العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19 / 03 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

وعلى الأحرار سلام

تحيّة لبرهان غليون

     كُنا نعيش في " عقدة طهارتنا " ، لا هَمّ لنا ولا غَمّ ، سوى أنَّ الجولان عربي سوري ، وأنَّ الاحتلال زائل لا محالة ؛ يوم صَدَمنا برهان غليون وثلّة مِن أسياد الكلمة الحرّة والقلم الجريء ، بحقيقة أوطاننا التي تشبه كلَّ الأشياء إلا الأوطان ؛ حقيقة أنَّ أرخصَ ما فيها أعزُّ ما في الكون والأوطان ؛ لندركَ لاحقاً ، أنّا كنّا متآمرين بالصمت على أنفسنا أولاً ، وعلى أوطاننا تالياً ؛ ساعةَ غضضنا الطرف عن بَدَهيّة أنَّ الحقيقة أقدسُ مِن أن تُحَدَّ بزمان أو مكان واعتبار ، وَغلّبنا الوطنية على قيم الحرّية والعدالة والديموقراطية ، حينَ أملى على كثيرين مّنا الوقوف بوجه القهر والاحتلال ، إغماض الأعين عن أنَّ الظلم ليس له وطن ولا دين ، وكائناً ما كان مصدره .

       الدكتور برهان غليون ، ومِن مقامه العلمي الرفيع في جامعة السوربون ، أطلَّ علينا بمقال على صفحات " الاتحاد " الإماراتية 1 / 3 / 2006 ، بعنوان : " وفاء الجولان " ، مُشخّصِاً الحالة الجولانية وما تحتله في الضمير السوري ، الشعبي والرسمي ، مستلهماً ذلك كلّه مِن رسالة وصلته ، تحمل توقيع أحد أسرى الجولان السوري المحتل في سجون العدو الإسرائيلي .

     فضيلةُ برهان غليون ، أنه كان ممَّن كتبوا وقالوا ، يوم كان لكلمة الحق ثمنها      الباهض . هجرَ الوطن حاملاً أوجاعه ومآسيه إلى حيث استقر به المقام ، ساعياً بكل ما أوتي إلى لضم جراحه . فإضافة إلى كونه هالة معرفية وفكرية وعلمية ، كان مِن هدّامي الأسوار العالية – ليسَ على طريقة فرسان القرون الوسطى – وهو ، مِن أولئك الذين لهم شرف إطلاق الرصاصة الأولى على قلاع القمع وعروش الطغيان ، عبر سلسلة طويلة من الكتب والمقالات والندوات والإطلالات المذاعة والمتلفزة . وكان ، دعا المثقف ذات يوم فيما دعا " أن يرتدَّ بصره تجاه المجتمع والشعب ، بدل أن تظلَّ عيونه معلّقة ومبهورة ببريق سلطة زائلة " .

     يطلُّ علينا اليوم برهان غليون ، كما ياسين الحاج صالح ، صبحي حديدي ، رزان زيتونة وفايز سارة وآخرون ، ليلقي على أهله في الجولان تحية بعد طول غياب . كيف لا ؟ ودعواته الدائمة إلى تحديد بوصلة المشاعر الوطنية والقومية ، وتنقيتها مِن فوضى حواسها ، تلتقي مع توجه الكثيرين مِن مُحبّيه هنا . 

     سنوات القهر ، التي يقضيها وئام عماشة ، الأسير الجولاني الذي شكا همّه لبرهان غليون ، علّمته أن الطريق إلى تحرير أرضنا المحتلة ، لا يمكن أن يمرّ إلا عبر كسر قيد   الوطن ، بعد أن أفرغت حلقات العنف والصراع الدائر في منطقتنا كل الأيديولوجيات  والديماغوجيات العربية السائدة مِن مضامينها ، والتي قامت مِن الأصل على ضرب قيم المواطنة الحقّة وتهشيمها .

     في معرض حديثه ، عن معركة المصير التي يخوضها النظام ، وما ترتّب على ذلك مِن تأجيل حسم بعض القضايا ، وعلى رأسها الجولان ، يستنتج الدكتور غليون أن هذا الوضع        " أحبطَ أسرى الجولان كما أحبطَ شعبه ، الذي ينتظر منذ عقود عودته إلى وطنه الأم ، ودفع بهم مع بقية أبناء وطنهم إلى موقف المعارضة ، واعتبار الوصول إلى ضمان الحريات والحقوق الأساسية لكل فرد ، هو الطريقة الحتمية نحو تحرير الجولان وضمان الحقوق الوطنية لسكانه " .

     لكن الموضوعية والأمانة الصحفية تقتضيان التوضيح ، أنَّ الجولان لا يشكّل حالة معارِضة بالمعنى الدقيق الذي خلص إليه الدكتور غليون ، رغم وجود الكثيرين ممّن تنسجم مواقفهم مع طروحات المعارضة السورية . ففي الجولان خليط هائل مِن الاصطفافات السياسية والعقائدية ، على اعتبار أنه لم يعرف الولاءات الحزبية أو الانتماءات السياسية المنظّمة بمعناها الحقيقي منذ الاحتلال ، وقد تسأل أحدهم عن انتمائه ، فيجيبك ممازحاً أنه وطنيّ حُرّ ( يَعني .. مِن جماعة دوري شمعون ) .

     فبعض الأطراف ، التي تتعاطى الشأن السياسي أو يحرّكها الهمّ الوطني تعاني تشويشاً كبيراً ، وخلطاً في تعاريف الانتماء والولاء ، إما عن قناعة ، وإما بحكم الضرورة ؛ فتحْتَ ذريعة أولوية مقاومة الاحتلال ، وعدم شرخ الصف الوطني ، يحاول البعض هنا حصر الولاء للوطن مِن بوابة الولاء للنظام الحاكم  فيه ، بل إنَّ مجرّد إطلاق صفة " نظام " وليسَ " قيادة " على السلطة الحاكمة ، يكاد يكون بأعين أولئك خيانة وطنية لا تُغتفَر ! بينما ، تَعتبر شرائح أخرى ، أنَّ حبلَ سُرَّة وحلفاً موضوعياً يربط بين جثومهم الطويل تحت الاحتلال ، ووجود نظام شمولي تسلّطي على سدَّة الحكم في وطنهم .

 وكيلا لا يقع أي كاتب مهتم بشؤون الجولان – عن طيب نيّة – ضحيّة تشويش ، تكفي زيارة سريعة لمواقع الإنترنت الجولانية ، لمعرفة حجم التنوع في المواقف والرؤى ، و حتى بين المعتقلين أنفسهم ؛ فالحقيقة ، التي لم ، ولن تقبل اللبس أو التأويل ، هي أنَّ الجولان عربي سوري بأرضه ومواطنيه ، وكل ما عدا ذلك كان قابلاً للنقاش والتشريح  والاختلاف ، وسيبقى .

     نفس المضامين ، التي حملتها رسالة وئام للدكتور غليون ، جاءت في رسالتين لكاتب هذه السطور خلال الشهر الفائت ، مِن زملاء وئام خلف قضبان الأسر الإسرائيلية ، داعيةً إلى تذكير أصحاب الشأن والقرار في الوطن بجرحهم النازف ، وتعويم قضيتهم على كافة المؤسسات الحقوقية والهيئات الدولية المختصة .

       فهل نفضح سرّاً ، لو قلنا إنّ الجولان لم يوطّن في الذاكرة السورية إلا بمقدار ما كان يعزز نفوذ السلطة ؟ كما خَلُصَ ياسين الحاج صالح  في مقالة له بعنوان " موقع الجولان في الوعي السوري الحالي – ملحق النهار 13/2/2005 " . هذا الجولان ، بقي يعاني يتماً مِن الوطن وجوراً مِن المحتل في آن ، تحكمه وتتحكم بمصير أهله ازدواجية بطولة وغبن ، وحيث لم يؤخَذ بأية قاعدة فقهية أو علمية  في التعامل معه ، خلا الاستجابة المتأخرة لبعض المطالب الملّحة بعد طول مناشدة وصراخ ، والمرفقة كالعادة بإكسسوارات ترقيعية لا تغني فقيراً ولا تكسي عرياناً ، كتلك التي شهدنا مؤخّراً بعض فصولها ! . فليسَ إحضار وئام وهّاب ( الوزير اللبناني الأسبق ) إلى موقع " عين التينة " المقابل لقراهم المحتلة ، هو الهديّة التي يستحقونها بعد تسعة وثلاثين عاماً مِن الاحتلال ! ولا إقحامهم في لعبة شحن طائفية ، لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، ضدَّ بعض الساسة اللبنانيين ، هو ما يقوّي عزيمتهم ، و يشدُّ أزرهم في وجه غاصبهم !

     إنَّ أهالي الجولان ، لا يتحملون المسؤولية التاريخية ولا الأخلاقية أو السياسية لوجودهم تحت الاحتلال ؛ ولا هم مَن أعلنوا سقوط القنيطرة ، فيما الجيش السوري يقاتل العدو على ضفاف بحيرة طبرّيا ؛ وليسَ الاختلال الحاصل في موازين القوى الإقليمية والدولية صُنعَ   أيديهم ؛ ففضيلة بقائهم منغرسين في أرضهم ، رغم كل أهوال الاحتلال وبلاويه ، لا تعادلها  قيمة . إنهم ، يستحقون مِن دولتهم – بصرف النظر عمَّن يحكمها – معاملة ، أقلّها حكمة تلك الأم التي سُئلت عن أحبّ أبنائها فأجابت : الغائب حتى يرجع . وهذا ما لم يحصل بكل صراحة ، وبالفم الملآن .

     فالسعي الجَدّي لإطلاق سراح أسراهم ، باتَ مطلباً أكثرَ مِن مُلحّ ، كما أنَّ تسهيل عبور أهالي الهضبة المحتلة إلى الوطن ، عبر الأردن أو سواه ، ليسَ جريمة نكراء ؛ وعلى الدولة أن تتواضع قليلاً قبل رَدِّ طلباتهم ، أو الضرب بها عُرض الحائط . فالأم ، التي مضى أربعون عاماً على فراقها فلذة كبدها ، أو الأخت التي لا تعرف أخاها إلا بالصورة ، لا تفهمان في القضايا السيادية وفذلكات الأمن القومي ؛ وليسَ مطلوباً منهنَّ مِن الأصل فهم ذلك ، أمام عجز دولتهم عن استعادة أرضهم المحتلة ، حرباً أو سلماً ، منذ أربعة عقود .

لكن لا بأس ، فيوم صمد أهالي الجولان في قراهم ، رافضين النزوح عنها لم يتلقوا الشارة عن بُعد ؛ وحين تشكلت خلايا الكفاح المسلح والعمل السري ، فرضت نفسها على الوطن فرضاً ؛ ولحظة نفّذ الأهالي أطول إضراب في العصر الحديث ، رفضاً لقانون ضم المحتل وجنسيته ، لم يكن ذلك إلا بقرار ذاتي . هكذا كانوا ... هكذا سيبقون . فمسألة عروبة الجولان وسوريّة أهله فوق كل اعتبار ، وأكبر من جميع الأنظمة وحساباتها المصلحية.

فالجولان ، سيبقى نقطة مضيئة في حاضر السوريين ومستقبلهم ، وسيكون على الدوام  " شيكّاً " مضمون الرصيد لكل القوى الوطنية والديموقراطية الحرّة ، التي تعمل على تحرير الوطن من قيوده ، كخطوة أولى على دروب عزّته ، واستعادة الجولان من براثن المحتل الإسرائيلي ، موقنةً أنّ رفض الظلم فرض وواجب ، سواء كان مصدره محكمة أمن الدولة الدمشقية ، وسجون تدمر وعدرا وصيدنايا ، أو معتقلات شطّة وتلموند وعسقلان الإسرائيلية . فوطن حرّ سيّد لجميع أبنائه ، يُمثّل بكل تأكيد أعظم هديّة لمواطني الجولان ، ويُعتبَر زادهم وزوّادتهم ، وذخيرة حيّة لصمودهم في وجه عدوّهم المحتل ، لا بل سبيلهم الأوحد إلى التحرير والخلاص . فتحيةً لبرهان غليون ، وكل الذين كسروا احتكار السلطة قضيّة الجولان ، لتعود ملكاً للشعب السوري ، كل الشعب السوري .

حسان شمس / صحافي

الجولان السوري المحتل


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ