العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 16 / 04 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

أرواح الشـهداء

كتب الله لي أن أعيش خمس سنوات من زهرة عمري في الجزائر الحبيبة ، في السبعينات من القرن الماضي ، كانت غنيـة بالمعرفـة ، والخـبرة ، والدعـوة ، ولله الفضل والمنـة ...

وكنت ألاحظ أمراً غريباً ، وهو توجه الجزائريين نحو الإسلام ، وشوقهم ورغبتهم الجامحة نحو التمسك بالاسلام والشريعة الاسلامية ، وقد عبر الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي عن هذه الملاحظة ـ وكان يحضر سنوياً في الملتقى الفكري الاسلامي الجزائري ـ قال الشيخ البوطي معبراً عن الرغبة الجامحة عند الجزائريين للاندفاع نحو الاسلام : [ أرى في الجزائر دعـوة قـويـة ولا أرى دعـاة ] ، وليسمح لي الشيخ أن أعدل هذه العبارة لتكون أكثر دقـة فأقول : أرى في الجزائر دعـوة قويـة ، أكبر بكثير مما يبذل من دعوة في الجزائر ، التي مازال دعاتها شباباً ،قليلي الـزاد ( يومذاك )، ولا نجد تناسباً بين قوة الدعـوة ، ومايبذل من أسباب فيها ... [ كان الشيخ محفوظ يرحمه الله في السجن طوال السنوات الخمس التي عشتها هناك ، وكان إخوانه في البليدة ، لهم نشاط يمتد حتى الجامعة المركزية في العاصمة ، وكان الأخ عبدالله جاب الله طالباً في كلية الحقوق ، جامعة قسنطينة ، ولكنه كان قمـة في النشاط والحركة ، وخاصة في الشرق الجزائري ] ....

وهذه القصة الواقعية التالية تبين لك أخي القارئ ، شـدة اندفاع الجزائريين نحو الإسلام ....

 

لباس المرأة في الإسلام :

كنت مدرساً للفلسفة ، وعندهم تدرس الفلسفة لطلاب الثالث الثانوي فقط ، وفي ثانويتنا أكثر من ألف طالب وطالبة ، ومعظم الطالبات يلبسن الزي الأوربي تماماً ، وقانون المدرسة الجزائرية يسمح للطالب وللطالبة أن يلبس كل منهما مايشاء ...

كنت أقطع فنـاء الثانويـة ، ومررت بقرب ثلاث طالبات من الأول ثانوي ، متبرجات جداً ، وبعد أن تجاوزتهن سمعت نداء يقول : أستاذ ... أستاذ ... أستاذ الفلسفة ...أستاذ خالد ... وترددت في الوقوف ، ودعاة الماركسية المعادين لي ولدعوتي ينتظرون موقفاً من هذا النوع ليصوروه وينشرونه في الولاية كلها ... ولكن إلحاح النداء ، وركضهن حتى لحقنني اضطرني إلى الوقوف ، وأنا أتصبب عرقاً من الخجل ، مطرقاً إلى الأرض :

قالت إحداهن ::  يا أستاذ كيف تلبس المرأة في الإسلام ؟

اعتبرت للوهلة الأولى أن هذا من باب السخرية ، ولكن الله عزوجل ألهمني أن أجاوب باقتضاب وأقول الكلمات  التالية  فقط  :

أي ثوب واسـع ، فضفـاض ، يسـتر جسـدها كلـه ، لونه غير زاه ...

وتابعت المشي ، وتنفست الصعداء ، فقد هربت من هذا الموقف الذي أخافني كثيراً ، وسألت الله عزوجل أن يجعل العواقب سليمة ....

وبعد بضعة أيام ( ثلاثة أو أربعة ) كدت أسجد لله شكراً في فناء المدرسة عندما رأيت ولأول مرة هذه الفتيات الثلاث يلبسن الحجاب الذي وصفته لهن .... واعترض الماركسيون و الشهوانيون عليّ بأنني حرمتهم من مناظر كانوا يتلصصون عليها كل يوم ...

سوف لا أنسى هذه التجربة التي  عشتها قبل ثلاثين سنة ، ومازالت حاضرة في شعوري ، لأنها تفسر شـدة إقبال  الشعب الجزائري على التمسك بالاسلام الذي يحبونـه حبـاً جمـاً ، مع أنهم يجهلون مساحات واسعة منه يومذاك ، هذه الحادثة تفسرالإقبال الشديد على الإسلام في الجزائر ، وهذا الإقبال  أكبر من جهود الدعاة بمئات المرات ....

وكان التفسير الوحيد عندي هو بركـة أرواح الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الله عزوجل ليحفظ لهم الجزائر المسلمة  ، وللعلم فالثورة الجزائرية بدأت ثورة إسلامية ، جهاد مقدس ضد الحقد الصليبي والاستعمار الفرنسي ، والحلف الأطلسي الذي حاول خلال قرن ونصف نزع الجزائر من الإسلام ... وحيث كنت أعمل في الواحات ، لايوجد مسيحي واحد ، وتوجد خمس كنائس بنيت خلال عهد الاستعمار الفرنسي ... واستمرت الثورة الجزائرية إسلامية ، ومعظم قادتها كانوا من حفظة القرآن الكريم ، والأب الروحي لها كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يرحمه الله ... وكان الثوار يرددون ماقاله ابن باديس :

شـعب الجزائر مسـلم وإلى العروبـة ينتسـب

 واستمرت الثورة الجزائرية إسلامية حتى عام (1954 ) حيث خطفها الماركسيون الدهاة من أيدي المشايخ بعد مؤتمر وادي الصومام ... وبعد أن استشهد قرابة مليون ونصف جزائري ، معظمهم نحسبهم شهداء ولانزكيهم على الله ، وهؤلاء الشهداء لهم مكانـة عظيمة عند ربهـم ، ولهم حظوة ، ومن أجلهم ، رعـى الله الجزائر وحفظها ، وربطها بالاسلام الذي مات من أجله مليون ونصف جزائري ...

والجزائر ـ اليوم ـ على الرغم من كل مصائبها ، والويلات التي جرها عليها المتطرفون ودعاة التكفير ، أفضل من كثير من الدول العربية والمسلمة ، مع أنها رضخت قرناً ونصف القرن تحت استعمار صليبي سافر يقوده الحلف الأطلسي ...

 

وفي سـوريا شــهداء أيضـاً :

وفي سوريا  قدم عشرات الألوف من الشباب المسلم روحـه رخيصـة في سبيل الله عزوجل ، ليخلص سوريا من الطاغوت الذي أراد أن يقضي على الحركة الاسلامية في بلاد الشام كافة ، أراد أن يكمل المخطط الذي بدأه طاغوت عربي قبلـه ومات قبل أن يكمل مهمته كلها ، أراد الطاغوت السوري أن يقضي على رغبـة المسلمين في بلاد الشام في الالتزام بالاسلام عقيدة وشريعة وعبادة ونظام حياة كما أراده الله عزوجل ... وقرر الطاغوت أن هؤلاء الاسلاميين لاتجدي معهم إلا التصفية الجسدية ، وقدصرح بذلك في المؤتمر السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي ، وقال : أما الإخوان المسلمون فلاتنفع معهم إلا التصفية الجسدية ... وبدأ مشروعه في التصفية الجسدية ...

وكانت المذبحة الجماعية الأولى التي نفذها كبير المجرمين رفعت الأسـد في سجن تدمر في أوائل صيف (1980) ، كانت هذه القافلة الأولى من قوافل الشهداء السوريين ، يرحمهم الله تعالى ، ونسأله أن يتقبلهم مع الشهداء والصديقين والأنبياء وحسن أولئك رفيقاً ... ألف أو يزيد من خيرة أبناء الشعب السوري ، قتلوا رشـاً بالرصاص في زنزاناتهم ، وفي مهاجع سجن تـدمـر ، ثم حملوا بالشاحنات ـ وبعضهم مازال حياً ـ ودفنوا في إخدود جماعي قرب جبل عويمر عند تـدمـر .. .. قتلوا ودفنوا كما قتل ودفـن أهل الأخدود الذين خلـد الله عزوجل ذكرهم : [ والسماء ذات البروج ، واليوم الموعود ، وشاهد ومشهود ، قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على مايفعلون بالمؤمنين شهود ، ومانقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ] ، ومن هؤلاء أصحاب الأخدود ، امرأة تحمل رضيعاً لها ، هابت النار ، وخافت على وليدها الرضيع ،  عندما ساقها جلاوزة الأمن يومذاك ( والمخابرات العسكرية ) ، كي تقتحم النار ، وترمى نفسها في الأخدود ، هابت وتراجعت ، ولكن الرضيع نطق وقال : يا أمـاه لاتخافـي إنك على حـق  ...

 

قـوافـل الشـهداء :

وتتالت قوافل الشهداء في سوريا ، في حماة ( 1981) ، و(1982) وفي جسر الشغور ، وادلب ، وحلب ، وكانت أكبر هذه القوافل مجزرة تـدمر المستمرة ، حيث نفـذ حكم الإعدام بقرابـة ( 23 ) ألفاً من خيرة أبناء الشعب السوري ، يرحمهم الله تعالى ، ونحسبهم شهداء ولانزكيهم على الله ، ولنستمع للأخ محمد سليم حماد يصف لنا إقبالهم على الموت في سبيل الله : يقول محمد سليم حماد في كتابه ( تدمر شاهد ومشهود ) :

( وما لا ينسى من أيام عام 1984 المريرة أننا شهدنا فيها أحد أكبر عمليات الإعدام الجماعي إن لم تكن أكبرها على الإطلاق . فبعد انقطاع تنفيذ الأحكام عدة أشهر في تلك الفترة فوجئنا بالمشانق تنصب ذات يوم في الساحة السادسة بأعداد كبيرة ،وراح الزبانية يخرجون من الإخوة المعتقلين فوجاً إثر فوج إلى حتفهم . يومها قدّر الإخوة الذين تمكنوا من مشاهدة جانب مما يجري من خلال شق في الباب عدد الذين أعدموا بمائتين من غير مبالغة ، كان من بينهم كما بلغنا الأخ يوسف عبيد من دمشق .

وفي مهجع السل 23 بالباحة الرابعة حيث كان قد اجتمع على إخواننا هناك كَرْبُ السجن وكَرْبُ المرض أخرج الشرطة يومها أخاً مسلولاً من حلب اسمه يوسف عبارة للإعدام . فلقد نادوا الأخ رحمه الله إلى لقاء ربه قبيل صلاة الفجر . فهرع وصلى مع الإخوة الفريضة ثم ودعهم ومضى إلى منيته مقبلاً على الله . وكان من نزلاء المهجع نفسه أخ شاعر موهوب تفجرت مشاعره عندما أبصر الإخوة يساقون رتلاً طويلاً إلى المشانق ، وانسابت مع دموعه ودموع إخوانه قصيدة رقيقة له حفظناها جميعاً وأخذنا ننشدها منذ ذاك يقول فيها :

وسار موكب الجناز في الصباح *   مخلفاً وراءه الجراح  * و راسماً مسيرة الكفاح

فلا حياة دونما سلاح *   من قبلها نادى المنادي هاتفاً مجلجلاً * حي على الفلاح .. حي على الفلاح .

 وسار موكب الشباب في خشوع * لم يعرفوا لغير ربهم خضوع * عيونهم تضيىء كالشموع *  تقول للأجيال لا خضوع * من قبلها نادى المنادي هاتفاً مجلجلاً

حي على الفلاح .. حي على الفلاح .

 

وداع الأشقـــاء

وتتابع نصب المشانق وتكرر مشهد الزهرات تساق إلى حتفها على أيدي الزبانية الطغاة . وكان من أشد المشاهد إيلاماً كما بلغني يوم أن سمع أخ من بيت العابدي من دمشق اسم أبيه يطلب للإعدام من مهجع مجاور . ورآه يساق أمام عينيه من خلال ثقوب الباب فتزهق روحه على حبل المشنقة . وكان الولد قد اعتقل مع أبيه وهو ابن خمسة عشر عاماً في مرحلة دراسته الإعدادية !

ولم يكن أقل إيلاماً يوم أن طلبوا فيما بعد اثنين من الشباب المعتقلين معنا للإعدام هما طريف حداد وملهم الأتاسي وكلاهما من حمص . وكان معهما في نفس المهجع شقيقاهما بشار حداد ومطاع أتاسي . وعندما تقدم بشار ليودع أخاه طريف ثابت الجنان قال له : اثبت واصبر .. واللقاء في الجنة . والحمد لله أن رزقك الشهادة . ولا تنسانا من الشفاعة .

كذلك خرج من بيننا أخ آخر للقاء الله في تلك الأيام العصيبة هو عبد الغني دباغ من حمص . ثم لم نلبث أن سمعنا بأن أخوين اثنين له في مهجع آخر أعدما بعد مدة وجيزة من الزمان .

 

وفوجئنا ذات صباح بالمشانق تنصب من بعد الفجر بقليل ، وبالشرطة يجوبون المهاجع ويسألون عن أسماء بعينها . ولم تلبث أصوات التكبيرات أن علت من جديد .. فأسقط بأيدينا .. وانهارت آمالنا الواهية .. وعدنا يلفنا الوجوم والترقب . حتى إذا فتح الشرطي باب المهجع 26 علينا انتفضنا كلنا وقد بلغت القلوب الحناجر واحتبست أنفاسنا .. وكل منا يتوقع أن يتلو الشرطي اسمه ويناديه للردى . لكن جلادنا لم يناد إلا اسم أخ واحد من بلدة سراقب اسمه عبد الحكيم العمر كما أعتقد . كان مدرس لغة عربية وملازماً مكلفاً حين اعتقل . وكان صاحب فضل علينا في المهجع بدماثة خلقه وحسن معشره ، وبحلقات البلاغة والنحو التي واظبنا عليها حتى تعلمنا منه الكثير . وقال له أن يضب أغراضه لأنه سينقل إلى مدرسة المدفعية بحلب حيث كان يقضي خدمته الإلزامية . ورغم استغرابنا من هذا الأسلوب الجديد إلا أننا قدرنا أنهم إنما أخروا إعدامه لأنه عسكري وحسب ، وأن دوره الآن قـد دنـا .

وأدرك عبد الحكيم أنها منيته ، وجعل رحمه الله يطوف علينا ويتفرس في وجه كل منا ويردد آخر كلمات له في هذه الدنيا سمعناها :

سـامحوني يا شـباب .. واللقـاء إن شـاء الله في الجنة .

فلما وصل بتطوافه إلى مجموعة من أهل بلده كانوا شركاء في مجموعة الطعام في المهجع أوصاهم بأهله وأولاده . ومضى إلى الإعدام ونفسه رحمه الله تفيض بالرضا والإطمئنان ، وكأنه ذاهب لملاقاة أحب الناس إليه ! ) . انتهى النقل من كتاب شاهد ومشهود .

 

هكذا كان الشباب المسلم يقبلون على الله عزوجل ، يضحون بأرواحهم من أجل حماية إسلامهم في بلدهم سوريا من بطش الطغاة ، ومن مخططاتهم الهادفة إلى القضاء على الصحوة الاسلامية ، والحركة الاسلامية ، التي تطالب بالعودة إلى الاسلام والالتزام بـه عقيدة وشريعة ونظام حياة ... فهل استطاع الطاغية تنفيذ مهمتـه !!!؟

لقد قتل عشرات الألوف من الشباب المسلم في سوريا ، وقل أن تجد بيتاً في مدينة حماة إلا وفيه شهيد ، أو سجين ، أو مفقود ، أو منفي ... ومثل ذلك في جسر الشغور وادلب وقرى ادلب ، وفي حلب كذلك ... فهل قضى الطاغية على الحركة الاسلامية !!؟ قال تعالى [ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ] ...

 

إقبـال الشباب على المساجد في سوريا :

 

من اللافت للنظر أن الطاغية قبل موتـه صار يبني مدارس لتحفيظ القرآن ، سميت باسمه ، وصار يحاول الظهور بأنه مهتم بالاسلام ، وهذه يفهمها دارسو الفلسفة ، الذين درسوا الجدل عند ( هيجل ) ، الفكرة ونقيضها والتركيب منهما ، بل صار يتقرب لجميع الحركات الاسلامية العربية ، وخاصة الاخوان المسلمون في فلسطين وأقصد ( حماس ) ،كما تقرب للأخ محفظ النحناح يرحمه الله ، وللأخوة في لبنان ، وفي الأردن ، كل ذلك لينفي عن نفسـه أنـه حاول القضاء على الحركة الاسلامية في بلاد الشام ...

واليوم يؤكد القادمون من سوريا أن المساجد تمتلأ بالشباب ، وأن الحجاب ينتشر بسرعة بين الفتيات ، وأن إقبال السوريين على الالتزام بالاسلام يزداد ، وقد اعترف النظام بذلك ، فصار يحاول استيعاب هؤلاء الشباب ، كي لايستوعبهم الاخوان المسلمون ـ مع أنهم خارج البلد ـ

فما الذي يدفع هؤلاء الشباب إلى الاسلام !!؟ وبداية لاننكر جهود كثير من العلماء والدعاة الموجودين داخل سوريا اليوم ، ولكن كما رأينا في الجزائر ، النتائج ( الالتزام بالاسلام ) أكبر بكثير من الجهود الدعوية المبذولة ...

وحسب تفسيري للواقع ... إنها أرواح الشهداء ... أرواح عشرات الألوف من الشهداء السوريين الذين قدموا أرواحهم حفاظاً على الاسلام في سوريا ، كما فعل إخوانهم الجزائريون قبل نصف قرن ، عندما قدموا أرواحهم ليحفظوا الاسلام في الجزائر ... والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين ...

وأنعم الله علي أن قابلت عدة شباب سوريين يعيشون داخل سوريا ، ولدوا في عقد الثمانينات ، وكتب الله لهم الحياة ... وعجبت أن هؤلاء الشباب يملكون فهماً اسلامياً صافياً للاسلام دين ودولة ، عقيدة وشريعة ،  وينظرون إلى جماعة الاخوان المسلمين عبر الفضائيات ومواقع الانترنت على أنها سوف تخلص سوريا من الطاغوت ، وتحقق لهم مايحلمون به من الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ... ويعتبرون أنفسهم جنوداً من جنودها ... ولو أن المقام يسمح بالكلام لقلت أني وجدت لدى الشباب داخل سوريا ؛ مالايصدقه العقل ، إلا باللجوء إلى التفسير الرباني ، العناية الربانية ، وهذه واحدة ... سجين في عام (1995) عندما أفرج الطاغية عن دفعة كبيرة ، وطلب منهم التوقيع على تعهد منهم أن لايعودوا لمثل ذلك ، أبى أحد السجناء أن يوقع ذلك التعهد وقال لمدير السجن : هل تريدني أن أتعهد على أن لاأعود للدراسة في كلية الشريعة ، وأن أتعهد أن لا أصلي إمام جمعة إذا غاب الخطيب ، هذه جرائمي عندكم ، فأنا عندكم في السجن منذ ثلاثة عشر عاماً ، وهذه جريمتي : طالب في كلية الشريعة ، أخطب الجمعة إذا تغيب الإمام ... هل أتعهد أن لا أعود لمثل ذلك  ‍‍‍‍!!!؟ وصار مدير السجن يترضاه ويقول له هذا أمر روتيني ، لابد منه ، وأرجو أن توقع ولاتحرم أهلك من الفرحة بخروجك من السجن ، ولكنه أصر ، وبقي عشر سنوات أخرى ، حتى خرج بدون تعهد ، وعرفت بعد خروجـه أنه مصر على الالتزام بدراسة الشريعة ، ومصر على أن الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ..‍‍‍‍‍‍‍

  حزب العدالة والتنمية التركي :

وقبل مدة قليلة قابلت عضوين في البرلمان التركي من حزب العدالة والتنمية ، ودار الحوار بيننا بضع ساعات عبر مترجم معهم ، ومما استخلصته أن فسـاد الحكومة التي سـبقتهم ( وكانت ائتلاف من ثلاثة أحزاب يرأسها أجاويد ) ، فساد هذه الحكومة السابقة ، كان السبب الأقوى في توجه الناخبين الأتراك إلى بـذل أصواتهم لحزب العدالة والتنمية الاسلامي ...

وقل مثل ذلك في انتخابات مصر التي قال المحللون أنها لوكانت نزيهة لفاز الاخوان المسلمون بالأكثرية الساحقة فيها ، لسبب هام وهو فساد المنافس ، وتأكد الشعب المصري من فساد الحزب الوطني الذي يحكم مصر  ، وقل مثل ذلك في نجاح حماس الفلسطينية . 

وفساد الخصم ، وتوجـه الناس نحو الدعاة المسلمين ، هذا إعداد رباني وتهيئة لحفظ الاسلام وقوتـه في هذه البلاد ، واستجابة لأرواح  الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله عزوجل ؛ ليحفظوا بلادهم مسلمة ، [ والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لايعلمون ] .

ويتضح ذلك أيضاً عندما ننظر إلى بلدان عربية غير الجزائر وسوريا ، تبذل في هذه البلدان جهود وافرة من الدعوة الاسلامية ، كي تـعد جيلاً من الشباب المسلم يؤمن أن الاسلام عقيدة وشريعة ، دين ودولة ، ونظام حياة شامل ... هذه البلدان لم تمـر بالمحن التي مرت فيها الجزائر ، وسوريا ، نجـد بشكل واضح أن النتائج المحصودة أقل بكثير من الجهود الدعوية المبذولة ... فالدعاة متوفرون بكثرة ، والنظام لايحارب الاسلام ، ومع ذلك تجـد إقبال الشباب على الالتزام والتمسك بالاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ، أقل من تلك البلدان ... على الرغم من جهود الدعاة الكثيرة المقدمة لهم ...

في الجزائر وجدنا النتائج المحصودة أكبر بكثير من الجهود المبذولة ، وفي سوريا اليوم كذلك توجه الشباب نحو الاسلام الشامل ، الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة أكبر بكثير من الجهود الدعوية المبذولة ...

وفي غير الجزائر وسوريا  نجـد الصورة معكوسة ، فالجهود الدعوية المبذولة أكبر بكثير من النتائج المحصودة .... ولاتفسير عندي سوى بركـة أرواح الشـهداء ، أو قل العنايـة الربانيـة بأولاد الشهداء وأحفادهم  ..... 

قال تعالى : [ ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ] وقال تعالى أيضاً : [ ولاتقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون ]

فهؤلاء الشهداء أحياء ، ومازالوا دعاة ، يدعون الشباب إلى الاسلام ، والالتزام بـه ، ولكننا لانشعر بذلك ، سوى أننا نتأكد من وجود أيدي خفيـة غير ظاهرة دفعت الشباب والشابات في الجزائر نحو الالتزام بالاسلام ، كما تدفـع اليوم الشباب والشابات في سوريا إلى الالتزام بالاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة ...

[ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون ]

والحمد لله رب العالمين ...

الدكتور خالد الاحمـد

كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ