|
نشرنا
لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة
موافقتنا على ما فيه
الموقع
مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

سوريا
تحت حكم الأسد 1ـ4
-1
مقـدمـة:
كانت
سوريا مثل غيرها من البلدان العربية، تحت
ظل الخلافة العثمانية، وفي عام (1916م) وقعت
الحرب العالمية الأولى، وأعلن شريف مكة
يومذاك الشريف حسين بن علي الثورة العربية
الكبرى، ووقف العرب إلى جانب الحلفاء
(بريطانيا وفرنسا وروسيا)، ضد دول المحور
(ألمانيا وتركيا واليابان)، وفي عام (1918م)
دخلت الجيوش العربية ؛ الملحقة على جيوش
الحلفاء بقيادة فيصل بن الحسين، دخلت دمشق
وطردت الأتراك منها، وعرف الشعب ذلك العام
بعام (الشريف)، وقامت حكومة وطنية في
سوريا، كان وزير الدفاع فيها يوسف العظمة
يرحمه الله، وفي نهاية الحرب العالمية
الأولى تقاسم الحلفاء مناطق النفوذ في
مؤتمر سان ريمو، ثم في اتفاقية سايكس بيكو،
وكانت سوريا من نصيب فرنسـا، لذلك دخل
الجيش الفرنسي دمشق في تموز (1920م)، بعد
معركة غيرمتكافئـة، استشهد فيها وزير
الدفاع السوري يومذاك، في معركة ميسلون
غرب دمشق، وأبرز من قاتلوا واستشهدوا في
ميسلون من علماء المسلمين، الذين اعتقدوا
أن الاشتراك في ميسلون فريضة جهاد مقدسة،
يجب أن يؤديها المسلم ولو استشهد هناك،
ومنهم فضيلة الشبخ عبد القادر كيوان،
والشيخ كمال الخطيب، والشيخ محمد توفيق
الدرّا، والشيخ ياسين بن نجيب كيوان وكثير
غيرهم. ودخل(غورو) دمشق وذهب إلى قبر صلاح
الدين وقال أمامه: ها نحن عدنا ياصلاح
الدين([1]). وفر الأمير فيصل إلى العراق وعين
ملكاً عليه تحت الحماية البريطانية.
عاشت
سوريا ربع قرن تحت الانتداب الفرنسي، حيث
عسكرت القوات الفرنسية في الساحل السوري،
وعينت حكومات مدنية تدير شؤون البلد،
وواجهت فرنسا عدة ثورات متواصلة كان
أكثرها يخرج من المساجد بقيادة العلماء
المسلمين([2]).
وفي
عام(1945 م) أي في نهاية الحرب العالمية
الثانية جلت فرنسا عن سوريا، مخلفة وراءها
نواة للجيش العربي السوري، فيه ضباط
طامعون ومتطلعون إلى الحكم، اتخذوا الجيش
أداة للوصول إلى السلطة، يقول عنهم محمود
شاكر في التاريخ الإسلامي(10/200):(لم يكن
العثمانيون يسمحون لأهل الكتاب، ولاللفرق
الضالة بالالتحاق بالجيش؛كمبدأ إسلامي،
فلماجاء الفرنسيون فتحوا الباب على
مصراعيه لهذه الفرق فدخلته؛ رغبة في تحسين
أوضاعها المعيشية، وصار عندها طمع في
السيطرة على الجيش بل وعلى السلطة، وجاء
عهد مايسمى بالوطنية فسارعلى النهج
الفرنسي، وأبقوا الجيش مفتوحاً أمام هذه
الفرق). ويقول الدكتور نيقولاوس فان دام في
كتابه الصراع على السلطة في سوريا ص 51: (فضل
الفرنسيون تجنيدمختلف الأقليات الدينية
والعرقية كالدروز والإسماعيليين
والعلويين والمسيحيين والأكراد والشركس،
وسياسة التجنيد الفرنسية هذه اتبعت
تقليداً رسمته القوى الاستعمارية. وقد
دعمت العائلات العربية السـنية الثريـة
صاحبة الأراضي، وذات النشاط التجاري،
التي قادت الحركة القومية العربية أثناء
الاحتلال الفرنسي؛ دعمت بصورة غير مباشرة
الاتجاه نحو التمثيل القوي للأقليات في
الجيش السوري، وذلك برفضها إرسال أبنائها
للتدريب العسكري، حتى كضباط، كما احتقرت
في كثير من الأحيان الجيش كمهنة، واعتبرت
الكلية العسكرية بحمص -كما وصفها(باترك
سيل) مكاناً للكسالى، (الذين لم يحصلوا على
مجموع مرتفع في الثانوية يسمح لهم بدخول
الطب والهندسة) - أو المغمورين اجتماعياً.
وثمة عامل اجتماعي اقتصادي شجع أبناء
الأقليات (وخاصة العلويين)؛ على الالتحاق
بالجيش ألا وهو الفقر، حيث يعيش معظم
الأقليات في الريف أو الجبال التي لاتصلح
للزراعة).([3])
كمااستطاعت
فرنسا أن تحضر غير المسلمين في سوريا،
فنشرت المدارس بينهم، ومدت الطرق وأوصلت
الحضارة لهم فسبقوا المسلمين حضارياً،
وصاروا مؤهلين لوظائف الحكم والإدارة
والجيش في سوريا. وقدأكد الدكتور توفيق
الشاوي، في مذكراته التي نشرتها مجلة
المجتمع عام (1996م)، أن الاستعمار الأوربي
عامة والفرنسـي خاصة، ماكان يترك البلد
حتى يبني فيه ركائز من أنصاره يشغلون
وظائف الحكم والجيش والإدارة، ويتأكد من
إبعاد الإسلاميين عن ذلك كله.
قامت
حكومة وطنية سورية بعدجلاء فرنسا، استمرت
حتى عام (1949م) حيث وقع انقلاب حسني الزعيم،
وهو أول من فتح باب الانقلابات العسكرية
التي جرت الويلات على سـوريا. ولم يفتأ أن
قام بعده انقلاب سامي الحناوي - قائد لواء -
فـي (14/8/1949م)وقبض على حسني الزعيم ورئيس
وزرائه محسن البرازي وقتلهما، وسلم الحكم
للمدنيين، وأعاد الضابط أديب الشيشكلي
إلى القوات المسلحة بعد أن سرحه منهاحسني
الزعيم، وفي(17/12/1949) قام أديب الشيشكلي
بانقلابه الأول، ثم انقلاب الشيشكلي
الثاني (2/12/1951م)، ثم وقع انقلاب عسكري
بقيادة النقيب مصطفى حمدون أحد أنصار أكرم
الحوراني، وطرد الشيشكلي من سوريا
(25/2/1954م)، وقامت فيهاحياة نيابية برئاسة
شكري القوتلي([4])يرحمه الله، استمرت حتى
الوحدةمع مصرعام(1958م) وهذه الفترة هي
الفترة الذهبية في سوريا.
يقول
محمد عبد الرحمن الأنصاري في مؤلفه (تاريخ
سوريا الحديث)([5]).
(تكون
الجيش الوطني بعد جلاء القوات الفرنسية عن
أرض الوطن، من فلول الجيش المختلط والحرس
السيار، الذي كان تحت إمرة القادة
الفرنسيين مباشرة. وقد فضل الفرنسيون أيام
الانتداب تجنيد مختلف الأقليات الدينية
والعرقية:كالدروز والعلويين
والإسماعيليين والأكراد والشركس. فيما
يسمى بالقوات الخاصة للشرق الأدنى،
وتطورت فيما بعد لتصبح هي القوات المسلحة
السورية واللبنانية. ولم تشجع فرنسا
المسلمين السنة للانخراط في الجيش جرياً
على سياسةالمستعمرين " فـرِّق تســدْ
".
وقد
دعمت هذا الاتجاه، العائلات العربية
الثرية من أهل السنة بصورة غير مباشرة،
وذلك برفضها إرسال أبنائها للتدريب
العسكري في قوات لاح أنها تخدم المصالح
الفرنسية.
وثمت
عامل اقتصادي واجتماعي، دفع لبروز
الأقليات في الجيش، حيث أن المناطق
الريفية الفقيرة قدمت أبناءها لتوفر فرصة
جيدة للتمتع بحياة أكثر رفاهية، من تلك
التي يوفرها القطاع الزراعي، خلافاً لأهل
السنة من سكان المدن الكبرى، وقد تمتع
العلويون بأكثرية في الجيش منذ عام 1955،
حتى أن العقيد عبد الحميد السراج رئيس
مكتب المخابرات، قد اندهش لدى اكتشافه أن
مالا يقل عن 65 % من ضباط الصف، كانوا تابعين
للطائفة النصيرية، كما أن العائلات
المسلمة (السنية)مالكة الأراضي، كانت
تحتقر الجندية كمهنة، بسبب سيطرة العاطفة
الوطنية عليها، وتعتبر الانتساب إليها في
فترة ما بين الحربين العالميتين خدمة
للفرنسيين. لقد غفل اليمين المحافظ في
سوريا عن الجيش كقوة سياسية في ظروف نكبة
مهلكة، دمرت فيما بعد نفوذ العائلات
الاقطاعية وتجار المدينة. فمن هذا المزيج
تكونت القوات السورية الوطنية، وصدر بعد
ذلك قانون الخدمة العسكرية الإلزامية.
وقد
كان هذا الجيش الحديث النشأة والتكوين
يفتقر إلى الكثير من مقومات الجيش
الانضباطي، من تدريب وسلاح وروح معنوية
عالية... وهذه المواصفات، جعلت الجيش
السوري الناشئ مطية سهلة للمغامرين من
ضباطه، وكان سبباً من أسباب الشقاق
والتمزق داخل صفوفه، ومن ثم انشغاله عن
واجبه المقدس في حماية البلاد، والدفاع عن
حدودها، وزجه بعد ذلك في خضم السياسة
والنزاعات الحزبية والطائفية والعشائرية.
وخلاصة
القول: إن هذا الجيش الذي دُفع للقيام
بالانقلاب الأول، كان جيشاً ناشئاً،
ويعتبر إلى حد بعيد من بقايا الجيوش
المرتزقة أيام الانتداب الفرنسي الغاشم.
عهـد
الـوحـدة
كانت
الوحدة بين الأقطار العربية أملاًيظنه
العرب سهل المنال، فقد كانت هذه البلاد
دولة واحدة تحت الخلافة العثمانية، تتكلم
لغةواحدة، وتدين بدين واحد، ولاتوجد حدود
بينها([6])ولهاتاريخ واحد، لذلك فالوحدة
أمرحتمي، ومن أول الواجبات بعد
الاستقلال، وكان الحديث عن مقومات الوحدة
العربية الموضوع الأساسي؛في التاريخ
والتربية الوطنية والجغرافيا والأدب
والنصوص والتعبير والتربية الفنية، وكانت
جميع المناهج مركزة على بث روح الوحدة
العربية بين الناشئة، وتنمية
الشعورالقومي عندهم، حتى أفعم جيلنا
بالشعورالقومي العربي الوحدوي
لذلك
وضع حزب البعث العربي الاشتراكي([7]) الذي
أسسه ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي وصلاح
الدين البيطار وأكرم الحوراني، وصارالحزب
الأول يومذاك لأنه انتشر بين العمال
والفلاحين وصغارالمثقفين والكسبة، وضع
الهدف الأول من أهـدافه (الوحدة) وكان
أنصاره يهتفون (وحدة، حرية، اشتراكية)،
فالوحدة هي الهدف الأول، وهي الخطوة
الأولى التي تمكن العرب من التحرر فيتحقق
الهدف الثاني للحزب وهو الحرية، ولابد من
الوحدة العربية والتحرر من التبعية
الاقتصادية الاستعمارية لتقوم
الاشتراكية بعد ذلك.
وشدت
الاشتراكية العمال والفلاحين نظراً للبؤس
الذي كانوايعانونه، والظلم الذي
يتجرعونه، إذكانواأجراء يعملون
بمايقيتهم ويدفع عنهم غائلة الموت جوعاً،
أهملتهم الطبقة الواعيةوالمثقفة،
سوىالتفاتات نادرة جداً من بعض الدعـاة
الإسـلاميين مثل الدكتورمصطفى السـباعي
يرحمه الله، لم تدم طويلاً، وشاهدت أكرم
الحوراني عندمازار إحدى القرى، وأقام له
الفلاحون حفلة كبرى، وكم سمعت الفلاحين
يتباهون بأن الأستاذ أكرم سلم عليه وصافحه
بيده وهو يبتسم له، وقال له كلمات مداعبة
وصداقة، بينماكان المثقفون الآخرون
يأنفون من مصافحة الفلاحين.
ونشأنا
في جيل أتخم بالشعور القومي الوحدوي، ومن
المظاهرات التي أذكرها مظاهرة كبرى
عندماصرح الحبيب بورقيبة بأنه لامانع من
التفاوض مع الصهاينة، وكان الشعور والفهم
يومذاك أنه عندما تتوحد سوريا ومصر فقط
سوف نرمي الصهاينة في البحر ونحرر
فلسطين(كل فلسطين) منهم، بل يجب أن نحرر
عدة أجزاء مغتصبة من العالم العربي
منهاكماأذكر لواء اسكندرون الذي قطعه
الفرنسيون من سورياوأعطوه للأتراك، ومثله
كيليكيا وهي منطقة محاذية للحدود السورية
التركية، وعربستان التي أخذتها(إيران)،
وارتيريا التي استعمرتها الحبشة، وساقية
الذهب المستعمرة الإسبانية،
وطردبريطانيا من الخليج العربي،
أماالثورة الجزائرية فكنانعيش
أحداثهااليومية، وكان جمع التبرعات
شهرياً على الأقل لها، ولماتحررت الجزائر
صرنانهتف (العيد الجاي بفلسطين) أي سنحرر
فلسطين بعد أن حررت الجزائر، وكنا ـ معشر
الشباب ـ نعتقد ذلك واقعاً لامحالة، وكنا
نصدق الشعارات الكثيرة المطروحة على
الشعب، والتي تمنيه بالوحدة العربية
الكبرى، وكنا متأكدين أننا سنكون أقوى
دولة في العالم بعد أن تقوم الوحدة
العربية الكبرى.
عـهد
الانـفصـال (28/9/1961—8/3/1963):
منذ
السابعة صباح يوم (28/9/1961م) بدأت إذاعة دمشق
تبث الموسيقى العسكرية، ثم قطعت برنامجها
اليومي ليقول المذيع هنا دمشق إذاعة
الجمهورية العربية السورية، وقبل ساعات
كانت (المتحدة وليس السورية)، ثم قدم
المذيع نبأ الانقلاب العسكري الذي شكل
بموجبه مجلس عسكري قرر فصل سوريا عن دولة
الوحدة مع مصر، نتيجة التجاوزات والظلم
الذي وقع على الشعب السوري، كما قال
المذيع واستمرت الموسيقى العسكرية طوال
النهار، بينما تذاع برقيات التأييد من
الوحدات العسكرية.
كان
هذا النبأ مصيبة كبرى لمعظم الناس ـ وخاصة
الشباب ـ، وقوبل الانفصال برفض شعبي كبير
يمثله الشارع العربي الإسلامي الذي يرى
الوحدة من أساس دينه وعقيدته ([8]). حاول
عبدالناصر إرسال وحدات من القوات الخاصة
لإعادة الأمر إلى نصابه، ولكن
الانقلابيين السوريين كانوا قد
رتبواأمرهم عسكرياً، ويبدو أن النقمة على
المصريين في الجيش كانت منتشرة إلى حد
كبير. وقد استسلم حوالي (200) مظلي مصري
أنزلهم عبد الناصر في الساحل السوري، ثـم
تبين له عدم جدوى المحاولة. وقد تأكد
للسوريين (ومنهم كبارضباط السنة)بعد ربع
قرن أن ذلك اليوم المشؤوم ـ يوم الانفصال ـ
نذير شؤم كبير للمسلمين السنة في سوريا.
سنة
ونصف من الحريـة السياسية في سوريـا:
بدأ
الانفصال يوم (28/9/1961م) واستمر حتى يوم (8/
آذار/ 1963م) عاشت سوريا خلالها فترة نادرة
من الحكم النيابي، حيث عادت الأحزاب إلى
العمل السياسي العلني ومنها جماعة
الإخوان المسلمون([9]). التي فتحت مراكزها
في المحافظات، وعادت صحيفتها اليوميــة
(اللواء) إلى قرائها، وأجريت انتخابات
تشريعية نجحت فيها شرائح من الإخوان ومنهم
الأستاذ عصام العطار، والشيخ محمد علي
مشعل، والأستاذ طيب الخجا، والشيخ عبد
الفتاح أبو غدة، والدكتور نبيل صبحي
الطويل، وغيرهم وكانت كتلة الإخوان
وأنصارهم عشرين نائباً، ونجحت كذلك
مجموعة من الاشتراكيين (انقسم حزب البعث
العربي الاشتراكي إلى حزبين الأول سموه
الحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم
الحوراني وقد شارك في فترة الانفصال،
والثاني بقي في العمل السري وهو حزب البعث
الذي حكم سوريا بعد ذلك، ويبدو لي أن الهدف
من ذلك الانقسام التخلص من القيادات
التاريخية للحزب)، كما نشط الحزب الشيوعي
وعاد إلى العمل السياسي بزعامة خالد بكداش.
وانتخب الدكتور ناظم القدسي (من حزب الشعب
سابقاً) رئيساً للجمهورية، وكلف خالد
العظم برئاسة الوزارة، وكان معروف
الدواليبي من رجال الحكومة المرموقين.
واختفى
اسم المباحث أو المخابرات، وصارالطلاب
يكتبون على السبورة نكتاً ثقيلة جداً على
أعضاء الحكومة ؛ إذ أن التيار العام لدى
الشباب تيار وحدوي (ناصري)، وكان كل مواطن
يعبر عن رأيه بحرية تامة دون أن يحاسب.وقد
رأيت بعيني مرات عديدة سباً وشتماً يكتب
على السبورة ـ وكنت في دار المعلمين بحمص ـ
ضد رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء،
ناهيك عن الوزراء، ولم يصب أحد من الطلاب
بأذى.
ومما
يلفت النظر أنه وقعت معركة شرسة على
الحدود مع إسرائيل كانت في صالح سوريا
واستشهد فيها ضابط من آل الدباس، وقد غنم
السوريون([10]) عدة آليات من العدو عرضت في
ساحة المرجة بدمشق عدة أيام، وربما كانت
آخر معركة ينتصر فيها الجيش العربي
السوري.
(هذا
الموضوع جزء من كتابي سوريا تحت حكم الأسد)
-------------------
([1])
يقول شوقي أبو خليل: كان يوسف العظمة رحمه
الله متديناً محافظاً على صلاته وصومه،
ولما خرج إلى المعركة كان متأكداً من
استشهاده لذلك قال لساطع الحصري!!وهو
يودعه (إني أترك ابنتي الوحيدة ليلى أمانة
في أعناقكم)، انظر كتاب الإسلام وحركات
التحرر العربية لشوقي أبو خليل، ص 031.
وهناك من لايرى هذا الإخلاص موجوداً عند
يوسف العظمة، ومنهم محمود شاكر حيث يقول
في تاريخه 10 / 47: (وصلت أخبار زحف الجنرال
الفرنسي غورو على دمشق إلى الوزارة
السورية التي أعطت جوابها بقبول الإنذار
(الذي بعثه غورو لها للاستسلام)، فخشيت
عاقبة الأمر، وانطلق وزير الحربية (يوسـف
العظمـة) إلى ميدان المعركة تبرئة لسـاحة
الحكومة، وتوقف عند ضابط المدفعية (ملازم
أول استطاع إيقاف هجوم القوات الفرنسية)،
وسـأله عن الذي أعطاه أمر القتال!!؟ فماكان
من ذلك الضابط إلا أن أرداه قتيلاً، وكان
يوسف العظمة يهدده بمسدسه أيضاً، وتراجع
المدافعون وبرأت الحكومة ساحتها أمام
رعاياها المغفلين بأنها قادت المعركة،
ورثي يوسف العظمة بأحر القصائد وأصبح مع
الزمن كأنه حقيقة، وهو كذب وافتراء)،
والله أعلم. ويقول إحسان هندي في صحيفة
الثورة [السورية] (24/7/2006):
-وهكذا
التقت في مرتفعات ميسلون، وحول الموقع
الذي يحمل اسم(عقبة الطين) صباح يوم ا لسبت
الرابع والعشرين من تموز 1920 قوتان
ضخمتان:
1- قوة عربية قليلة في عددها وعتادها،
ولكن زاخرة بإيمانها ومعنوياتها، بقيادة
وزير الحربية في الحكومة العربية
السورية، يوسف العظمة، ويعاونه
الأميرالاي(العميد) حسن تحسين الفقير
كقائد ميداني. وتضم هذه القوة بقايا
اللواء العربي الأول، الذي سرح من الخدمة
مع بقية الجيش يوم 19/7/، 1920 ثم استدعي من
جديد على عجل يوم 21/7، ومعه نضيدتا
مدفعية(بطاريتان)، وسرية رشاشات، وسرية
استحكامات (هندسية)، وسرية هجانة، وبعض
المتطوعين المدنيين، وهذه القوة جمعاء
لايتجاوز عدد أفرادها 3000 رجل.
2- قوة فرنسية تتكون من الفرقة الثالثة
مشاة بقيادة الجنرال(غوابيه)GOYBET،
معززة بجميع الصنوف اللازمة للعمل في
الميدان، من مدفعية ودبابات وخيالة
وهندسة وسرية نقل وسرية إمداد وتموين،
بالإضافة لأربع طائرات، وتعدادها جميعاً
حوالى عشرة آلاف رجل.
-
واصطدمت هاتان القوتان في مرتفعات(عقبة
الطين) على جانبي الطريق العام
دمشق-بيروت.
وبعد
حوالى خمس ساعات من القتال المستميت غلبت
الكثرة الشجاعة، وسقط يوسف العظمة شهيداً
يعانق أرض الوطن ويروي ترابها بدمه،
وأصبحت ميسلون نجمة مضيئة في ملاحم
التاريخ، يتم تدريسها كرمز للممانعة،
وواجب الدفاع عن الوطن. لم يكن بد من
انتصار الجيـش الفرنسي على مجموعة من
المتطوعين، والجنود، استشهد معظمهم، مع
يوسف العظمة (وزير الدفاع يومذاك)، بعد أن
قرروا أن لايمر العدو إلا على أجسادهم،
فصمدوا وقابلوا الجيش الفرنسي بقليل من
العتاد... حتى تمكن الفرنسيون من الانتصار
عليهم، والدخول إلى دمشق، بعد أن مـر على
أجسادهم. ودخل الجنرال غورو دمشق.. وطلب من
الملك فيصل مغادرة سوريا ففعل، وغادرها
إلى أوربا...
([2])
انظر كتاب الإسلام وحركات التحرر
العربية، لشوقي أبو خليل، حيث ذكر أسماء
أربعة علماء استشهدوا في ميسلون. كما يبين
جهاد المحدث الأكبر بدر الدين الحسني
يرحمه الله، ويذكر عدداً من علماء دمشق
الذين شاركوا في الجهاد ضد الفرنسيين منهم
الشيخ علي الدقر يرحمه الله، والشيخ نجيب
كيوان، والشيخ محمد حجار، والشيخ موسى
الطويل، والشيخ محمد ديراني، الذي كان
يملأ النعش بالسلاح والذخائر، ويمشي خلفه
في الجنازة إلى المقبرة حيث تفرغ في أحد
القبور ليأخذها المجاهدون منه بعد
ذلك.والشيخ عبده البيتموني، ومحمد
البيتموني، والشيخ سعدي التغلبي، والشيخ
محمد جويجاتي، والشيخ صلاح الزعيم،
والشيخ عبد الحكيم المنير، والشيخ أمين
سويد، والشيخ محمد الأشمر، والشيخ
عبدالله الأفغاني وغيرهم كثير.
([3])
ــ وفي رأي الباحث هذه العوامل المذكورة
كلها عوامل ثانوية ساعدت على إذلال
المسلمين السنة وهم غالبية الشعب السوري،
ولكن العامل الأهم من ذلك كله هو جهل
المسلمين السنة بدينهم، فالعسكرية مفروضة
على المسلمين (ومن لم يغزو أو يحدث نفسه
بغزو مات على شعبة من نفاق)، والخدمة
العسكرية أو التطوع في الجيش من باب
الإعداد للغزو، كما جرهم الجهل بالاسلام
إلى تفرقهم شـيعًا وأحزاباً ؛ مما سهل على
أعدائهم التغلب عليهم.
([4])
ـ الرئيس السوري الوحيد الذي ترك كرسي
الرئاسة بإرادته، وقد تركه لجمال عبد
الناصر عندما قامت الوحدة.ومات في أحد
مشافي لبنان، وعجز أولاده عن دفع تكاليف
المستشفى ؛ فسددها الملك فيصل بن عبد
العزيز يرحمه الله
[5]
ـ نشر هذا الكتاب في مجلة العصر
الالكترونية، وحصلت عليه من الانترنت
(2004)، ووزعت منه بضع نسخ على كبار الإخوان،
بعد أن صاروا يطلبونه مني....
([6])
ــ حدثني والدي يرحمه الله أنهم كانوا
يذهبون إلى الرطبة (الآن في العراق) يشترون
التمر، ويذهبون إلى حيفا ويافا للعمل في
مزارع البرتقال، ويذهبون إلى معان (الأردن
حالياً)، وطرابلس (لبنان) ولايحملون
جوازاً للسفر، ولا حتى بطاقة أحوال مدنية،
وكانت بلاد الشام (سوريا وفلسطين ولبنان
والأردن) بلداً واحداً بكل ماتعنيه الكلمة
حتى الربع الأول من القرن العشرين
الميلادي، ثم مزقها الاستعمار الغربي
الحديث إلى هذه الدويلات الحالية.
([7])
ـ يقول محمود شاكر في التاريخ الإسلامي
10/210: بدأت جذور حزب البعث تظهر بلقاءت بين
ميشيل عفلق النصراني وصلاح الدين البيطار
الذين جمعهمها التدريس في التجهيز الأولى
بدمشق ـ والأصح عندي أنهما درسا معاً في
السوربون، كما قال لي أحد العرب
الجزائريين كان طالباً معهم يومذاك ـ
ومعهم زكي الأرسوزي العلوي (من اسكندرون)،
(وأحسن كتاب يوضح نشوء البعث كتاب سامي
الجندي)، وكانت تطرح فكرة القومية في
لقاءاتهم، والقومية لاتتفق مع العقيدة
الإسلامية بل تختلف معها، وقد جمعهم الحقد
على الإسلام، ولم يقبل على الفكرة سوى بعض
النصارى من أصحاب عفلق، وأصحاب البيطار
مثل عبد الحليم قدور من قارا، ثم برز الحزب
بعد جلاء فرنسـا التي كانت تباركه، واتخذ
له مقرًا في دمشق، في القنوات، وأصدر
صحيفة البعث في عام 1946م، ثم عقد أول مؤتمر
له في (7/4/1947م)، ثم اعتقلهم حسني الزعيم،
وأفرج عنهم سامي الحناوي فعادوا إلى
مزاولة نشاطهم، ودخلوا الانتخابات وفازوا
بثلاثة مقاعد، وأقبل أبناء الأقليات على
حزب البعث، وصار منافساً للحزب القومي
السوري والحزب الشيوعي في جذب الأقليات،
وفي هذه الأثناء كان أكرم الحوراني يلازم
زعيم الكتلة الوطنية في حماة توفيق
الشيشكلي، ثم اتصل مع القوميين السوريين،
ثم انفرد لوحده وتقرب من حسني الزعيم، ومن
سامي الحناوي، فأسندت إليه وزارة
الزراعة، فاتصل مع فلاحي ريف حماة، وأحكم
صلته معهم، وأسس حزبه العربي الإشتراكي،
ونجح في الانتخابات النيابية، وأسندت له
وزارة الدفاع، وهي ماكان يطمع فيها فأحكم
صلته مع الضباط، وبعد أن اختلف مع أديب
الشيشكلي، سمح لهم الشيشكلي بالعودة، فتم
اتحاد حزبه (العربي الاشتراكي) مع حزب
البعث، في حزب واحد هو حزب البعث العربي
الاشتراكي، وأصبح أكرم الحوراني الزعيم
السياسي للحزب، بعد أن نجحت قائمته كاملة
في انتخبات (1955م) وبقي ميشيل عفلق الأب
الروحي للحزب وفيلسوفه، وهكذا تكامل
الحزبان، فقد جذب حزب البعث الأقليات، كما
جذب الحزب العربي الاشتراكي الفلاحين
خاصة في ريف حماة والمعرة، حيث يوجدكبار
الملاك، فاستغل الحوراني ذلك ودعا إلى
الاشتراكية، وكان انقلاب مصطفى حمدون وهو
من تلاميذ أكرم، فزادت قوة الحزب بالجيش،
وصار لهم تنظيم عسكري يقوده حمدون وعبد
الغني قنوت، وبرز أكرم الحوراني في
الانفصال، وانشق الحزب بين أكرم الحوراني
وصلاح الدين البيطار الذي ركب موجة
الناصرية) ـ انتهى كلام محمود شاكرـ، ثم
كان انقلاب الثامن من آذار، حيث طرد أكرم
الحوراني وميشيل عفلق من الحزب، واستطاع
العلويون خلال سبع سنوات (63ـ 1970) أن
يسيطروا على الحزب بعد أن سيطروا على
الجيش، ثم آلت السلطة إلى أسرة حافظ
الأسد). ومن المفاهيم الأساسية للحزب أن
الإسلام أدى دوراً حضارياً وحدوياً للعرب
قبل أكثر من ألف عام، ثم انتهى هذا الدور،
ولابد للعرب ـ إذا أرادوا التقدم واللحاق
بركب الحضارة ـ من التحرر من كل ماهو قديم
ـ بمافيه الدين ـ وأن يأخذوا الفكر القومي
الاشتراكي العلماني كي يلحقوا من سبقهم من
الأمم. وسبب تخلف العرب ـ في رأي الحزب ـ هو
تمسكهم بالإسلام.وقد تبين من خلال مسيرة
الحزب أنه يدعو إلى عكـس مايفعل تماماً
فقدد دعا إلى الوحدة، وهاهو يحكم سوريا
والعراق منذ أكثر من ربع قرن، وقد حفر
النظام الأسدي، خندقاً على طول حدودهم مع
العراق، ولم يفعلوا ذلك مع إسرائيل. ودقوا
أسافين الفرقة بين أبناء الوطن الواحد،
وأحيوا الطائفية وأصلوها حتى صارت بدهية
متعارفاً عليها.ودعوا إلى الحرية وهاهم
يحكمون بالأحكام العرفية منذ عام (1963)
عندما استلموا الحكم في سوريا، وبنوا من
السجون أكثر من الجامعات، وقتلوا من شعبهم
أكثر ماقتله أعداؤهم بآلاف المرات، ودعوا
إلى الاشتراكية وسـرقوا أموال الشعب، حتى
صار آلاف من كبار أعضاء الحزب والجيش
والمخابرات من كبار الرأسماليين في
العالم، يملكون العمارات الضخمة في لندن
وباريس وواشنطن، كما يملكون أساطيل النقل
البحري، وأفقروا الشعب حتى صار ذليلاً
يبحث عن لقمة عيشه بين فتات موائدهم.
وأفقروا الموظفين حتى جعلوهم يطلبون
الرشـوة علناً من المواطنين المراجعين
ومن غير المواطنين، حتى صارت سوريا مضرب
المثل في الرشـوة.
ويقول
محمد عبد الرحمن الأنصاري عن حزب البعث
مايلي:
شكله
ميشيل عفلق وصلاح البيطار عام 1947م، وهو
حزب علماني جعل شعاره (وحدة - حرية –
اشتراكية) و(أمة عربية واحدة ذات رسالة
خالدة). وركز في ممارساته على الهجوم على
الأحزاب التقليدية، والحزب يدعو إلى
الانقلاب الشامل في المفاهيم والأفكار
والعقائد والقيم، لصهرها وتحويلها إلى
التوجه الاشتراكي. وحينما توصل إلى الحكم
اصطدم مع الواقع، وتنكر لشعاراته
ومبادئه، وخاض صراعاً ضد قياداته
التاريخية وزج بهم في السجون، أو صفّاهم
على أيدي الرفاق، والحزب يعتبر أن الإسلام
ما هو إلا مرحلة من مراحل التعبير القومي
ليس إلا، كان ميشيل عفلق من نصارى سوريا،
من مواليد دمشق عام 1910 م، درس في باريس
دراسته الجامعية، والتقى مع صلاح البيطار
خلال دراستهما هنالك، وتشربا الروح
القومية السائدة في أوروبا، وتعاهدا على
العمل معاً، ثم عادا إلى سوريا عام 1933م،
يحملان الأفكار القوميةالغربية،
ليطبقاها في ديار الإسلام... وقد ساهم في
تأسيس الحزب أيضاً، جلال السيد وزكي
الأرسوزي ثم اندمج حزب البعث، والحزب
العربي الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني،
في حزب واحد سمي " حزب البعث العربي
الاشتراكي " وذلك في عام 1953م، وأصبح
للحزب أدوار فاعلة في الانقلابات
والحكومـات التي تعاقبت على سوريا،
وانغمس في صراعات حزبية وطائفـية جرّت على
البلاد الويلات. ويمكن أن نلخص أبرز مبادئ
الحزب وعقائده فيما يأتي:
-
إن الحزب يجعل الاشتراكية ديناً
والعلمانية اللادينية مسلكاً ومنهجاً،
وكان من أبرز أهدافه فصل الدين عن شؤون
الحياة، وعن قضايا الحكم والسياسة.
-
ويجعل الرابطة بين العرب هي رابطة الدم
واللغة والتاريخ والأرض، ويلغي رابطة
الدين، بحجة أنها تمزق الأمة.
-
ويعتبر أن الإسلام مجرد قيم روحية، وشعائر
للعبادة، لمن أراد ذلك.
-
والحزب يتابع خطوات الماركسيين في
الأفكار والممارسات العملية، والخلاف
بينهما، أن الماركسية أممية، أماالبعث
فقومي، وما عـدا ذلك فإن الأفكار
الماركسية تمثل العمود الأساسي في فكر
الحزب ومعتقـداته.
([8])
وعلى الرغم من الحرية السياسية التي ظللت
سوريا خلال عهد الانفصال، وعودة الإخوان
المسلمون إلى نشاطهم العلني الدعوي
والسياسي، وعلى الرغم من بطش عبد الناصر
بالإخوان ؛ مع ذلك كله رفض الإخوان
المسلمون التوقيع على وثيقة الانفصال،
لأن الوحدة مبدأاستراتيجي من مبادئ
الإخوان، وقبلوا بالخسارة السياسية
والدعوية التي توقعوها بسبب رفضهم ذلك
التوقيع، لأن مبدأ الوحدة عندهم لايقبل
المساومة. وهذا من الأدلة على أن السياسة
في الإسلام سياسة مبادئ لاسياسة مصالح،
بينما كان حزب البعث العربي الاشتراكي من
أوئل المموقعين على وثيقة الانفصال، لأن
سياسته تقوم على المصالح ولاتقوم على
المبادئ.
([9])
تأسست جماعة الإخوان المسلمون في سوريا
عام (1945م) عندما اندمجت خمس جمعيات إسلامية
من خمس محافظات كبيرة تحت إمرة الشيخ
الدكتور مصطفى السباعي يرحمه الله، وقد
كان المؤسسون لها على رأس الثورات الشعبية
ضد الفرنسيين، ثم تعايش الإخوان مع الحكم
الوطني، وجاهدوا في فلسطين (1948م)، وانتخب
السباعي وعمر بهاء الدين الأميري ومحمد
المبارك للمجلس النيابي عام (1947م) وتقلد
محمد المبارك وزارة الأشغال العامة، وبنى
ميناء اللاذقية، واستمرت الجماعة في
نشاطها العلني ونصح الحكام، وبث مفهوم
الإسـلام الشـامل كما أنزله الله عزوجل في
الكتاب والسنة، ومحاربة الإلـحاد
والماركسـية والعلمانية، وقد عاشـت عهداً
ذهبياً (1945ـ 1958 م) حيث عاشت سوريا في ظل حكم
ديموقراطي إلى حد كبير، ومارست نشاطاً
تربوياً وإعلامياً وسياسياً، وهذا هو
منهجها الذي رأته من أجل إعادة المسلمين
إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في حياتهم.
ثم حلت الجماعة نفسها استجابة لقرار عبد
الناصر القاضي بحل الأحزاب كلهاعند قيام
الوحدة، ثم عادت إلى العمل السياسي
والدعوي المكثف والجاد خلال فترة
الانفصال، ثم دخلت مرحلة العمل السري
والصراع الأمني مع حكومة الأسد منذ عام
(1963م) ومازالت حتى تاريخه. وقد تطورت
الجماعة سياسياً وتنظيمياً إلى درجة جيدة
خلال العقدين الماضيين، عندما فرضت عليها
حكومة الأسد صراعاً مسلحاً وسياسياً
وإعلامياً، وتقترب حالياً من الحزب
السياسي المنظم الذي يعمل وفق خطة زمنية
وبرنامج محدد، من أجل إقامة المجتمع
المسلم والدولة المسلمة بالطرق السلمية
المشروعة.
يقول
محمد عبد الرحمن الأنصاري: أما جماعة
الإخوان المسلمين، فقد أسست في مصر عام
1928م وتبنت مبادئ الإسلام، ساعية لإنشاء
الدولة الإسلامية، وقد ظهر الإخوان بشكل
رسمي في سوريا في أيلول 1946م، [ الأصح 1945]،
وأثار نجاحهم المتواضع في الانتخابات
السورية قلقاً كبيراً في أوساط
العلمانيين وفي المؤسسات الغربية، ثم
ظهروا ثانية في الانتخابات النيابية عام
1949م، في أعقاب الإطاحة بحسني الزعيم،
وكانت الجماعة بقيادة مؤسسها الدكتور
مصطفى السباعي، وكانت كتلتها في البرلمان
تحمل اسم الجبهة الاشتراكية الإسلامية، [
وذلك بسبب تحالفها مع حزب البعث ضد
الشيوعيين ]، وقد طالبت هذه الجبهة بإجراء
إصلاحات اجتماعية، وباتخاذ موقف مناوئ
للغرب، إضافة إلى المطالبة بتحكيم
الشريعة الإسلامية). وكان شعارها وشعار
الإخوان عموماً يتمثل في نداء: (الله أكبر
ولله الحمد) و(الله غايتنا والقرآن
دستورنا ومحمد زعيمنا والجهاد في سبيل
الله أسمى أمانينا).
([10])
وهذه آخر معركة انتصر فيها السوريون
عسكريًا ـ في نصف القرن الماضي ـ قبل أن
يخرب الأسد الجيش السوري، وكان بطلها
الملازم أول محمود الدباس يرحمه الله،
إسلامي من دمشق.
==============================
سوريا
تحت حكم الأسد (2)
النظام
الأسدي([i]) يحكم
سوريا
خلال
فترة الوحدة تشكلت خلية حزبية سرية من
البعثيين. رفضت قرار حل الحزب، ضمت كلاً من
صلاح جديد، وعبد الكريم الجندي، ومحمد
عمران، وحافظ الأسد، وأحمد المير، عرفت
باسم اللجنة العسكرية، وكان بداية
تشكيلها في مصر، حيث نقلوا يومذاك خلال
الوحدة، قامت هذه المجموعة بطرد أكرم
الحوراني وكبار قادة الحزب المؤسسين،
بحجة موافقتهم على الانفصال، ثم نظمت
كثيراً من الضباط العلويين والدروز
والإسماعيليين([ii])،
وتمكنت من دفع زياد الحريري(حموي لاانتماء
له) إلى أن يقوم بانقلاب عسكري صبيحة يوم
الثامن من آذار ويستلم الحزب السلطة في
سوريا. وبقيت هذه المجموعة في الظل، بينما
استدعت ضابطاً كبيراً من ذراري السنة هو
محمد أمين الحافظ، لتجعله رئيساً لمجلس
الرئاسة، كما وضعت عدداً من الضباط الكبار
ذوي النزعة الوحدوية، دون أن يكون لهم
تنظيم سياسيي مثل راشد القطيني ولؤي
الأتاسي وغيرهم، وتبين بعد أربعين سنة أن
لولب اللجنة العسكرية هو حافظ الأسد، لأنه
كان يعمل بصمت من وراء أعضاء هذه اللجنة،
ويضرب بعضاً ببعض آخر، حتى تخلص من جميع
رفاقه في اللجنة العسكرية، وأخيراً انفرد
بتملك سوريا له ولأولاده بعده.
وكان
أول إجراء يقوم به حزب البعث لدى تسلم
السلطة هو تسريح الضباط الدمشقيين (قادة
الانفصال) وأتباعهم من الضباط الصغار
وكلهم تقريباً من المسلمين السنة. واستدعت
هذه الخلية السرية الضباط الاحتياطيين من
العلويين والدروز والاسماعيليين. ومن
العجيب أنهم سرحوا من الجيش معظم طلاب
الضباط من الكلية العسكرية، وطلبت دفعة
مستعجلة من الكلية العسكرية كان معظم
أفرادها من هذه الفئات المذكورة، ومنهم
رفعت الأسد.
حركة
جاسم علوان
كنا
نظن أن انقلاب الثامن من آذار وحدوي،
وخاصة بعد أن أعلن عن قيام الاتحاد
الثلاثي بين سوريا ومصر والعراق، بعد فترة
وجيزة من الانقلاب، وقد سبق البعثيون
العراقيون رفاقهم السوريين فاستلموا
الحكم بانقلاب عسكري يوم (8 شباط 1963م). ولكن
مما لفت النظر أن سوريا لم تسمح للطائرة
المصرية التي نقلت عدداً من كبار
السياسيين السوريين الوحدويين(الناصريين)
الذين كانوا في القاهرة خلال فترة
الانفصال، لم تسمح لهم بدخول سوريا فعادت
الطائرة بعد أن زودت بالوقود.
لذا
قامت مجموعة من الضباط
الوحدويين(الناصريين)بمحاولة انقلاب
عسكري في دمشق في وضح النهار يوم (17 تموز
1963م)، قادها العقيد جاسم علوان (من دير
الزور)، وساعده فيها العقيد محمد الجراح،
وقبل أن تتمكن من تسلم الإذاعة انقض عليها
اللواء المدرع السبعون ودارت معارك على
مشارف دمشق وداخلها أيضاً نهاراً،
وانتشرت جثث القتلى في الشوارع، ففشل
الانقلاب لأن هذه الخلية البعثية السرية
(اللجنة العسكرية) تمكنت من اختراق هذا
الانقلاب عبر جاسوسهم الرائد محمد
النبهان الذي كان من قيادة
الانقلاب(صورياً)، وقد حوكم محاكمة صورية
مع جاسم علوان ومحمد الجراح، وأعدم العقيد
هشام شبيب من سلاح الإشارة، والمساعد بحري
كلش، ويبدوا أنهما رأس حربة تنفيذ
الانقلاب، وقد ترأ س المحكمة العسكرية
المقدم صلاح الضللي من دير الزور، وتشبث
البعثيون بالحكم، واستفادوا كثيراً من
هذه الحركة حيث سرحوا دفعات كبيرة من
الضباط الناصريين ومعظمهم أو كلهم من
المسلمين السنة، واستدعي ضباط احتياط من
العلويين والدروز والإسماعيليين ليشغلوا
أماكنهم.
وسوف
نرى أن الخطة التي وضعتها تلك الخلية
السرية القيادية لحزب البعث([iii]) [ والأفضل أن
نقول حافظ الأسد ] تقضي بتصفية الجيش من
الضباط غير البعثيين أولاً ومعظمهم من
السنة، ثم تصفيته من البعثيين السنيين بعد
قيام حركات التصحيح داخل الحزب نفسه، حتى
يصبح معظم ضباط الجيش من الفئات التي
تشكلت منها تلك الخلية السرية، ثم تأتي
المرحلة الأخيرة وهي تسريح الضباط
البعثيين غير العلويين، ثم سرح بعض الضباط
العلويين (أنصار صلاح جديد)، وقد نفذ هذا
المخطط إلى أبعد مما رسم له، وصار معظم
ضباط الجيش من العلويين فقط([iv])،
ومن المخلصين لعائلة الأسد، كماتدل حادثة
مدرسة المدفعية في حلب على ذلك([v]).
حركة
مروان حديد في حماة
ولد
مروان خالد حديد في حماة عام (1934م)، في أسرة
مستورة الحال، وكان المولود الرابع فيها،
أخوه الأكبر محامي، وله أخ ضابط كبير في
الجيش، ووالده مستثمر في الزراعة، ويقال
أن مروان كان في شبابه عضواً فعالاًفي
الحركة الاشتراكية، حيث معظم أسرته منها.
التزم
مروان بالحركة الإسلامية([vi])،
عندما رأى أخاه الكبير فرحاًيقول: قتل
اليوم أخطر رجل على الأمة العربية فسأله
مروان من هو؟ فقال:حسن البنا شيخ الإخوان
في مصر، يقول مروان فتتبعت الخبر من
الراديو، ثم وجدت نفسي تحت وطأة خاطر ملح
يدعوني للتعرف على فكر هذا الرجل، فقرأت
رسائله وذهبت إلى مسجد السلطان لأستمع إلى
الشيخ محمد الحامد، وأتبين حقيقة دعوة
البنا، وكان التحول من العماية إلى الهدى،
ومن الضلال إلى الرشاد.
ثم درس
مروان الهندسة الزراعية في جامعة عين شمس
بالقاهرة، وهناك عايش الإخوان المسلمين
في نضالهم السري خلال عهد الوحدة، ثم عاد
بعد تخرجه في عام (1961م) إلى حماة، ومع أن
بكالوريوس الزراعة شهادة نادرة أنذاك
وفرص العمل متوفرة جداً ؛ وعرض عليه محافظ
حماة بل ألح عليه عام (1964 وهو الأستاذ عبد
الحليم خدام)وظيفة مرموقة؛ إلاأنه أصر على
أن يفرغ نفسه للدعوة وتربية الجيل المسلم،
فأصلح مسجداً صغيراً جوار بيته في أول حي
البارودية بالحاضر في مدينة حماة، وجعله
مقراً لنشاطه التربوي والدعوي، وقد رسم
على باب المسجد سيفين متقاطعين بينهما
مصحف (وهو شعار الإخوان المسلمين). وشارك
أحدالأخوة في مزرعة ومدجنة، كان مروان
يقدم له إستشارات فنية بحكم دراسته، ويعيش
من حصته في هذه المزرعة، وقد تخفف من أعباء
الحياة فعاش عزباًطوال حياته يرحمه الله.
وفي عام (1972م) أرسل له رفعت الأسد رسالة مع
السيد عبد المجيد الزعيم (من وجهاء
الحمويين) يعرض عليه منصباً مرموقاً في
السلطة براتب عال، وكان رد الشيخ مروان
يرحمه الله:(إن المناصب أوساخ من حكام
الدنيا نطؤها بأقدامنا، ولاحاجة لي بذلك
وكل الذي أريده وأطلبه هو الحكم بالإسلام).
ويقال أنه كتب له الجواب على خلف ورقة
رسالته يقول فيها: الدنيا جيفة وطلابها
كلاب، احكم يارفعت بالاسلام وأنا جندي
عندك، فغضب رفعت وأمر بقتله، ولكن الله
ألهم مروان ففر من حماة قبل أن يصلواإلى
بيته.
ولم
يقصر دعوته على المسجد بل كان يزور الناس
في عملهم، وفي بيوتهم أحياناً ليدعوهم إلى
الالتزام بدين الله عزوجل، وصار يعلن أن
(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). لذلك
تم اعتقاله للمرة الأولى (1963م)، بعد أن خطب
في المسجد وهاجم الحكومة؛ لأنها تعمل على
إظهار الفساد ونشره بين الشعب السوري
المسلم، وطالبها بالحكم بما أنزل الله.
ولم تدم فترة اعتقاله سوى أيام معدودة.
كان
مروان يرحمه الله طويلاًجداً قوي البنية،
ومع هذا فقد أعفي من الخدمة العسكرية،
لذلك سجل في قسم الفلسفة بكلية الآداب في
جامعة دمشق وتخرج منها عام 1969م، وكان جسمه
الفارع ولباسه(الثوب والعباءة والعمامة)
يجعلانه شخصية مميزة تشير للناظرين كأن
رجلاً من عهدالأمويين مازال يعيش بيننا،
لذلك كان طلاب وطالبات الجامعة يقفون
مندهشين كلما مرمن ممرات الجامعة([vii]).
وبعد تخرجه من الجامعة كان يعرض نفسه على
المدارس الخاصة ليعمل فيها مدرساًللتربية
الإسلامية أو الفلسفة بدون راتب، لكن لم
يسمح له أحد بتحقيق هذه الرغبة يرحمه الله.
كان
مروان يختلف مع جماعة الإخوان المسلمين في
معالجة الوضع الراهن في سوريا، فأسلوب
الإخوان المسلمين كماهومعروف لدى القاصي
والداني الدعوة إلى الله بالحكمة
والموعظة الحسنة، وتربية الفرد المسلم،
فالأسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم ثم
تقوم عندئذ الدولة المسلمة، وسبيلهم الى
إقامة هذه الدولة العمل التربوي ثم
الإعلامي ثم السياسي، من خلال
الديموقراطية والمجالس النيابية وصناديق
الاقتراع([viii]). أمامروان
يرحمه الله فقد كان يتفق مع الجماعة قبل
ربيع عام (1964)، وكان مفعماً بالعمل
السياسي، لذلك قرر - بدون موافقة الجماعة -
أن يعتصم بمسجد السلطان في حماة، مع
مجموعة من الطلاب، ليحث أهالي حماة على
الإضراب، ثم ينتشر الإضراب في جميع
المحافظات، وتسقط حكومة البعثيين، وشهادة
للتاريخ كان مروان يرحمه الله يسميها
حكومة(النصيريين)، واعتمد على أن الإضراب
الستيني زمن الانتداب الفرنسي أسقط
الحكومة يومذاك، كما أنه اعتمد على أن
الجيش الفرنسي لم يدخل المساجد أبداً،
لذلك ظن مروان يرحمه الله أن المسجد يوفر
له ملاذاً آمناً يدعو منه الحمويين إلى
الإضراب، وهذا كما تعلمون عمل سياسي، لأنه
رأى سوريا مهددةمن قبل الأقليات
غيرالمسلمة، وأن الزمن في صالح أعداء
الإسلام، وأن (النصيريين) سيحاربون
الإسلام جهراًعندما يتمكنون، لذلك يرى
مروان ضرورة القيام بعمل سياسي عاجل؛ من
أجل إسقاط الحكومة، والعودة بالبلاد إلى
النظام الديموقراطي، واعتقد مروان أن
الإضراب السلبي حيث تتعطل دوائر الحكومة
والأسواق والمدارس والجامعات عن
العمل؛كفيل بإسقاط الحكومة إذاشاركت فيه
معظم محافظات سوريا، كما فعل السوريون
خلال الانتداب الفرنسي في إضراب الستين
يوماً، وقد غيرواالحكومة المعينة من قبل
المستعمر يومذاك بحكومة أخرى شارك الشعب
في تكوينها.
أصر
مروان على مخططه، ودعا الله أن يشرح صدور
الإخوان لما شرح له صدره، وقرر أن يعتصم مع
مجموعة من الطلاب في مسجد السلطان([ix])
ويدعو الناس من مذياع المسجد إلى الإضراب،
ويبين لهم خطر البعثيين وحقدهم على
الإسلام والمسلمين. وفي أحد أيام
آذار(1964م)انتقل مروان مع مجموعة من طلاب
المدارس الإعدادية والثانوية إلى مسجد
السلطان واعتصموا به.
وصلت
حماة إلى حالة من التوتر بعد أن حصلت
مشادات بين الطلاب في ثانوية الصناعة،
انتهت إلى اعتقال أحد الطلاب
الإسلاميين؛لأنه كتب على السبورة قول
الله عزوجل (ومن لم يحكم بماأنزل الله
فأولئك هم الكافرون)، وذلك استجابة لتحدي
الطلاب البعثيين الذين يكتبون كل يوم على
السبورة المقولة التي تكررها وسائل
الإعلام الأسدية وهي (الرجعية أخطر من
إسرائيل)، ويجب القضاء على الرجعية أولاً
ثم إسرائيل ثانياً، لذلك كتب الطالب
الإسلامي تلك الآية كاستجابة لذلك التحدي.
وخرجت المدارس الثانوية بإضراب بدأته
ثانوية عثمان الحوراني في الحاضر، حيث
يكثرتلاميذمروان، ضد اعتقال ذلك الطالب،
وتدخل الجيش ضد هذه المظاهرة التي كانت
تهتف هتافات معادية لحزب البعث مثل (لا إله
إلا الله، والبعث عدو الله)، فأطلق الجيش
النارعلى أحد الهتافين وقتله (وهوسميرجواد
يرحمه الله)فتفرقت المظاهرة، والتهبت
المشاعر، وطوق الجيش مدينة حماة، وفي
اليوم التالي اعتصم مروان في المسجد.
البعثيون
يهدمون مسجد السلطان بالدبابات
عندماوضع
مروان خطته ورأى أن يعتصم بالمسجد؛ ظناً
منه أن المسجد مكان آمن يحميه، ولأن الشعب
السوري فهم من خلال جهاده ضدالفرنسيين، أن
الجيش لايدخل المساجد، ومن البدهيات
المنتشرة بين الشعب قبل حكم البعثيين أن
الجيش والشرطة لايدخلون المساجد إلا
للصلاة فيها، ولايدخلون الجامعات
أوالمدارس، وإذاأرادت الشرطة القبض على
مدرس فإنها تبحث عنه خارج المدرسة،
ولايجوز لهاأن تقبض عليه في المدرسة
للأثرالسيئ الذي يتركه ذلك المنظر في نفوس
الناشئة من الطلاب، وقدأثبت البعثيون أن
هذاكله غير صحيح في منطقهم.
وكلفت
القيادة القطرية اللواء(45) مشاة آلية
بقيادة العقيد الدرزي حمد عبيد أن يتحرك
إلى مدينة حماة، ليطوقها ثم ينفذ الأوامر
التي تعطى له هناك ([x]).
كان
الثوار السوريون يضربون الجنود
الفرنسيين، ويفرون أمامهم حتى إذا أصر
الفرنسي على متابعتهم دخلوا في أول مسجد
يقابلهم، فيصل الفرنسي إلى باب المسجد ثم
يقف متألماً ليعود من حيث أتى.
تكلم
مروان في إذاعة المسجد، ودعا أهالي حماة
إلى الإضراب ومقاطعة هذه الحكومة
الكافرة، وأقيمت حواجز في الشوارع ؛
بعضهامحمي بنار القناصة([xi]).
وصل
اللواء (45) إلى حماة وفور وصوله دمر مدرسة
قريبة من مسجد السلطان ليسهل عليه اقتحام
المسجد من جهتها، كما حاول اقتحام المسجد
من بابه الغربي (عند سوق الحدادين)، ولما
تبين له صعوبة ذلك، توجه نحو الباب الشرقي
لاقتحام المسجد، ويتضح من هذا الفعل أنه
جاء مصراً على دخول المسجد واعتقال
المعتصمين فيه.
عندما
رأى المعتصمون الجنود يستعدون لدخول
المسجد ؛ انطلقت عدة عيارات نارية من
مئذنة المسجد صوب الجنودالذين تهيأوا
لدخوله من مسدس عيار(7)ملم كان مع ضابط
احتياط حموي، كان يومها في إجازة ودخل
المسجد مع مجموعة مروان، وقرر أن لايسمح
للجنود بدخول المسجد، لذلك أطلقت
الدبابات ثلاث قذائف من عيار(100) ملم على
المئذنة فهدمتها وتمكن ذلك الضابط الحموي
من الفرار، وتأهب الجنودلدخول الباب
الشرقي بعدإسقاط المئذنة، ولم تبق أي
طلقات تخرج من المسجدنحوهم [ وأصر وأؤكد
أنه لم تنطلق من المسجد غير هذه الطلقات،
قبل أن يخطف محمود نعيم يرحمه الله
الكلاشنكوف من العسكري، أي بكل تأكيد وبعد
بحث تاريخي لم يثبت دخول أي قطعة سلاح إلى
المسجد غير هذا المسدس، وغالب ظني أن
مروان لايعلم به].
ولمادخل
أحدهم كان الشهيدمحمود نعيم يرحمه الله
ينتظره بالبلطة وقدعاهد الله أن يقطع رأس
الجندي الذي يحاول دخول المسجد ولما دخل
العسكري قطع محمود رأسه بالبلطة، وأخذ
بندقيته ووجههانحوالجنود وأفرغ
مخزنهافيهم. ثم سقط شهيداً عند باب المسجد
الشرقي([xii]).
ولما رأى قائد السرية التي تحاصر المسجد
محمود نعيم يرحمه الله يقتل عدداً من
جنوده، وأخبر قائد اللواء حمد عبيد، سمح
له بتدمير المسجد كله، وبدأ يقصف قبة
المسجد وسائر أركانه حتى صارالمسجدخرباً
لايحمي أحداً، لذلك اضطر مروان يرحمه الله
إلى التسليم مع عشرات الطلاب الموجودين
معه. فأخذهم الجيش وصورهم مع أسلحة وضعها
الجيش أمامهم وكتب تحت الصورة في الصحف
اليومية (أسلحة إسرائيلية وجدت مع
الرجعيين)([xiii]).
هذا هو
الموضوع الثاني من كتابي سوريا تحت حكم
الأسد
------------------------
[i]
- سوف يتضح من البحث أن حافظ الأسد هو
المخطط والمنفذ لانقلاب (8/3/1963م) لكن من
وراء ستار، واستمر يعمل في الخفاء حتى
(23/2/1966م)، عندما عاد من دورة في لندن لمدة
ثلاثة شهور، تدرب فيها على الصراع العلني،
حي ثتخلص من صلاح جديد، ثم من العلويين...
([ii])
يقول محمود شاكر في التاريخ الإسلامي 10 /
183: ينتسب أكثر من 69./. من سكان سوريا إلى
الإسلام (يقصد المسلمين السنة) يتوزعون في
كل أنحاء البلاد، ويقلون في مرتفعات جبال
العلوية، وينحسرون عن جبل حوران (الدروز)
نهائياً. وينتسب 1ر11./. من سكان سوريا إلى
الطائفة العلوية التي يعيش اتباعها في
المرتفعات المسماة باسمها، وبعض القرى
شرق حمص، أما الآن فقد غزوا السهول
الساحلية حتى كاثروا أهلها، كما نقل بعض
أتباع سليمان المرشد إلى الحدود مع فلسطين
(زعورا، وعين فيت والغجر)، وتهيأت لهم
الظروف في الالتحاق بالجيش فتحسنت
أوضاعهم المادية، (ثم سيطروا على الحكم في
سوريا). وينتسب 1ر3./. من سكان سوريا إلى
طائفة الدروز التي يعيش اتباعها في جبل
حوران الذي حمل اسمهم (الدروز) وفي سفوح
جبل الشيخ (مجدل شمس بقعسم قلعة جندل)
وقريتان قرب دمشق (جرمانا، وصحنايا).
وينتسب 1./. من سكان سوريا إلى الطائفة
االإسماعيلية التي يعيش أتباعها في بلدة
السلمية، وما جاورها وفي مصياف، ويدخل
بعضهم حالياً في الإسلام الصحيح (السنة).
وينتسب 5ر./. من سكان سوريا إلى الشيعة
الذين يعيشون في دمشق (حي الخراب، وحي
الأمين) وبعض قرى حمص. وينتسب 14./. من سكان
سوريا إلى النصارى ويعيشون غالباً في
المدن في أحياء خاصة بهم، ولهم قراهم في
حوران، والجزيرة (اشوريون) وغرب حماة
وشمال اللاذقية، ويعايشون السنة في قرى
الغوطة، وكان 1./. من سكان سوريا ينتسبون
إلى الصهاينةية، في دمشق وحلب، والقامشلي،
ولهم أحياؤهم المغلقة كالعادة، وفر
القادرون منهم إلى إسرائيل. وهناك أقلية
لاتذكر من اليزيديين (عبدة الشيطان) في
سنجار وأطرافه، وعلى حدود تركيا. ومن
الملاحظ أن كل الشعب السوري من الناحية
الرسمية (القانونية) مسلمون أو نصارى أو
يهود، وبقية الطوائف: علوية، ودروز،
وإسماعيلية، وشيعة، وعبادي الشيطان كلها
مسلمون قانوناً وتفرض عليهم مادة التربية
الإسلامية في المدارس، مع أنهم يصرحون
بأنهم ليسوا من المسلمين. ولايؤدون شعائر
الإسلام.
([iii])يقول
فان دام ص 59: إن القيادة العليا للجنة
العسكرية البعثية التي تأسست عام (1959م)
خلال الوحدة بين سوريا ومصر من قبل ضباط
منقولين لمصر تكونت في البدء من خمسة ضباط
من بينهم ثلاثة علويون هم محمد عمران
وحافظ الأسد وصلاح جديد، وإسماعيليان هما:
عبد الكريم الجندي وأحمد المير، ثم توسعت
فيما بعد لتضم عثمان كنعان (اسكندرونة)
وسليمان حداد، وسليم حاطوم وحمد عبيد
(درزيان) وستة من ذرارى السنة هم موسى
الزعبي ومصطفى الحاج علي وأحمد سويداني
(من حوران) وأمين الحافظ وحسين ملحم (من
حلب)، ومحمد رباح الطويل (من اللاذقية).
([iv])
يقول فان دام ص 131: ويمكن تتبع هذه التصفيات
من خلال بنية القيادات القطرية السورية،
فبعد شباط (1966) تم إزاحة آخر ضابط سني من
حلب (وهو أمين الحافظ)، وفي تشرين أول (1968م)
تم إزاحة آخر الضباط الدروز (سليم حاطوم
وحمد عبيد) وكذلك الضباط الحورانيين (نسبة
إلى حوران) وفي آذار 1969 م أزيح آخر الضباط
الإسماعيليين (عبد الكريم الجندي)، ويمكن
تفسير انتخاب رفعت الأسد عضواً في القيادة
القطرية (نيسان 1975) بأنه انعكاس لاعتماد
الرئيس حافظ الأسد على عائلته الشخصية أو
عشيرته إلى حدكبير بعد (1970م).
([v])
أقدم ضابط بعثي سني يدعى النقيب إبراهيم
اليوسف على تنفيذ مجزرة خططها مع الطليعة
المقاتلة للإخوان المسلمين بزعامة عدنان
عقلة (في 16 /6/ 1979م) قتل فيهاقرابة المائتين
من طلاب الضباط العلويين ومحل الشاهد أن
منفذ العملية جمع طلاب الضباط في صالة
المطعم أوالنادي بحجة محاضرة وأخرج
السنيين منهم بأعذار متعددة، فكان عدد
السنيين قرابة ثلاثين طالباً من ثلاثمائة
مجموع طلاب المدرسة يومذاك. ثم فتحت
النيران من الأسلحة الرشاشة من
عناصرالطليعة الذين وصلوا المكان في
الوقت المناسب وكانت مجزرة جرت على البلاد
ويلات وخيمة جداً، وقد تبرأ الإخوان
المسلمون من هذه المجزرة ببيان صدر وقتها
ونشر في مجلة المجتمع العدد (452) في 9 شعبان
1399ه.
([vi])
يقول الأستاذ عدنان سعدالدين في كتابه
مسيرة جماعة الإخوان المسلمين من (1975وحتى
1982م)ص 42مايلي: التحق الشيخ مروان بالجماعة
عام 1950، وكان عضواً نشيطاً في أسرتي حتى
عام 1964م، وقد أرسلته الأسرة من صندوق
تكافلها الاجتماعي لدراسة الهندسة
الزراعية في القاهرة، فرأى مايتعرض له
الإخوان في مصر من إعدام وتنكيل، فامتلأت
نفسه غيظاً على الظالمين، ولما عاد إلى
سوريا هاله مارآه من تحد للمشاعر
الإيمانية وعدوان على القيم الإسلامية،
والجهر بالكفر البواح عبر الإعلام
المسموع والمقروء، فقرر السير على درب
الشهادة، وطلق الدنيا ثلاثاً، وتجرد من
متعها المباحة، ومنها الزواج الذي آثر
تركه، بع دأن عقد على زوج له صمم أن لايدخل
بها.ورفع شعار الجهاد ودعا الشباب إليه ؛
فاستجاب له ثلة من الشباب اليافع أعمارهم
(15 20) أصفياء أنقياء ليست لهم تجربة أو نظرة
بعيدة، الأمر الذي سبب حرجاً لتنظيم
الإخوان في حماة، ولم يتمكنوا من معالجة
هذه الظاهرة، رغم مابذلوه، ومع أن مروان
لم يقل يوماً أنه خارج الجماعة ؛ إلاأنه
كان يتصرف طبقاً لاجتهاده وحماسته، وكان
بعض أعضاء التنظيم يتعاطف معه، ... وكنت
أتحدث معه بشيء من الشدة لتثنيه عن
برنامجه بحكم الصلة التي ربطتني به خمسة
عشر عاماً، وأخيراً توارى عن الأنظار،
وغادر إلى دمشق، وأرسل لي من مخبئه يسأل
الدعم، فأرسلت له أخوين نقلا له رأيي
الصريح فيما هو فيه، وخلاصته: أن برنامجه
لن يؤدي إلى نتيجة، بل هو ضار به وبغيره،
فإذا أراد دعماً مادياًلتغطية النفقة
ومطالب العيش لبينا طلبه دون تردد مهما
بلغت التكاليف، أما اللجوء إلى الجبال فلن
يجديه نفعاً ولسنا معه فيه، ويستطيع العدو
بطائرة هيلوكبتر أن يحبطه ويقضي على
مجموعته. ثم انقطعت الصلة بيننا حتى قبض
عليه وسجن ثم استشهد يرحمه الله (انتهى
كلام عدنان سعد الدين).
[vii]
- وقد انتسب لقسم الفلسفة في كلية آداب
دمشق في السنة التي انتسبت فيها، وكنت
أراه خلال الامتحانات، وربما قابلته في
مسجد السلطان، أو دوار الجاجية، لتبادل
الكتب والنوتات الجامعية. وقد تخرجت قبله
بسنة لأنهم منعوه من تقديم الامتحان وهو
في السجن عام 1966، حيث أعادوا اعتقاله بعد
أن طردوا محمد أمين الحافظ. وفي العام
الأخير (1968) رأيته في ممرات كلية الآداب
بجامعة دمشق خلال امتحان الدورة الأولى،
فسألني عن القاعة التي سيؤدي الامتحان
فيها، فرافقته إلى تلك القاعة، وكانت بيده
ورقة فيها مصطلحات انجليزية يذاكرها،
وبعد أن جلس في القاعة وتركته فيهايذاكر
وريقته، وخرجت أمشي في الممر، اجتمع حولي
عدد من الطلاب والطالبات (منهم الأخ محمد
أبازيد) يسألونني: من هذا؟ ولما قلت: مروان
حديد!!! فتحوا أفواههم دهشة وتعجباً...وقد
شاع اسمه في سوريا من أحداث (1964). كما أن
جسمه ولباسه كان مميزاً يرحمه الله تعالى
([viii])وأصدق
دليل ماشهدت به الأعداء، يقول حافظ الأسد
في خطابه المشهور في إذاعة وتلفزيون سوريا
يوم (23/3/1980م) وقد سمعت هذاالخطاب من
الإذاعة، وأنقله الآن من (نيقولاوس فان
دام) يقول حافظ الأسد (أريد أن أوضح أمراً
يتعلق بحزب الإخوان المسلمين في سوريا،
الإخوان المسلمون في سوريا ليسوا جميعاً
مع القتلة، بل كثير منهم، القسم الأكبر
منهم ضد القتلة ويدين القتل، وهذاالقسم
يرى أنه يجب أن يعمل من أجل الدين ورفع شأن
الدين لامن أجل أي هدف آخر، هؤلاء
أيهاالشباب لاخلاف لنا معهم إطلاقاً، بل
نحن نشجعهم!!!، ص 241.
([ix])
بناه أحد السلاطين الأيوبيين يرحمه الله،
في قلب مدينة حماة، له مئذنة عالية
جداًيؤذي منظرها الحاقدين على الإسلام،
وفيه درس يومي للشيخ محمد الحامد يرحمه
الله الذي تربى على يده معظم أفرادالإخوان
من مدينة حماة، كماكانت صلاة العشاء تؤخر
فيه لمدة ساعة أو أقل بسبب درس الشيخ
محمدالحامد، لذاكان مسجدالسلطان الملتقى
اليومي لشباب الإخوان.
([x])
وبين الدروز وأديب الشيشكلي (الحموي) حقد
كبير، حيث حاصرالجيش السوري مدينة
السويداء عاصمة الدروز في عهد أديب
الشيشكلي، وآذى أهلها عندماكانوا يخططون
لحركة انفصالية يومهافأحبطت محاولتهم
بقوة وعنف، لذلك من سياسة الأسد الحاقدة
ضرب الفئات السورية بعضها ببعض، وهكذا
سلطوا حمد عبيد (الدرزي) الحاقد على
الحمويين على أهل مدينة حماة لينتقم منهم.
وشاء الله أن أخدم جزءاً من خدمتي
العسكرية بعد تخرجي من كلية الضباط
الاحتياط في هذا اللواء، امتدت إلى بضعة
شهور، لكنهم وكلهم من الضباط العلويين
وأنصارهم لم يتحملوا وجودي معهم، وكان
قائد سريتي يسألني متعجباً: لماذا تصلي ست
مرات في اليوم، بدلاً من الخمسة!!؟ (يقصد
صلاة الضحى طبعاً)، أي أنه كان يراقبني
ويعد مرات الصلاة في اليوم، علماً أنني لم
أكن قد أعفيت لحيتي، وكنت أموه عليهم
بأنني اشتراكي من جماعة أكرم الحوراني؛
الذين يكثرون في ريف حماة بعامة وفي قرانا
خاصة، ولكن مجرد المحافظة على الصلاة
عندهم تعتبر جريمة لايمكن السكوت عنها
لذلك طلبني قائد اللواء العقيد العلوي
يونس يونس، وتعرف علي وعلى شهادتي، وبعد
أسابيع قليلة بلغوني نقلي إلى كتيبة (622)
مستقلة تابعة لقيادة الجيش، فيها
الدبابات التي تعطل محركها، وقد وضعت على
الخط الأول مع العدو، وسموني مسؤولاً عن
دبابات الكتيبة وعددها (33) دبابة (ت 34) بدون
محرك، كما يقال مكانك تحمدي أو تموتي،
وأكملت خدمتي فيها، لأن معظم عناصر هذه
الكتيبة، حتى قائدها (المقدم شحادة اسبر
المسيحي من حلب) من المغضوب عليهم عند
الأسد.
([xi])
أقامها مجهولون، ربما من الذين يصطادون في
الماء العكر، الذين ينتهزون الفرصة
للإيقاع بين الحركة الإسلامية والحكومة ؛
أقاموا متاريس في الشوارع، وحاولوا سد بعض
الشوارع كي لاتمر منها سيارات الجيش،
والحمويون يمتازون بالفردية ويصعب
قيادهم، ولم تعرف الجهة التي أمرت بهذه
الحواجز المحمية بنيران القناصة أحياناً،
وربما هي تصرفات فردية غيرمسؤولةكماعهدنا
عند بعض الحمويين.
([xii])
أما الضابط الاحتياط فقد اختبأ في
المئذنة، وقرر أن يطلق النار من المسدس
على الجنود إذا شاهدهم يقتربون من باب
المسجد، ومن البدهي أن رصاصة المسدس لاتصل
أكثر من خمسين متراً، وهذا المسدس هو
السلاح الوحيد الذي دخل المسجد، وقد قرر
صاحبه استخدامه عندما يرى الجنود يقتربون
من باب المسجد، أما محمود نعيم يرحمه الله
فقد أحضر معه بلطة (سلاح أبيض) وقرر أن
يستعملها إذا دخل الجنود إلى المسجد، وقد
كان ذلك، وفي مواقف مشابهة تقريباً استشهد
منقذ صيادي الذي كتب بدمه وهو في سيارة
الإسعاف (في سبيل الله قمنا.... نبتغي رفع
اللواء. فليعد للدين مجده... أو ترق
مناالدماء). وتوفيق مدني وعبدالله المصري
يرحمهم الله جميعاً، وكلهم من طلاب الصف
الثالث الثانوي وأولى جامعة.
([xiii])
روى لي هذه الحقيقة أحد الطلاب الذين
كانوا مع مروان في المسجد، أطلقوا سراحه
في اليوم الأول لصغر سنه مع مجموعة من
أمثاله (12 13) عاماً، وقد التقيت به بعد
عشرين سنة خارج سوريا، وقال أحضروا أسلحة
لم نرها بحياتنا وصورونا معها ونشرتها
الصحف في اليوم التالي، وكتبت تحتها (الرجعيون
استلموا أسلحة من إسرائيل). ولمزيد من
التعرف على ذلك الحدث راجعوا روايتي
(مئذنة ودبابة).
==============================
سوريا
تحت حكم الأسد (3)
(انتهى
الموضوع السابق عند اعتقال مروان والطلاب
من مسجد السلطان بعد تدمير المسجد ).
....
شكلت محكمة عسكرية برئاسة الرائد
مصطفى طلاس قائد اللواء الخامس المدرع،
فحكمت على مروان وبعض رفاقه بالإعدام، بعد
محاكمات هزلية سخروا فيها من مروان ومن
الاسلام، ثم تدخل الشيخ محمدالحامد يرحمه
الله لدى الفريق محمدأمين الحافظ رئيس
مجلس الرئاسة فأفرج عنهم بعد بضعة شهور من
اعتقالهم([i] (.
ثم
أعاد الجيش بناء مسجد السلطان خلال مدة
عام أو يزيد قليلاً، انتقل خلاله الدرس
اليومي للشيخ محمد الحامد يرحمه الله إلى
مسجد الأحدب بالسوق الطويل.
ويبدولي
من خلال استقراء الأحداث فيما بعد أن
مروان يرحمه الله خلال مدة السجن كان
منبهراً ومندهشاً من تدمير الجيش للمسجد،
وكيف يفعل السوريون بإخوانهم المواطنين
مالم يفعله الجنود الفرنسيون بهم، وعرف
عندئذ أن (البعثيين!!!) سوف يحكمون البلاد
ويذيقون المسلمين كأس الهوان والذل،
ويصبون حقدهم التاريخي على المسلمين،
لذلك قررمروان أن هؤلاء الحاقدين لايجدي
معهم العمل السياسي([ii])ولابد من
منازلتهم بالسلاح للقضاء عليهم وطردهم من
السلطة.
وقد
باشر مروان في تنفيذ ماعزم عليه مذ خرج من
السجن، فبدأ بتجميع الشباب المسلم من طلاب
المدارس الإعدادية والثانوية، من شباب
الإخوان وسائر الحركة الإسلامية وغيرهم،
وعقد لهم المخيمات والمعسكرات في(دوار
الجاجية) قرب حماة، وعلى الساحل السوري
عندبانياس في مكان يسمى (البدروسية)، وبدأ
يركز على إشباع الناشئة بفكر الجهاد
والشهادة والجنة وحور العين، حتى كانت
كلمته المأثورة عنه التي يكررها كلما ودع
أخاًله يدعوله فيقول (أسأل الله أن يتقبلك
شهيداً)، كما استطاع مروان أن يبني خلاي
الطليعة في([iii])حلب
وإدلب ودمشـق وبانياس، وكان دائب الحركة
والعمـل المتواصل خلال الفترتـين ( تموز
1964م) بعد الإفراج عنه من قبل محمد أمين
الحافظ، وحتى شباط(1966م) حيث اعتقل بعد
الحركة التصحيحية الأولى التي قام بها
صلاح جديد وطرد محمد أمين الحافظ، ثم أطلق
سراحه في(حزيران 1967م) عندما أفرج عنه مع
جميع السياسيين خلال نكسة الخامس من
حزيران وبقي حراً طليقاً حتى شباط(1973م) حيث
توارى عن الأنظار بعد محاولة اغتياله من
رجال رفعت الأسـد، وفي الفترة من حزيران
(1967م ) وحتى شباط (1973م) عاش مروان في حماة
وتابع عمله بجدو نشاط واستمر يبني ويربي
ويخطط للطليعة المقاتلة، وأصدر الإخوان
المسلمون تعميماً لقواعدهم عام (1968)
يحذرونهم من مجاراة مروان في نشاطه، بعد
أن يئست الجماعة من إقناعـه بعدم الإقدام
على مشروعه ذاك. وفي معركة
الدستور(1973م)جاءت مجموعة من سرايا الدفاع
لقتل مروان يرحمه الله بعد أن رفض عرض رفعت
الأسد باستلام منصب في السـلطة والتعاون
معهم، ولكنه أحس بذلك قبل وصولهم فـر إلى
دمشـق، واختبأ فيها ليدير تنظيم الطليعة
المقاتلة للإخوان المسلمين من مخبئه في حي
المزرعة بدمشق، حيث تم اعتقاله جريحاً ـ
كما قيل ـ بعد معركة جرت بينه وبين الوحدات
الخاصة استخدمت فيها طائرة عمودية في صيف
(1975م )، وقد روى لي شاهد عيان أن المعركة
استمرت من الضحى وحتى العصر، بعد أن كشفت
المخابرات مكانه بواسطة جاسوس لهم اندس في
صفوف الطليعة، واستطاع أن يكشف مكان
قائدها؛ وهو الجاسوس المجرم (مصطفى جيرو)..
وفي السجن استخدموا كافة العقاقير
والأساليب النفسية والجسدية، وساعدهم في
ذلك عدد من الأطباء العلويين مثل
الدكتور(محمود شحادة)؛ من أجل الوصول إلى
ذاكرته والتعرف على تنظيم الطليعة، وغالب
ظني أنهم فشلوا في ذلك، ونقل عنه يرحمه
الله أنه قال لأخيه العميد البعثي، الذي
سمح له بزيارته في السجن مع شقيقته أيضاً،
أنه قال لهم انقلوا عني أنهم لم يحصلوا مني
على كلمة واحدة، (ولكن أظن أنهم أخذوا منه
من اللاشعور بدون وعيه والله أعلم)، وبعد
عام كامل، وبعد أن تراجع وزنه من (110) كلغ
إلى(40) كلغ فقط، قتلوه في السجن يرحمه
الله، ودفنوا جثته في دمشق، دون معرفة
أهله بذلك، وصب الإسمنت فوق قبره وتركت
عليه حراسة لعدة أيام.
------------------------
([i])
هذا التصرف من محمد أمين الحافظ آخر
الاصطدام بين الإخوان والأسد(15)سنة.وغالب
الظن أن عقلاء الأسد خافوا من الإقدام على
إعدام هؤلاء الشباب الإسلاميين يومذاك،
لأن سيطرة الحزب على السلطة كانت هشـة
جداً، كما أن المخطط من وراء ستار وهو حافظ
الأسد لم يكن قد تحكم في سوريا كما صار
فيما بعد عندما نفذ هدفـه وهو ضرب الحركة
الإسلامية. هذا التفسير الذي شاع يومذاك،
وربما لمحمد أمين الحافظ دور فيه، يؤكده
إعادة اعتقال مروان بعد طرد أمين الحافظ
في (23/2/1966)، أما اليوم فيبدو لي أن حافظ
الأسد وهو لولب اللجنة العسكرية أراد أن
يدفع الشباب المسلم إلى استخدام السلاح كي
يتخذ ذلك ذريعة للقضاء على الحركة
الإسلامية في بلاد الشام، وهي المهمة التي
جاءوا به من أجلها، واليوم أرجح هذا
التفسير الأخير، وله عدة شواهد، منها أن
مروان يرحمه الله كان يتحرك علناً في مخيم
دوار الجاجية، ومخيم البدروسية، وحلب
ودمشق، وكان يبني قواعد الطليعة
المقاتلة، والأمن العسكري كان يتابعه
بالتأكيد...
([ii])
وهكذا يبدو لي كباحث تاريخي موضوعي أن
الأسد هو الذي دفع مروان يرحمه الله إلى
التفكير باستخدام السلاح ضدهم، عندما
دمروا مسجد السلطان فوق رأسه ورؤوس مجموعة
من التلاميذ معظمهم في المرحلة المتوسطة،
وبعضهم في الابتدائية، وبعبارة أخرى حافظ
الأسد وهو العقل المدبر في اللجنة
العسكرية لانقلاب ( 8 /3/1963) أراد أن يجد
مبرراً لضرب الحركة الإسلامية، وقد دفع
حافظ الأسد مروان حديد ـ بدون وعي من مروان
ـ إلى بناء الطليعة فيما بعد، حتى أن مروان
كان يتحرك بشكل شبه علني في (1967ـ 1973) ويقيم
المخيمات والمعسكرات في الساحل السوري،
ليدرب الشباب على السلاح، على مرأى من
حافظ الأسد الذي كان يهدف إلى دفع الشباب
المسلم إلى استخدام السلاح كي يبرر ضربـه
للحركة الإسلامية في بلاد الشام، وقد نجح
حافظ الأسد في هذا المخطط.
[iii])
) وبالتأكيد كانت المخابرات العسكرية
تلاحقه، ووتابع أعماله، وترصدها، ليتخذ
النظام الأسدي ذلك ذريعة لضرب الحركة
الاسلامية في بلاد الشام...
==============================
سوريا
تحت حكم الأسد - 4
كـوهـين
كوهين
يهودي مصري هاجر إلى إسرائيل، ثم جندته
المخابرات الصهيونية ليكون جاسوساً في
سوريا، فبعثته إلى الإرجنتين باسم (محمدكمال
ثابت)،كمهاجرعـربي ثري وتقدمي قومي
علماني(فاجر)، وهناك اتصل بالعميد محمد
أمين الحافظ الملحق العسكري السوري خلال
عهد الوحدة ثم الانفصال([1])، وكان كوهين
غنياً يدعي أنه يتاجر بالآثار، وتحت يديه
أموال كثيرة مما قربه لمحمد أمين الحافظ،
ثم زادت المودة بينهماعندماانتسـب كوهين
لحزب البعث فصار رفيقاً بعثياً من الطراز
الأول.
دخل
كوهين سورياعلى أنه مهاجرعربي غني، ورفيق
بعثي تقدمي في(24/8/ 1961م )، وادعى أنه مندوب
لشركة (ربيمكس البلجيكية )،وخلال فترة
الانفصال تعرف على الدرزي (جورج سيف) الذي
يعمل في الإذاعة السورية، والذي عرفه
بدوره على الضابط معزى زهرالدين؛ ابن
شقيقة اللواء عبد الكريم زهر الدين قائد
الجيش السوري خلال فترة الانفصال، وخلال
فترة قصيرة بعد قيام انقلاب البعثيين،
صارصديقاً حميماً لمعظم الضباط البعثيين،
وخاصة النقيب سليم حاطوم، والرائدصلاح
الظلي، كما كان صديقاً حميماً للواء
عبدالكريم زهرالدين، وعشرات غيرهم،وكانت
الفنانات والراقصات يقمن ليالي مع رفاقه
الضباط في بيته الذي استأجره في دمشق
بالقرب من السفارة الروسية، وزودكلاًمن
أصدقائه من الضباط الكبار بمفتاح خاص له،
يدخله متى شاء . وكان الضباط يقضون مع
رفيقات كوهين وفي بيته ليالي(تقدمية)،
ومازال الرفيق محمدكمال ثابت(كوهين) يتدرج
في حزب البعث حتى عر ضت عليه وزارة شئون
المغتربين فرفضها بناء على تعليمات
حكومته. وكان يتصل يومياًبإسرائيل
لاسلكياً على موجة اتصال السفارة الروسية
أو قريباً منها.كما كان له برنامج يومي في
الإذاعة بعد منتصف الليل كان يستفيد منه
في إرسال مايريد - مشفراً -
إلى رئيسه في تل أبيب .
وشد
انتباه أحدالضباط المصريين من القيادة
العربية المشتركة(وأظنه علي علي عامر)،
عندماكانوا في زيارة إلى الجبهة السورية
عام(1965م)،شد انتباهه كثرة الصورالتي
يلتقطهامحمدكمال ثابت(كوهين )للمواقع
والتحصينات العسكرية، فالتقط له عدة صور،
وأعطاهاللمخابرات المصريةللبحث
عنها،فكشفت هويته ووجدت في ملفاتها
حقيقته، ولما أخبروا سوريا أعرضوا ولم
يصدقواأن هذاالرفيق التقدمي المناضل
جاسوس يهودي، واعتبروا ذلك حسداً من
رفاقهم المصريين .
ثم
تقدمت وزارة الخارجية الروسية بطلب إلى
سوريا، تؤكد فيه حصول بث لاسلكي في الوقت
الذي تبث فيه السفارة الروسية،وعندئذزودت
روسيا سوريا بسيارة مجهزة بتحديد مكان
البث اللاسلكي المجهول،وشاهدت تلك
السيارة وهي تتجول في حي الشيخ محي الدين
بدمشق وحي الأكراد،ولهاهـوائي طويل جداً،
وبعد مدة من البحث تأكد لهم أن المكان الذي
يبث منه هو بيت الـرفيق المناضل محمدكمال
ثابت (كوهين)، وتحمس للقضية ضباط من
المخابرات السورية لاصلة لهم بصاحبات
كوهين، ويشكلون كتلة أخرى غيركتلة كوهين،
يقال على رأسهم العقيد أحمد سويداني،
فبحثوا بجد واهتمام، ونصبواكميناً تمكنوا
في نهايته من القبض على كوهين وهوممسك
بجهاز اللاسلكي يتكلم مع إسرائيل
.
حوكم
كوهين وكان رئيس المحكمة المقدم صلاح
الضللي، وكانت المحاكمة أقرب إلى
الصورية، وعرضت مشاهد منهاعلى شاشة
التلفزيون السوري، وقدلاحظ المشاهدون أن
إجابات كوهين تدورحول قضايا تافهة،مثل
خرجنا نزهة وعملت (جورجيت) تبولة وكان
الزيت كثيراً ... ويبدو أن مشاهد المحكمة
التي عرضها التلفزيون متفق عليها مع كوهين
نفسه، لأنه صديق لهؤلاء الذين
يحاكمونه،وكلهم تورطوا معه . وشاهدت
وتابعت هذه المحاكمة،كماشاهدها وتابعها
معظم المواطنين السوريين، ثم حكم عليه
بالإعدام، ونفذ الحكم على الرغم من تدخل
الصهوينية العالمية بكامل ثقلها، وعرضت
إسرائيل على سوريا - بواسطة محامي فرنسي
اسمه(جاك مرسيه)-: أن تفتديه بمليار فرنك
فرنسي، وتوسط بابا روما من أجل إنقاذ
حياته، ولكن الأسديين أسرعوا في إعدامه
لدفن أسرار تورطهم معه، ودفن الجرائم
الكبيرة التي ارتكبوها في حق الوطن
بمعرفته، وقيل أن السوريين احتفظوا
بجثمانه لعدة سنوات حيث استلمته إسرائيل
بعد حرب حزيران 1967م، وبادلته بعدد من
الأسرى السوريين الأحياء
.
الحركة
الـتصحيحية الأولـى
في ( 23
/2/1966م ) زحف النقيب الدرزي سليم حاطوم(قائدكتيبة
مغاوير)، يساعده النقيب رفعت الأسد قائد
سرايا الدفاع الناشئة يومذاك، على بيت
الفريق محمدأمين الحافظ (رئيس مجلس
الرئاسة)، ودامت معركة لعدة ساعات، دافع
فيهاحراس الفريق محمد أمين الحافظ(وبعضهم
من الجنودالبدو)، حتى سقط معظمهم، كماحاول
أن يقاتل بنفسه، لكن الخطة التي نسجهاكل
من اللواء صلاح جديد واللواء حافظ الأسد
وأتباعهما كانت محكمة، للتخلص من عددكبير
من الضباط البعثيين السنيين، وتتلخص في
إبعاد الضباط السنيين البعثيين عن دمشق
وماحولها، إلى اللاذقية وحماة وحمص، وتم
ذلك عندما ألقي القبض على الفريق الحافظ
رئيس مجلس الرئاسة ووضع في السجن، وأعتقل
عدد من أنصاره الضباط معه، كما سرح مئات
الضباط السنيين البعثيين، ليحل مكانهم
ضباط علويون، وفرأعضاء القيادة القومية
لحزب البعث العربي الاشتراكي إلى العراق،
ومنهم& nbsp; ميشيل عفلق
(مؤسس الحزب)، ومنيف جورج الرزاز، وشبلي
العيسمي ... وغيرهم بعد أن سيطرت القيادة
القطرية على مقاليد الحكم في سوريا، بعـد
صراع دام سنتين بين القيادة القومية ( غير
علوية ) والقيادة القطرية (ويسيطرعليها
العلويون ). يقول الدكتور نيقولاوس فان دام
السفير الهولندي في القاهرة وصاحب كتاب
الصراع على السلطة في سوريا
:(وبعد23شباط1966م)تم إزاحة آخر ضابط سني من
حلب من القيادة القطرية، وهو أمين الحافظ،
وآخرالضباط الدروز، أي سليم حاطوم وحمد
عبيد، وفي عام ( 1968 م ) أزيح آخرضابط سني
حوراني (من حوران، وربما يقصد أحمد
سويداني ) وفي مارس (1969م)
أزيح آخر ضابط إسماعيلي (وربما
يقصدعبدالكريم الجندي الذي قتل عندبوابة
اللواء السبعين،وقالوا أنه انتحر).كمالم
يبق بعد هذا التاريخ ضباط غير العلويين
والسنيين كأعضاء عسكريين، مع تمتع
العلويين بالتفوق التام وتمثيلهم لكتل
الجيش القوية، ويمكن تف سير انتخاب رفعت
الأسد عضواً في القيادة القطرية (1975م) بأنه
انعكاس لاعتماد الرئيس حافظ الأسدعلى
ضباط من عائلته الشخصية أو عشيرته أو
أبناء المناطق المجاورة لقريته.)([2]) .
واتضح
فيما بعد أن الخلاف الذي نشأ بين القيادة
القطرية والقيادة القومية، سببه أن
القطرية يسيطر عليها مجموعة من العلويين
وتستغل الحزب من أجل فرض مصلحة الطائفة
على سوريا، واستخدام الحزب كأداة ووسيلة
لتحقيق سيطرة الطائفة العلوية، وقد اتضح
ذلك خلال عقد
السبعينات، وقد دمرت هذه المجموعة حزب
البعث وصارت هذه الطائفة تعمل من أجل
التفرقةوليس الوحدة، والقهر والاستبداد
وليس الحرية كماصار أبناء هذه الطائفة من
كبار أغنياء العالم فأين( الوحدة والحرية
والاشتراكية )؟
واعتقل
مروان حديد مجدد اً - بعد الحركة التصحيحية
الأولى - للمرة الثالثة
على الرغم من العفو الذي صدر بحقه من
قبل رئيس مجلس الرئاسة السابق محمد أمين
الحافظ، ووضع في سجن المزة العسكري، مع
الفريق محمد أمين الحافظ، ووضع الدكتور
نورالدين الأتاسي رئيساًللدولة، وشكلت
حكومة مدنية يرأسهاالدكتوريوسف زعين،
وصارت السياسة السورية أكثر ميلاً نحو
الماركسية .
أحداث
الجامع الأموي بدمشق([3]):
كان في
دمشق ثلاث مجموعات إسلامية تتحرك في
الساحة غير الإخوان المسلمين، وهذه
المجموعات هي:
1 -
جماعة المرابط، وعلى رأسها الدكتور أمين
المصري، ومن أهم قياداتها الأساتذة
عبدالرحمن الباني وجودت سعيد ومحمد
القاسمي، وهي قريبة في فكرها مع الإخوان
المسلمين، وكانت تقوم بمحاولات مستمرة
للتنسيق معهم.
2 -
جماعة كتائب محمد: وهي جماعة تدعو إلى عمل
مسلح لمواجهة النظام، ومن قادتها د. عدنان
المصري وعبدالرحيم الطباع ومحمد كمال
الخطيب.
3 -
مجموعة العلماء: وعلى رأسهم الشيوخ
الأجلاء حسن حنبكة، وعبدالكريم الرفاعي
وأحمد الدقر. وكان الجميع مستائين للتحول
الكبير في سورية نحو الشيوعية، والانحلال
والإباحية، وتحدي مشاعر الناس واستفزازهم
من الحرس القومي المسلح، حيث كانت هناك
حوادث فردية في الاعتداء على الشباب،
والتحدي لمشاعر الشعب المسلم والاستهتار
بعقائد الناس ومشاعرهم.
وقبيل
أحداث حماة كان علماء دمشق قد اتخذوا
قراراً مفاده أن لا يجري أي حدث في سورية
إلا بعد قرار جماعي من علمائها. ومضى وفد
فأبلغ هذا القرار للعلماء في حمص وحماة
وحلب، وتلقى جميع العلماء هذا القرار
بالموافقة والتحبيذ. غير أن العلماء كلهم
بما فيهم علماء حماة فوجئوا باشتعال
الأحداث في حماة. وعندما اتخذ القرار في
دمشق بمساندة الإسلاميين في حماة أعلن
سقوط حماة واستسلام الناس في الليلة نفسها
التي تم فيها اتخاذ القرار.
ووضعت
السلطة النصيرية خطة لضرب دمشق وإرهاب
أهلها بعد أن أْنقذت حماة. فراحت تعمل
بواسطة عملاء لها في صفوف العلماء والسذج
من الناس لإثارتهم على السلطة، ومعرفة من
يتجاوب مع الحركة الإسلامية. ويحدثني أحد
القادة الذين عاشوا هذه المرحلة وشهدوا
أحداثها فيقول: كنا نجتمع مع العلماء
لاتخاذ القرار المناسب، وبث التوعية
الإسلامية في صفوف المسلمين. وحدث أن
رسولاً لنا اعتُقل في طريقه إلى بيروت
لمقابلة الأستاذ عصام العطار المراقب
العام للإخوان المسلمين، ومعه بعض
المبادئ الأساسية التي قررها مجلس شورى
جماعة المرابط في محاولة توحيـد
الجماعتين، وتبع ذلك اعتقال قيادة
الجماعة في ليلة واحدة في صلاة التراويح
وهم د. أمين المصري،وجودت سعيد،
وعبدالرحمن الباني. فقمت بإبلاغ ذويهم بعد
الاعتقال وعرضت خدماتي عليهم. وفي اليوم
الثاني من الاعتقال، فوجئت بإعلانات تدعو
إلى محاضرة لي في جامع دنكز، وقد وزعت هذه
الإعلانات في الجامعة والشوارع العامة.
فتوقعت أن هناك مؤامرة تحاك للإيقاع
بالإسلاميين، فكيف يعلن عن محاضرة لي دون
علمي؟! ومضيت إلى المسجد متنكراً، فوجدته
مزدحماً بالناس ينتظرونني، فأوعزت إلى
بعض من أعرفهم بصرف الناس، وخرجت من الباب
الآخر. ثم فضحت مؤامرة السلطة أكثر، حيث
أعقب ذلك إعلانات مطبوعة موزعة في أنحاء
دمشق باسم العلماء تدعو الناس إلى
الاجتماع بالمسجد الأموي في اليوم
التالي، فاستغربت ذلك كثيراً، ومضيت إلى
بيت الشيخ حسن حنبكة -رحمه الله- لأعرف هل
للعلماء علاقة في الأمر أم لا، وكانت صلتي
بهم مستمرة، ووصلت إلى بيته بعد المغرب،
ومكثت عنده حتى قرابة الفجر، دون أن أتمكن
من الخلوص إليه، فالناس يتقاطرون نحوه
والمخابرات تعج بينهم. ثم صليت الفجر،
واختلست لحظة معه خلوت فيها إليه، وسألته
عن اجتماع العلماء في المسجد الأموي. فكان
جوابه قاطعاً وحاسماً:لا، وليس هذا هو
الطريق. فعدت إلى الحي لأبلغ من أعرفهم
بذلك، فقالوا لي إن الدكتور أمين المصري
قد أفرج عنه من المعتقل، ومضى إلى بيت
الشيخ أحمد القا دري الذي لم أكن أعرفه من
قبل، وشككت في الوضع أكثر من ذي قبل.
سألت
عن بيت الشيخ المذكور ومضيت إليه، ولم يكن
لي به سابق معرفة. والتقيت بالدكتور
المصري هناك مع بعض العلماء، وبعض النكرات
الذين لا أعرفهم، ولا ندري كيف حضروا ومع
من. وبعد التداول، تقرر مضي العلماء لبيت
الشيخ أحمد الدقر. فانتقلنا إلى هناك، ثم
تم الاتفاق على المضي إلى فضيلة الشيخ حسن
حنبكة لاتخاذ القرار المناسب حول
حضورالاجتماع المقرر في المسجد دون أن
ندري من قرّره.
وعرضت
على الإخوة العلماء أن أسبقهم إلى المسجد،
وأهدئ الناس حتى لا تستغل السلطة هذا
الحدث وتضرب الإسلاميين كما خططت. فوافقوا
على ذلك. ومضيت للمسجد الأموي، حيث وجدته
يعج بالناس والناس لا يزالون يتقاطرون
إليه حسب الدعوة الموجهة.
فوجئت
بعراك داخل المسجد بين الناس، وبين الحرس
القومي وبعض عناصر الجيش. بعض شباب الحرس
القومي ينضم للشعب، ويسلم الحرس سلاحه
بسهولة. صعدت المنبر، وخطبت بالناس،
ودعوتهم إلى الهدوء قائلاً لهم: نحن
بانتظار رأي العلماء، وهم مجتمعون الآن
ليبلغونا قراراتهم. وحتى لا تحدث أي فوضى
وضعت بعض الشباب حول المنبر ليحولوا دون
وصول عناصر مشبوهة إليه، وتعود الفوضى
ثانية، وأصعد ثانية الى المنبر، وبينما
أنا أخطب، قطعت الكهرباء عن المسجد، ثم عن
الحي كله، وأسمعت بصوتي جنبات المسجد كله،
ودعوت إلى الهدوء والانشغال بقراءة
القرآن.
وبدأت
ملامح المؤامرة تتضح، فالشيخ أحمد
القادري يصعد المنبر، ويدعو إلى المواجهة
وحمل السلاح، وفي حركة مسرحية يتحدث عن
ألفي ليرة سورية حاولت المخابرات أن تغريه
فيها عندما دخل المسجد وقد أخذها، ويرفعها
أمام الجماهير ويضعها عربوناً لشراء
السلاح ومقاومة الثورة. ويدعو الناس إلى
التجمع في مسيرة عارمة إلى بيت الشيخ حسن
حنبكة. وسألته هل هذا هو قرار العلماء.
فقال لي: نعم هم أخبروني بذلك. وببساطة
متناهية وافقناعلى ذلك، وتداركت الأمر
بأن طلبت الاتصال بالقصر والاستئذان من
اللواء أمين الحافظ في هذه المسيرة. وخرج
القادري وشيخ آخر اسمه جواد المرابط زعما
أنهما اتصلا بالقصر ووافق على ذلك، وفي
ساحة المسجد الأموي الكبير رحنا نصف الناس
عشرين عشرين لنتحرك بالمسيرة. ولشدة
الإعياء عندي دخلت المسجد لأغفو قلي لاً
ريثما تتم التعبئة لخمسة آلاف رجل تقريباً
قد تجمعوا هناك.
ثم
كانت المفاجأة الصاعقة التي صحوت عليها،
الدبابة تدك باب المسجد، ويدخل الرائد
سليم حاطوم مع مئتين من أتباعه، ويبدأ
إطلاق النار من الرشاشات في المسجد على
الناس، ويسقط بعض القتلى. فيتقاطر الناس
مذعورين داخل المسجد، حتى يحصروهم في إحدى
زواياه، ويطالبوهم بالاستسلام الكامل.
ولم تُجدِ المقاومة، وقذائف السباب
والشتيمة تملأ الأفق، واقتادوا الناس
أذلاء إلى السجون، حيث كنت في إحدى
الشاحنات التي تكدست بالناس. وقام أحد
ضباط الحرس بالمشي فوق رؤوسنا بنعاله
الغليظة، ورشاشه بيده، يصرخ بالناس كي
يهتفوا للبعث. وعندما تلكأ البعض بدأ
الضرب على الرؤوس بأكعبة الرشاشات وأخامص
البنادق، من عدد من الحرس القومي حتى راح
كل من في الشاحنة يهتف : بعثية، بعثية .
وآلمني المنظر فكبّرت، ومع التكبير انهال
الضرب عليّ بأخمص البنادق حتى تجلل وجهي
وثيابي بالدم، وزدت غضباً واشتعالاً
فوقفت. فتوجهت الرشاشات صوبي، فأمسكت
بفوهتي الرشاشين بكلتا يدي، وكأني أعطيت
قوة ربانية، ورحت أصرخ بالجماهير
المحتشدة حولنا والشاحنات تقطع بنا
الطريق نحو السجون: لا اله إلا الله وحده،
صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، لا إله
إلا الله، والله أكبر. وعجز الحرسيان أن
يفلتا رشاشهما من قبضتي، وتابعت التكبير
والذكر حتى نزلوا بنا إلى الأقبية. وهناك
ثأروا مني بالبصاق علي ومتابعة ضربي
وركلي.
|