العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17 / 12 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

على ماذا : الحوار السوري الأمريكي؟!(1-2).

(1)

أحدث تقرير( بيكر - هاملتون )زوبعة جديدة في العواصف السياسية التي تهز الشرق الأوسط , وأضاف علامات استفهام كثيرة حول مايجري من أحداث وماينفذ من سياسات بمحصلتها العامة زادت أجواء الفوضى وعدم الإستقرار وبالشكل الذي لم تشهده المنطقة في تاريخها .

والمراقب لتطور الأحداث من العراق إلى فلسطين إلى لبنان إلى بقية دول المنطقة يرى بوضوح أن المنطقة تتحكم فيها مشاريع سياسية خارجية اثبتت فشلها على كافة المستويات وبشكل أساسي مشروع بناء الديموقراطية في المنطقة الذي زمر وطبل له على اعتباره الأولوية الإستراتيجية في إعادة تشكيل المنطقة .

وعلى خلاف مايعلن ومايعرضه الإعلام من نجاحات وهمية هنا وهناك تغوص المنطقة أكثر فأكثر في مستنقع الأزمات والإنقسامات الإجتماعية والسياسية والطائفية والفلتان الأمني المرعب الذي تعكسه صورة الواقع العراقي بشكل علني ومتسلسل وفاقد للسيطرة من جهة , ومايعكسه الواقع الفلسطيني من تصدع بين حكومة ورئاسة كل يغني على ليلاه وبعيدين عن ليل الشعب الفلسطيني الحالك السواد والدائم الحدادمن جهة ثانية , ومايعكسه الواقع اللبناني من فتنة صراع إقليمي المصدر داخلي الأدوات يتمثل بالتدخل المباشر للمحور الإيراني السور ي في شؤون لبنان مهما غطى نفسه بشعارات الديموقراطية والوحدة الوطنية المستهدفتين أصلا ً في لبنان الذي يشهد هو الآخر حالة طلاق سياسي ومؤسسي بين الرئاسة والحكومة ,والأخطر منه هو محاولة إسقاط الحكومة تحت شعار لايحمل من الوطنية والحرص عليها سوى لفظا ً مملا ً بينما على الأرض تجري محاولات جهنميةلإسقاط الحكومة  وإدخال لبنا ن في فوضى الصياح الشوارعي ,في عبثية لها أول وليس لها آخر, وفي ديموقراطية مزيفة لها شكل وليس لها طعم .

وبشكل عام إن الواقع الذي تعيشه المنطقة كلها الظاهر في العراق وفلسطين ولبنان والمخفي منها يعكس صراع وانقسامات أعظم لكنها في درجة أخرى من التخلخل قد تبرز مظاهرها حينما تحتاج الصورة إلى المزيد من الفوضى والمزيد من تفكيك ثوابت المنطقة الإجتماعية والسياسية على طريق بناء "الديموقراطية " التي بدأت شعوب المنطقة ترفض تقديم هذا الثمن المخيف لها ,وهنا تبدو أهم أهداف المشروع الخارجي وأخطرها وهو دفع شعوب المنطقة إلى الكفر بالديموقراطية والحسرة والحنين بل التمسك بماتبقى من نظم ديكتاتورية وفي المقدمة منها النظام السوري , وبالتالي إرجاع المنطقة إلى دائرة الإستبداد لكن هذه المرة على أرضية فشل المشروع الديموقراطي في المنطقة وهنا بيت القصيد أو بشكل أدق بداية الكارثة على شعوب المنطقة ومستقبلها .

ومن جملة المؤشرات النظرية الجارية هو إعادة النظر في الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة تحت وطأة الظروف الراهنة هو تقرير : بيكر – هاملتون  رغم أنه إلى الآن يمثل مقاربات نظرية ورؤى حول ضرورة التعامل الجديد مع أزمات المنطقة لكن خطورته تكمن في أنه البديل الخاطئ لسياسات غير ناجحة وغير مجدية وعلى الأخص في عملية التطور الديموقراطي واستقرار المنطقة المفقودين بشكل خطير على أنقاض المشروع الأمريكي في العراق والشرق الأوسط بشكل عام.

والمثير للجدل في هذا التقرير أمور كثيرة وأكثرها تأثيرا ً وعلاقة مع مايجري في المنطقة هو دور المحور الإيراني السوري السلبي والخطير على المنطقة وبنيتها الثقافية والسياسية والقومية لأنه يمثل خطاب ارتدادي إلى الوراء وتفتيتي في الحاضر ومذهبي أصولي في المستقبل .

والمثير للسخرية أن دول المنطقة وشعوبها قد أصبابها العقم السياسي والتصدع المعنوي واستلاب الإرادة وفقدان الحركة والمبادرة إلى الحد الذي باتت المنطقة أنطمة ً وشعوبا ً مربوطة ً بإحكام إلى ذيول المشاريع الخارجية , تنام على وهم مشروع أمر يكي جديد وتفيق على تطاير البشر والحجر في أكثر من ساحة , وتقف مكتوفة الأيدي ومشلولة العقل والفعل من مشروع إيراني واضح المعالم والأبعاد وتترنم وهما ً على دور قومي للنظام السور ي الذي ملأ الدنيا صياحا ً ونباحا ً في شوارع بيروت لإسقاط الحكومة الشرعية ووقف عملية تشكيل المحكمة الدولية التي أصبحت مركز ثقل القرار السوري الإيراني الدولي وانقساماته على الساحة اللبنانية الذي أخذ وضع تهيء لحرب أهلية أصبح لبنان على مشارفها.

وتشهد المنطقة العربية وساحاتها الملتهبة العديد من السياسات المحلية والإقليمية والدولية المتصارعة أساسا ً على مصالح غير مشروعة بل أقرب إلى التدخل في الشأن الداخلي الذي لايقره القانون الدولي لكن يجيزه ضعف الوضع العربي وتخاذل بعض حكامه وإصرارهم على التعامل مع مصالح شعوبهم من زاوية البقاء في الحكم مهما أدى ذلك إلى خسارات وطنية وقومية وضرر بالمصالح الإستراتيجية لشعوب المنطقة .

وأوضح هذه الأدوار هو دور النظام السور ي على الساحة العربية , الدور المبني على وصول النظام السوري إلى الحائط ليرتطم به ويعود إلى الوراء وقد أصابه الإعياء التام , وبدل أن يقوم بمراجعة شاملة وصادقة لسياسته على المستوى الداخلي والعربي يلجأ إلى الصياح وافتعال الأزمات الإقليمية في لبنان والعراق علىو جه التحديد , في لبنان لأنه لايسمح وهذه استراتيجية لديه بأن يكون لبنان بجواره دولة ديموقراطية حرة مستقلة متطوره سياسيا ً واقتصاديا ً واجتماعيا ً,إذا ً إنه التنافس السلبي المبني على الفشل والضرر بمصالح سورية ولبنان والتطابق مع الموقف الإسرائيلي أولا ً والإرتزاق على الأزمة أمام القوى الإقليمية والدولية ثانيا ً , وفي العراق حاول النظام وبالتعاون مع إيران أن يتدخل في تناقضات الواقع العراقي وأن يسكب الزيت على النار لتزيد حرق العراقيين ليوهم القوى الإقليمية مرة ً أخرى بأنه يملك بعض التأثير في الصراعات الإقليمية ووضع العنوان الإرهابي ليخيف به الجميع ( إما بقائي أو الفوضى على الطريقة العراقية ) .

د.نصر حسن

 

على ماذا : الحوار السوري الأمريكي؟!

(2)  

ضمن المعطيات الإقليمية والدولية التي يعيشها الشرق الأوسط ,جاء تقرير : بيكر - هاملتون – كتوصية بكيفية التعامل مع أزمات المنطقة العربية في المستقبل وبالتحديد حول الوضع في العراق ولكن هذه المرة تم نشره على مساحة المنطقة وتمديد تفاعلاته نظريا ً من قبل معدي التقرير الذي يعرض وجهة نظر لمعالجة المشاكل الإقليمية كحزمة واحدة تتداخل فيما بينها عوامل الحث السياسي واشتقاق العنف وتطاير أشلاء الضحايا هنا وهناك , وهذه نظرة جديدة مبطنة وحمالة أوجه كثيرة في ظروف المنطقة التي تتطلب الفرز والتوضيح والتصحيح.

والمهم في التقرير هو تركيزه على ضرورة إشراك القوى الإقليمية الفاعلة على الساحة في عملية الوصول إلى معالجات لأزمات المنطقة , وأول الفاعلين هو النظام الإيراني مع أول المتفرجين النظام السوري , ويدرك معدوا التقرير جيدا ًقبل غيرهم طبيعة النظامين ودورهما على الساحة والحدود التي يمكن التعاون فيها ونقاط اللقاء والإفتراق التي تحددها مصالح كل طرف وقوته الفعلية على الأرض, فما الذي دفع اللجنة الأمريكية لإعادة الإعتبار إلى موضوع الحوار مع النظام السوري ؟ وماهي الدوافع لذلك ؟ وعلى ماذا سوف يتحاورون ؟ وهل هناك من جديد في موقف النظام السوري إقليميا ًيفرض ذلك ؟ وهل أمريكا وصلت إلى هذا الحد الذي ستستنجد بالنظام السوري هنا وهناك؟ أم أن الإشارة إلى موضوع الحوار مع سورية هو الفخ الأخير الذي رمي أمام النظام السوري ؟ أم التراجع عن دعم الديموقراطية بمايوحي بأنها لاتليق بتخلف المنطقة وشعوبها ؟!.

لعل التقرير الذي غلبت عليه مقاربات الحرب الباردة المرتكزة على ضرورة المحافظة على الإستقرار عن طريق دعم النظم الديكتاتورية على حساب التنمية الديموقراطية هو الأرضية السياسية التي تم بناء التقرير عليها ,و المقصود هنا هو الحوار مع النظام السوري ,فماذا قال التقرير بالحرف :

تقول الفقرة رقم( 15 )من تقرير (بيكر ـ هاملتون ) حول العراق، والتي

 تعرض على إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش فتح حوار مع سورية بصدد حلّ مشكلات العراق على أساس النقاط التالية :   

                                     
 1
ـ التزام سورية التامّ بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي (1701) لشهر آب (أغسطس) 2006، والذي يضمن آلية إستعادة لبنان سيطرته السيادية علي كلّ أرضه.
 2
ـ تعاون سورية التامّ في كلّ التحقيقات الخاصة بالاغتيالات السياسية في لبنان، خصوصاً اغتيال رفيق الحريري وبيير الجميل ( التعاون الكامل مع المحكمة ذات الطابع الدولي ).
 3
ـ الوقف الفعلي للمساعدة السورية لـ حزب الله ووقف استخدام الأراضي السورية لنقل الأسلحة والمساعدات الإيرانية إلي حزب الله (وهذه الخطوة سوف تساعد كثيراً في حلّ مشكلة إسرائيل مع حزب الله)
4
 ـ استخدام سورية نفوذها لدي حماس و حزب الله من أجل إطلاق سراح الجنود الإسرائيلين المختطفين.
 5
ـ الوقف الفعلي للجهود السورية الرامية إلي أسقاط حكومة لبنان المنتخَبة ديمقراطياً.
6
ـ الوقف الفعلي لشحنات الأسلحة من سورية، أو عبر ها، إلي حماس وسواها من المجموعات الفلسطينية الراديكالية.
7
ـ التزام سوري بالمساعدةللحصول من حماس علي اعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود.
8
ـ بذل سورية جهوداً أكبر للسيطرة على حدودها مع العراق .

 

 ورغم أن لجنة إعداد التقرير تدرك جيدا ً ماذا يمكن أن يفعله أو بشكل أدق أن يقدمه النظام السوري على مستوى الأحداث في المنطقة وفي العراق على وجه التحديد  حيث تعرف أمريكا بشكل كامل طبيعة القوى الفاعلة في المشهد العراقي الدامي وتعرف أن النظام السوري ليس واحدا ً منها سوى بتعلق الأمر بتسليم بعض العراقيين الموجودين في سورية إلى العراق والمساومة عليهم مع الجانب الأمريكي .

ومع الإدراك الكامل بأن أمريكا تبحث عن صيانة مصالحها وبالشكل الذي تراه مناسبا ً لكن من المناسب أيضا ً أن نسأل ماهي الأرضية التي يتم الحوار عليها ؟ وهل يبدأ الحوار بالوضع العراقي ؟ حينها سوف يكون النظام السوري مكشوف من كل الأطراف الفاعلة , وسيدخل على خط الحوار القضايا الساخنة وهو موقف الأطراف المتصارعة ولن يكون له ذلك الدور المذكور في مساعدة أمريكا هناك , سوى بدور شرطي حرس حدود مرتشي في أحسن الأحوال, أم سيكون بداية الحوار من الأزمة اللبنانية ؟وهنا وضع النظام السوري لايحسد عليه أبدا ً وخاصة ً بعد عزل حزب الله عن الجنوب وحصره هو وأسلحته ومشاكله في بيروت , وماذا عن المحكمة الدولية ؟التي لايمكن تجاوزها لأن فيها قرار دولي واضح صريح والتعامل الجاد معها هو البقية الباقية من المصداقية الدولية التي تحافظ على شعرة معاوية بين شعوب المنطقة والمجتمع الدولي  , وكيف سيكون شكل الحوار حول الشرعية في لبنان ؟والأقلية التي تمثل النظام السوري قد قطعت كل حبالها مع لبنان الوطن والإستقلال وحرقت كل مراكبها بانتظار خوض معركة إسقاط الحكومة وتشكيل حكومة وصاية جديدة موالية لسورية وإيران,أم من الداخل السوري نفسه ؟حيث القمع والإنتهاك الفاضح لحقوق الإنسان واعتقال المثقفين واضهاد المواطنين الأكراد بشكل مستمر وقوانين الطوارئ وفردية الحزب الواحد وكل ماهو متناقض مع الحرية والديموقراطية ومعايير العصر والقائمة طويلة,الأمر بمنتهى التعقيد ويحتاج إلى براءة اختراع لذاك الفريق السياسي القادر على جمع مصفوفةمتناقضات النظام السوري وإيجاد حل لها , وحتى في إطار الصفقة التي يدرك الجانب الأمريكي أن الديكناتوريان  تفضلها وتستمد استمرارها منها , حتى ضمن هذا الفهم ماذا سيقدم النظام السور ي لأمريكا في لبنان ؟وقدم في شوارع بيروت كل مايستطيع واستخدم كل أسلحته واغتال العشرات من السياسيين, ولو تجاوزنا ذلك ,ماذا عن الجولان المحتل؟ هل هو الصفقة الوحيدة التي يملكها النظام السوري التي تشجع على الحوار لمقايضتها مع المحكمة الدولية وتبرئة النظام وإقراره بأن الجولان جزء من إسرائيل ودخول عملية تطبيع تحتاج أكثر من عكازة للنظام السوري ليتمكن من دخولها !,وماذا عن العلاقة مع الدول العربية من أصدقاء أمريكا التي أصبحت علاقة النظام السوري معها شبه مقطوعة بل شبه عدائية ؟ و ماذا عن علاقة سورية مع الإتحاد الأوروبي والعالم التي ساءت بشكل كبير على خلفية اغتيال المرحوم رفيق الحريري ورموز لبنان وآخرها  المرحوم بيار الجميل ؟! ...هناك حزمة كبيرة من الإستحقاقات وملف ضخم بل ملفات من القضايا الشائكة والمستعصية على الحل لكنها غير مستعصية على الصفقات ! وبديهي أن لكل صفقة ثمنها وتوازناتها ومقدماتها ونتائجها التي لايملك النظام السوري منها الكثير ...بل لايملك سوى القليل الذي لايصلح للحوار المجدي المفيد ,وأمريكا تريد أن تربح في منطقة أصبحت الخسارات والإخفاقات أكثر من أن تحصى ,وتعدت في بعض جوانبها ماهو آني إلى التأثير السلبي على الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة ونعتقد أن هذا يمثل خطا ً أمريكيا ً في الثوابت الطويلة الأمد في المنطقة ومصالح أمريكا لاتسمح بتجاوزه ...وليس في وارد التفكير من قبل الذين كتبوا التقرير هو اتخاذ خطوة استراتيجية في الفراغ أو حفاظا ً على بشار أسد وانتشاله من مستنقع أفعاله الذي أصبح فعليا ً بدون دور وعالة على سورية والمنطقة ...خلاصة القول أن مايملكه النظام السوري كاش وأمريكا أول العارفين لايصلح ثمنا ً لحوار ولالصفقة ولالنصف صفقة حتى ...بل يصلح لأن يكون فخ لإمتحان النوايا ...وكشف بعض الخفايا  ...والرهان الأخير على بقايا حوار  يساعد في تطويق حاضنة العنف في العراق ودول الجوار الذي أخذ شكلا ً لامركزيا ً سرطانيا ً يفرخ بالإنقسام الذاتي أشكالا ً وأنواعا ً من التطرف ويسرح عشوائيا ً بكل الإتجاهات ...وخرج عن المساحة المفترضة ,مساحة "الفوضى الخلاقة " ليتداخل سلبيا ًمع المحددات الإستراتجية للنظام الدولي الجديد , التي نظر لها أيضا ً خبراء استراتيجيون وليس توصيات لجان أزمات ...وإلى أن يذوب الثلج ويظهر المرج ...سيصاب الكثير بعمى الألوان ...!.

د.نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ