العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 17 / 04 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

ملامح التغيير الذي ينشده السوريون

 (رسالة مفتوحة إلى الشرفاء من البعثيين بمناسبة قرب انعقاد مؤتمرهم في سوريا)

شاهر أحمد نصر

من أولويات مسألة وضع واعتماد سياسة ناجحة معرفة القدرات الذاتية وامتلاك منهج سليم في التفكير والممارسة، يساعد في رؤية العيوب والنواقص والأخطاء والجرأة ليس على انتقادها فحسب، بل ومعالجتها وتجاوزها.. مع امتلاك رؤية سليمة للعالم الذي يحيط بنا، والذي لا يمكننا العيش بمعزل عنه، وعن الانخراط معه بعلاقات اقتصادية وسياسية وإنسانية.. فضلاً عن امتلاك السبل التي تجعلنا مقبولين، وتساعدنا في العيش والنمو فيه.. هناك دراسات كثيرة عن الحالة التي يعيشها العالم، ولعل أغلب المفكرين والباحثين يتفقون على الميزات العامة التي تسم عالمنا المعاصر، والآليات التي تحكم مسيرته، والتي يبقى على هامشه كل من لا يمتلك الأدوات السليمة لتعامل معها.. من هذه الميزات التي يعيشها العالم المعاصر وتفرض حضورها الذي يجب الاستفادة منه، انهيار الحواجز والسدود أمام التفاعل الاقتصادي والثقافي والسياسي العالمي..  مع تشكل نظام حقوقي دولي من الضروري أخذه في الحسبان في المنظومة الدستورية والقانونية لكل بلد.. وغدا التداخل والتدخل مسألة لا يمكن العودة فيها إلى الوراء، وعنصراً لا يمكن تجاهله في النظام العالمي، ويتجلى ذلك في عمل ونشاط تلك المنظمات الإنسانية غير الحكومية، (كالمنظمات الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان، أمنستي وأطباء بلا حدود، والمنظمات التابعة للأمم المتحدة..) وغيرها من التنظيمات والمؤسسات الحقوقية والتجارية، والفعاليات التي أصبحت تعرف بقوى المجتمع المدني العالمي والتي تمارس دورها على المستويات المحلية والقومية والدولية... جميع البلدان بما فيها الغنية، أو التي تطلق على نفسها (اشتراكية) تعتمد على النظام العالمي، وتبين التجربة أنّ محاولة سلطة أي بلد عزله عن العالم تزيده فقراً وعجزاً.. من هنا يتبين أنّ عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتطلب في الدرجة الأولى إيجاد الظروف الملائمة للاستخدام السليم والعملي وليس الاستعراضي للتكنلوجيا الحديثة، وما يتطلبه ذلك من إصلاح وتغيير في الإدارة النوعية، والتعليم العام وإصلاحات السوق، في إطار الانفتاح على العالم، وكسر قيود العزلة...

  انطلاقاً من كل ذلك، ونظراً لأنّ أهم أشكال الحياة الاقتصادية، وما يتبعها من علاقات أمنية وسياسية أصبحت موجودة في شبكات السوق العالمية، متحررة نسبياً من قيود المكان، والحواجز الإقليمية، وتخضع لهيمنة شبكة العولمة والشبكة المعلوماتية، فقد أصبحت مسألة التغيير والإصلاح والتحديث والديموقراطية من ضرورات العيش في هذا العصر الذي تمتاز فيه الحياة الاجتماعية والاقتصادية: بالتنوع، والتخصيص، والديموقراطية.

 

فإلى أي مدى تنسجم السياسة المعتمدة والبنية الاقتصادية الاجتماعية والسياسية السائدة مع متطلبات التطور والتقدم والنمو في هذا العصر؟!

في الوضع الداخلي الاقتصادي والاجتماعي:

تبين الدراسات التحليلية لوضع الاقتصاد السوري أنّ عملية النمو الاقتصادي في سورية تشهد تعثراً منذ ثمانينات القرن الماضي، في أعقاب انخفاض المساعدات الخارجية، ونتيجة الوهن الذي أصاب مؤسسات القطاع (العام)، وازدادت عملية نمو الاقتصاد السوري تباطئاً، لتصل إلى حوالي 2-3 % في السنة، كما تراجع معدل الاستثمار العام والخاص، في التسعينات، وبداية القرن الواحد والعشرين.. وأخذت معدلات التضخم تتراوح منذ منتصف التسعينات في حدود3-4% في العام، متأثرة بالركود العام في الاقتصاد الوطني، وما ينتج عنه من تدهور في مستوى المعيشة، وزيادة في البطالة التي تقدر بعض الإحصائيات تجاوزها نسبة 30%، وازدياد نسبة من يعيشون دون خط الفقر في البلاد، وضعف قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة، وعلى اللحاق بالركب العالمي. ويترافق ذلك مع هجرة الرساميل من البلاد، وتهريبها إلى الخارج، والتي تبين بعض الإحصائيات أنّها تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، (ربما يعود بعضها لبعثيين) وضعت في المصارف الغربية، والتي لا تعود فوائدها إلى الوطن.. بل تترك أفدح الآثار السلبية على الاقتصاد الوطني...

من غير المنطقي تجاهل الواقع الموضوعي الذي أدى إلى وصول البلاد إلى هذه الحالة الكارثية، والتي يعزيها كثيرون من المحللين الاقتصاديين إلى: ارتفاع حجم الإنفاق العسكري..، النمو السكاني الكبير، انخفاض إنتاجية اليد العاملة..  انخفاض عائدات العمالة، إذ لا تزال الأجور الحقيقية راكدة عند مستويات سبعينات القرن الماضي..   تفاقم الفقر الذي بدأ يهيمن على حياة نسبة كبيرة من السكان.. عدم قدرة سورية على اللحاق بالتطورات التكنولوجية الجارية في العالم... الإطار التشريعي الضعيف الذي يحكم آليات التعامل والتنافس في الاقتصاد السوري...  التضخم، والفساد الإداري، وضعف الأجهزة والإدارات الحكومية..

         في الوضع الاجتماعي والسياسي

يبين تحليل البنية الاجتماعية والسياسية السائدة في وطننا، أنّ الركود يسود في البنى والأحزاب والمؤسسات الاجتماعية، والضعف الوظيفي يهيمن على نشاط الأحزاب والمؤسسات الاجتماعية المترهلة والمعمرة لفترة طويلة، دون تجديد في بنيانها وفكرها.. ويهيمن الانحطاط والبيروقراطية على صعيد الجهاز العام، والتوقف عن تحقيق الوظائف الأولية، ويتجلى ذلك في: ضعف مراقبة وضعف محاسبة منتهكي القانون، وسيادة حالة عامة أقرب ما تكون إلى  اللامسؤولية.. وازدياد الهوة بين الفقراء والأغنياء، واستشراء الفساد والرشوة، والاستخدام غير النزيه للسلطة.. ونهب الملكية العامة، وملكية الدولة بمختلف الطرق والأساليب، ويترافق ذلك مع تراقص القادة النقابيين والحزبيين وجهاز المراقبة حول الإدارات لتغطية سلوكها، بما يضمن المكاسب والمصالح الشخصية.. وتزداد حدة التشوهات الاجتماعية والفروقات في مستوى حياة الناس...  يجري ذلك كله في ظل سيادة حالة الطوارئ، والأحكام والقوانين الاستثنائية الطارئة، التي تعيق المقياس القانوني عن القيام بوظيفته. ويعيق الركود استبدال تلك القوانين، التي تعرقل عملية التطور الاجتماعي والاقتصادي... من غير المنطقي وغير المجدي تجاهل حقيقة عودة العلاقات العشائرية إلى المجتمع، بعد حوالي نصف قرن من الحكم (التقدمي)، وكثيراً ما يُلجأ إلى تلك العلاقات لمعالجة العديد من القضايا الشائكة والحساسة، والأمثلة كثيرة على ذلك، آخرها ما جرى، مع كل أسف، في القامشلي والحسكة عام 2004.. وهكذا تنمو في وطننا ظواهر مثيرة للاهتمام، في بداية الألفية الثالثة، وبعد عقود من محاولات نشر الفكر التنويري، مثل الميل الواسع عند مختلف الشرائح الطبقية والمذهبية من المواطنين، ولمختلف مراحل العمر ـ بما في ذلك الشباب ـ باتجاه الوعي والثقافة الغيبية القريبة من ثقافة الانحطاط، والتي تتستر أحياناً  بالستار الديني، والدين من معظمها بريء.. ويستغل مروجو الفكر الغيبي المنحط الأزمات التي تعاني منها الأحزاب والحركات التنويرية، والتضييق الذي يمارس على نشاطها، وهامش الحرية الواسع للنشاط الاجتماعي الغيبي.. إنّ عدم المساواة، وإفساح المجال لأتباع اتجاه معين أن ينشطوا ويعلنوا كل ما يريدونه ويرونه حقيقة، وأن يستخدموا كل الوسائل لنشر فكرهم، باسم الدين، والذي قد يكون مناقضاً للدين أحياناً، وحجب هذا الحق عن المثقفين والسياسيين العلمانيين، يساهم في خلق حالة مشوهة في تطور الوعي الاجتماعي.. ويترافق ذلك كله مع ازدياد الهوة بين مجتمعنا والمجتمعات المتطورة.. وفقداننا لكثير من مستلزمات مواكبة التطور العالمي على الصعيدين المعرفي والتقني والاقتصادي، وفقداننا في كثير من المجالات متطلبات الانسجام مع روح العصر.. هذا في الوقت الذي تفرخ فيه البنية السياسية الاجتماعية الاقتصادية المهيمنة الفساد يومياً، وتعرقل النمو الاقتصادي، وتسد الأفق السياسي.. وهنا لا يسعنا إلاّ أن نضم صوتنا إلى صوت الغيورين على مصلحة الوطن والشعب، ونتساءل:

من المسئول عن هذه الحالة الكارثية على كافة الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعدم التمكن من إجراء الإصلاح والتغيير المطلوب؟! وكيف يمكن لوطننا الخروج من هذه الكارثة، والاستفادة من تحسن الوضع الاقتصادي في العالم، الذي من المتوقع أن يرتفع معدل النمو فيه بنسبة 80% خلال عقد من الزمان.. في حين أن معدل النمو في سوريا وفق الوتائر الحالية لن يصل نسبة 3% وهي أقل من نسبة تزايد السكان، مع ازدياد تكاليف الحياة.. ونظراً لترابط الاقتصاد والسياسة فإنّ أية دعوة للإصلاح الاقتصادي لا تترافق مع الإصلاح والتغيير السياسي، لن تصل إلى مبتغاها، وستزداد الكارثة شمولاً وتتعمق إن استمرت البلاد على النهج نفسه.

لقد تعالت الدعوات الوطنية الفردية والجماعية لمعالجة هذا الوضع الكارثي عن طريق الإصلاح والتغيير، وبمقاربة ديموقراطية لعملية للتطور، مقترنة بالعدالة الاجتماعية، مع دعوة البعض لبقاء الاشتراكية أفقاً استراتيجياً أمام المجتمع.. فكيف تم التعامل مع هذه المطالب، وما هي الخطوات التي اتبعت للخروج من الكارثة، وكيف كان الموقف من المعارضة.

تزعزع الثقة في الدعوة الرسمية للإصلاح والعلاقة مع المعارضة:

لما كانت عملية التغيير والإصلاح ستطال مصالح كثير من الفاسدين والمفسدين، فقد اعتمد البعض منهم سياسة الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع، وأخذوا يربطون بين الدعوة للإصلاح وخدمة المشروع الصهيوني.. بحجة أن من يدعو للإصلاح والتغيير سيتسبب في انهيار الأنظمة التي تواجه المشروع الصهيوني!! وهكذا ذهبوا إلى تخوين كل من يدعو للإصلاح والتغيير، وفضلاً عن ذلك استخدمت ضد دعاة الإصلاح والتغيير الوسائل والأساليب التالية:

* التهديد واتهام من يطرحون مثل هذه الآراء "أحد اثنين: إما بسيط لا يدرك خطورة ذلك على مستقبل البلاد وأمنها واستقرارها ولا يدري ما يمكن أن يحدث بعد ذلك، وأما الثاني فهو يعرف النتائج الخطيرة ويريدها ويسعى إليها لأسباب لا تتعلق بمصالح البلاد ولكنها تفيد المشاريع الخارجية من جهة، ومن جهة ثانية إسرائيل، فتزول من أمامها الدولة التي حملت عبء مقاومة المشروع الصهيوني.." (انظر: حوار مهم مع سيادة النائب، نشرة ـ كلنا شركاء في الوطن ـ الالكترونية بإشراف المهندس أيمن عبد النور عدد 23/8/2004 ـ)

  ووصل التهديد غير المباشر إلى أسر وأبناء وزوجات من يدعون إلى الإصلاح والتغيير.. وكان آخرها الظاهرة الهمجية المتخلفة في التعامل مع المعتصمين سلمياً للمطالبة بإلغاء الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ، أمام القصر العدلي في دمشق في آذار 2005 والتي لا يمكن تجاهلها، بل يجب فتح تحقيق فيها، ومحاكمة مدبريها ومنفذيها وحماتهم، لأنّها ظاهرة ليست متخلفة، فحسب، وتشوه التاريخ الحضاري لسوريا، وتعكس الوجه المتخلف لمن خطط وحمى وقام بها، بل وهي، أيضاً، ظاهرة خطيرة في العمل السياسي الوطني، تذكرنا بالنزعات المتعصبة المغلقة والظلامية، والدعوة للاغتيالات السياسية..

* أضيفت تهم جديدة إلى دعاة الإصلاح آخرها "التخريب" فهذا رأي مسئول رفيع في دعاة الإصلاح، وتحديداً فيما يثار من مطالب لتعديل الدستور تجاه إلغاء المادة الثامنة التي تنص على قيادة حزب «البعث» للدولة والمجتمع؛ يقول: «إن حزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب الأكثرية الساحقة في سورية (,,,) فلماذا يتم رفض وضع هذا الإطار ضمن صيغة دستورية سليمة»، وأضاف: «إذا كان كل عشرة أشخاص وجدوا أن مسيرة البلد بكاملها لا تناسبهم وأنهم يريدون أن يصنعوا حزباً مهمته التخريب، فإن هذا ليس اسمه حزباً سياسياً ولا معارضة، بل إن هذا اسمه تخريب على الوطن وهو منطق الناس المعزولين الفردين الذين ينطلقون من الديموقراطية للتعدي على الديموقراطية».(انظر تصريحات رئيس مجلس الشعب إلى صحيفة "الرأي العام" الكويتية ـ عدد: 14 /9/2004)

وبالمقابل، وجدت بعض الأصوات من بعض البعثيين وحلفائهم التي وصفت بالجرأة، إلاّ أنّها حسب زعمنا  تتخلف عن متطلبات العصر وروحه، أو تتناقض معها.. ففي مجال تحرير الدولة من هيمنة الحزب الواحد، على سبيل المثال، أيد البعض هذه الدعوة، إلاّ أنّ هؤلاء ـ ربما نظراً للخوف من أن يُكّفروا، وربما لقناعاتهم ـ عللوا رأيهم بطرح (نظريات) تقول بأن الحزب أكبر من الدولة!! وهذه سابقة لا وجود مثيل لها في (علم) الاجتماع، ولا سند لها..

* التمسك بحالة الطوارئ والقوانين والأحكام العرفية، والأسلوب الديماغوجي في تبرير استمرارها لمدة نصف قرن من الزمان، لتخلق أجواء الرعب والخوف في نفوس المواطنين ويرى بعض البعثيين أن المطالبة بإلغاء قانون الطوارىء والأحكام العرفية هي مطلب مثالي جداً، فجميع دول العالم لديها بشكل أو بآخر آليات وأدوات للتدخل المباشر التي تشبه قوانين الطوارىء وتستعملها عندما تفشل الأساليب الأخرى، لافتًا إلى أن المشكلة ليست في قانون الطوارىء بل المشكلة هي في طريقة استخدامه في غير محله ومن قبل جهات لا تمتلك الكفاءة في تطبيق أساليب التدخل غير المباشر فتغطي عجزها بالتدخل المباشر ويدعون ليس إلى إلغائه بل في ترشيد استخدامه ورفع كفاءة الجهات التي يحق لها استخدامه..

ونتساءل: هل هناك مبرر لبقاء حالة الطوارئ، وهل نستطيع تخطي الحالة الاقتصادية والسياسية الصعبة، وبناء أسس الدولة العصرية في ظل حالة الطوارئ؟؟ وهل فعلاً تفيد حالة الطوارئ في مواجهة العدو ـ وهو المبرر الذي يزعم معلنوها أنّها وجدت بسببه ـ أم أنّها تضعف البلاد أمام هذا العدو بتغذيتها عنصر الجبن، وبخلقها أناس خائفين هلعين من ظلهم، وتساعد في حماية الفساد والمفسدين، وتخلق حالة تنفر المستثمرين.. والأمثلة كثيرة طالما تم إيرادها، كما يطرح الإصرار على إبقاء حالة الطوارئ تساؤلات منها؛ إنّ كان تحالف أصحاب رؤوس الأموال الطفيلية الفاسدة، وممثليهم في المواقع المفصلية يخشى من أية فسحة أو نسمة ديموقراطية تكشف عورته.. لذلك يجري الاحتماء بحالة الطوارئ، وتسدّ الأبواب والنوافذ أمام أي أفق ديموقراطي حر!!

لم يختلف رد الحلفاء الجبهويين وفي طليعتهم الشيوعيين السوريين الموجودين في الحكم (والذين يتحملون مسئولية تاريخية عن الحالة التي وصل إليها الوطن والمجتمع).. فقد أخذوا ـ باستثناء بعض الأصوات العقلانية الوجلة والمحدودة التي تعي وتطالب بضرورة الإصلاح والتغيير ـ يلعبون إما دوراً سلبياً معرقلاً (رجعياً) يتعارض مع متطلبات بناء الدولة العصرية ومواجهة متطلبات وتحديات العصر، أو دوراً مغامراً يطرح مهاماً لا وجود للحامل السياسي لتحقيقها، وهذا كله يلعب دوراً سلبياً في الحراك السياسي في البلاد..  وفي هذا المجال من المفيد التأكيد على أنّه: إذا كانت أحزاب الجبهة متفقة على ضرورة بقاء صيغة الجبهة؛ فمن الممكن توحيدها في تحالف سياسي واحد، وفسح المجال أمام المجتمع السياسي في البلاد أن يتفتح بحرية، وتشكل أحزاب على متساوية الحقوق والواجبات مع ذالك التحالف، وعلى الرغم من أنّ الكثيرين يتفقون على أنّ قيام الجبهة كان في حينه خطوة إيجابية، في ضوء المعطيات التاريخية الداخلية والخارجية.. إلاّ أنّها تسببت في ضعف، إن لم يكن عقم، العمل السياسي الديموقراطي في البلاد.. خاصة وأنّها ترافقت مع الاستمرار في فرض حالة الطوارئ والحكم بواسطة القوانين والأحكام العرفية والاستثنائية.. التي طالت الجميع. وألغت صيغة الجبهة الاعتراف بحق أي حزب سياسي في الوجود والعمل خارج إطارها..  إنّ عملية تطوير ميثاق الجبهة ونظامها الأساسي، وانضمام أحزاب جديدة إليها، لا تكفي  لمعالجة المهام السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، ولن تجعل صيغة العمل السياسي في البلاد منسجمة مع ضرورات ومتطلبات التطور والتقدم في هذا العصر، وستعيق من فعالية المجتمع السوري أمام التحديات العصرية الملحة..من المعلوم أنّ أهم أسس الدولة القانونية العصرية، هي: رضا وقبول أبناء المجتمع بسلطتها، والتداول السلمي لهذه السلطة، والمساواة القانونية والحرية في ظلها... وتتطلب مسألتا الحرية والتداول السلمي للسلطة في الدولة، وجود قوانين تشكيل الأحزاب والجمعيات السياسية، وحق هذه الأحزاب في الوصول إلى السلطة.. وهذا ما يتعارض مع وجود صيغة جامدة للحكم اعتمدت في أواسط القرن العشرين في ظل ظروف دولية وإقليمية ومحلية محددة، والاستمرار في العمل بها في ظل ظروف مختلفة جذرياً.. وفي الوقت نفسه يتساءل الكثيرون عن دور الأحزاب المنضوية في الجبهة، وعن تعداد كل منها، وعن وزنها الفعلي في حياة المجتمع، وفي هذا السياق قد لا نجانب الحقيقة إذا قلنا: لو طلب من الكثيرين من المنتسبين إلى هذه الأحزاب أن يعددوا ويذكروا أسماء الأحزاب الأخرى الحليفة لهم لما تذكروا أسماءها، لعدم وجود دور فعال لها، فما بالك حال المواطن العادي.. ونعتقد أن أسباب ذلك ليست خافية على الكثيرين.. ولن نقدم شيئاً جديداً إن قلنا أنّ أغلب هذه الأحزاب قد لا تستطيع تلبية متطلبات إنشاء حزب سياسي وفق الأسس القانونية، من حيث عدد الأعضاء، والتواجد في أغلب المحافظات، وهذا يفسر استبسال بعض قادتها لعدم إصدار قانون أحزاب عصري.. وغيرها.. وهذه القضية وحدها كافية لوضع الصيغة الحالية بحد ذاتها تحت التساؤل..

* التسويف، والممارسة العملية التي تتناقض مع التصريحات المعلنة والخطابات الداعية للإصلاح والتغيير، والمماطلة في إصدار القوانين الضرورية وااللازمة لذلك، وفي مقدمتها قانون الأحزاب، فمن المعروف أنّ النائب رياض سيف كان قد أعلن قبل أيام من اعتقاله لقناة الجزيرة الفضائية أنّ قانون الأحزاب سيصدر في شهر شباط2001، وقد بنى إعلانه على معلومات تلقاها من مسئول رفيع المستوى في السلطة، وأعيدت الوعود مراراً، ومضت سنوات دون أن يرى المواطن شيئاً من ذلك.. بل يحال من ينوي حضور محاضرة إلى المحاكم العسكرية، وهي ظاهرة تذكر بمحاكم التفتيش في أبشع عصور الظلام، فضلاً عن الإصرار على سجن دعاة الحرية والمنتديات الأوائل وفي مقدمتهم الدكتور عارف دليلة عميد كلية الاقتصاد السابق، الذي يتناقض سجنه مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان، ومبدأ الحرية الأكاديمية المعمول به في جميع بلدان العالم، والنائب رياض سيف وإخوانهما الذين لا مبرر أخلاقي أو قانوني لسجنهم، سوى الرغبة في زرع الرعب في نفوس المطالبين بالحرية والديمقراطية، وبإخراج الوطن من الحالة الكارثية التي دفع إليها.. ومن الملفت أنّه مع الاستمرار بسجنهم واعتقال العديد غيرهم، واستدعاء الداعين إلى الإصلاح والتغيير إلى الأفرع الأمنية، يعلن أرفع المسئولين في تصريحاتهم للمحطات التلفزيونية الفضائية ووسائل الإعلام عن حرية ووجود منتديات في سوريا!! وأخيراً، وبعد سنوات، تأتي التصريحات واضحة "لا قانون للأحزاب في سوريا".. ومن ثم أجل إعلان قانون الأحزاب إلى المؤتمر القطري لحزب البعث، علماً بأنّه كان قد جرى الحديث عن عقد هذا المؤتمر في أواسط عام 2004، ومن ثم قيل قبل نهاية عام 2004، ثم جرى التصريح بأنه سيعقد في آذار (مارس) 2005... وأخيراً يقال في أواخر أيار (مايو) 2005.. علماً أنّ بعض قادة تنظيمات الجبهة أعلنوا أكثر من مرة أنّه لا حاجة لقانون أحزاب في سوريا.. وهكذا تنعدم الثقة شيئاً فشيئاً بين المواطن وبين الجهات الرسمية ممن يسوفون في الدعوة للتغيير والإصلاح في البلاد.. وهناك قلق جدي من الاستمرار في إتباع هذه الأسلوب، من التسويف والمماطلة، والتأجيل في اتخاذ القرارات المصيرية لأسباب واهية غير مقنعة، واللعب على عامل الوقت، دون العبء بالمخاطر الجدية التي تحدق بالوطن..

وترافق هذا الأسلوب غير المسئول في التعامل مع استحقاقات الإصلاح والتغيير الملحة، التي استبدلت بشعارات جوفاء حول التطوير والتحديث، وتجلت أقصى أشكالها السلبية في التعامل مع من استجاب للنداءات الرسمية للإصلاح، وفي مقدمتهم العشرة الأفاضل الذين زج بهم في السجن جزاء تلبيتهم لنداء الإصلاح الذي أطلق، وفي التعامل مع المعارضة الوطنية في الداخل؛ ترافق ذلك مع أخطاء استراتيجية على صعيد السياسة الخارجية معروفة للجميع، ومن المنطقي أن تقود السياسة المتعثرة داخلياً إلى أخطاء في السياسة الخارجية..

هناك أصوات ليست قليلة في المجتمع وخارجه، تقول: بما أنّ البعثيين يصرون على أنّ حزب البعث هو "قائد الدولة والمجتمع شاء من شاء وأبى من أبى"، فهم يتحملون المسؤولية كاملة عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الكارثي الذي أوصلوا البلاد إليه، وتحمل المسؤولية يعني محاسبة المسبب، وتغيير النهج الذي أدى إلى هذا الوضع، لقد طالت مرحلة التجريب وأصبحت نتائجه معروفة، وآن الأوان لإيقاف التجريب الفاشل، واعتماد الأساليب الديموقراطية المعروفة.. وفي هذا السياق نحيي الأصوات التي تقول: لقد تعرضنا للسجن وللضرب والاعتداءات، التي كادت تودي بحياتنا، من قبل البعثيين، وطردنا من العمل، ورمي بنا في الشوارع، وفصلنا من المدارس من قبل أساتذتهم، وخفضت علاماتنا وزيدت علامات الطلاب البعثيين دون وجه حق، وتخرج بهذه الطريقة مهندسون وأطباء ودكاترة جامعات، ليسوا جديرين بشهاداتهم التي قدمت لهم، وربما أصبحوا الآن رؤساء مراكز (أبحاث) يضعون الخطط لمستقبل البلاد، ونحصد مع البلاد نتائج تخطيطهم.. وتعرضنا وأسرنا وأبنائنا، الذين دفعوا ثمن عدم خضوعهم للضغط للانتماء إلى حزب البعث، فتعرضنا جميعاً للتمييز والقهر من قبلهم، وعانينا في العمل من قبل أجهزتهم ومدرائهم، كما سجن الكثيرون بسبب آرائهم، وفقد البعض وهُجّر.. وعلى الرغم من كل ذلك يتجاوز الكثيرون جراحهم في سبيل صالح الوطن، بما في ذلك صالح البعثيين، ويتقدمون برؤيتهم للخروج من هذا الوضع العصيب، ولمواجهة التحديات المصيرية ومواكبة مسيرة التاريخ بالشكل السليم، وعلى الرغم من أنّ الردود حتى الآن كانت أقرب إلى الغطرسة..

من ملامح التغيير المنشود

للخروج من هذه الحالة الكارثية نضم أصواتنا إلى أصوات المنادين بالإصلاح والتغيير السلمي من الداخل كي لا يتعرض المجتمع والوطن إلى هزات وكوارث لا تعرف عقباها.. إنّ الإصلاح والتغيير وإعادة ثقة المواطن بجدية الدعوة إلى الإصلاح والتغيير، تتطلب اتخاذ إجراءات تاريخية تعيد بناء أسس الدولة والمجتمع على أسس سياسية واقتصادية سليمة، وفي مقدمتها:

ـ إزالة كل أسباب عدم الثقة الناجمة عن أساليب القمع والتسويف والديماغوجية السابقة، بالإعلان عن إلغاء الأحكام العرفية وإلغاء حالة الطوارئ، وحصر عمل أجهزة المخابرات في مهامها الأمنية، وعدم تدخلها في الحياة الشخصية للمواطن، وإنهاء مظاهر عرض العضلات من قبل بعضها في مراكز المدن، ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان ومرتكبي مختلف أشكال التعذيب، وحماتهم، ومحاربة الفساد وتهريب الأموال خارج الوطن، ومعالجة مسائل الأقليات، بشكل قانوني وطني سليم، وخاصة منها حقوق المواطنين الأكراد المجردين من الجنسية، وحماية حقوق الإنسان وفق الأعراف والقوانين الدولية، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين وسجناء الرأي وفي مقدمتهم دعاة الحرية والديموقراطية: عميد كلية الاقتصاد السابق البروفيسور عارف دليلة، والنائب رياض سيف وإخوانهما.. ووقف التلاعب والتسويف في مسألة تنظيف السجون السورية من سجناء الرأي، لطالما صرح بعض المسئولين بأنّ هذا الملف سوف يغلق قريباً، فأعلن عن ذلك، على سبيل الذكر، قبيل التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية الشراكة الأوربية لأسباب ربما دعائية ـ وهل مصائر الناس  مادة دعائية؟ ـ ثم أعلن وزير الخارجية بأنّ نهاية عام 2004 سوف تشهد تبييض السجون السورية من سجناء الرأي والسجناء السياسيين، وانقضى عام 2004 دون تحقيق ذلك، وها هو سفير سوريا في واشنطن يصرح بأنّ الإفراج عن جميع السجناء السياسيين سيتم حتى حزيران (يونيو) 2005، والسؤال المشروع الذي يطرح نفسه لماذا حتى حزيران (يونيو) 2005 وليس الآن؟ ومنذ أيام تتردد إشاعات حول قرب الإفراج عن النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي، تحت ضغط الاتحاد الأوربي، يقال أنّ ذلك سيتم خلال أيام معدودة؟ وهنا يعود السؤال يتكرر، لماذا بعد أيام ‍وليس اليوم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لماذا النائبين فقط وليس الباقين جميعاً من العشرة الأفاضل من ضحايا ربيع دمشق، لماذا يتم الرضوخ للضغوط الخارجية ؟ ألا يدل ذلك على ضيق الأفق، ويفقد كل عناصر القوة والثقة؟ ألاّ يدل ذلك على أنّ نهج المماطلة والتسويف هو السائد؟! ألا تزيد سياسة التسويف والمماطلة من عدم ثقة المواطنين، بكل دعوات الإصلاح الرسمية وبمن يطلقها، وفي صالح من فقدان هذه الثقة؟  لقد أصبح مطلب الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين مهمة وطنية من الدرجة الأولى، فضلاً عن إعادة حقوق المواطنة لمن جرد منها، ومعالجة مسألة المفقودين والمبعدين والمهجرين والتعويض عن المتضررين بشكل قانوني سليم.. ومكافحة الفساد، ومعالجة الوضع الاقتصادي الكارثي بإزالة كافة القيود التي تعيق الاستثمار، ومنع هيمنة فئة فاسدة محدودة تستغل قوانين الطوارئ والأحكام العرفية لتحمي نفسها من المساءلة، وتتلاعب بالمقدرات الاقتصادية للبلاد، وتخلق حالة تعيق التطور الاقتصادي السليم، والعمل على إعادة الأموال المهربة خارج البلاد..

ـ اعتماد أدوات ومناهج تفكير جديدة متطورة؛ لقد بات من الضروري في هذا العصر القيام بدراسة مجهرية (دقيقة) للمسلمات النظرية التي نتمسك بها، ربما نكتشف يوماً أنّها لم تعد ملائمة للواقع الذي نعيش فيه... من المفيد في هذا المجال إعادة الاعتبار للفكر العلماني من خلال القراءة المعاصرة للواقع، بعيداً عن الدوغمات والتقديس... مع التأكيد على أهمية امتلاك المنهج السليم في التفكير، المنهج العقلاني العلمي والديالكتيكي...

ـ بناء دولة الحق والقانون على أسس ديموقراطية دستورية قانونية تداولية سليمة، وهذا يتطلب مرحلة انتقالية، تبدأ بالإصلاحات الدستورية المتضمنة إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تنص على أنّ حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، والدعوة لعقد مؤتمر وطني يضم مختلف ألوان الطيف السياسي في الوطن يعتمد الخطوات الضرورية للإصلاح والتغيير وأدواته، ومن بينها، اعتماد قانوني أحزاب وانتخابات عصريين تكون في جميع الأحزاب متساوية الحقوق والواجبات أمام القانون.. وإعادة الاعتبار إلى المجتمع السياسي والمدني، والسماح للمعارضة الحقيقية أن تتشكل بشكل سليم، وأن تقول كلمتها بشكل جلي.. من الإجحاف الشديد بحق الشعب السوري حرمانه من تشكيل معارضته بشكل سليم، فتفرض عليه معارضة، أو يفرض عليه من يتحدث باسمه كمعارضة، أو يفرض على المعارضة أن تتشكل في ظروف استثنائية من السجن والقمع والتهجير...مع التقدير والاحترام لكل التضحيات التي قدمت.... إنّ السبيل الصحيح للوصول إلى بنية اجتماعية سياسية سليمة، تلبي متطلبات العصر هو السماح للمعارضة أن تتشكل في المجتمع بشكل قانوني سليم، وسماع صوتها.. وفي حال الاستمرار بتجاهل ضرورة السماح للمعارضة أن تتشكل بشكل قانوني سليم، ستحل لحظة التغيير بكل تأكيد، عندها ستنتقل البلاد من حالة إلى حالة بائسة، مشابهة للسابقة، نتيجة طبيعة القوى التي فرزتها مرحلة التشوه، وفي ذلك خطر محدق خطير على مستقبل الوطن..

قد تستطيع بنية ما أن تستمر لفترة زمنية ما، بفعل عوامل ضعف وقوة مختلفة داخلية أو خارجية، ولكن يبقى السؤال الكبير حول المستقبل. ما الذي نبنيه من أجل المستقبل، كيف سيكون حالنا في المستقبل؟

ـ رفع هيمنة حزب البعث على التنظيمات الجماهيرية والنقابات، وهيمنة مراكز السلطة والدولة الأمنية، لأنّ تلك الهيمنة لا تنسجم مع متطلبات التطور الاجتماعي السليم، لقد أثبتت الحياة محدوديتها وفشلها في القيام بمهامها، وأصبح ضرورياً رفع الهيمنة عنها.. كما أنّ المنظمات التربوية، كالطلائع والشبيبة، على سبيل المثال، التي تعمل بالتنسيق مع المدارس ومديرية التربية، والتي يتم تمويل الكثير من نشاطاتها من ميزانية مديرية التربية، أي من الضرائب التي يدفعها جميع المواطنين، من غير المنطقي أن تبقى حكراً على حزب بعينه، وأن تسمى باسمه، فالشبيبة يجب أن تكون شبيبة الوطن، والطلائع طلائع الوطن وليست طلائع البعث، وقس على ذلك..  مع التأكيد على الحقوق التي حصلت عليها المرأة في سوريا وكان لحزب البعث مع بقية الأحزاب والقوى السياسية الوطنية دوراً ملموساً في تحقيقها، وضرورة تطورها..

التضامن العربي:

يمتاز عصر العولمة يبناء التكتلات والتحالفات لتأمين الحقوق والمصالح، وفي هذا السياق من البديهي والطبيعي أن تسعى الشعوب العربية لمزيد من التضامن والانفتاح والتعاون فيما بينها، ومن الضروري التأكيد على مد يد الأخوة إلى الشعب العراقي، وتأييده في الطريق الذي يختاره لبناء دولة ديموقراطية عصرية، ولإنهاء الاحتلال، وتقرير مصيره في العراق الديموقراطي الموحد المستقل بعيداً عن أجواء الإرهاب والاستبداد.. وفتح صفحة جديدة في التعامل مع لبنان والشعب اللبناني تقوم على أسس الحرية والسيادة  والأخوة الديموقراطية العصرية المتحضرة.. إنّ العراق ولبنان الحرين المستقلين والموحدين والديموقراطيين هما سند كبير للعرب جميعاً..

الإصلاح والتغيير والصراع العربي الصهيوني

يربط البعض بين الدعوة للإصلاح والتغيير وخدمة المشروع الصهيوني.. بحجة أن من يدعو للإصلاح والتغيير سيتسبب في انهيار الأنظمة التي تواجه المشروع الصهيوني!! وفي الجواب يطرح دعاة الإصلاح والتغيير نفس السؤال على الطرف الآخر: هل هذا الوضع الذي تتشبثون به هو الوحيد السليم لمواجهة المشروع الصهيوني؟ ألا يؤثر ضعف النمو الاقتصادي والتخلف العلمي والتقني وسوء الأحوال المعاشية لغالبية أبناء المجتمع، وحالة الخوف التي خلقتها قوانين الطوارئ على مجابهة المشروع الصهيوني؟؟.. هل فعلاً تتم مقارعة المشروع الصهيوني بمزيد من الخوف والضعف الاقتصادي والتخلف الاجتماعي والعلمي والسياسي؟؟!!.. أليس مبرراً البحث عن بنية جديدة تنسجم مع متطلبات العصر وتفتح طاقات الشعب والمجتمع أساسها الحرية والديموقراطية لبناء المجتمع والإنسان القادر على مواجهة التحديات؟؟

إنّ أحد أسباب نجاح المشروع الصهيوني، هو ازدياد الهوة بين العرب وإسرائيل.. أجل هناك معادلة تكمن في أساس نجاح المشروع الصهيوني، تتلخص في أنّه كلما تقدمت إسرائيل لسنة إلى الأمام، يجب أن يتخلف العرب لعقود إلى الوراء.. ولمّا كان تخلف العرب يفيد المشروع الصهيوني فإنّ من حق المواطنين العرب أن يتساءلوا عن علاقة الأنظمة التي تعمل على إفراغ المجتمعات العربية من جميع عناصر قوتها، وإضعافها بالمشروع الصهيوني..

إنّ إقامة السلام الشامل والعادل في منطقة الشرق الأوسط، على أساس الشرعية الدولية القاضية بإعادة الأراضي العربية المحتلة في الجولان ومزارع شبعا إلى أصحابها الشرعيين، وإقامة الدولة العربية الفلسطينية، وعاصمتها القدس، ومعالجة مأساة اللاجئين وفق قوانين الشرعية الدولية، هي بداية النهاية للمشروع الصهيوني العنصري.. وهذا ما تعيه وتخافه تلك الأوساط، ولذلك نجدها تبحث عن سبيل الهروب من استحقاقات السلام العادل والشامل، باستغلالها ومحاولة افتعالها الأزمة تلو الأخرى.. للتأخير في حل أزمة الشرق الأوسط، علّها تصل إلى زمن وظروف تجعلها تفرض شروطها، التي تقود إلى هيمنتها المطلقة على المنطقة، ولو أدى ذلك إلى إلغاء الآخر..

من الضروري، في ظروفنا الحالية، تمسك العرب بخيار السلام العادل والشامل، والاستفادة من المبادرات الدولية، لإقامة دولة فلسطينية، وتحرير الأراضي العربية المحتلة، ودفع هذه المبادرات إلى الأمام، ومخاطبة العالم بلغة موضوعية، حقيقتها أنّ المشكلة ليست بين العرب واليهود كيهود ، بل بين العرب والمشروع الصهيوني العنصري الذي يستبيح احتلال أرضنا، واضطهاد شعوبنا.. ومن مهام لغة الخطاب العربي الوصول والتأثير في الشارع الإسرائيلي.. يعدّ تحرير اليهود والإسرائيليين من الفكر العنصري، مهمة إنسانية وعربية ستترك آثارها على مستقبل العالم ككل.. ليس في صالح أحد من محبي السلام  القول أنّ كل إسرائيلي، أو يهودي فاشي وعنصري، ولا الدفع في هذا الاتجاه، بل على العكس، إنّ مثل هذه الشعارات تغذي معسكر مناوئي السلام.. علينا البحث عن مناصري السلام في المعسكر الآخر، والعمل على تقوية وتعزيز نفوذهم ..

الحاجة إلى نظرة موضوعية في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية:

مما لا شك فيه أنّ حكام الولايات المتحدة الأمريكية الحاليين، ونتيجة مساندتهم المستمرة للاعتداءات الإسرائيلية ضد الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب العربي الفلسطيني،  ونتيجة حربهم غير الشرعية ضد العراق، قد وجهوا صفعة قوية للديموقراطية ودعاتها في العالم العربي...

إلاّ أنّه إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة من خلال المنظور الديموقراطي التاريخي، لوجدنا أنّه لا يوجد ثبات وديمومة أبدية في البنى الاجتماعية الأمريكية، وبالتالي فإن التناقضات الكامنة في المجتمع وبناه الاقتصادية وما يضاف إليها من تناقضات خارجية، وتناقضات مع الفكر الديموقراطي الذي تقوم عليه تلك البنى، لا بد سيقود إلى تغيير.. وبقدر ما كانت القوى المؤثرة في التغيير تنسجم مع مصالح التقدم، والقيم الإنسانية، بقدر ما كان ذلك التغيير في صالح الإنسانية ككل، بما في ذلك الشعوب العربية.. من هنا تنتصب مهمة أساسية أمام الغيورين على مستقبل الإنسانية في العالم ككل، وفي وطننا العربي على وجه الخصوص، في البحث عن سبل التفاعل مع المجتمع الأمريكي، ونقل تلك الأفكار إلى التطبيق العملي.. ومما لا شك فيه أن أولى أولويات هذا الفعل، هي وجود حالة ديموقراطية حقيقية في مجتمعاتنا، تتيح القيام بالمبادرات وتطبيقها في الواقع، فضلاً عن تجاوز الحاجز الذي يجعلنا غير مقبولين سلفاً من الآخر.. لنخاطبه بلغة طالما افتخر بها ألا وهي: الديموقراطية، وهي السبيل لتغيير قناعاته وتغيير حكامه.. إنّ العلاقة الطبيعية مع الولايات المتحدة الأمريكية في صالح الشعوب العربية حكومات ومعارضة..

متطلبات الفرصة الأخيرة

تعّدُّ القراءة الصحيحة للتاريخ إحدى السبل المساعدة لخط سياسة المستقبل، والتاريخ ليس الماضي فحسب، بل هو الحاضر والمستقبل أيضاً.. كم كان مفيداً لو قبل البعثيون في العراق النصح، وأوقفوا حربهم ضد إيران، ولم يدخلوا الكويت، أو خرجوا منها طواعية؟ كم كانوا جنبونا من الويلات والمآسي؟ إنّ التغيير قادم لا محالة، لكن: كم سيدفع من الثمن حتى يقبل النصح؟ كم سيكون الثمن باهظاً نتيجة عدم قبول النصح؟! هل يأتي زمن يقال فيه: لقد اجتث البعثيون، أصحاب المسيرات الملونية، البعث.. وفي هذا المجال من الضروري الاستفادة من تجربة العراق، واستبعاد كل الآليات المقنعة والأوهام والبنى التي تغنى بها نظام البعث العراقي البائد، والتي توحي بالقوة الزائفة، وقد شبه له، أما في الحقيقة والواقع فهي زاخرة بالضعف والهوان.. من الضروري ملاقاة جميع الدعوات الوطنية الغيورة على مستقبل الوطن الصادرة عن جميع القوى الوطنية، وعدم إقصاء أحد، وفي هذا السياق من الضروري التعامل الجدي والموضوعي مع الصوت العقلاني في بيان جماعة الإخوان المسلمين الصادر في 3/4/2005... للتأسيس لبنية اجتماعية اقتصادية سياسية لبناء دولة الحق والقانون الدستورية التعددية الديموقراطية التداولية...  ومن المفيد التمعن في  المأثرة التاريخية للشيوعيين السوفيت الذين تخلوا طواعية عن مبدأ الحزب قائد الدولة والمجتمع، نتيجة فهمهم الصحيح لمتطلبات التطور في عصر المعلوماتية الحديث، وتغليبهم مصلحة الوطن على مصلحة الحزب والحزبيين، وتخليهم بشكل موضوعي عن الكثير من المبادئ والأفكار، التي يراها الكثير من الشيوعيين مقدسة، وتقبلهم للشروط الضرورية لتطور البلاد وفق المبادئ الديموقراطية العصرية، التي يعد التداول السلمي للسلطة أحد أركانها.. نأمل أن تغّلب جميع الأحزاب مصلحة الوطن على المصالح الحزبية الضيقة، وتتبنى الأسس والأساليب الديموقراطية الصحيحة والضرورية لتطور الأوطان، والتي تتفق المجتمعات المتحضرة على مبادئها العامة التي بيناها أعلاه، وتعمل وفق الحقيقة الموضوعية التي تقول بأنّ القادة والأشخاص والأحزاب إلى زوال، والبقاء للحق وللحقيقة في الشعوب والأوطان..

إنّ المخاطر الكبيرة المحدقة بالوطن تجعل من مسألة تطبيق المهام التي يطرحها الغيورون على الوطن؛ من إلغاء لحالة الطوارئ والإفراج عن المعتقلين السياسيين، والبدء بمعالجة موضوع المبعدين والمفقودين، والمظلومين.. وإلغاء المادة الثامنة من الدستور، وإصدار قانون الأحزاب السياسية وقانون الانتخابات العصريين، والدعوة لمؤتمر وطني عام لاعتماد أسس بناء الدولة القانونية الدستورية العصرية القادرة على مواجهة التحديات الكبيرة، هي مسألة ملحة، وضرورية لإنقاذ الوطن لا تقبل التسويف ولا التأجيل.. والوطن وصالحه ليس حكراً على حزب بعينه لتؤجل المهام الضرورية لمنعته، حتى انعقاد مؤتمره، بل هي خطوة آنية ملحة وضرورية للوطن، من الضروري والمفيد البدء بها حالاً.. وقد تكون هي الفرصة الأخيرة .. سيترك عدم اغتنامها آثاراً وخيمة، لن يفيد بعدها الندم.. إنها في صالح الجميع بما في ذلك الحزب الحاكم، إذا ما اتخذت قبل مؤتمره، ليعقد ذلك المؤتمر على أسس جديدة، أساسها أنّ الحزب ليس أنّه مصدر للمكاسب والمصالح، كقائد الدولة والمجتمع، وتظهر الأسس العصرية الجديدة التي تلغي القيادة الأبدية للدولة والمجتمع، كما يرى البعض وهم محقون، تظهر مدى التزام أعضائه به بعيداً عن نزعة المصلحة والمكاسب...

من الضروري إزالة أسباب الخوف من أعماق المواطنين وإعادة الثقة إلى الشعب، وعدم الخوف من الشعب، والإقرار بأنّ زمن التسويف والحلول المجتزأة وأنصاف الحلول قد ولى، ومثل ذلك الأسلوب لا يعالـج القضايا بل يزيدها تفاقماً.. ولا وجود لأي مبرر للخوف من الشعب، بل إنّ الشعب هو الحامي الأمين لمصالح الوطن الحقيقية، وتتم العودة إلى الشعب من خلال عقد مؤتمر وطني عام يضم كافة القوى السياسية والدينية والمستقلة، يؤسس لعقد جديد لبناء أسس الدولة الوطنية الدستورية القانونية التعددية الديموقراطية لكافة أبناء الشعب، تقضي على كافة أشكال الهيمنة والتمييز على أساس حزبي أو سياسي أو ديني، أو طائفي، أو القومي، وترفع من مكانة وطننا بين الأمم.

طرطوس ـ عيد الجلاء نيسان (أبريل) 2005

شاهر أحمد نصر 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ