العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

في القـاع ..سنتان في سجن تـدمـر – 4  - 5

(4)

إلى تـدمـــر

كان إخواننا المعتقلون في سجن تدمر، يوصي بعضهم بعضاً بأن ينقل المحكومون بالبراءة ما يجري لهم في سجن تدمر، في حال الإفراج عنهم، ومن يتمكن من تسريب بعض المعلومات عن الجرائم التي ترتكب بحقهم في سجن تدمر، فليفعل، وقد أذن الله بالإفراج عن الأخ صاحب هذه الذكريات، وهو لا يزال يذكر وصية إخوانه المعتقلين له، بأن يعمل على فضح هذه المخازي والجرائم، في سائر الأماكن التي يمكنه الوصول إليها،

 

وإننا بإصدار هذه الذكريات عن سجن الموت في تدمر، ونقل معاناة أولئك الأحرار الأسرى، نريد أن نشهد العالم أجمع، نريد أن نشهد الدنيا بأسرها، على جرائم حافـظ الأســــد ، لعل الحسّ الإنساني يتحرك فيهم، فيبادروا إلى فعل حاسم يجتث هذا السرطان من جسم أمة العرب، لينقذوا العرب والمسلمين من خبائثه وجرائمه..

خالد فاضل     25/8/1985م

ـــــــــــــــــــــــــــ

 

امتلأت الغرفة (6) إلى آخرها وصعب التحرك والعيش، ففيها (37) شخصاً رغم صغرها (5×5م) وفي منتصف ليلة 30/8 – 1/9/1980 جاء السجانون فأخرجونا من الغرفة مع أغراضنا القليلة إلى ساحة المعتقل حيث وضعوا في أيدينا القيود. تمكنت خلال خروجنا من رؤية أبي سعيد، فودعته ومن رأيت من الشباب، وكأنما أودع العالم كله، فلا ندري إلى أين مكان سوف يذهب بنا.

وضعنا في باص صغير (37) شخصاً حشرنا فوق بعضنا البعض، وتربع في المقعد الأمامي شخصان مسلحان وفي آخر الباص آخرون والويل لمن يقترب منهم، وانطلقت بنا السيارة تحت الحراسة المشددة حيث كانت تتقدمها سيارة أو اثنتان وتتبعها أخرى. وتعطلت إحدى السيارات في الطريق، فتوقف الركب حتى أبدلت ثم انطلقوا بنا.. كنا نرى الشاحنات وبعض السيارات الأخرى منطلقة في الليل ومع الفجر إلى هدفها، ونظرت باستغراب وأسى إلى هذه الدنيا أهي لا تزال كما هي؟ الناس يغدون ويروحون لا يدري بحالنا أحد، ألا يدري هؤلاء السائقون بما يحمل هذا الباص الصغير من بشر حجزوا عن الدنيا ومنعوا من كل شيء، وعذبوا أشد العذاب وهاهم ذاهبون إلى المجهول ربما إلى تدمر ألا تدرون؟ هكذا في جنح الظلام يتحرك الركب المسلح يقود أشخاصاً ليسوا والله بمجرمين، هل من مخبر للأهل بما جرى ويجري؟ هل من قائل إلى أين يذهب بنا؟ تجرأ أحد المعتقلين وسأل: إلى أين تذهبون بنا؟

فقال له عنصر المخابرات مشفقاً: بعدين بتعرف، وتذكر أبا سعيد فقد قال بعد عودة عناصر المخابرات من توصيل المجموعة السابقة: إنهم كانوا متضايقين جداً من إعادة تسفير المعتقلين إلى تدمر، وأنه بدا عليهم الوجوم والحزن وأسر بعضهم بعد العودة لأحد المعتقلين: اليوم الواحد بستين.. ولم أحفل بالأمر كثيراً كما لم أعره كبير اهتمام (ويا خبر بفلوس بكره يجيك ببلاش) كما يقول المثل الشعبي، فغداً نعرف وإن غداً لناظره قريب.

 

اليوم الأول في تـدمـر :

أشرقت الشمس ونحن سائرون وقد تحول اتجاه السير من شمال شرقي إلى شرقي تماماً، وغزا الأرض نور الصباح، فأي صباح صباحنا؟ (رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين) أي حال سوف تكون عليه بقية اليوم؟ أبداً لم نكن نتوقع ما كان ينتظرنا من أهوال.. وهكذا بدت المعسكرات على الطريق، ثم شارفنا تدمر ودخلناها مع أول النهار، وشاهدنا عن بعد الآثار الرائعة لمدينة تدمر التاريخية، وذكرت زيارة بعيدة لهذه الأماكن أين أنا الآن منها؟ مررنا بسوق تدمر وإذا الناس يغدون ويروحون وقد فتحت المحال أبوابها والمقاهي وغيرها، وكنت أنظر من نافذة السيارة (وهذا أمر نادر الحدوث ومعاملة لم يحلم بها المعتقلون بعد ذلك، حيث كانوا يجبرونهم طول الطريق على طأطأة رؤوسهم حتى يضعوها على أرض المقعد الذي يجلسون عليه وضرب الخيزرانة والكبل مستمر طوال الطريق، وقد بقي رأس أحدهم ينزّ قيحاً ودماً شهرين كاملين بعد تلك الرحلة الرهيبة. كنت أنظر إلى الناس يغدون ويروحون وكأني أقول لهم: ألا تعرفون ما تحمل هذه السيارة؟ نحن معتقلون جدد قادمون إلى سجن مدينتكم هذه.

ووصلنا إلى مدخل يحرسه عسكري بالقبعة الحمراء والسلاح الكامل.. أوقفت السيارات ولم يسمح لهذا بالتقدم حتى تقدم مساعد يضع القبعة الحمراء ويزيّن عضده بثلاث نجوم على رقعة حمراء كالدم، فتفحصّ الأوراق ثم ذهب إلى الحرس فأمره بفتح الباب وركب في السيارة الأمامية، ودخل رتل السيارات معتقل تدمر العسكري أو مركز التطهير الوطني لتصفية الإخوان المسلمين.

كانت لحظات فاصلة بين مرحلتين مرحلة الاعتقال والتحقيق وسجون المخابرات وزنازينهم الرهيبة، ومرحلة السجن العسكري الذي لم نكن ندري عنه شيئاً (والذي فاق بهوله كل وصف) سمعت من البعض ومن أبي سعيد (وما أدراك ما أبو سعيد) إن المعتقلين في سجن تدمر يوضعون في مهاجع ضخمة في كل مهجع (100) معتقل وقال: إذا كان الأمر كذلك ففي هذا تسلية لنا حيث نتعرف على الناس ونسمع مشاكلهم فيمضي الوقت، وما درى أبو سعيد أن الكلام في سجن الموت جريمة لا تغتفر، وأنه سوف يجلس بل نجلس جميعاً صامتين وجلين يشغلنا الرعب والفزع والعذاب عن كل أمر سواه..

كانت هناك قوات عسكرية تحيط بالسجن من الخارج، معها المصفحات والأسلحة والعتاد وحولها الأسلاك الشائكة، وهم باللباس المبرقع الخاص بسرايا الدفاع.

 

مع العذاب في سجن تدمر العسكري

 

دخل رتل السيارات باب الثكنة العسكرية بعد أن أذن لهم ورافق السيارة الأولى المساعد ذو القبعة الحمراء وسارت السيارات إلى الأمام شمالاً مسافة (150م) ثم دارت نصف دورة إلى اليسار ووقفت أمام باب ضخم حائل اللون. كانت الأرض أمامه مفروشة بالإسفلت الأسود والجدران ترابية مغبرة ومن الباب الحديدي كانت تبدو درجات نازلة وأمام الباب كان يقف نفر من الجنود بالقبعات الحمر (لباس الشرطة العسكرية) أمرونا بالنزول فقمنا إلى مصيرنا نحمل أغراضنا القليلة.

وقف عناصر دورية المخابرات التي قدمت بنا وأخذ مسؤول منهم بمفتاح صغير وأخذ يفك قيودنا ويوجهنا إلى مدخل السجن، فيشير لنا الشرطة بالدخول (كانت لحظات حاسمة ودعنا فيها الدنيا والناس والحياة خارج السجن.. ونحن لا ندري).

انطلقنا راكضين حتى دخلنا غرفة إلى يسار المدخل، ووقفنا نتأمل في هذه الغرفة في جدرانها التي كانت بيضاء، فإذا هي كأنما طليت بألوان شتى: السواد – القذارة، وهناك شعارات منها: نعم لبطل تشرين والجولان.. وصرخ أحدهم بصوت قاس وتلاه بسباب وأمر حاسم بالوقوف إلى جانب الجدران، فوقفنا..

ودخل نفر من الشرطة وأخذوا يضربوننا ضربات عنيفة كانت تسمع هبداتها، كما رأينا بعض إخواننا يقعون على الأرض، وأخذنا الألم والرهبة من هذه البداية الرعيبة.

تكامل دخول الدفعة وصرخ فينا صوت يقول بحقد وزجر وسباب: ولك يا.. كل واحد يسمع اسمه يقول (حاضر) ويرمي أغراضه لهون (وأشار إلى الجهة اليمنى) ويخرج فوراً وبسرعة.

وبدأت قراءة الأسماء، وسمعت اسمي.. واندفعت ألقي بأغراضي إلى الجهة التي أشار إليها، وعدوت خارجاً. كان هناك جلاد على الباب وبيده كرباج يوجه به ضرباً إلى غرفة مقابلة. دخلت الغرفة المقابلة، كان هناك اثنان من المساعدين أمام كل منهما دفتر، ومع أحدهما ورقة يقرأ فيها الأسماء، وسجل أحدهما اسمي وعملي وعنواني، وكان قبلي شاب طالب هندسة وقد سأله المساعد الثاني عن مهنته فقال: طالب هندسة بالجامعة، فأغاظه ذلك وأثاره، وقام يزعق، فدخل عسكري بكرباج وانهال على الشاب ضرباً، وخرجت أعدو كما أمروني ووجهني حامل الكرباج إلى باب في زاوية المكان ضمن سياج حديدي وعليه جلاد كان يضرب بكرباجه كل داخل وأكلت نصيبي من الكرباج ودخلت، فإذا نفر من الجلادين إلى يمين الباب يتلقون الداخل وبأيديهم الكرابيج فيصرخون فيه ويضربونه ويأمرونه: غمض عيونك، افتح ايديك، ويغلظ فيضربونه أكثر، ثم يصفونه مع غيره إلى الحائط، ويتناولون القادم الجديد. لم أفهم شيئاً، كان رأسي يدور بألف سؤال: لم كل هذا الزعيق والأوامر: أغمض عينيك مد ايديك.. روح تعال.. وكيف يتحرك الإنسان وهو مغمض عينيه؟ هذا ما يجب أن نتعلمه، وكيف يكون التعلم؟ بالضرب الرهيب والصراخ المرعب، كانت الضربات أليمة قاسية ولكن.. والخوف من المجهول كان أكبر من الألم.. كنت أقول: (يا رب ماذا يريدون ولم كل هذا؟) ويا ويل من يأتي بحركة أو ينبس بحرف يا ويله.. ولجهلي حركت رأسي ومددت يدي أمسح عيني فانقضّ عليّ عسكري يصرخ بي مالا أفهمه وكلما نظرت إليه زاد في الصراخ، وتناولوني بالكرابيج ضرباً، وصراخاً.

 

حفل عذاب الاستقبال

 

ولما اكتمل العدد ساقونا في صف طويل متعرج لا يتركونه يسير إلا بالضرب حتى دخلنا إلى باحة كبيرة مفروشة بالإسفلت وصفونا على الجدار واحداً واحداً، وأمرونا أن نخلع ملابسنا كنا في آب فصل الحر الشديد، لذلك كانت الثياب خفيفة جداً فنزعناها بسرعة..

وجاء شخص يسمونه (البلدية) فجمع أحذيتنا وأخذها وبدأ عندها التفتيش أمسك أحدهم بشعر لحيتي ينتف منه ومن صدري الخصلة تلو الخصلة، ولما تأوهت لكمني على وجهي.

أمرونا بإنزال اللباس الداخلي ففعلنا وسلقونا بالكرابيج على مؤخراتنا مع البصق والكلام الفاجر، وبدأت الحفلة الرهيبة تشكلت مجموعتان للتعذيب وفرقة جوالة والكل مزودون بالكرابيج. أوقفونا واحداً واحداً ووجوهنا إلى الجدار وتنقض المجموعة على الواحد بالضرب الرهيب وتقوده إلى الدولاب فيضعونه فيه ويضبطون رجليه بعصا الفلقة ومن ثم ينهال عليه ثلاثة جلادين بالضرب الشديد على رجليه فكأنها النار المحرقة تكوي العظام، ويشتد الألم ويتعالى صراخ المعذب ويتأوه متألماً شاكياً، ولكن الضرب يشتد على المعتقل في دولاب التعذيب والكرابيج تطحنه فيصيح ملء الفم زعيقاً وعويلاً هو أبعد ما يكون عن صوت البشر وينفتح الفم إلى آخره فيقلمونه الحذاء ويدسونه في فمه، فإذا أبعد وجهه ركلوا رأسه وداسوا رقبته، ويعلو الزعيق والصراخ من شدة الألم والعذاب في تلك الباحة حتى يضج به المكان فينبري الرقيب العتيد يصرخ زاجراً ناهياً بصوت مدو يأمر بالسكوت: (سكوت ولك) وكأنه قائد أوركسترا يضبط النغم في حفلة صاخبة يستعمل الصراخ الناهر بدل عصا الأوركسترا فيلجم الخوف الأفواه وتختنق صرخات الألم.

تذكرت في ذلك الموقف أصحاب الأخدود والنار ذات الوقود وإلقاء المؤمنين في وقدة النار وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، كانت عناصر الفرقة الجوالة تطوف على الواقفين المنتظرين بسيل من الضربات العارمة تجعل الواحد يحن إلى دولاب الموت أن يدركه، فسمع صوت الكرباج الثقيل (وهو عبارة عن قشاط دبابة) ينهدّ على ظهر المعذب أو على رأسه فيرتجف ويكاد يصعق، ويئن ويصرخ بالصوت المخنوق المرة تلو الأخرى.

كنت أقف ووجهي إلى الجدار أنتظر دوري في الدولاب الرهيب، وأناجي ربي: يا سميع يا بصير يا من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يا رب رحمتك غوثك.. هاهم الجلادون المجرمون جنود الشيطان ينقضون على عبادك المستضعفين بالعذاب.. يا الله يا الله..

وجاء دوري وطحنني الجلادون بكرابيجهم وأنزلوني في الدولاب واشتد البلاء بضرب رهيب وثلاثة من الجلادين عاري الصدور والظهور وبأيديهم الكرابيج كأنها اللهب، يقف الواحد منهم مباعدا رجليه جاثياً على ركبتيه رافعاً يده بالكرباج إلى الأعلى والوراء، حتى ترى عفرة إبطه، وينزل به كأنه الصاعقة الماحقة، تريد أن تدمّر وتحطّم ولكن لطف الله أعظم.

ويصرخ الواحد منهم بأعلى صوته وكأنه يحارب في معركة قد حمي فيها الوطيس، واحمرت الحدق، ونحن، عبيد الله المستسلمين لقضائه، لا ترحمنا سياطهم ولا ترأف بنا قلوبهم/ وكأنهم جنوا وركبتهم العفاريت والشياطين فانقضّوا علينا وقد فقدوا العقول فلا عقول.

كان الشاب الصغير إسماعيل يصرخ متألماً باكياً شاكياً مستغرباً يقول: إيش بتريدوا دخيلكن؟ أما نبيل فقد كان يعلن براءته مالي علاقة والله ما عملت شيء دخليكن أنا بريء، وهم يزودونه بالكرابيج ويلكمونه ويرفسونه ثم ألقوه أرضاً وأوسعوه ركلاً وضرباً حتى سالت الدماء من وجهه وشفتيه وغاب عن الوعي أو كاد فأدخلوه في الدولاب وأذاقوه من العذاب ثم أقاموه بعد أن تعبوا وكلّوا وأنهكوه ووجهوه إلى الجدار حيث العصا الرهيبة في الانتظار تفلق الرؤوس وتحطم الظهور وتدفع من انتهى أجله إلى القبور.

صبرت قليلاً على الضرب والتعذيب ولكن رجلي أصبحتا وكأن فيهما جمر نار يحرق العظام، فنفد الصبر وضاق بي الأمر وكدت أغيب عن الصواب وصرخت مرة ومرات ثم انفتح فمي الزعيق فما شعرت إلا وحذاء ضخم يصك أسناني ويكاد يسد حلقي ولكني كنت في شغل عنه وغبت عن الوجود، فما دريت إلا وأنا أساق دفعاً وركلاً إلى مكان ما وأبصرت أمامي نفراً من إخواني بعضهم واقع على الأرض، والبعض يقفز أو يتحرك في حال مأساوية، دماء نازفة ووجوه ملأى بالجروح وأرجل قد تمزقت وسالت منها الدماء وصراخ يقطع الأكباد.

وصرخ فيّ عسكري جلاد، وانقض آخر بعصاه فحطم بها ظهري فوقعت بين الموت والحياة وصرخت صرخة انطلقت مخنوقة من صدري الذي ظننته قد انشق نصفين (يا الله يا الله) وبادرني آخر بالزعيق لكي أستجيب وأقوم فما استطعت ولكن الركل والضرب أجبراني على القيام فقمت وكنت أظنني لا أقوم. وجاء شخص بالماء فرشقنا به وإذا بي قرب نبيل وهو يبكي ويتمسك بي قائلاً:

- سلّم لي على أهلي أنا بدي أموت..

فقلت: اصبر يا رجل..

وإذا بالصراخ يأخذنا من كل جانب.. واستدعانا الرقيب الكبير فإذا به جالس على كرسي في الظل بارز الصدر مستقيم الظهر منفوش كالديك فأخذ يستجوبنا:

- إيش كنتو عم تحكو يا.......؟

كان عقله المريض يصوّر له أشياء غريبة، لابد أننا نتآمر عليهم أو على سلامة النظام. قلت: إنه يقول لي أنا بدي موت سلّم على أهلي.

فصرخ بغضب: (كذاب ولك) إيش كنتو عم تحكوا؟

قال نبيل: والله يا سيدي هيك قلتلو..

- كذابين ولك حقراء..

ثم أشار للجلاد وقال:

(سلخن لها الكلاب..) وانهال علينا مارد عاري الصدر نحيل الوجه مليء الجسم، فكان وجهه وجه فأر وجسمه جسم حمار وإنها لسحنة معروفة ولهجة غير خافية وهو يقول: (متحكوا يا حقيرين يا.......) وانهال عليّ ضرباً حتى وقعت على الأرض أصرخ، فلم يتركني حتى شفى غيظه وحقده مني وأعادني إلى مكاني مع نبيل بعد أن ضربه أيضاً ضرباً شديداً.

وجاء من يرش الماء علينا ويسمونه (البلدية) كان كما علمنا بعد ذلك، سجيناً قضائياً من سجن العسكريين يعمل هنا في الخدمة التي يسمونه (البلدية) ولا أدري ممن بدرت بادرة خير ولعلها من نوع الرأفة بالحيوانات فقال أحدهم للبلدية: اسقيه.

كانت شفتاي مشققتين من الضرب، وحلقي جافاً من العطش، والصراخ واللهاث وحالي بالغة السوء، فناولني (البلدية) سطلاً من البلاستيك فيه ماء قذر وسخ قائلاً: تفضل.. فاندفعت أشرب منه بضع جرعات ولم أعده إليه بل ناولته لنبيل فشرب وسقى شخصاً آخر أو شخصين. ثم أخذوا الماء ولم يسقوا الباقين، وكنا بلا طعام ولا شراب منذ أربع عشرة ساعة تقريباً. كانت كلمة (تفضل) ترن في سمعي وصوت واجف يقولها وكأنه يقول: اشرب يا أخي فداك روحي.

أربع ساعات من القهر والعذاب والتحطيم لا يعلم ما قاسينا فيها إلا الله والذي عاشها من نزلاء تدمر، وكل معتقل يأتي تدمر لابد أن يطبق له الاستقبال اللعين فتطحنه رحى العذاب ويذوق الموت في ذلك الدولاب، وينظر بوحشية بني البشر التي فاقت وحشية وحوش الغاب سوءاً وضراوة وغدراً.

أربع ساعات مرت والموت يحوم فيها فوقنا تصك آذاننا أصوات غريبة رهيبة، كرابيج تعوي وتصفع الأقدام والرؤوس والظهور بلطمات هائلات يلقي صوتها الرعب والهلع في قلب أشجع الشجعان.

وساقونا بعد ذلك في صف طويل متموج واحداً واحداً ونحن منكسو الرؤوس محنيو الظهور، وهم يضربوننا بالكرابيج. أدخلونا بعد سين وجيم مهجعاً طويلاً فاندفعنا فيه إلى أقصى مكان نتزاحم على الحائط أو الزوايا البعيدة بعد أن وضعنا الجرحى جانباً، وأغلق الباب وسمعنا صوت قفله وتنفسنا الصعداء وثبنا إلى أنفسنا وأخذنا نجول بأبصارنا في أجسامنا وفي جنبات المكان. وتعالت تنهدات وآهات وتوجعات وتكلم البعض، وإذا بصراخ مخيف يأتي من جهة الباب:

- ولك يا حقيرين يا....... بدون صوت ولك يا........ بلا صوت والله لندبحكن ونشرب دمكن يا....... بلا صوت..

وانكفأنا مبتعدين خائفين، وخمد الكلام في الأفواه وصبرنا وقتاً أطول واجمين هلعين. نظرت فيمن حولي.. كان كل فرد في حالة رهيبة من الألم والتعب والإرهاق، وإذا بأحدهم يضم آخر ويبكي بكاء مراً فانهمرت من عيني الدموع، وأمسكت بمن كان قربي ونظرت في وجهه، كان وجهاً دامياً باكياً فناديته هامساً:

- يا أخي..

كان ذاهلاً فأخذته وضممته إلى صدري. إنها الرحمة التي أودعها الله في قلوب عباده..

وناجيت ربي قائلاً :

- يا رب إن كانت عواطف الخير والرحمة قد عدمت وجفّت ينابيعها في قلوب الناس، فها هي قلوبنا تملأ الدنيا بحب الخير والشوق إليه وإلى عدالتك.. يا رب السماء وإلى رحمتك يا إله العالمين، وإن غفلت عنا الدنيا ولم يعرف بأمرنا الناس ولم يرحمنا البشر فأنت يا رب بحالنا عليم، ورحمتك أوسع لنا يا أرحم الراحمين.

 

التعليمات.. أو خطبة المساعد

 

لم نلبث إلا قليلاً حتى جاؤوا.. سمعنا صوت المفتاح في قفل الباب، فاندفعنا إلى أقصى المكان نحتمي ببعضنا بعضاً وقد أخذ الخوف مأخذه منا، وفتح الباب واندفع الجلادون إلينا يصرخون بحقد وجنون وانهالوا علينا ضرباً رهيباً بالكرابيج حتى كلّت أيديهم وحتى علا الصراخ واشتدّ الكرب وجاء صوت رفيع يأمر قائلاً:

- يكفي شرطة ثم تابع: الجميع واقفاً.

فوقف كل من له رجلان فالخوف فوق الألم، وكنا ندير وجوهنا إلى الحائط وظهورنا إليهم، وجاء الأمر: وراء در، وأمر آخر لم نطعه لغرابته: فتح عاينك، تطلع لهون، ولكن مع تكرار الأمر فتحنا عيوننا ونظرنا فإذا بضعة عشر جلاداً باللباس العسكري والقبعات الحمراء والكرابيج في أيديهم وكان المتكلم يلبس بدلة عسكرية مكوية وعلى رأسه القبعة الحمراء أيضاً وعلى عضده نجمات ثلاث، وتكلم بصوت مدو فقال:

- انتو جيتو لهون باجريكن ما حدا جابكن يا حقراء يا... بتعرفوا وين هون؟ ما بتعرفوا.. هون سجن عسكري، يعني نظام عسكري يعني بدنا نفطركم قتل، ونغديكم قتل، ونعشيكم قتل، مسموح لنا نقتل (20) منكم (كان هذا فعلاً على أقل تقدير كما تبين لنا فيما بعد) يا حقراء.. يا.. ممنوع الكلام الصوت ممنوع، الكلام مع الشرطة ممنوع، تفتيح الأعين ممنوع، السهر ممنوع، بدكن تستلموا الحكم ما هيك استلموا البطانيات يا حقراء، لولا سباط الحزب (يعني حذاء الحزب) ما شبعتوا الخبز.

- ثم أعطى بعد ذلك تعليمات معينة مؤادها أن نرفع رؤوسنا ووجوهنا إلى السقف وأن نغمض أعيننا ونقف باستعداد كلما فتح باب المهجع، وفي حضرة الشرطة والرقباء. ووضعوا لنا رئيس مهجع من العسكريين المعتقلين معنا. فإذا سمع صوت المفتاح في القفل فإنه يصرخ: انتبه.. وعندها يسارع كل واحد إلى مكانه بأقصى سرعة ويقف بحالة انتباه ويعطي رئيس المهجع إيعاز: استاعد.. فيستعد الجميع، فيقدم رئيس المهجع الصف قائلاً: المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب، ويكون الجميع بوضعية الاستعداد والوجه مرفوع للسقف والأعين مغمضة.

أنهى المساعد خطبته والتفت إلى ما حوله فأيده الجلادون بكرابيجهم وزمجرتهم وسبابهم ثم خرجوا.. كنا في موقف لا نحسد عليه، ولم يكن لنا إلا خيار الانفلاق على حسب رأيه ولكني كنت أفكر: هل مات الضمير؟ هل فقد العقل وتحطم المنطق؟ هل انعدمت القيم كل القيم؟ ولم يبق شيء.

بعد مضي حوالي الساعتين تقريباً، عاد إلينا الجلادون أيضاً وصرخ أحدهم بصوت مرعب: ولك حقراء.. وأخذوا يسبون ويشتمون.

وسارعنا نطبق تعليمات رئيس الجلادين، وذلك بأن سارعنا إلى أماكننا ووقفنا باستعداد، ورفعنا رؤوسنا إلى الأعلى وأغمضنا أعيننا!! وسلمنا أمرنا لمن بيده الأمر.

وقدم أحد المعتقلين وهو الذي سموه (رئيس المهجع) الصف قائلاً: استارح.. استاعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب.. وهكذا بدأت في حياتنا تلك الجملة المكررة الرهيبة حين دخول الجلادين وحين خروجهم، ورافقت هذه الجملة بعد ذلك طوال مدة وجودنا في سجن تدمر الرهيب تتكرر في الصباح والمساء، والضحى والظهر والعصر والليل والنهار.. وما أن نسمعها من بعيد حتى يسيطر علينا الخوف ويهيمن الرعب والفزع، فننطلق ضارعين متوسلين مستغيثين..

كان معنى هذه اللازمة أن جلادي سجن الموت قد جاؤوا أو قل جاء الشر والقهر والعذاب في صور غير معلومة.

ثم ما لبث أن اندفع الجلادون إلى الداخل كالوحوش الضارية يصرخون ويشتمون ويأمروننا بفتح أيدينا للضرب، ويضربوننا عليها بالكرابيج بقسوة، مع الأمر بتغميض العيون. وتعالى الصراخ من الجلادين بالنهر والسباب والزجر، ومن المعذبين بالشكاية. وكان الجلادون خلال ذلك لا يرحمون مريضاً أو طريحاً لا يستطيع القيام بل يضربونه بالكرباج بقوة وقسوة ويأمرونه بالقيام مع السباب فإذا رأوه بين الموت والحياة زادوا عليه ضرباً وركلاً وأظهروا التشفي ويصرخون:

- موت يا حقير.. الله لا يرحمك.... فطوس يا كلب..

ووقع بعض المعذبين على الأرض فلم يتركوهم بل اندفعوا يضربونهم ويرفسونهم ويأمرونهم بالقيام.

وقرع الباب.. قرعة الرقيب حامل المفاتيح، واستدعى الجلادين، فخرجوا وهم يشتمون ويكفرون ويسبون الله ومحمداً والدين والإسلام والمسلمين، وقبل أن يخرجوا عادوا وكأنهم تذكروا شيئاً فطلبوا رئيس المهجع وأمروه بالوقوف باستعداد رافع الرأس مغمض العينين، فوقف أمامهم كذلك، فاندفع إليه العسكري الجاهل الحاقد فصفعه على وجهه بقسوة ولكمه في بطنه، وانقضّ الجلاد الآخر عليه بالكرباج يضربه بقسوة حتى ألقوه أرضاً، حدث ذلك في وقت قصير، حيث أنهم اندفعوا يضربونه بسرعة وقسوة وهم يصرخون ويزمجرون وتركوه ملقى على الأرض وخرجوا فرحين هازئين. وكان هذا الشاب مثقفاً يحمل شهادة عالية في الأدب الإنكليزي، وهو أيضاً ضابط مجند في الجيش، أديب كريم ذو رجولة وأخلاق، ولكن ماذا أقول؟ إنما هي محنة وبلاء من الله يمتحن به هذه الأمة. كان هناك طعام قد أدخل ولكن لم يلتفت إليه أحد.

 

إعـداد الدكتـور    خالد الاحمـــد    كاتب سوري في المنفى

--------------------------------

في القاع ..سنتان في سجن تدمر - 5

تابع اليوم الأول في تـدمـر

كان إخواننا المعتقلون في سجن تدمر،  يوصي بعضهم بعضاً بأن ينقل المحكومون بالبراءة ما يجري لهم في سجن تدمر، في حال الإفراج عنهم، ومن يتمكن من تسريب بعض المعلومات عن الجرائم التي ترتكب بحقهم في سجن تدمر، فليفعل، وقد أذن الله بالإفراج عن الأخ صاحب هذه الذكريات، وهو لا يزال يذكر وصية إخوانه المعتقلين له، بأن يعمل على فضح هذه المخازي والجرائم، في سائر الأماكن التي يمكنه الوصول إليها،

 

وإننا بإصدار هذه الذكريات عن سجن الموت في تدمر، ونقل معاناة أولئك الأحرار الأسرى، نريد أن نشهد العالم أجمع، نريد أن نشهد الدنيا بأسرها، على جرائم حافـظ الأســــد ، لعل الحسّ الإنساني يتحرك فيهم، فيبادروا إلى فعل حاسم يجتث هذا السرطان من جسم أمة العرب، لينقذوا العرب والمسلمين من خبائثه وجرائمه..

25/8/1985م

خالد فاضل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حــــالات الأخـوة  :

 

بعد خروج الجلادين كان الأخ (م ع) أبو أنس مغمى عليه ملقى في الزاوية وهو طالب جامعي في فرع الهندسة الكهربائية وفي السنوات الأخيرة.. وعمره (23) عاماً وقد خصوه بأكبر قسط من العذاب، ويبدو أنهم فطنوا لما ذكره عند تسجيل الأسماء عن عمله، فكان ذلك دافعاً لزيادة العذاب عليه وهذه فلتة من فلتات عبقرية الجلادين.. لا أحد يدري من أي مبدأ استوحوا القاعدة التي يتبعونها في معاقبة وتعذيب حملة الشهادات دون غيرهم، لذلك كان الأخ المهندس (ش س) يجيب إذا سأله الجلادون عن عمله بعد ذلك يقول: نصاب عواميد كهرباء.. ولم يكن ذلك ليصرف عنه العذاب، ولكنه كان ينجيه من غضبة الجلادين. دعاني بعضهم أن أقوم لأنظر حال الأخ أبي أنس..

فقمت إلى الأخ أغالب ما بي.. كان أبو أنس قد استفاق لتوّه من إغماءته وكان منهكاً مرهقاً.. قلت:

- كيف حالك يا أخي......؟

قال: الحمـد لله ......!!!!

وجاء شاب كان يجلس قريباً منه كان في حالة سيئة جداً: وجه متعب مشوّه، وجسم منهك وكشف القميص عن منظر مثير، ظهر تمعط جلده وتسلخ وظهرت فيه جروح غائرة ولحوم مشرشرة، وكان ينزف قيحاً ودماً.. حتى صبغ القميص بل غمره.....!!!

كان هذا الشاب يدعى (ع) وهو من جهات الساحل السوري، وعمره ستة عشر عاماً....!!!!.

قال: شـــفلي ظهري أســــتاذ......!!!!

ورأيت ظهره واعتصر الألم قلبي، لأني لم أكن أستطيع له شيئاً.

الطعــــام

وجاء أحد الأخوة يدعوننا إلى الطعام، فرد عليه سليم: أنا ما بدي آكل بدي موت.. فعاتبته: لا يا أخي قتل النفس حرام، قم وكل ومن يوم إلى يوم بيفرجها الحي القيوم.

وكان الطعام عبارة عن وعاءين في أحدهما أرز مسلوق (مطبوخ) وفي الآخر مرقة ماء البندورة وفيها نوع من الخضار وبعض الخبز.

ولما لم يلتفت أحد إلى الطعام، ولم يقم أي واحد إليه، رأى بعض الأخوة أنه لابد من أن يتقوى كل أخ بشيء من طعام يسد به رمقه ويقيم به صلبه، فقام اثنان من الأخوة يتحاملان وأخذا يدعوان الأخوة بالدور إلى الطعام وكانا يقابلان بالاستغراب والزهادة والرفض، فيؤكدان الطلب ويصران عليه: لابد من الطعام ولو لقمة واحدة، ولم يكن لدينا صحون ولا ملاعق ولا أي نوع من الأوعية، فقد أخذت منها الصحون البلاستيكية والملاعق والأكواب البلاستيكية، وفراشي الأسنان وكل شيء.

 

الأذان

وفي هذه المرة.. جاءت الرحمة على صورة صوت غير غريب انطلق من مكان غير بعيد.. صوت مدو مجلجل.. راسخ كالجبال عظيم ليس له مثال إلا أن يكون ترتيلاً من تنزيل.. وهو يعلن أمراً بدا في ذلك الوقت والمكان غريباً رغم بداهته.. وهائلاً رغم وضوحه وفصاحته..

الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله..

 نداء رباني سماوي إلهي يأتينا من العالم الآخر من دنيا بعدت عنا، دنيا يكاد يصعب علينا تصورها دنيا الحرية، ومن جو العبادة المسجدي النوراني ينطلق هذا الصوت في أجواء سجن تدمر الملتهبة بالحقد والغل والكيد والغش والبذاءة والأذى والعذاب، فيطعن الباطل في الصميم، ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويسقي الظامئين الذين كاد يهلكهم العطش رشفات باردات عذاباً.. صوت أرق وأندى من مناغاة الأم لطفلها، وأحلى من صوت الحمامة للحزين..

 

المـهجـــع

 

كان منع النظر وتفتيح الأعين يحول بيننا وبين معرفة ما حولنا من أشياء، كنا لا نعرف سوى المهجع، وكان المهجع بطول (14) م وعرض (4م) وله أربع نوافذ من كل جهة سعة كل نافذة 80 ×80 سم ترتفع عن الأرض حوالي (3م) وهناك فتحتان في السقف 1×1م وكل النوافذ والفتحات مشبكة بالحديد بكثافة، وكانت أرض المهجع مغطاة بطبقة من الغبار الرملي كثيفة وهي محفرة في كثير من المواضع، وقد أمرنا الرقيب محقراً ومتعالياً:

- كنســـوه بلحــاكم يا........!!!!

وكانت لنا بالفعل لحى طويلة حيث أننا لم نحلق منذ مدة طويلة، لأن عناصر المخابرات كانوا يمنعون عنا أدوات الحلاقة والحلاقين..

وكانت جدران المهجع مطلية بطلاء أخضر فاتح إلى مستوى (1.5)م ثم بطلاء أبيض حتى السقف، وقد بدا واضحاً أن عملية تنظيف وتعزيل وطلاء قد جرت حديثاً للمهجع وأنه لم يستعمل بعدها أبداً، فهناك آثار وبقايا الطلاء على الأرض.

وكان للمهجع دورة مياه أخذت من  طـولـه بعرض (2م) فيها مرحاضان أحدهما معطل ومغسلة صنبورها معطل أيضاً، والأرض في دورة المياه مشــققة ومكســـرة.....

كنت قد سمعت قبل اعتقالي بفترة وجيزة بمجزرة تدمر الرهيبة التي قتل فيها مالا يقل عن (1000) معتقل من الأخوان المسلمين، وذلك في سجن تدمر العسكري هذا، فقمت أنظر في نواحي المهجع لعلي أرى آثار ذلك الحدث الذي سمعت عنه، فكان أول ما لفت نظري الجدران. كان في الجدران وعلى مستوى (150)سم وما دون وخاصة الجهات الداخلية البعيدة عن الباب حفر صغيرة متناثرة متجمعة أو متباعدة بقطر (1)سم وقد بدا واضحاً أنها قد حشيت بالجبس وطليت بعد ذلك، وعثرت في أحد الشـــقوق في المنافع القريبة من الباب على ظرف فارغ لطلقة رصاص، وفي اليوم الثاني وخلال إزالتي للغبار وتنظيف المكان وجدت في الأرض المحفرة لوناً داكناً بين الأسود والرمادي، تفحصته ملياً وشممته، إنه لم يكن بعيداً عما توقعت، بل كان شاهداً حقيقياً عما جرى في هذا المكان من جريمة.. بل كل الشواهد تحكي قصة رهيبة ليست أحداثها بعيدة، ولا غابرة بل هي قريبة العهد.

إذا هذه الأيدي التي تمتد إلينا بالأذى أيد آثمة، إنها ملطخة بالدماء.. وما يدريك ماذا يخبئون لنا؟ وهذه أفعالهم وهذه جريمتهم وهذا حقدهم..

 

حــــالات صعبـــة

 

في ذلك الوقت كان عندنا بعض الحالات الصعبة منها: حالة الأخ عزام الحمصي كان مصاباً بمرض القلب، فما أن جاء دوره في حفل الاستقبال وأنزل في الدولاب حتى ضاق صدره وتسارع نبضه وخف ضغطه وغاب عن الوعي، ولم يشفهم ما به فأنزلوه في الدولاب وضربوه ونهروه وزجروه وسبوه، ولكنهم كانوا يضربون في حديد بارد وقد أنجاه الله ولكنه لم يكن يستطيع المشي ولا الحركة مما كان يضطرنا إلى حمله، فكنا نحمله أينما ذهبنا كما نحمله إلى دورة المياه ونعيده منها، فإذا جاء الجلادون ودخلوا علينا هجموا عليه يضربونه وهو مضطجع لا يستطيع القيام ويســـبونه ويحقرونه ويستعجلون موته.

وكان هناك أخ يدعى عثمان من جهات الساحل مصاب بمرض الربو، فكان إذا اشــتد العذاب حوله أو باشر الجلادون بضربه أصيب بحالة اختناق فيقع على الأرض وقد تشنج جسمه وضعف تنفسه وشخصت عيناه وظهر الزبد على فمه مع ارتجاف كلي في جسمه وأطرافه، ويفقد الحس والحركة.

وكان هناك الأخ عصام وكان مشوّه الجسم والوجه، وكان ظهره خاصة في حالة مؤلمة للغاية، وقد تقيح وتورم كما ظهر الورم في أنحاء مختلفة من جسمه في قدميه ويديه ووجهه، فكان ممن يخشى عليهم من الموت.

وكان الأخ أبو سعيد مصاباً في رجليه بتمزق شديد إضافة إلى رضوض مختلفة في نواحي جسمه نتيجة التعذيب الوحشي الذي تعرض له، وقد حاولنا علاج جروحه ولكن لم يؤد ربطها بقطع الثياب إلى أن تعفن الجروح وتورمها واشتداد آلامها، حتى غدت كريهة الرائحة.

وكان الأخ أبو بدر الرجل المؤمن الصابر الذي أمره الجلادون بأن لا يفتح فمه أبداً خلال عذاب الاستقبال، فوضع يده في فمه وعض عليها وأخذوا يضربونه يقول : وأنا صامت وهم مندفعون قد أعجبهم الأمر وارتاحوا له حتى عددت ثمانين ضربة ثم تهت في العـد وغبت عن الوعي، فكان أبو بدر لا يستطيع المشي على قدميه المنتفختين ورماً وقد تمزق الجلد في كثير من نواحيهما، أما يداه فكانتا زرقاوين متورمتين حتى الكوع، وكان الوجه الأنسي للساعد أسـود كالحاً منتفخاً وقد تمزق جلد الرسغين وأخذ ينز بالماء والدم، فكان أن جهز قطعتي قماش يلف بهما رسغيه ليحميهما من الضربات الجديدة. تألمت لحاله وغلبني القهر والألم وهو يروي لي قصته وقلت في نفسي: حتى الصراخ في حال الألم ممنوع؟ أيمنع الإنسان أن يصرخ متألماً؟

وهناك الأخ أبو مالك الذي كان أشد ما أثارهم أنه طالب هندسة في الجامعة، ولم يكن الوحيد ولكن آذان الجلادين التقطت هذا التعريف دون غيره، ولكننا بعد ذلك كنا حريصين على أن نبتعد تماماً عن أي تعريف حقيقي بأعمالنا، وقد ساعدنا في ذلك نظام السجن ذاته الذي كان يمنع كل الجلادين من رقباء وعرفاء وشرطة الكلام مع المساجين إلا بالنهر والضرب، وكان ذلك لغايات أخرى هي منع أية علاقة أو معرفة بالمعتقلين وظروف اعتقالهم وماهية تهمهم.

ومن ناحية أخرى حتى لا يتأثر بهم الجلادون (ويعدون) بآرائهم المتطرفة، كما أن إغماض الأعين جعل له مبرر يزيد في حقد الجلادين وهو أن هؤلاء المعتقلين مجرمون وربما ينجو منهم أحد فلا يجوز أن يروكم ولا يعرفوكم حتى لا تتعرضوا لانتقامهم.

كان الأخ أبو أنس مريضاً بعد كل ذلك العذاب، وإن كان يستطيع السير بصعوبة جداً..

وكان الأخ أسامة الشاب ابن الثامنة عشرة في حالة سيئة من التشويه والجروح.

كذلك كان المعتقل نبيل ينزف الدم من فمه وأنفه، وقد تورم وجهه حتى غابت عيناه، إضافة إلى ورم رجليه ويديه وآلام شديد في سائر جسمه.

وفي اليوم الثاني لم يكن أحد يستطيع السير إلا بصعوبة كبيرة، وكانت حبات الرمل في أرض المهجع نحس كأنها حسك الحديد ولم يكن أحد يستطيع إطباق أي من يديه لما كان فيهما من ورم ووجوهنا كانت ملأى بالخطوط الزرقاء والحمراء والهالات السوداء.

وكان الأخ المعتقل أبو نجيب مكسور الكاحل بضربة عصا، فكان لا يستطيع المشي، فإذا أجبر حجل على رجل واحدة مستنداً إلى كتف معتقل آخر.

 

أول ليلــــة في تدمـــر

جاء المساء ونحن جالسون كل في مكانه، يذكر الله ويدعوه ويسبحه.. وفي السابعة مساء جاء الجلادون يصرخون، دخلوا علينا المهجع وضربونا بالكرابيج وأشبعونا سباباً وشتائم وتهديداً وكفراً.. وخرجوا يغنون ويصخبون، وأدخل خلال ذلك طعام العشاء ولكن لم يلتفت إليه أحد..

اضطجعنا على الأرض دون أي وطاء أو غطاء ووضع كل واحد منا حذاءه تحت رأسه.. أخذت أفكر في حصيلة يومي من أين أبدأ؟ وأين ينتهي؟ كانت صورة سجن تدمر غير واضحة في ذهني، وكنت أول المستهينين به. أقول لمن يبدي قلقه وخوفه من سجن تدمر: وهل هو إلا سجن كباقي السجون...!!؟ خلـــوة مع الله.....!!!!

لم أكن أعلم أي غدر فيه وأي كيد...؟ لم نكن نظن أنه يمكن أن توجه إلينا كلمة سيئة، فإذا بنا الآن في حالة أقل ما توصف به أنها سيئة جداً من نواح كثيرة صحية ومعاشية وأمنية وإنسانية.. كنت أشك كثيراً في أنه يمكن أن أوخذ هكذا بالظنة....!!!!

كنت أشك في أن تأخذ الدولة الناس فتعاقبهم وتسدنهم هكذا بالشبهة والظنون، على غير ذنب واضح معروف أو ثابت، ولكن التاريخ يذكر لنا أن ظلم الحكام الطاغين كان بلا حدود لا يفرقون بين برئ أو مذنب، فها هو صاحب الأخدود يلقي المؤمنين في النار وكل ذنبهم أنهم آمنوا بالله رب العالمين، ليس ذلك صورة ماضية ولكنه خط فرعوني نمرودي أبو جهلي متجدد يسير عليه كل عتل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب..

كم كنت حسن الظن بل كم كنا حسني الظن بل لم نأخذ العبرة من فعل الطغاة السابقين، ولا من القرآن الكريم وهو يقول: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة).....

فهاهم يظهرون وها هي أيديهم المجرمة وخططهم الماكرة لا تراعي عهداً ولا قانوناً ولا مبدأ، بل تتبع قانون الحقد ومبدأ الغدر، وتتخذ سبيل الظلم والفجور.. لو درسنا كتاب الله لعرفنا ذلك من قبل..

فلا يجب أن نخدع بكلامهم اللين وبهرجهم الزائف، وها نحن نلمس النتيجة وهاهم يطعنوننا في الظهر، اللهم خذ على أيديهم وأذلهم واصرف عنا كيدهم وأخذت أدعو..

انطلق فجأة صوت يصرخ بقوة.. في وسط ظلام الليل: هوووه هوووه هوووه.. ينطلق صارخاً بقوة فيدوي في جنبات سجن تدمر العسكري الرهيب، فتجاوبه أصوات أخرى بصراخ أقوى: هييه هييه هييه.. هوووه هوووه.. هييه..

تساءلنا في استغراب ما هذا؟.. ماذا فيك بعد يا سجن تدمر من سوء تظهره؟.. وتكررت الأصوات وكثرت في أذهاننا التساؤلات..؟

وكان أحد الأخوة قد تأخر عن أداء صلاة العشاء فقام يصليها والوقت لم يجاوز العاشرة مساء.. وإذا بصوت يصرخ فيه بقسوة وحقد ولؤم: ولك حقير شو متسوي يا.. والله لأفعل.. وكأنه ضبطه في جرم رهيب.

 

تدمر وسجنها

الأبنية الطويلة الممتدة...؟ وماذا يوجد فيها ....؟ إنها مهاجع سجن تدمر وفيها الآلاف من المعتقلين المساكين وهم في وضع بائس رهيب، يعيشون تحت ضغط الرعب والإرهاب والقسوة، مهددين بالموت من كل جانب.

هذا هو سجن تدمر العسكري أو ما سمي مؤخراً بـ : مركز التطهير الوطني لتصفية الأخوان المسلمين. وداخل هذه الجدران والمهاجع حدثت بتاريخ 27/6/1980 أفظع مجزرة في العصر الحديث لأنها تميزت بقتل السجناء العزل المستسلمين، وقد استغرقت ساعة من الزمن، قتل فيها ألف معتقل تقريباً دفعة واحدة وأكثر هؤلاء من العلماء والأطباء والمهندسين والمحامين والمدرسين، وهم من خيرة رجال سوريا علماً ودراية.. وفيها الطلاب والأحداث الذين اتهموا بحمل السلاح في وجه حافظ أسد.

ويستقر اليوم في مهاجع سجن تدمر العسكري هذا أكثر من (5000) خمسة آلاف معتقل من كل أنحاء سوريا فيهم كبار السن (60 – 70) سنة والعجزة من مقطوعي الأطراف والمشلولين والأحداث دون سن (18) سنة وهو عدد كبير يزيد على (400) حدث وفيهم المرضى بل كلهم مرضى بمختلف الأمراض والأوبئة وأولها نقص التغذية والجرب والإسهالات والسل وغيرها.

وهؤلاء المعتقلين يعذبون في الصباح والمساء، في الليل والنهار، في كل دقيقة، بمختلف الأشكال والصور ويعيشون في رعب دائم وقهر شديد ولولا الإيمان بالله والثقة برحمته لقتلهم ما هم فيه.

على كل حال فمن أراد أن يتأكد من الأمر فإني أؤكد أنه لو أنصت وحبس أنفاسه وهو يقف في ملعب الكرة الموجود قرب المدرسة غربي السجن وفي أي وقت لسمع من بعيد من داخل جدران المعتقل السميكة صرخات وآهات وزعيقاً عميقاً يدل على آلام شديدة ورعب كبير، مما يدل على استمرار العذاب في كل الأوقات في سجن تدمر الرهيب، وخاصة في الصباح الباكر أو الضحى أو المساء، ومع ذلك فهذا ليس كل شيء، ففي صباح الاثنين من كل أسبوع وبالتحديد فيما بين الساعة السابعة والتاسعة يمكنك أن تسمع أصواتاً قوية تنطلق بين الفينة والأخرى من داخل الجدران: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر، وقد تسمع الصوت يخمد في منتصف الكلمة فتخرج مبتورة هكذا الله أكبـ..، ولكنك لن تسمع الحشرجات الرهيبة، لأنها ليست قوية بما فيه الكفاية لتخترق جدران السجن العالية السميكة التي تحيط بسجن تدمر العسكري أو مركز التطهير الوطني لتصفية الأخوان المسلمين. وفي مكان الإعدامات يجري إعدام مجموعة كبيرة من المعتقليـن يقـدر عـددها ما بين (30 – 80) معتقلاً في يومي الاثنين والأربعاء من كل أسبوع على الغالب.

وسوف نسمع بكل تأكيد بعد ذلك صوت محرك السيارة من نوع (زيل الروسية الصنع) وهي تتحرك حاملة الجثث إلى حفرة في صحراء تدمر ليهيل عليها البلدوزر التراب ويخفيها إلى الأبد.

فهل سيبقى ما يجري في سجن تدمر خفياً مكتوماً.....!!!!؟؟؟؟؟

وهل سيخرج أولئك المقهورين من سجن الموت في يوم من الأيام....؟؟؟؟؟

 

ســـــجن تـدمـر

الأصل في سجن تدمر أنه ثكنة عسكرية أقيمت أيام الفرنسيين، وقد استعمل قسم منها بعد ذلك كسجن للعسكريين المخالفين للأنظمة العسكرية كما وضع في هذا السجن أيضاً في بعض الفترات سجناء سياسيون.. وتوسّع سجن تدمر أكثر من مرة حتى بلغ عدد مهاجعه في عام 1979 (34) مهجعاً موزعة على سبع باحات ومستوصف وبه أربع غرف عادية، والمهاجع الأرضية وهي اثنان أو ثلاثة ولها مدخل خاص ومجموعة زنازين عددها عشرة وساحة خاصة للمكاتب، ومجموعة من الغرف عند المدخل الرئيسي للسجن، كما بنيت مهاجع أخرى عددها سبعة في أوائل عام 1982 فأصبح عدد مهاجع السجن (44) مهجعاً عدا المستوصف وغرفه.

 

الباحة رقم (1) باحة الاستقبال

باحة كبيرة 25×20م وفي ضلع المستطيل الشرقي منها تنفتح أبواب المهاجع 1-2- 3 ولها شرفة (2م) وفي الضلع الشمالي مهجعان متصلان تمتد نهايتهما غرباً خارج حدود الباحة ولها باب واحد وهما المهجع (5 – 6) المزدوج وطوله حوالي (30) متراً ....

 ونزلاء مهاجع الباحة الأولى هذه هم الذين يعيشون القهر والألم كل حين، وهم يسمعون (النشيد المر) وهو صراخ الجلادين نهراً وزجراً وسباباً بأصوات قاسية عنيفة وحشية، وأصوات الكرابيج ضاربة هابدة قارعة، وصراخ المعذبين الذي يمزق نياط القلوب وذلك على مدى ساعات طوال تشمل غالب النهار وخلال عدة أيام في الأسبوع فيما يسمونه (الاستقبال) أو حفل تعذيب الاستقبال.

 

الباحـة الثـانيــة

وتتألف من مستطيلين يلتقيان ليشكلا زاوية قائمة رأسها في الجهة الجنوبية الشرقية للسجن، وهي تحيط بمهاجع الباحة الأولى من الجانبين الشرقي والجنوبي تقريباً.

وتشمل هذه الباحة على أربعة مهاجع وحمام السجن وهي المهجع رقم (8) ثم الحمام ثم المهاجع (9و 10 و 11) وهناك جدار من البلوط الإسمنتي يحجز المهجع (11) مع جزء من الباحة ويفصله في حيز بمفرده.

 

الباحة الثالثة

وفي وسط الجدار المرتفع الذي يشكل الضلع الغربي في باحة الاستقبال يوجد باب حديدي يؤدي إلى الباحة رقم (3) والتي تساوي في أبعادها أبعاد باحة الاستقبال نفسها تقريباً.

ففي الجهة الغربية من الباحة بدءاً من الشمال الغربي نجد مجموعة من الزنازين عددها (10) ثم المهاجع (18 – 17 – 16 – 15 – 14) ومن الجنوب نجد المهجعين (12 – 13) ولهما شرفة نجد امتداد المهجع الطويل (5 – 6) ثم باباً حديدياً يوصل إلى الباحة (4) وفي زاوية هذه الباحة الجنوبية الغربية ممر واسع يمتد حوالي (15م) وعلى يساره مدخل إلى المهاجع الأرضية وفي نهاية الممر جنوباً باب حديدي واسع (3م) يوصل إلى ممر عريض (4م) يقود يميناً إلى الباحة (5-6) ويساراً إلى باب حديدي كبير (4م) مغلق هو المدخل الثاني للسجن.

 

الباحة الرابعة

ومن الباب الموجود وسط الجدار الشمالي في الباحة الثالثة نصل إلى الباحة الرابعة وهي واسعة وفي وسطها بركة دائرية ليس فيها ماء وفيها المهاجع (19-20-12-22-23-24).

 

الباحتان الخامسة والسادسة

ومن الباب الواسع في زاوية الباحة الثالثة الجنوبية الغربية نصل إلى ممر عريض (4م) يتجه يميناً بعد (10) أمتار نجد باحة بعرض (20م) وطول (50م) وينفتح على الباحة (5) ثلاث مهاجع هي ذوات الأرقام ( 32 - 33 - 34) وعلى الباحة رقم (6) المجاورة لها تفتح خمسة مهاجع أربعة منها على خط طول مواز لجدار الثكنة الخارجي ابتداء من الزاوية الغربية الجنوبية ويمتد شمالاً وهي ذوات الأرقام (25 – 26 – 27 – 28) وأخيراً وفي صدر الباحة المهجع رقم (31) ثم مهجع كبير في أول صف المهاجع المذكورة في الزاوية الغربية الجنوبية تماماً يدعى الورشة عرض الباحة السادسة هذه (20م) ولأسطحة المهاجع سياج يزيد ارتفاعه على متر وهناك أضواء كاشفة موجهة على السطح ذاته وعلى الباحة من الزوايا.

 

مستوصف

ومن باب حديدي عرضه (1.5)م في زاوية الباحة السادسة الشمالية الغربية نصل إلى ممر عريض يوصلنا إلى باب باحة المستوصف والذي يوجد فيه أربع غرف ثلاث منها بأبعاد (4×4) وواحدة بأبعاد (4×8م) واقعة بين المهجع (28) وغرف المستوصف الممتدة على سويته، وكان هذا المستوصف  فارغاً ، فلا حاجـة لعلاج السجناء ، مسموح أن يموت (20 % ) منهم خلال التحقيق ، وحفلات التعذيب ، ثم استعمل بعد ذلك كسجن للنســــاء.

 

الباحة السابعة

وفي نفس الباب في الباحة السادسة يقودنا الممر إلى باب آخر غير باب المستوصف على جهة اليمين إلى باحة مستطيلة فيها المهجعان (29) وهو ملاصق لجدار المهجع (31) الخلفي والمهجع (30) يقابله وبينهما باحة عرضها (15م) ومن بين غرف المستوصف والمهجع (30) فتح ممر إلى باحة أحدثت فيما بعد وأنشئ فيها أربعة مهاجع إضافة إلى إنشاءات أخرى ستذكر في حينها إن شاء الله.

إعـداد الدكتـور    خالد الاحمـــد    كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ