العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

العلمانية في الوطن العربي بين واقع وطموح (4 ‘ 5)

(4)

إن مسألة التشريع في الإسلام تحديدا ً هي ذات طابع مدني بالكامل والتشريع في الإسلام بشكل عام هو تلبية لشروط واقع يعيشه الفرد على الأرض ويستجيب للتناقضات التي تفرزها الحياة البشرية وهو ليس شيء آخر,وهذا ينسحب على التشريع الإسلامي ككل , الذي نريد قوله هو ضرورة الحوار مع جوهر الدين وليس مع بعض إفرازاته الجزئية في هذه التجرية أو تلك , الحوار معه هو الطريق الوحيد الذي يحب أن تسلكه العلمانية للوصول إلى الإقرار بضرورة الديموقراطية وبناء الدولة المدنية ولا أرى أن هناك تناقض بين الدين وبناء الدولة المدنية بل هذا هو أساس الإسلام ولو لم يكن كذلك لما نجح الإسلام في بناء الدولة التي استمرت مئات السنين , ليس هناك تناقض بين الدين والديموقراطية وليس هناك أي سبب يمنع من الإستفادة من الدين في التشريع , التناقض هو في تقديم المصالح الفئوية على المصالح العامة , التناقض هو في النظرة المتشنجة إلى الدين , التناقض هو في النية المسبقة على إلغاء الدين , التناقض هو في النظرة الثأرية من الماضي , التناقض هوفي عدم الوصول إلى نقطة بدء الحوار بين كل مكونات المجتمع , التناقض هو في الإصرار على بقاء ثقافة الجزء وإلغاء ثقافة الكل , التناقض هو في عدم التجاوب من قبل الجميع مع ضرورات التطور والإصرار على الوصول إلى حل , ومصدر التناقض الأساسي هو عدم قناعة الجميع بالتحرك إلى منتصف الطريق وبدء الحوار والإتفاق على التفاعل الذي ينتج البديل المفيد للجميع .

وتأسيسا ً على ذلك وبالرجوع قليلا ً إلى الواقع لنرى ماذا يقول وليخبرنا أين وصلت التيارات السياسية التي تبنت العلمانية في الوطن العربي وعلى امتداد نصف قرن من الزمن ؟,منها  من وصل إلى الحكم ولازال فيه ومنها لم يصل وتأقلم مع الظروف على هامش الحكم الشبه علماني , نريد أن نرى النتيجة العملية  لهذه الأفكارالجميلة والتي أخذت طابعا ً لفظيا ًسحريا ً من حيث الشعارات التي رفعتها ورسمت برامحها على أساسها ,باختصار شديد يجب أن نقف على أهم نتائجها , والنتيجة بالمحصلة هي المعيار الوحيد على سلامة الفكرة وجدارة الأداة وصحة الطريق,وبقدرتعلق الأمر بموضوعنا العلمانية ومستقبلها في ظل أنظمة فردية ديكتاتورية تجاوزت حدود الإستبداد السياسي إلى إهانة إنسانية الفرد وأحطت من كرامته وأرجعته إلى عصور ماقبل التاريخ ,عصور العبودية بكل ماتعنيه الكلمة من معنى الإنحطاط .

وتكثيفا ً للأموررغبة ً في رؤية حقيقتها حتى لانضيع في شططها وجزئياتها نأخذ النماذج التي لعبت الدور السياسي والثقافي الأساسي في المرحلة الماضية وهي :

أولا ً- التيار القومي بكل أشكاله , ثانيا ً- التيار الشيوعي بكل اتجاهاته,  ثالثا ً- التيار الإسلامي بكل صوره.

وحرصا ً على حصر الموضوع في إطار مناقشة واقع العلمانية سيتم مؤقتا ً عدم التعرض لتقييم التيار الديني إلا بقدر تعلق الأمربالتأثير على حركة العلمانية , وهنا أرى أن نبتعد قدر الإمكان عن التحليل النظري ونترك الواقع يتكلم عن نفسه :  من أين بدأت التيارات العلمانية وماهي مساراتها , وكيف كانت العلاقة بين أطرافها , وماهو موقفها من النظام السياسي العربي ,وإلى أين انتهت؟ المطلوب إجراء تقييم جريء وموضوعي وشفاف للنتيجة , وتحديد على أساس إلغاء الفاشل منها وتجديد أو تبديل المناهج الفكرية والحوامل الإجتماعية للتحرك الصحيح وفي الإتجاه  نحو المستقبل من حديد .

لعل الشيء الواضح أن التيارات السياسية آنفة الذكر أعلاه كانت ليست بمستوى تحدي المرحلة وليست بالقدرة الفكرية والسياسية اللازمة لقيادة عملية التحول الإجتماعية من مرحلة إلى أخرى , حيث كانت معظمها صدى ً لأفكار خارجية أو إفرازا ً لمرحلة التحرر من الإستعمار, وباستثناء مرحلة قصيرة تلت الإستقلال والتي أفرزت بعض الإتجاهات التي تلامس الحاجة إلى التحرروبناء الدولة المستقلة على أسس غير فردية أقرب إلى صيغ الديموقراطية , ضغطت عليها بشكل مباشر حينا ً وبشكل غير مباشر حينا ً آخر قوى خارجية أو إفرازاتها وتحت واجهات نظرية تتعلق بالتحرر والتصور لبناء الدولة الحديثة على أسس إشتراكية وحتى علمانية , وشهد الوطن العربي حالة عرض غزيرة للأفكار المحلية والمستوردة بحالة من الفوضى والإبتعاد عن النظرة الواقعية للمجتمع , دخلت في نفق صراع أفكار حاد وتناقض برامج نظرية ولم تستطع الخروج منه إلى الآن ,وكانت في معظمها سرابية تركت المجتمع يعيش سلبيات تلك العلاقات المتناقضة مع أهداف المرحلة ومصلحة المجتمع في بناء الدولة الحديثة , وغاب الأساس السليم لذلك وتاه الجميع في تناقضات يغذيها صراع القوى العظمى على المنطقة وعلى ثرواتها وأهمها النفط ,كان محرك الصراع وحرف رؤى التغيير عن أولوياتها وحصرها في حالة صدام مع بعضها هدفة العام الذي لم تستطع حركة التحرر العربية من استقراؤه في حينها ألا وهو إيقاف عجلة التطور لتثبيت التخلف وإبعادها عن الطريق أو إخلاؤه لقوى أخرى خارجية عبثت ولاتزال في المنطقة بشكل مخيف.

ولعل أبرزملامح تلك المرحلة هوعدم الفعالية بل الإنفعالية والسلبية في علاقة كل الأطراف السياسية مع بعضها وعلى وجه التحديد العلمانية منها التي غلب عليها نظرة امتلاك الحق والحقيقة ودفع أولويات الصدام إلى الساحة السياسية وأجلت أولويات الواقع ,أي كانت فردية غيرمتفاعلة بل متصادمة لأنها كانت إيديولوجية بشكل كبيروأحادية النظرة والنهج متطرفة في العلاقة مع أفكارها وأفكار الآخرين وحكمتها طريقة التعامل مع بعضها ومع الواقع ومع النظرإلى المستقبل " إما أبيض ناصع أو أسود قاتم " فأنتجت الإستبداد الذي فتك بها ولايزال ذرافاتا ً ووحدانا ً, باختصار كانت عاجزة عن إنتاج البديل الفكري السياسي الذي يحتاجه الواقع العربي , بل أكثر من ذلك كانت في مجملها عوامل كابحة لكل عملية تفاعل سياسي وفكري سليم , وكانت من حيث تدري ولاتدري العوامل التي ساعدت القوى الخارجية على تعطيل عملية التحول الفكري والسياسي وأدخلت المجتمع العربي كله في دوامة الصراعات الداخلية , فالحزب الواحد تفتت إلى أحزاب ,والحركة الواحدة تفتت إلى حركات والفكرة الواحدة تفتت إلى شظايا فكرية هنا وهناك وابتعد الجميع عن الطريق الصواب وأعطوا الفرصة الذهبية للإستبداد لكي يسيطر على كل شيء في المجتمع, الأمر الذي أدى إلى إجهاض مرحلة تاريخية بأكملها والأخطر منه هو إنتاج منظومة الهزيمة والفساد وتخريب المجتمع وتفتيته إلى كانتونات فكرية وسياسية وحتى طائفية وإذا استمرالوضع على هذا المنوال سيكون كل هذا مضافا ًإليه الأبعاد الجغرافية , ولعل أشدالصور وضوحا ً هو حزب البعث وهو محسوب على صف العلمانية نرى أنه بدأ من الوحدة ليصل إلى الطائفية السياسية والحكم الوراثي , وبدأ اليسار بكل صوره من الأممية ليصل إلى الشللية المتوزعة بين الإستبداد والإبتعاد عن التأثير في محددات الواقع وفي معظم الأحوال كانت السجون هي النهاية التي وصلت إليها والمقر النهائي لقيادة عملية الظلم واليأس والإحباط التي طبعت كل التيارات الفكرية والسياسية العلمانية بدون استثناء وأصبحت هي مفاعيل المرحلة الراهنة.

 الإستبداد هي النتيجة التي وصلت إليها كل أطراف الحركة السياسية العربية وفي معظمها محسوبة على العلمانية , غابت كل مظاهرالتفاعل تحت سوط الإستبداد وغاب الحوار وحضرت الدولة الأمنية القمعية التي أحكمت سيطرتها على المؤمنين والملحدين , على المتدينين والعلمانيين , على القوميين والماركسيين وعلى الجميع الذي يتحرك ضمن دائرة الإستبداد ولم يستطع أن يفلت من سيطرتها, والشق الآخر من المعادلة الذي هو التيار الديني حوصر بشكل متسلسل إلى أن تم إبعاده بشكل غير سياسي وغير إنساني ودفع بالمحصلة ثمن أخطاؤه وأخطاء حركة التحرر العربية وعلى الأخص العلمانية منها , وبشكل عابر كان خطأ العلمانية الأساسي هو الطعم الذي وفره الإستبداد لها على أنه في بعض ملامحه علمانيا ً , فراهنت على الإستبداد ولم تراهن على معطيات الواقع ,وأقامت جسور فكرية وسياسية معه على أمل أن يتطور في المستقبل بحكم ظروف قد تأتي أو لا تأتي إلى بداية قطار العلمانية الذي يقود الوطن العربي نحو التحرر من الماضي فكان أن أرجعها إلى الماضي منهارة ً ومفتتة ً ومرهقة ً من سلوك الإستبداد معها ومتشائمة ً وحائرة ًأمام مظاهرالصورة الكارثية وهي ترى عرين العلمانية ينهارتلقائيا ً لأنه فقد نقاط ارتكازه ولم يعد قادرا ًمن الناحية المادية والفكرية والسياسية على الإستمرار.

د.نصر حسن

العلمانية في الوطن العربي بين واقع وطموح (5).

مرة ً أخرى تحشر حركة التحرر العربية ومنها العلمانية بالرجوع في الإتجاه المعاكس للتاريخ وللتطورإلى نقطة الصفر ولكن فاشلة مرهقة مفتتة وحائرة ولاتدري من أين تبدأ في إعادة ترتيب أولوياتها من جديد : من الفكر ,من الفساد والفقر التي أفرزته ,من السياسة من الإلحاد من الإيمان من نظرتها إلى الواقع العربي , من نظرتها إلى النفس , من موقفها من الآخرين ,من الماضي من الحاضر , بصراحة يجب إعتماد الصدق والجرأة والإقرار بأن النتيجة الوحيدة التي وصلت إليها حركة التحررالعربية والعلمانية منهاعلى وجه التحديد هو خليط من الإحباط واليأس وفقدان الثقة بالنفس والقدرة على تحديد نقطة البداية الصحيحة من جديد .

الخلاصة التي وصلت إليها حركة التحرر العربية العلمانية هي تثبيت النهج الفردي الشمولي الذي تحول إلى أسوأ أشكال الديكتاتورية في العصر الحديث , ديكتاتورية على أسس طائفية ومذهبية تجاوزت الديكتاتورية السياسية بظلمها وظلامها وفسادها إلى ديكتاتورية مزقت المجتمع وفتت نسيجه الوطني والإجتماعي وعممت الجهل والفساد واليأس والهزيمة ,باختصار أوصلت المنطقة العربية والإنسان العربي إلى مرحلة الإنهيار .

ماالعمل ؟!والمجتمع وواجهاته السياسية كلها وفي معظمها علمانية حصرها الإستبداد في خانة العجز والقبول القسري حينا ً والإرادي حينا ً آخر بالتعايش معه والإقرار بالهزيمة أمامه  .

ماالعمل ؟! ونظام الإستبداد يسرح ويمرح على الساحة الوطنية ويقمع الشعب ويحاصر العمل الوطني , ويشوه الديموقراطية وينتهك الحريات الأساسية للشعب ويلاحق نشطاء حقوق الإنسان ويقتل كل أمل بالسماح بحرية التعبيرعن الرأي ويلغي كل مظاهر الصحافة الشبه حرة ويهين كرامة المثقفين والنشطاء السياسيين السلميين ويقطع الطريق على الشعب ويمنعه من المشاركة ليس في التقدم والتطور ولكن بوقف حالة الإنهيار التي تشهدها الساحة العربية بشكل عام وسورية بشكل خاص .

ماالعمل ؟! والديكتاتورية في العالم العربي وأسوأ أشكالها في سورية وصلت إلى مرحلة الضعف والتداعي والفساد ولم تعد قادرة على ممارسة وظيفتها ومسؤوليتها أمام شعبها , لم تعد قادرة على ممارسة سوى دور الجلاد الذي حول الدولة كلها إلى سجن كبير, لم تعد قادرة على رؤية خطورة المرحلة التاريخية والظروف الراهنة التي يعيشها المجتمع العربي , لم تعد قادرة على فهم مايجري حولها بل حتى داخل بلدانها , لم تعد  تعنيها كل هذه الأخطار التي تشبه الإعصار بقوتها التدميرية والتي بدأت تفكك بنيتها الإجتماعية وثقافتها وحضارتها وحتى جغرافيتها في خطوة خطيرة تدفع الأمة إلى الإنهيار النهائي , والمنطقة تتحول إلى( مايكرو) نظم سياسية طائفية تتنافس على خدمته وهي أشبه بدكاكين للنظام الدولي الجديد ولاتملك من أمرها شيئا ًسوى تنفيذ برامجه والعيش على فتاته وإدخال المنطقة كلها في نفق الجهل المطبق والتخلف والتمزق والضياع النهائي في متاهات العولمة وأزقتها.

ماالعمل ؟! والساحة العربية والإنسان العربي أصبح مختبرا ً للإستبداد وللنظام العالمي الجديد  .

في ظل هذا الواقع المتخلف وفي ظل هذا التشتت والضياع بين حوامل التغيير الأساسية في المجتمع وفي ظل هذا التمترس الإيديولوجي والعقائدي لجميع الحركات السياسية والفكرية والثقافية كل في أفكاره والتي في معظمها تتحرك ضمن حسابات فردية فئوية ضيقة وأحيانا ً حتى طائفية ومذهبية مغطاة لفظيا ً بهدف عام عائم , وفي ظل هذا التناقض والتناحر بين القوى السياسية المحسوبة على صف الشعب والتغيير والإصرار على امتلاك الحق والحقيقة السياسية والفكرية بالشكل الذي يؤدي إلى تصادم قواها وضعفها وبالمحصلة تقوية الإستبداد ورفده المستمر بعوامل الإستمرار, في ظل هذا الهروب من أفكار الماضي إلى فوضى الأفكار الجديدة والمفاهيم الجديدة والتي تزيد من الضياع الفكري والمعرفي والسياسي , في ظل إفرازات العولمة التي أصبح المجتمع العربي هو البوابة الرئيسية للمرور إلى النظام العالمي الجديد والذي يرى ويعرف الجميع مايدفعه الشعب من ثمن وبدون مقابل بل على حساب أمنه ووحدته وكرامة الإنسان فيه, في ظل هذا العجز المهين للنظام العربي الرسمي الذي وصل حالة الكمال الإستبدادية بكل ماتعنيه الكلمة من انهيار كامل للمجتمع . من كل هذا الحطام يتوجب على المفكرين أولا ً والمثقفين ثانيا ً والسياسيين ثالثا ً والشعب رابعا ً أن يراجعوا أفكارهم وقناعاتهم وبرامجهم وآلية التنظيم التي اتبعوها وطبيعة العلاقات السياسية التي غزلوها مع المجتمع وعلاقتهم مع الشعب , باختصار يجب إعتماد الصدق والشجاعة بتأشير الخطاً وتجاوزه ولا أدرى إذا كان في الماضي القريب صحيحا ً لتطويره ,واستطرادا ً يجب الإعتماد على الحوار وعلى أكبر مساحة فكرية وسياسية وإجتماعية وحتى طائفية ممكنه , الحوار على أرضية المساواة في الحق والحقيقة والإستعداد الصريح والصادق بقبول الآخر المختلف واحترام رأيه والإصرارعلى الوصول إلى حل من هذا الإستعصاء التاريخي الحضاري الإنساني الخطير .

وبالمقابل ليس هناك مستقبل لكل الأطر السياسية المطروحة حاليا ً وعلى الأخص العلمانية منها,ليس لها أي مستقبل في العالم العربي الذي يغطيه الإستبداد من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه مالم تعيد النظر كليا ً بعوامل الفشل وتجاوزها ,وأولها هو أن العلمانية في العالم العربي تعاملت مع الإستبداد والواقع على حدٍ سواء كرد فعل عليه وليس كفعل يحاول تحريك الواقع وتطويره , فكان فعلها مشابه لفعل الإستبداد ومن نفس طبيعته , أي تعاملت مع المجتمع من باب الوصاية وليس من باب التفاعل المطلوب الذي يسبق كل عملية تحول تاريخية في حياة الشعوب .

والخلاصة الحل الأساسي يكمن في الإقرار بالحوار القائم على احترام مكونات المجتمع وبالذات الدينية منها لأنها في الإجواء الصحية يجب أن تكون إحدى حوامل التغيير الأساسية وليس كوابح له وهذا لايمكن أن يتم بغياب الديموقراطية , واستطرادا ً الحل يكمن في الإقرارمن قبل الجميع بضرورة الديموقراطية وهي الدواء الوحيد لكل مشاكلنا , الديموقراطية والسلوك الديموقراطي هو الوحيد القادرعلى إنتاج العقد الإجتماعي المفيد للجميع والذي صورته العملية هو الدولة المدنية , دولة القانون والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات , في ظلها يتم التأسيس والتنشيط للروابط التي تجمع الجميع ويحرص عليها الجميع وتتجاوز الروابط العصبية والدينية والطائفية وترتقي إلى مستوى قيمة الكرامة الإنسانية وتلغي الفردية وتضع صيغ دستورية بعدم السماح برجوعها تحت أي ظرف من الظروف ,أي القطع مع كل الروابط التي تعيق بناء الدولة المدنية الحديثة دولة المواطنة الذي يشعر جميع أبنائها بقيمتهم الوطنية والإنسانية .

 على أن الذي يجب أن يكون واضحا ًً للجميع هو التخلص من الإرث السياسي السابق الذى طغى عليه طابع الصدام والتناقض والإحتراب والنفاق والقطيعة ,الذي أوصل الجميع إلى أن يكونوا تحت سوط الإستبداد أو أداة تخدمه, التخلص من علاقة الوصاية على الآخر والوصاية على الشعب والوصاية على الأفكار والوصاية على العلمانية أيضا ً , والمدخل الأساسي والوحيد هو إقرار الجميع بضرورة بل بحتمية الديموقراطية , الديموقراطية التي نفتقدها جميعا ً أفراد وأحزاب ومنظمات وشعب , الديموقراطية التي يعبرعنها بموقف وفعل وسلوك وليس التمسك اللفظي بها أو اتخاذها غطاء ً لضعفنا وفرديتنا والكثير من عقدنا وأمراضنا , الديموقراطية التي تؤسس للصدق والصراحة مع النفس ومع الآخرين والتي تساعدنا على تأشيرعوامل فشلنا والكثيرمن خوفنا من بعضنا ومن خوفنا من أن تكشف الديموقراطية عجزنا على احترام الآخر كائنا ً من كان والإقرار والإصرار على الوصول إلى حل لمشاكلنا ,الديموقراطية التي تساعد الجميع على التوصل إلى أن المشكلة ليست بين مؤمن وكافر أو بعثي وماركسي أو بين رجعي وتقدمي أو بين ليبرالي ومحافظ أو بين الحداثة والمحافظة أو بين مذهب وآخر وإنما الصراع الأساسي هو بيننا جميعا ً وبين الإستبداد وهو في صورته العامة صراع بين الفرد والمجموع بين الحرية والعبودية بين التقدم والتطور بين الجمود في الماضي والرغبة في معايشة الزمن وبشكل عام صراع بين الإستبداد والديموقراطية وهذا هو الذي يجب أن يكون المحور الأساسي لحركتنا في اتجاه واحد نحو بناء الدولة الحديثة , الحديثة بعلاقة أفرادها وباحترام قيمة الإنسان والحرص عليها , وكل هذا ليس له معنى بغياب الديموقراطية ,وكلنا عشنا ودفعنا ماهومعروف وغير مألوف من ثمن مادي ومعنوي وإنساني وتخلف وتمزق في ظل الديكتاتورية والإستبداد , والنتيجة العملية التي وصلنا إليها هي أنه لامعنى لحقوق الإنسان ولالكرامة الفرد ولالكرامة الشعب والوطن , ولامعنى لمنظمات المجتمع المدني ولاأي منظمات شكلية لأنها كلها محكومة بحركة الإستبداد التي تلغي الآخر وتحوله إلى رقم وفي أفضل الأحوال إلى عبد.

الديموقراطية هي المفتاح الذي يجب أن نصر على التمسك به وبخلاف ذلك لامستقبل لنا جميعا ً ولا مستقبل للمؤمنين والملحدين ولا المحافظين ولا اليساريين ولا الفرد ولا المجموع ولا الدين ولا المذاهب ولا حقوق للإنسان ولاالعلمانية , ولا نتيجة لغيابها سوى الإنهيار والتخلف والمزيد من العذاب الإنساني الذي أرهقنا جميعا ً وأوصلنا إلى الضياع والإفتراق عن بعضنا وعن خط التقدم والعصر.....والخطوة الأولى في رحلة المليون ميل هي بدء الحوار.....

د.نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ