العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18 / 06 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

بشار ....ولحظة انهيار امبراطورية الفساد....(6)

إن الشعب في سورية اليوم يعيش ظواهر الفساد المتعددة الأشكال والألوان وعلى كافة المستويات بدءا ً من رأس الهرم السياسي مرورا ًبكل مستويات القيادة نزولا ً إلى القاعدة في بنية الدولة والمجتمع, وأصبحت هذه الظواهرتمثل السلوك غيرالطبيعي الوحيد الذي يحكم حركتيهما, من مفردات حياة الإنسان العادية التي تتعلق في صراعه المهين بالحصول على لقمة عيشه , مرورا ًبفقدان حريته وحقه في المشاركة في الحياة العامة وحشره المستمرتحت سياط الجلادين,  إلى طريقة تسييرالأمورالداخلية والعلاقة مع الشعب, إلى القرارات على مستوى الدولة نفسها إلى شبكة العلاقات الإقليمية والعربية والدولية المبنية على الفساد الذي أسس له الأب وراكمه عبر سنوات طويلة موصلا ً سورية إلى أن تكون امبراطورية من الفساد بكل ما تعنيه الكلمة من معنى إهانة الكرامة الإنسانية والتشويه والتخلف وانعدام القانون بل أصبح الفساد هوالقانون الذي تفوح منه رائحة النظام الكريهة,وغدى هذا المرض الفتاك هو الإطارالذي يخنق سورية بداخله باستمرار.

وفي نظرة موضوعية إلى سياسة حافظ أسد مؤسس امبراطورية الرعب والفساد نرى أنه سلك أربعة مسارات لتوصيل سورية إلى حالة الإنهياروالتي ورثها الإبن بذلك الشكل المسرحي دافعا ًإلى السطح ظاهرة جديدة في نقل الحكم الجمهوري من الإنتخاب إلى الوراثة ..., المسارالأول عل المستوى الداخلي السوري وهو الموضوع الرئيسي في هذه المعالجة , والمسارالثاني على المستوى العربي,والمسارالثالث على المستوى الإقليمي,والمسارالرابع على المستوى الدولي,ولفهم ظواهرالفساد المتعددة التي تسيطرعلى الحياة في سورية لابد من تحديد جذورها في البداية وتتبّع امتداد تلك الجذوروالمسارات التي سلكتها في بنية الدولة والمجتمع وبالتالي تحديد مساحة هذه الشبكة الفاسدة ومن ثم تحليلها على أمل إيجاد حل لها والخروج من شباكها , وهذا العمل هو عمل وطني ضخم , بداية الخطوة الصحيحة فيه  هي  قيادته من قبل المختصين في علم الإجتماع والعلوم السياسية والقضائية والإقتصادية والإدارية والنفسية , باختصار إلى ورش من الفنيين الوطنيين المختصين والحريصين على مصلحة الوطن والشعب في هذه الظروف الحرجة التي تمر بها سورية والتي تشهد حراك وتململ ظاهر حينا ً ومخفي في معظم الأحيان ,والتي يريدها الإستبداد على أن تكون الحركة التي تسبق الإنهيار والموت , ونراها على أنها بداية الحركة التي تتجمع وتتطور سريعا ً على طريق إسقاط الديكتاتورية وإغلاق ملفاتها الظالمة السوداء بحق الوطن والشعب لتكون البداية لعودة سورية وطنا ً حرا ًديموقراطيا ً لكل أبنائه ,وبناء دولة الحرية والعدل والمساواة, دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون .

المسار الداخلي السوري :   يتلخص كما ذكرنا  في  سلسلة المقالات السابقة ذات الصلة بالموضوع بأن الديكتاتورحافظ أسد سلك خطة مبرمجة وبسلوك  فردي وحشي سواء ًعلى مستوى حزب البعث الذي صفى  قيادته الشرعية , وأودع  بعضها  السجون  حتى  الموت , ونفي بعضها الآخرخارج سورية إلى غيررجعة ,ولم يسمح حتى لمن توفي خارج سورية منهم بدفن جثته في وطنه ( نفي قيادة الحزب الشرعية المتمثلة ب ميشيل عفلق ورفاقه والذي كان يصفهم حافظ أسد باليمين خارج سورية , وسجن رفاقه من اليسار المتمثلة ب صلاح جديد ورفاقه حتى الموت , واغتيال تيار الوسط المتمثل ب صلاح الدين البيطار في باريس وتفتيت رفاقه, والتخلص من كل المعارضين داخل النظام بقانون مكافحة الفساد والكسب غير المشروع , الشماعة الجاهزة والدائمة التي يغطي بها النظام فساده وسرقته لثروة الوطن ) وإحكام السيطرة على بقية الأحزاب السياسية الدينية واليسارية على حد سواء  وإخراجها في صيغة الجبهة الوطنية التقدمية التي مثلت الغطاء المزيف "الديموقراطي والتعددية السياسية "  وحل النقابات المهنية والعمالية وتعيين عملاء من الأجهزة الأمنية والطفوليين والمنتفعين في قياداتها , وبهذا الشكل تم تفريغ سورية من محتواها السياسي الوطني والديموقراطي  وسيطرة الفردية على الحزب والجيش والحياة السياسية بشكل مطلق , الأمرالذي أدى إلى حصرالقوة الفعلية بيده , وتحت غطاء تطبيق حالة الطوارئ ,وهذا يعني عمليا ًتوفيرالحاضنة الرئيسية لبناء امبراطوريته المتوحشة والفاسدة سيئة الشكل والمضمون والصيت , وباستخدام غيروطني وغيرأخلاقي و ظالم لهذه القوة ضد الشعب بدل أن يستخدمها في تحريرالجولان والأرض المحتلة وتعزيز حالة الردع العربي ضد العدو والسير إلى الأمام في عملية التنمية والتقدم وتطويرالمستوى المعاشي للشعب وتعزيز الوحدة الوطنية المقدمة الأساسية لكل عملية بناء ,استخدمها لتأمين الغطاء السياسي والقانوني عبرفرض وحدانية الحزب وحصرالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يده وأصبح المسيطرالوحيد على كل مصادرالقرار وتنفيذه ومراقبته من قبل فرد  طاغية  على  مبدأ " حاميها حراميها " .

إنها سياسة قوة الرعب التي تمثل الوجه الحقيقي للفردية , امتلك كل مفاصلها بيديه الظالمتين وخط بها انحرافه عن القيم الوطنية والقومية والإنسانية وعمم ظلمه وفساده المخيف على الدولة والمجتمع وعبر :

أولا ً – الفساد السياسي : الذي بدأ بتعميم فساد الرأس على كل مستويات الدولة , وعمم نمط القيادة الفردية المركزية الشديدة على بنية الدولة السياسية وكافة مؤسساتها , إلى سيطرة سلطة المنظمات الحزبية الأمنية السرية على عمل الحزب والدولة وحكمت بطوقها كل واجهات العمل السياسي والنقابي والإجتماعي ومؤسسات المجنمع المدني , وأصبحت الدولة أسيرة هذه المنظومة الديكتاتورية الفردية التي مثلت المحور الأساسي الذي يحركها خارج الطريق الصحيح وبالإتجاه المنحرف وبالضد من أهداف الشعب الوطنية والقومية ,وباختصارإن الفساد السياسي الذي يمثل عمليا ً أخطر أنواع الفساد لأنه صادر حق كل مكونات المجتمع وحرمها من المشاركة في تقرير مستقبل الشعب, لذلك كان الأساس الذي أنتج كل الظواهرالمنحرفة والخطيرة وعم بلاه كل المستويات الأخرى وأوصل الدولة والإنسان إلى حالة الإنهيار العام التي نعيشها اليوم , وبكل تفاصيل وصور الحياة من أصغرها إلى أكبرها .

ثانيا ً – فساد السلطة التشريعية :  التي أسست منظومة من القوانين والتشريعات التي تمثل الغطاء القانوني لحكم غير شرعي وغير قانوني أصلا ً ولايستمد شرعيته من موافقة أو أخذ رأي الشعب لافي الحكم ولا في السلم ولافي الحرب ولافي التنمية ولافي المشاركة السياسية عبر إشراكه في عملية صنع القرارات, بل كانت الوجه الآخر للديكتاتورية وتثبيت حكم الفرد وعبادة الفرد وتقديسه على الدوام رغم حالة الفشل العام وعلى كل المسارات الوطنية والقومية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية .

السلطة التشريعية الذي يمثلها فرد طاغية هي التي بدأت بفرض حالة الطوارئ وضمن هذه الحالة غير الشرعية تم فرض سياسة الحزب الواحد والتي تعني عمليا ً الفرد الواحد وصولا ً إلى وضع " دستور عام  1973 " والذي ثبت بشكل واضح ومطلق النهج الديكتاتوري الفردي الذي كان المنبع الأساسي لكل قوانين الفساد والإفساد على مستوى الدولة والمجتمع ,هذا الدستورالذي خزن حافظ أسد بداخله كل حقده على الوطن وفرديته وكان الدليل النظري لكل التشريعات والقوانين التي سلبت الشعب حقه وحريته وأمنه وكرامته وشرعت للديكتاتورية التي مارست وتمارس أبشع أشكال العنف والإقصاء والظلم والخداع الذي يؤدي إلى تفتيت الوطن وضعفه المهين .

ثالثا ً – فساد السلطة التنفيذية : ويتمثل بشكل أساسي في التداخل في عمل وتركيب السلطات وخاصة ً بين السلطة التشريعية والتنفيذية والتي غالبا ً ماتكون هي نفسها متمثلة في الصلاحيات الكبيرة الذي يتمتع بها رئيس الجمهورية أو بعض أعضاء السلطة التشريعية الذين هم في الوقت نفسه أعضاء السلطة التنفيذية ( الوزراء وأعضاء قيادة الحزب والأجهزة الأمنية ) وفي غياب كامل للقضاء الحر للمراقبة على سير العملية السياسية والمحاسبة وتطبيق القانون على المتجاوزين والمخالفين له وفي شتى المجالات ,و هذا التداخل المقصود في السلطات والذي هو صفة ملازمة للحكم الديكتاتوري , أنتج الفساد العام الذي نظم عمل الجهاز الحكومي للدولة وفي شتى المجالات , ونمى مع مرور الزمن بشكل سرطاني مخيف سياسيا ً واقتصاديا ً وإداريا ً واجتماعيا ً وأخلاقيا ً في نسيج الدولة والمجتمع .

رابعا ً – فساد السلطة القضائية : من المعروف للجميع هو خضوع القضاء الكامل للديكتاتورالمنحرف حافظ أسد وبعده ابنه الوريث,  وتنفيذ الهدف المشبوه في إفساد السلطة القضائية وتحويل القضاء من  ساحة للعدالة واحترام الحقوق إلى مصادرتها وتحويلها إلى باحة لإعدام عامة للشعب , حيث ألغيت كل هياكل الدولة القضائية المشروعة والمعروفة في كل دول العالم , وسورية قبل الديكتاتورية كانت منارة للقضاء الحروالحفاظ على سير واحترام القانون وإحقاق الحق ورفع الظلم والحفاظ على القيم الوطنية والإنسانية , لكن الديكتاتورية حولت القضاء الذي يجب أن يحافظ على القانون وحقوق المواطنين واحترام القيمة الإنسانية والأملاك العامة إلى محاكم أمن للديكتاتورية وتغييب  دور القضاء المدني وبروز دور القضاء العسكري والمحاكم الميدانية والإستثنائية وبدون حدود في ممارسة الجريمة ضد الشعب, وترك سورية أشبه بخان بدون باب ولا بواب للعملاء والجواسيس والمخربين والشعوبيين وكل المنحرفين من كل ماهب ودب ليعيثوا فسادا ً في بنية الدولة والمجتمع , وتفرغ القضاء ليكون منفذا ً للجريمة حينا ً وغطاء ً لها في معظم الأحيان .

بقي أن نقول : أن سورية عاشت رعب ديكتاتورية الأب المدروسة لمرحلة طويلة بائسة , وتعيش الآن انهيارات ديكتاتورية الوريث الإبن الطائشة على شتى المسارات .....وللحديث تتمة .

د . نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ