العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 15 / 10 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

إرادة التجديد في الخطاب الفكري والسياسي في سورية !.

من وجهة نظر فلسفية عابرة يمكن القول أن مفهوم الجديد والقديم على مستوى الفكر يلخصه قربه أو بعده من مصلحة الإنسان أي العدالة التي تلخص جدلية الحياة الإنسانية والصراع الأبدي بين الخير والشر , والتاريخ الإنساني مليء برموز كثيرة من كلا الإتجاهين , وعليه نريد القول أن التجديد مرتبط بإعادة الإعتبار للإنسان والبحث المستمرعن الوسائل التي تحفظ قيمته وكرامته وتطويرعلاقته مع محيطه الإجتماعي مبعدة ً قدر الإمكان التطرف والنزعة العدوانية ومحضرة ً قيم التسامح والتعايش بين المكونات الإجتماعية للمجتمع .

على هذه الأرضية نرجع قليلا ً إلى الفترة التي تلت حصول سورية على الإستقلال والتي تعتبر حالة نهوض فكري وثقافي وسياسي لم تدم طويلا ً, أنتجت كل الأحزاب والحركات السياسية التي نراها مع اشتقاقاتها وانشقاقاتها اليوم على الساحة السورية ,نضغط الزمن ونقف عند فتراته التي مثلت الحاضنة العامة للمستقبل ,وبقراءة بسيطة وسريعة لعلاقتها مع الواقع ومع بعضها نرى أنها اتصفت بخللا ً كبيرا أنتج الإستبداد وفرخ كل ماتعيشه سورية الآن من تخلف على كافة المستويات الفكرية والثقافية والسياسية والإنسانية والعلمية ...إلخ, والعلامة البارزة في ذلك هو حالة التصارع المقيتة التي كانت تحكم علاقاتها مع بعضها حيث الجميع يقرالآن أنها كانت غير مبررة .

وضمن تقييم الحالة الفكرية آنذاك التي كانت أقرب إلى السياسة نرى أن التيار القومي والتيار الديني والتيار الشيوعي المتصارعون كلهم قد اشتركوا بنسب متفاوتة في التأسيس لقدوم النظام الفردي , وبنظرة محايدة إلى كل الأطراف نرى بوضوح أن حملة الفكر آنذاك كانوا أبعد مايكونون عنه وأقرب إلى مشاريع سياسية هدفها الأول والأخير ليس هو التجديد الفكري والثقافي بقدر ماكان هدفها الوصول إلى الحكم على خلفية النزعة السائدة ضد الإستعمار والحفاظ على الهوية الوطنية والقومية  وتأسيس بداية مشروع تحرري طبع العالم كله في مرحلة التحررمن الإستعمار القديم ( باستثناء التيار الديني الذي كان ظلمه مركبا ً من كل الأطراف والظروف العامة , ولهذا حديث آخر).

هدفنا الآن هو ليس فتح مناحات ولاوصف انتصارات ولا اللوم وتوزيع التبريرات وواقع سورية اليوم لايسمح بمثل هذا السجال ,بقدر ماهو الوقوف على تلك المرحلة الخطرة التي أنتجت مابعدها وعشنا مرارته ونحاول أن نزيل بعض كوابيسه , لتكون أطراف المعارضة السورية على دراية بماضيها حتى لاتقع في نفس الحفرة مرتين , وعليه المطلوب فهم أفكاروآليات تلك المرحلة وأين الخطأ والصواب ,والتعامل مع الموضوع اليوم بشكل عقلاني يفيدنا في تحديد دور المعارضة السورية الآن وتفعيل قدرتها على التغيير الديموقراطي الذي تنادي به كافة  أطرافها.

المشكلة الأولى وهذا رأي قابل للنقاش أنها كانت : في الفكرة نفسها أولا ً , وفي عملية فهمها ثانيا ً, وفي العلاقة المتطرفة أو القدسية معها ثالثا ً, وفي فرديتها ونظرتها إلى الآخر رابعا ً, وفي آليتها السياسية خامسا ً,وفي عموميتها سادسا ً, وفي مثالية أهدافها سابعا ً, ً وفي توبة البعض من أفكارهم حاليا وأخيرا ً,وهذا الخليط المتناقض من الأفكار والبرامج والعقد الفكرية والسياسية هو الذي جعلها في معظمها هجينة غيرموضوعية  ولاتتجاوب مع معطيات الواقع المباشر الذي عاشه ويعيشه الشعب في سورية.

وبالمحصلة غلب على الفكر السياسي في سورية في تلك المرحلة التناقض بين المفهوم (الهيغلي ) و(الستاليني ) والإثنين معا ًعلى مستوى التعامل مع الفكر القومي والشيوعي وحوصر التيار الديني من قبل الإثنين معا ً وحصلت حالة الفراق والشقاق بين الحوامل الأساسية لفكرة النهوض الوطني الفكري والسياسي في سورية , وذهب كل منهما في طريق معاكس للآخر استنفذ طاقتهما معا ً وضعفا أو تهذبا إلى الحد الذي أهلهم إلى تبني الإستبداد أو التعايش معه .

والجدير ذكره هو أن كلا التيارين لم يستطعا أن يكتشفا العلاقة بين الواقع والتعبيرعن شكله الفكري والسياسي الذي هو فيه , وبالتالي كانت الأفكار والأدوات مجردة أو بعيدة عن الواقع ولاتعكس تفاعلاته الداخلية , فكانت رمزية إيديولوجية طغى عليها الفهم اللاهوتي المقدس وغرق الجميع في( فوبيا ) العشق الإيديولوجي لفكرته والكره بل محاولة القضاء على الآخر, وهم بالمحصلة عملوا على حرف وإضعاف مسيرة التجديد الفكري والسياسي في سورية سواء ً بوعي أو بدونه , وفاتهم أن التحولات الكبرى لكل أمة وشعب هي ليست عملية وصفية يطغى عليها الحلم وأحيانا ً الوهم بقدر ماهي واقع يجب الحوار على طريق فهم تناقضاته والإجابة العملية لها , وبتصالح مع واقع الحال وحتى في حالة عقم التاريخ والذاكرة الحضارية للأمة !!! يجب التفكير حتى ب (اختراع) البديل الفكري والسياسي المتجاوب مع مصلحة الشعب وأهدافه , لا التأسيس للصراع والإقتتال والسير فيه إلى نهاية الطريق الذي  أجهض مشروع نهضة بأكمله في ظروف دولية تتسارع فيها وتيرة النمو وامتلاك القوة ومفاتيح العصر.

وبالمقابل تعيش المعارضة السورية اليوم حالة مشابهة , بالأمس كانت تعيش حالة خروج الإستعمار القديم وأخفقت في القيام بمشروع نهضة تحرري تنموي , واليوم تعيش حالة خروج الإستبداد وعليها أن لاتخفق وتضل الطريق مرة ً أخرى لأن ماتبقى من مخزون فكري وعوامل قوة لدى الشعب بالكاد يقاوم هجوم التمزق والفناء المتعدد الأوجه والأدوات , وعليه المطلوب من كافة قوى المعارضة أن تخرج سورية من ثنائية الإستعمار والإستبداد إلى الديموقراطية التعددية ,وهذا لن يتم دون حسم أمورها على مستويين اثنين :

الأول - هو التخلي عن النزعة الحالمة بإزالة الإستبداد وتحقيق العدالة , بالرجوع إلى الواقع وفهم محدداته الثقافية والفكرية والدينية والتاريخية وأن يكون تأثرها بالفكر العالمي العولمي هذه المرة ليس النقل كما فعلت سابقا ً ودفعت ثمنه ودفع الشعب ثمنه المعروف أيضا ً,عليها الرجوع والإستماع إلى الواقع والسماح  له بأن يملي شروطه الفكرية والإجتماعية وتفهم حاجاته وأزماته العامة  وأن لاتملي عليه شروطها الجاهزة بل تحاول تحريك الشعب وفكره وثقافته إلى العصر والتجديد وتنشيط الروابط الفكرية من خلال التفاعل وليس الذوبان الذي يرافق تصدعات كبيرة في حياة الشعب لأن الشعب الذي يتصف بثقافة وحضارة وتاريخ ليس من السهولة الذوبان والتلاشي في كل مياه المشاريع التجميعية التي تشهدها اللحظة الراهنة وفي واقع المنطقة أمثلة صارخة .

والثاني - هو حسم أمرها بمسألة الديموقراطية ووضع أل التعريف لها والإعتراف الفعلي بالآخروالمقصود هنا الآخرالوطني الذي ينتمي إلى هذا الشعب ,وليس غريبا ً أن يقطع التيار الديني المسافة الأطول في سباق الإعتراف هذا , وهذا البعد هو الذي يجب أن يعطى الأهمية الكبرى لأن عملية التجديد والتطوير يصبح محركها الكل وليس الجزء وبهذا يكون المجتمع قادر على الحركة والتطور موحدا ً إلى الأمام .

بقي أن نقول : أن الحوارالقائم بين معظم أطراف المعارضة سواء ً كان علنا ً أم همسا ً ,مطلوب إعلانه وتطويره على أرضية الموقف المشترك وهو التغيير الوطني الديموقراطي السلمي , والكل يدرك أن سورية تعيش في القرن الواحد والعشرين وأن عملية التغيير الآن وفي الماضي وفي سورية وغيرها ليست معزوله عن تأثيرات المحيط الإقليمي والدولي , وكل تغيير لايمكن أن يتم خارج الزمن والتاريخ وموازين قواه الداخلية والخارجية , وعليه مطلوب أن تدفع وحدة المطلب الديموقراطي باتجاه توضيح حوامل التغيير وآليته وحسم الكثير من الخلافات الثانوية وإعطاء المستقبل الديموقراطي فرصته في المشاركة في حسم بعض الأمور التي تبدو الآن شبه مستعصية .

د.نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ