العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 18 / 06 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

التـعذيــب  - 8

مقـدمـة :

يقول فلاسفة التاريخ : الهدف من دراسة التاريخ ليس اجترار الآلام ، ونبش الماضي بروائحه المتعفنة واسترجاع الصـور المبكيـة ، وإنما هو أخذ العبرة من الماضي ، الماضي الذي كلف سوريا عشرات الآلاف من خيرة أبنائها ، كي لايضيع الماضي سـدى ، فنستفيد منه في الحاضر ، وعندما أتحدث عن المذابح الجماعية التي مارسها نظام حافظ الأسـد في سوريا ، أو أنواع التعذيب وأساليبه الوحشية ؛ لا أقصد منها سوى أن نعتبر من الماضي المؤلم ، وأن نتخذ كافة الاجراءات والاحتياطات كي لايعود هذا الماضي ، ونجتث الأسباب المؤدية لهذا الماضي المروع من جذورها ، وأهم تلك الجذور الحكم الفردي الديكتاتوري ، الذي استخدم الجيش ( جيش الشعب ) كما قالوا عنه ، استخدم جيش الشعب ليقتل الشعب بدلاً من أن يحميه. وينهب أموالـه وأثاث منازلـه بدلاً من المحافظة عليها .

ويتابع الأخ محمد سليم حماد عرض مشاهد من التعذيب التي صبت عليه وعلى إخوانه في سجن تدمـر ، في دولة النظام الاستبدادي الأسدي ، هذا النظام الذي قتل قرابة مائة ألف مواطن من خيرة المواطنين ، وسجن عشرات الألوف ، وشرد خارج سوريا مئات الألوف أيضاً ...

مـؤامـــرة !

ومرت الأيام .. وفوجئنا بواحد من الشرطة العسكرية صبيحة يوم تال يطلب أبا رشيد ويمضي به إلى حيث لا ندري . وعندما عاد بعد بضع ساعات كان في حالة يُرثى لها من أثر التعذيب . ولم يكن من طبع أبي رشيد الإكثار من الحديث ، لكنه خصني رحمه الله بذكر ما جرى بحكم معرفتي السابقة به وصلتي الوثيقة معه . ووقتها أخبرني أن ضباطاً من المخابرات أتوا للتحقيق معه حول علاقته برئيس الأركان حكمت الشهابي الذي حضر إلى فرع المخابرات من قبل - كما ذكرت - وحاول دفعه للإعتراف ووعده بالمساعدة . وكانت إعادة التحقيق مع السجين من أصعب الأمور عليه وقد ظن أنه انتهى من هذه المرحلة وطويت أوراق ملفه . ورغم أن الشهابي حاول حقيقة الأمر أن يوقع أبا رشيد ويعين المخابرات عليه إلا أنه رفض الإعتراف بأمر يضره . ولعب المحققون لعبة الإغراء ثانية معه ووعدوه بأن ينقذوه من الإعدام إذا اعترف بوجود صلة للشهابي معه فأبى . وعذبوه على ذلك أشنع العذاب فأصر على موقفه .. وأحس أن ثمة مؤامرة داخل أجنحة النظام تريد استغلاله لتصفية خصومات بينهم .. فأبى بنزاهة المسلم أن يظلم حتى عدوه، وتحمل في سبيل ذلك أشد العذاب.

اليــوم المقــدور

وانقضت شهور أخر . وتحسنت صحة أبي رشيد والتأمت جراح حفلة التعذيب تلك .. ومضت حياتنا على نفس المنوال لا نخرج من هم حتى نقع في هم أشد .. ولا ننجو من تعذيب حتى يطولنا حفل تعذيب أشنع .. وفي شهر تشرين الأول أو تشرين الثاني من عام 1981 تم استدعاء دفعة جديدة للمحكمة الهزلية التي كانت أحد فصول التعذيب النفسي والجسدي معاً . وخرج في هذه الدفعة أبو رشيد ضمن حوالي أربعين أخاً من مهجعنا . ورغم أنه رجع من غير أن يبلغونه بالحكم إلا أنه أدرك أن الأمر انتهى .. واستشف ذلك من كلام سليمان الخطيب الذي تربع على كرسي القضاء جوراً وظلماً .. خاصة وأنه عاد وألح عليه لتوريط الشهابي .. ووعده بإنقاذه من الإعدام إن فعل .. وأصر أبو رشيد وقتها على الرفض مهما كانت النتيجة .

وعاد أبو رشيد من المحكمة وقد نوى أن يبدأ الصيام من ساعتها وإلى أن يلاقي ربه . وقال بأنه لن يفطر حتى يخرج إلى الإعدام . وعندما حل ذلك اليوم المقدور بعد قرابة الشهرين كنت قد رفعت له شاياً وبعض الطعام من وجبة الفطور ليتناولها عند الغروب . فلما دخلوا ونادوا على أسماء المطلوبين للإعدام من دفعته لم يذكروا اسمه .. وتدافع الإخوة لوداع الأحبة وأغلق من ثم الباب .. وبينما نحن نترقب ناداني أبو رشيد رحمه الله وقال لي :

أخي أبو سليم .. أراني اليوم متعباً .. هات ناولني الشاي والطعام لأفطر .

قلت له : هاك وتوكل على الله .

ووالله الذي لا إله إلا هو ، لم يرشف أبو رشيد من الشاي رشفة وبدأ بالثانية حتى فُتِحَ الباب من جديد ونادى الشرطي فينا :

حسين رشيد عثمان .

حاضر .

رد أبو رشيد وكأس الشاي لا يزال بين شفتيه .. فأيقنا سبحان الله كيف أن رزق الإنسان المقسوم لا بد وأن يبلغه .. وأنه كان لا بد وأن يأخذ رشفتي الشاي هاتين لا تزيدان ولا تنقصان !

ولم يلبث أن قفز رحمه الله إلى زاوية من زوايا المهجع وبدأ يخلع عنه ملابسه وهو يكبر ويهلل .. وحينما لم يبق عليه إلا الشورت والشرطة على الباب يكادون يجنون مما يفعل ألقى إلينا بكل ما كان يرتدي لنستفيد منه .. وخرج إلى الإعدام رحمه الله . ولم أستطع هذه المرة التلصص من ثقب الباب بعد الذي حصل . وسرعان ما انتهى تنفيذ الإعدام ، ودخل الشرطة علينا فأخرجونا إلى الساحة وأشبعونا جلداً ولطماً حتى يمسحوا عنا أي أثر إيجابي تركته فينا تكبيرات أبي رشيد رحمه الله .

مفــاجــأة !

ومما لا أزال أذكر من قصص الإعدامات المؤثرة - وأياً منها لا يؤثر في صم الحجر ! - قصة طبيب أسنان من حلب من بيت قره علي كان معتقلاً مع عديله . ولقد تم الإفراج عن هذا الأخير بعد واسطات شديدة كما يبدو ، وبقي الأول ينتظر ويرجو .

وفي صبيحة يوم من تلك الأيام التعسة نودي اسم الأخ فظن أن إذْنَ إخلاء سبيله قد تم . وأنه سيغادر الآن للقاء أهله من جديد . وكان المسكين يرتدي حين اعتقاله طقماً سارع حينما سمع اسمه فارتداه . وأخرج ساعته الذهبية فارتداها أيضاً . وجعل ينفض عن كتفيه الغبار ويحاول أن يمشط شعره ويحسن من هيأته وكل الظن أنه خارج إلى الحرية الآن . فلما خرج كانت المشنقة في انتظاره حقيقة الأمر . وكانت صدمة لنا جميعاً بقيت تؤرقنا ردحاً من الزمان .

الجـــرب

وطالت المحنة كل أوجه هذه الحياة المرّة . فمع ازدياد العذاب والإعدامات انخفضت كمية الطعام المقررة للسجناء رغم أنها لم تكن تكفي لتقيتنا بالأصل . وصارت إدارة السجن تتعمد قطع الماء عنا حتى أننا عانينا خلال صيف ذلك العام شهراً كاملاً من غير ماء . وكان موردنا الوحيد عن طريق بيدونات يملؤها الشرطة لنا وقتما شاؤوا وبالعدد الذي يريدون . وقتذاك عمت القذارة المهاجع غصباً عنا وباتت رائحتها لا تطاق . ولم يلبث أن تفشى الجرب بيننا وانتشر انتشاراً كبيراً كنت أنا نفسي واحداً من ضحاياه .

والجرب كما هو معلوم مرض جلدي يصيب الإنسان بحكة شديد في جلده سرعان ما تؤدي إلى تورمه وتقيحه .. وليس هناك مكاناً محدداً يكتفي به هذا الداء . فمن الممكن أن يصيب الرجلين واليدين والصدر والظهر والمحاشم ذاتها . وعلاوة على الألم الشديد الذي يسببه الجرب فإن انتقاله بين الناس المتجاورين أمر محتم . ولو لم يعالج المصاب فقد يموت من المرض . ولقد حدث ذلك في مهجعنا 26 الذي انتشر الجرب فيه مثلما انتشر ببقية المهاجع . ولا أزال أذكر كيف دهم هذا المرض أخاً من دير الزور اسمه عبد الكريم الصالح ، فالتهب جلده كله وانتفخ ، وظل يعاني قرابة الشهر يصيح من شدة الألم وليس بيدنا شيء نقدمه لنخفف عنه إلا الدعاء . وعندما أبلغ رئيس المهجع الشرطة بحاله وكرر عليهم البلاغ لم يزيدوا عن أن أمروه أن يكف عن الشكوى وأن يتركه في المهجع ليموت !

لكن تزايد الإصابات وانتشار المرض في المهاجع الأخرى جعل إدارة السجن بعد حين تتنازل وتحضر للمصابين دواء الجرب . وتم تعيين مسؤول صحي لكل مهجع من السجناء أنفسهم تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية إلى طبيب السجن حتى لا يضطر ذاك إلى فحص المرضى بنفسه والتعرض لاحتمالات الإصابة بالعدوى منهم ! وفي هذا السياق عُيِّنَ الأخ الطبيب قاسم موسى مسؤولاً صحياً لمهجعنا . ثم لما تزايدت الحالات أكثر فتحوا للمصابين مهجعاً خاصاً كما حدث أيام الكوليرا ، لا رحمة بهم بالتأكيد وإنما خشية أن تنتقل العدوى إليهم . ورغم ذلك فقد مات بسبب الجرب من مهجعنا وبقية المهاجع الأخرى عدد غير قليل من الإخوة ، وقدر للأخ عبد الكريم الصالح أن يتعافى بالتدريج ، حتى إذا شافاه الله بعد حين أتاه النداء ، وسيق مع دفعة من دفعات الإعدام إلى الردى رحمه الله .

من ســجل الضحــايا

وكان الممرض وطبيب السجن قد توقفا عن الحضور للمهجع قرابة الخمسة أشهر خلال أحداث حماة وبعدها ، مما ضاعف الإصابات وأسرع في انتشار الجرب . وانتشرت معه أمراض أخرى لم نستطع أن نعرف أسبابها أو نوعيتها بالتحديد . فكنا نحار في أمرنا ونفعل ما بوسعنا لمساعدة المصابين . ولكم كان الإخوة يتسابقون لفداء إخوانهم المرضى من أي عذاب أو جهد وإيثارهم بحفنة الطعام المخصصة للواحد منهم . لكن ذلك لم يكن كافياً لوقف المرض أو إنقاذ المصابين . وقضى عدد من الإخوة نَحْبَهُم فريسة الأمراض والأوبئة فبلغوا قرابة الستة عشر ، لا زلت أذكر منهم كمال أندورة ومأمون الذهبي من دمشق . وهشام مجندف وبسام الهاشمي وسامي وحود من حمص .

وكان أول من مات بين أولئك جميعاً معتقل من قرية صوران قرب حماة اسمه عبد العزيز عوض السالم . أصابه السل كما يبدو حتى أصبح يبصق الدم . وعندما أخبر رئيس المهجع أبو الفضل الرقيب أن لدينا مريضاً في حالة خطرة أجابه بالحرف الواحد :

ولا .. بس يموت دق الباب !

وبعد شهرين من المعاناة وبعد ظهر أحد الأيام إتكأ الأخ على صدر شقيق له كان سجيناً أيضاً وأخذ يذكر الله ويردد الشهادتين حتى لفظ آخر أنفاسه رحمه الله . فلما تأكدنا من وفاته طلب شقيقه من الحضور أن يغسلوه قبل أن نخبر الشرطة بالأمر . لكن الإخوة خافوا أن تصيبهم العدوى أو أن تنزل بهم من الشرطة بلوى . فلما لم يتقدم أحد رأيت أن الأمر لا بد وأن يحسم . وتوكلت على الله وتقدمت . وأدخلته الحمام وغسلته وحدي . ومن يومها تعلم الإخوة علي وأوكلوا إلي هذه المهمة ما دمت فيهم . فغسلت كل الذين ماتوا من بعد ذلك في المهجع . بعدها قرع أبو الفضل الباب وأخبرهم بوفاة الأخ . فلم يزيدوا عن أن طلبوا منه أن يخرجه إلى الخارج . فتعاونت معه وحملناه ، وعدت أنا وبقي أبو الفضل لبرهة . وعندما عاد أخبرنا أنهم أرادوا أن يتأكدوا من موته فتقدم أحدهم منه وركله بقدمه وحسب .. وجاء "البلدية" فأخذوه ومضوا !

ســـحور !

ومضت الأيام .. وازدادت الأمراض وكثرت الوفيات .. حتى كنا نخرج في فترة من الفترات ميتاً من مهجعنا كل يوم ! ولا زلت أذكر أنني كنت أنام بجانب الأخ كمال أندورة في ليلة من تلك الليالي الرهيبة ، وكنت قد نويت صيام اليوم التالي ، فنهضت قبيل الفجر لأتسحر . وكان كمال بعد أن اشتد عليه المرض في الفترة الأخيرة لا يستطيع النوم مستلقياً وإلا اختنق . فكان يتربع في مكانه ويستند رحمه الله إلى الجدار ويظل يكابد طوال الليل ويتأوه ويعاني . فلما نهضت لأتسحر وجدته ساكتاً على غير عادته . فجعلت أناديه بصوت خافت . فلما لم يجبني وارتبت في الأمر دفعته براحتي ، فوجدته يسقط ميتاً على الطرف الآخر .

ولم يكن وارداً وقتها أن أقوم بأي حركة تكشفني أمام الشرطة على سطح المهجع ، فسحبت البطانية على وجهه بكل هدوء ، والتفت فسحبت صندويشة كنت قد وفرتها من عشاء الأمس لتكون سحوراً لي ليلتها ، فجعلت أدس اللقيمات في فمي دساً وأغص بهن ، والأخ بجانبي مسجى لا روح فيه ! وعندما استيقظنا صباحاً ومضينا لنغسله قبل أن يعلم الشرطة بموته وجدناه رحمه الله تخشب جسده وقد مضت على وفاته بضع ساعات . حتى إذا انتهينا بعد جهد يكلله الرعب أخبرناهم بموته . فلم يزيدوا عن أن نادوا "البلدية" ليسحبوه .. وانتهى الأمر !

سُــنّة طيبــة !

ومما لا ينسى من مشاهد الأمراض والأوبئة التي دهمتنا قصة أخ من حمص اسمه عبد المعز العجمي . أصابه مرض اليرقان الكبدي عام 1982 وأشرف على الموت بسببه . وجعل الأخ أبو الفضل رحمه الله يجهد نفسه ويجهدنا في توفير كمية من الطعام له من نصيبنا . وكان رحمه الله أول من سن هذه السنة الطيبة في إيثار المرضى على شدة حاجتنا وضآلة نصيبنا من الطعام . وجعلنا ندعو لأخ ونسأل الله له الشفاء . وسبحان من استجاب ومنّ على الأخ برحمته . فلم يمض شهر كنا نظن الأخ في أوله مودعاً حتى قام بيننا صحيحاً معافى . وكانت آية أخرى فيه أن طلب فيما بعد إلى الإعدام . ونال شرف الشهادة عام 1984 بعد أن نجا من الموت بسبب اليرقان .

الطبـيب القــاتـل !

وإذا كانت حكايات الأسى وروايات المعاناة في سجن تدمر لا تنتهي فإن مما لا ينسى من بينها حكاية الأخ زاهد داخل التي تجسد كل معاني الطائفية الحاقدة والهمجية التي مارسها النظام السوري على شعبه .. وتفسر أسباب ثورة تلك الفئة المؤمنة على جلادها ولجوئهم إلى القوة كحل وحيد لم يجدوا من دونه سبيلاً للنجاة .

كان زاهد رحمه الله طالباً متفوقاً في كلية الطب بجامعة حلب في سنواته الأخيرة .. جمعته الأقدار على طاولة الدراسة مع طالب آخر من طائفة النظام اسمه محمد يونس العلي . وفي أحد الأيام تعرّض يونس هذا لزميلة لهم في الصف من أسر حلب المحافظة ، وجعل يلاحقها بفظاظة ويتابعها بالتصريح وبالتلميح فلا يجد منها إلا الصدود .

ودارت الأيام وشاءت الأقدار أن يتقدم زاهد نفسه لخطبة الفتاة ذاتها وأن ينال موافقتها وموافقة أهلها معاً . وتم الزواج وعمت الفرحة قلوب كل الناس إلا يونس هذا .. الذي اعتبرها قضية كبرى وعدواناً على كرامته لا يغتفر . وجعل يهدد الفتاة وزوجها بشكل معلن .. وينذرهما بالويل والثبور وعظائم الأمور . وزاهد المؤدب الحيي لا يملك إلا أن يعرض عن الجاهلين .

وانتهت الدراسة ، وتخرج زاهد ويونس من كلية الطب ومضى كل منهما في طريق . حتى إذا اشتعلت الأحداث في سورية وأسفر النظام عن أقبح الوجوه وجد زاهد نفسه فريسة بين أيدي المخابرات يتنقل من عذاب إلى عذاب ومن سجن إلى آخر ، حتى انتهى به المقام في مهجع 5-6 بتدمر ! وشاءت الأقدار أن يكون طبيب هذا السجن - ويا للهول - محمد يونس علي نفسه ! أما الإجابة عن كيفية وصول زاهد ويونس كلاهما إلى هذا المكان .. وعلاقة ذلك بتهديدات يونس السابقة فذلك ما لم نعرفه . لكنا تأكدنا كلنا أن هذا الطبيب كان يبحث من أول يوم عن شخص محدد اسمه زاهد داخل بين السجناء في مختلف المهاجع . وجعل الشرطة العسكرية يدورون على مهاجع الباحة الأولى حيث تم فرز زاهد على واحد من مهاجعها ويسألون عنه مرة بعد مرة .. حتى تم للجاني ما أراد وشاهد زاهداً في يوم من الأيام أثناء التنفس فقال للشرطة ها هو ذا . ومن لحظتها أخرجه الزبانية وأوسعوه ضرباً وجلداً ومسبات وقالوا لرئيس مهجعه : هذا معلّم . ويبدو أن زاهد قد لمح يونس أو سمع بوجوده فأدرك ما يدور .. وعرف أن طبيب السجن هو جلاده وغريمه نفسه .. وأسر بذلك للإخوة في مهجعه وسأل الله الستر .

وجعل الشرطة يخرجون زاهداً بسبب ومن غير سبب ويذيقونه في كل يوم جرعة مضاعفة من العذاب .. ومضت أسابيع على هذه الحالة أيقن زاهد والإخوة معه أنه مقتول لا محالة . حتى إذا انهار ولم يعد يستطيع الخروج للتنفس وجلس في المهجع كما اعتاد من أصابهم مرض أو أقعدهم التعذيب أن يفعلوا أخذ الشرطة يبحثون عنه بين المرضى ويعذبونه هناك .

وفي يوم مكفهر أخذ الزبانية التفقد في مهجع 5-6 ولكن من غير أن يخرجونهم كما تقتضي العادة . وأتى الأمر من الرقيب فيصل كحيلة للإخوة أن يضبوا كلهم في زاوية المهجع . فلما فعلوا ولم يبق في ذلك الركن إلا زاهد المسكين وقد انتهت فيه كل قدرة على الحركة تقدم فيصل وعريف من الشرطة العسكرية اسمه شحادة وهوى كلاهما بالعصا على رأسه بكل قوته فانفلق من فوره ..

وسقط زاهد على أرض المهجع يتخبط دمه ، ومن غير أن تختلج في القتلة عضلة واحدة خرجوا وأقفلوا باب المهجع . ولم يلبث القتلة أن فتحوا نافذة الباب ونادوا رئيس المهجع وسألوه عم حدث . فأجاب المسكين بهلع : لا أعرف سيدي ، أظنه وقع على الأرض وأصيب بارتجاج في الدماغ ! فأقفل الجناة النافذة ومضوا غير عابئين ، وهرع الإخوة إلى زاهد فرأوه قد أسلم الروح ، فجعلوا يسحبونه إلى الحمام ليغسلوه . في تلك اللحظة فتح الباب من جديد وأمر الشرطة رئيس المهجع أن يخرج الجثة . فجعل المسكين يسأل الإخوة أن يساعدوه فأبوا . وأقعدهم الخوف وفظاعة المشهد عن أن يتقدموا خطوة واحدة . فلم يجد الأخ إلا أن يسحب جسد زاهد سحباً حتى باب المهجع . وجاء "البلدية" كالعادة فحملوه من بعد ومضوا به وكأن شيئاً لم يكن !

 

 

هذه صور من الحريـة التي نادى بها حزب البعث العربي الاشتراكي ، والتي أراد أن يعممها في الوطن العربي كله ، فسلط الله قيادته القطرية على قيادته القومية ، وأنهت دور حزب البعث منذ منتصف السبعينات أو قبل ذلك بقليل ... وبقي النظام الاستبدادي يحكم سوريا بالحديد والنار باسم حزب البعث ... يجمع وينهب خيرات سوريا ولبنان ، ويسود صفحة حزب البعث في العالم أجمع ... فأين أنتم أيها البعثيون الشرفاء الذين تغارون على حرمـة حزب البعث العربي الاشتراكي !!!؟ أين أنتم !!! ماذا تنتظرون !! التحقوا بالمعارضة السورية الداخلية والخارجية ، لنقف جميعاً من أجل إعادة الوحدة الحقيقة والحرية الصحيحة والاشتراكية العادلة لسوريا المغتصبة من قبل هذه ( المافيا ) ...

الدكتور      خالد الاحمد      كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ