العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16 / 11 / 2008


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

حال وانتهاكات السلطة للدستور والقوانين

ذكرنا في المقالات الأسبق أمرا بديهيا معروفا، وهو أن من أهم مقومات الدولة هو وجود دستور يحكم علاقات مؤسسات الدولة، وقوانين تحكم علاقات المواطنين ببعضهم، وعلاقاتهم مع الدولة. وباختصار بديهي نقول، إن السلطة في أي دولة في العالم هي الجهة المسؤولة عن تنفيذ الدستور والقانون. ولكي لا ندخل في التفاصيل، نلجأ إلى التساؤل المباشر: هل السلطة في سورية تنفّذ وتعمل وفقا للدستور والقوانين؟ أم أنها جهة مُشاركة لعديد من الجهات التي تخالفها؟ وبالتالي تنتهك مفاهيم الدولة، منعكسة على مصالحها وقوتها وازدهارها وتطورها ومعيشة شعبها؟

في الحقيقة، إن الجواب المُؤسف السريع الذي يعلمه كلُّ مسؤول وكل مواطن إطلاقا، هو أن السلطة هي التي تُخالف الدستور والقوانين، ومن هنا بدأ اختلال المعايير الناظمة للدولة والشعب في جميع النشاطات إطلاقا، وكانت نتائجه بالطبع حال الوطن السوري وحال شعبه من التراجع في جميع – وهذا ليس مبالغة إطلاقا – مناحي الدولة ومصالح الشعب بالضرورة.

ولنتجه إلى بعض التساؤلات التي تُبرهن النتيجة المذكورة، نُتبعها ببعض الأمثلة الفاقعة؟

 

أولاً: هل الأوضاع ونتائج الحكم في سورية هي طبيعية ومقبولة؟

 لنبدأ من الواقع الذي يعترف به المسؤولون، ويعيشه الشعب وهو محل ملايين شكاوي المسؤولين والمواطنين معا: هل الأوضاع في جميع نواحيها السياسية والإقتصادية والإدارية والخدماتية والقضائية والأخلاقية، شاملة الحريات ومعيشة الشعب، ومعاناة الأزمات ومعالجتها، هي أوضاع طبيعية متوازنة ومقبولة ومريحة؟

  أليس الحكم في سوريا هو حكمٌ استبدادي، تتحكم فيه بعض مراكز قوى فيه بإرادات القائمين عليها، بديلا عن سلطة الدستور والقانون؟ وأن هذا هو سبب رئيسي للتخلف والتراجع والتناقضات وتبدد المسؤولية في نظام الدولة؟

  أليست تركيبة مجلس الشعب هي نتيجة أولى لممارسة الحكم الإستبدادي، تبعه وزاد عليه تجميد وتحنيط المجلس وصلاحياته الدستورية في التشريع ومراقبة ومحاسبة الحكومة واقعياً، ليُبرهن على تعطيل الناحية الأهم في بنية ومسارات حكم الدولة؟ وأن هذا ليُقسر التناقضات التشريعية، وارتجالها وقصورها عن تحقيق أهداف دولة ومتطلبات الشعب، والإنحرافات التقريرية والإدارية والفسادية الجارية على المكشوف من قبل الحكومة أو بعض وزرائها والأجهزة والإدارات المرتبطة – نظريا – بها؟

  هل الحكومة  هي السلطة التنفيذية المسؤولة حقّاً عن مسارات إدارة الدولة ومصالحها ومصالح الشعب؟ وهل هي السلطة الوحيدة المسؤولة في الدولة، كما هي السلطة الحقيقية المتوازنة في أي دولة في العالم ؟

  هل الحكومة ووزرائها، مُنضبطون بمفاهيم الدستور والقوانين، أو أنهم تابعون للعمل بأهواء وتعليمات وإملاءات جهات عديدة – ومتناقضة أحيانا – بدءا من رآسة الجمهورية، ومرورا بإملاءات مراكز قوى التسلط والفساد، وانتهاء بإرادات قيادات أمنية مختلفة؟

  أليس الإقتصاد الوطني هو حاليا – ومنذ عدة سنوات – محل تلاعب خطير في تشريعاته، وإدارته وقراراته التنفيذية المتناقضة والمفاجئة، خارج أي منهج مدروس صادر رسميا، وبعيدا عن مصلحة تطوير الإقتصاد بشكل حقيقي مُخطّط وهادف، والعمل لتحقيق رفع سوية الشعب المعاشية؟ أليس هو مُقاد فعلا وواقعياً لعكس مصلحة الوطن والشعب كلية، وإنما لصالح الشركات والمصالح الأجنية والمرتبطين بها من رموز التسلط والفساد، بديلا وبعيدا جدّا ومتزايدا عن مصلحة الوطن والشعب؟ وأن هذا ما يُعبّر عنه بأنه تخريب، أو أن نتيجته التخريب لا البناء، وأنه يسير بعكس التطور والنمو، أي بطريق التراجع والتخلف؟

  أليس وضع الحريات واغتصابها من جهات الأمن يُشكل تجاوزا وتسلطا على الحكومة وقدراتها، والشعب وحقوقه، وبشكل يُخالف الدستور والقوانين، ويجعل من حقوق المواطنين، أمورا تدخل في دوائر الإحتمالات والإرادات الفردية، بديلا عن الضوابط الدستورية والقانونية؟ وهذا ما يوضحه بجلاء الإطلاع على مواد الدستور الصريحة.

  أليس هناك تخلفا وعجزا وقصورا في تحقيق العدالة بين المواطنين في السلطة القضائية؟ وأنه ليس هناك أي جهد يُبذل في معالجة هذه الناحية الأهم في حياة الشعوب؟

  أليست الإنفرادية الإستبدادية في تقرير السياسات الخارجية، وخروج العديد من توجهاتها عن المسار القومي التقليدي للسياسة السورية - بل واحتمالات وجود انحرافات فسادية في بعضها - هو نتيجة عدم الإلتزام بالنصوص الدستورية والقانونية؟

 

لا يُمكن الإستمرار فالقائمة لن تنتهي قطعا ولا بمئات الصفحات، وهذه جميعا تقود إلى أن الدولة تسير بعكس الإتجاه الطبيعي المأمول في الإلتزام بالدستور والقوانين، وهو ما يحقق التنمية والتقدم والقوة والحضارة ورفع مستوى الشعب.

 

ثانياً: أمثلة عن نتائج انحراف الحكم ونتائحه غير المقبولة

ولنوجز ونذكر تالياً بعض أمثلة – بعض قليل فقط من كثير هائل ولكنه يُعبر عن عن واقع شامل - عن نتائج واقعية نجمت عن انحراف وعدم إلتزام الحكومة ومختلف مستويات السلطة بالدستور والقوانين:

أليس التورط بالتعاقد بالتراضي الذي قامت به الحكومة مع مراكز قوى التسلط والفساد في مئات المشاريع غير الإنمائية وغير الضرورية للبلاد وبمبالغ تزيد عن عشرة أضعاف تكلفتها التعاقدية القانونية، وتسببت باستنزاف مُعظم موازنات الدولة طيلة السنوات السابقة، وتمتد آثارها لعديد من السنوات القادمة، كان – ولا زال مستمراً - نتيجة عدم الإلتزام بالدستور والقانون، واستبدالها بإرادات بعض مراكز قوى التسلط والفساد؟

ألم يكن التلاعب في سعر العملة السورية وتخفيضها الذي دمّر بنية الإنتاجية الوطنية، وتسبب بالغلاء الفاحش، وسرق من المواطنين نصف ممتلكاتهم ورواتبهم، كان نتيجة عدم الإلتزام بالدستور والقانون، واستبدالها بإرادات بعض الوزراء ومواليهم في القيادة؟

ألم يكن إلغاء الدعم قرارا انفراديا غير مدروس تسبب في مضاعفة آثار تدمير بنية الإنتاجية الوطنية وضاعف مرّة أخرى الغلاء الفاحش نتيجة عدم الإلتزام بالدستور والقانون، واستبدالها بإرادات بعض الوزراء ومواليهم في القيادة؟

أليس إصدار قرارات وزير الإقتصاد المشبوهة والتخربية بشكل أكيد، للصناعة السورية والنقد السوري واالميزان التجاري السوري هي نتيجة الإنفرادية وعدم الإلتزام بالدستور والقانون؟

أليس العجز عن معالجة التهريب طيلة أكثر من ثماني سنوات، بطريقة سريعة وصارمة هو نتيجة تسلط مراكز قوى الفساد وعجز الحكومة الناجم عن عدم الإلتزام بالدستور والقانون؟

أليست العديد من العقود المشبوهة مثال الهاتف الخلوي والإنترنت، وعشرات غيرها هو نتيجة عدم الإلتزام بالدستور والقانون؟

أليس تمادي بعض المحافظين في إجراءات فساد مشبوهة كان نتيجة عدم الإلتزام بالدستور والقانون؟

أليس العجز عن المحاسبة الدستورية والقانونية للمخالفات والتجاوزات وأعمال فساد فاضحة في مختلف مستويات الدولة، ناجم عن عدم الإلتزام بالدستور والقانون؟

أيضا القائمة لم، ولن تنتهي بآلاف الصفحات، وهذه جميعا تقود إلى أن الدولة تسير بعكس الإتجاه الطبيعي المأمول في التنمية والتقدم والقوة والحضارة ورفع مستوى الشعب.

ولكن المهم الآن هو تحديد الأمور في النقطتين التاليين :

1. ما السبب في جميع الأفشال والإنحرافات المذكورة؟

أما السبب فهو أسلوب الحكم الإستبدادي المتفرد للدولة، والذي هو نتيجة طبيعية للخروج عن الدستور، وبالتالي القوانين. وتقع مسؤولية هذا على عدة جهات منها القيادة القطرية والحكومة وجهات الأمن. ولكن هذه المسؤوليات تتجمع في فشل السيد رئيس الجمهورية – رأس السلطات جميعا دستوريا – في أداء مهامه، وهو المُناطُ به والمسؤول الأعلى عن السهر على احترام الدستور وضمان السير المنتظم للسلطات العامة وبقاء الدولة. وذلك كما تنص المادة 94 من واجبات السيد الرئيس.

2. وما هو السبيل إلى المعالجة والإصلاح؟

إنها ببساطة أحد أمرين لا ثالث لهما: أولاهما – وهو الأبدى والأجدى والأفعل - قيام الدولة ممثلة بالسيد رئيس الجمهورية بالإصلاحات المتمثلة في:

2.1. العودة عن الإستبداد الشامل في الحكم إلى الإلتزام بحكم الدستور والقانون، فوق جميع مستويات السلطة والمصالح: رآسة الجمهورية والحكومة وجهات الأمن المختلفة. أي إعادة الدولة إلى حكم وسلطة الدستور والقانون.

2.2. السير في طريق الإصلاحات الشاملة المعروفة والمقترحة من هذه النشرة والتي تُؤيدها منطقية الإصلاح ومصالح الوطن والشعب.

وثانيهما هو ثورة الشعب الشاملة لتحقيق ذات الأغراض والإصلاحات.

أما أي الحلين أفضل لجميع الجهات فهو الأول بالضرورة، ويجسده قول الله تعالى { قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) المائدة}

 

بكل احترام/

المهندس سعد الله جبري


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ