلطة إلهية تخوله إلزام الآخرين.

وحتى لا يكون كلامي خياليا أرى أنه من المناسب ذكر التجربة التركية كصورة تقريبية لما أقول، إن حزب العدالة والتنمية يقدم نفسه على أنه حزب ديمقراطي لا على أنه حزب إسلامي، غير أنه بتطبيقه لمبادئ الديمقراطية فإنه يطبق الجانب الاجتماعي من الاسلام من عدالة ومساواة وحرية ... وهو ساحة العمل الصحيحة للسياسين والحكام، أما علاقة الانسان بنفسه وربه فتترك للدعاة والمصلحين من كل رأي ودين ليعرضوا بضاعتهم في أجواء العدالة والحرية والشفافية التي توفرها الديمقراطية، والبقاء للاصلح ... إنهم يسعون لتطبيق الجانب المهم من الاسلام الذي ينظم حياة الناس، ويسعون لتحسين علاقة الناس بربهم لا بقتل المرتدين وسجن تاركي الصلاة بل بنشر الحرية وتوفيرالعلم والمعرفة للناس ...

 

الديمقراطية والاستغلال؟

هل الديمقرطية مستعصية على الاستغلال والفساد؟ كلا،  غير أن هذا هو خروج عن الاصل وصيد في الماء العكر، فان الديمقراطية مثلها مثل غيرها قابلة للاساءة والاستغلال والتضليل وخاصة في الظروف الصعبة والاستثنائية، حيث يحاول المستبدون تعطيلها بشتى الوسائل والحجج والاعذار ...

 

الديمقراطية في الدولة، والديمقراطية في العالم:

كذلك هناك فرق بين الديمقراطية في الدولة والديمقراطية في العالم، فالديمقراطية في الدولة حقيقة ماثلة كما هو الحال في أمريكا وأوروبا الغربية مثلا، غير أن الديمقراطية العالمية غير موجودة أصلا فالعالم يعيش حالا من عدم الديمقراطية شديد الخطورة بسبب هيمنة الدول القوية على الدول الضعيفة من خلال الامم المتحدة ومجلس الامن الذي يسمح لدولة واحدة فقط من دول الفيتو بأن توقف أي قرار ولو أجمعت عليه الدنيا.

وتحقيق الديمقراطية العالمية مطلب عادل يجب أن يصار إليه لرفع الظلم وحماية الدول الضعيفة من استغلال الدول القوية، سيصار إليه إن عاجلا أم آجلا، وذلك بعد أن يكون في عداد الدول القوية دول قادرة على تفهم مصالح الآخرين بجانب تفهم مصالحها، دول تقيم السلام العادل في الارض وتحارب الاستغلال والظلم ظاهره وباطنه، غير أننا نخطئ عندما نحارب الديمقراطية جملة لأن بعض الدول التي تطبق الديمقراطية داخل بلادها تقوم بظلم الآخرين خارج بلادها.

وأخيرا قد لا تكون الديمقراطية أفضل طريق، غير أنها أكثر الطرق واقعية في هذا العالم الذي أصبح صغيرا.

محمد زهير الخطيب    تورنتو / كندا   abusinan@yahoo.com

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ