العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14 / 05 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

التعذيب في سجن تدمر - 5

مقـدمـة :

يقول فلاسفة التاريخ : الهدف من دراسة التاريخ ليس اجترار الآلام ، ونبش الماضي بروائحه المتعفنة واسترجاع الصـور المبكيـة ، وإنما هو أخذ العبرة من الماضي ، الماضي الذي كلف سوريا عشرات الآلاف من خيرة أبنائها ، كي لايضيع الماضي سـدى ، فنستفيد منه في الحاضر ، وعندما أتحدث عن المذابح الجماعية التي مارسها نظام حافظ الأسـد في سوريا ، أو أنواع التعذيب وأساليبه الوحشية ؛ لا أقصد منها سوى أن نعتبر من الماضي المؤلم ، وأن نتخذ كافة الاجراءات والاحتياطات كي لايعود هذا الماضي ، ونجتث الأسباب المؤدية لهذا الماضي المروع من جذورها ، وأهم تلك الجذور الحكم الفردي الديكتاتوري ، الذي استخدم الجيش ( جيش الشعب ) كما قالوا عنه ، استخدم جيش الشعب ليقتل الشعب بدلاً من أن يحميه. وينهب أموالـه وأثاث منازلـه بدلاً من المحافظة عليها .

ويتابع الأخ محمد سليم حماد عرض مشاهد من التعذيب التي صبت عليه وعلى إخوانه في سجن تدمـر ، في دولة النظام الاستبدادي الأسدي ، هذا النظام الذي قتل قرابة مائة ألف مواطن من خيرة المواطنين ، وسجن عشرات الألوف ، وشرد خارج سوريا مئات الألوف أيضاً ...

  ( .....   وتوقف الضرب فجأة بإشارة من أبي جهل ، وأتاني صوته القبيح :

رأسك بالأرض ولا وغمض عينيك .

وساد المكان سكون رعيب لبرهة من زمن . فلما أدرك أن الدرس الأول وصل المجموعة كلها صاح من جديد :

قل حاضر سيدي ولا .

قلت ورأسي في الأرض وعيناي مغمضتان : حاضر سيدي .

قال : كم عملية إنت عامل ولا عرص ؟

قلت : ولا عملية سيدي .

قال وكأنني أنا الذي أشتمه : ولا عرص .. بتكذب ؟

وانهالت الكبلات والسياط علي من جديد . وجعلت أتلوى على الأرض كالذبيحة لا أدري أين المفر . والإخوة وجوههم كلهم إلى الجدار وصياحي وعواء الشرطة من حولهم وحولي يفتت أعصابهم ويفري قلوبهم . ولم يلبث الدور أن تحول ونادى أبو جهل من جديد :

واحد واحد من هون يا خَوَن اطلعوا لبرة .

وساقتنا اللطمات والكرابيج من جديد إلى باحة أخرى تتصدرها غرفة الذاتية ، أجلسونا خمسة خمسة أمامها وبدأوا يدخلوننا واحداً تلو الآخر إليها ، والشرطة خلفنا يركلوننا بأرجلهم أو يصفعون رؤوسنا بأيديهم ويلسعون ظهورنا بالكرابيج والكبلات وهم لا يكفون عن شتمنا وتوعدنا وتهديدنا :

هلق بنفرجيكم يا خَوَن .. هلق بس تخلصو يا ويلكم .. والله لنعمل ... بأمهاتكم واخواتكم .. والله الموت مصيركم يا ..

ولم يكن الزبانية كاذبون في ذلك ، فلقد اعتادوا قتل الناس بأنفسهم وفعلوا ذلك مرات لا تعد . ووفوا وعدهم في المستقبل وأزهقوا من أرواح الإخوة من نفس الدفعة عدداً ربما فاق من بقي منهم على الحياة !

التعـليم ! 

لم يكن الفجر قد طلع بعد ، والبرودة التي أطبقت علينا من كل اتجاه ونحن في ملابسنا الصيفية الخفيفة التي اعتقلنا بها زادت عليها برودة الإسمنت الذي أجلسونا فوقه ننتظر أن نلج غرفة الذاتية تلك . فلما حان دوري وقد كدت أتجمد رغم السياط التي أصابتني دخلت فوجدتهم يسألونني كالعادة عن اسمي وسني وعنواني .. وعلمت أثناء ذلك أننا اليوم في العاشر من شباط عام 1981 . فلما علموا أنني أردني الجنسية ثارت ثائرتهم وانتفضت أوداجهم وانهالوا علي ضرباً ولكماً وشتماً بأقذع الألفاظ . ولم يكن معنى ذلك أنها غضبة ساعة وحسب . فلقد تبين لنا لاحقاً أن الشخص الذي يلقى معاملة خاصة من هذا النوع ساعة استقباله في الذاتية فقد "تعلّم" . و"التعليم" معناه أن الشرطة قد ميزوه عن غيره لسبب ما .. وأنه محتم عليه بالتالي الهلاك لا محالة .. في العاجل أو في الآجل القريب . غير أن الله سبحانه قدر ولطف ، وحدث أن تغيرت النوبة التي استقبلتنا في تلك الأثناء .. وذهبت مجموعة الشرطة التي كانت علّمتني وقتذاك وحضر آخرون فاتتهم هذه الملاحظة عني .. فأنجاني الله من موت محقق !

قصـاص !

وانتهت إجراءات التسجيل ، وصرنا الآن جزء من عهدة تدمر رسمياً ، وعلينا أن نتلقى مراسيم الإستقبال الرسمي الآن .. فكل هذا الذي سبق تبين أنه لم يكن ضمن الحساب !

تجمع موكبنا الحزين خارج الذاتية ، فإذا بنا أمام باب كبير كفم الغول .. أخذتني لمحة من عيني إلى أعلاه فهالني أن أقرأ قول الله تعالى مخطوطاً هناك ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) تحوطه شعارات النظام المعروفة "أمة عربية واحدة . ذات رسالة خالدة " !

دخلنا الباب ونحن نقرأ على الدنيا وراءنا السلام ! ووجدنا أنفسنا في باحة اسمنتية تحيطها المهاجع التي أمرونا أن نصطف على جدرانها مُسْلِمين للوحوش رجال السَرِيَة كلهم ظهورنا بالإختيار ! ولم يلبث الزبانية أن بدأوا يسحبون الواحد منا تلو الآخر فيعرونه من ثيابه إلا الشورت ، ويفتشونه مرة أخرى من باب الإحتياط . وفي الوقت الذي يتولى قسم من الشرطة الإخوة المتجهين إلى الجدار بالضرب والجلد والركلات ، وبينما يعلو الصياح وترتفع أصوات الإستغاثة ولا مغيث ، تجذب الأيدي القاسية الأخ الذي تجرد من ثيابه وبات جاهزاً أو تدفعه فيختل توازنه ويقع على الأرض ، ليكون الدولاب في استقباله واثنان من الشرطة العسكرية على جانبيه ينزلانه فيه . فترتفع الرجلان في الهواء .. ويفقد واحدنا القدرة إذ ذاك على التحرك . لكن الجلادين ولزيادة الإحتياط وتحقيق مزيد من الإتقان يربطان الرجلين بجنزير من الحديد تعدم أية فرصة لهما للتحرك قيد أنملة .

ويبدأ الضرب من غير رحمة ومن غير عد .. فإشارة الإنتهاء لدى الوحوش أولئك أن تتفتح بطن الرجل وتسيل منها الدماء . فإذا تم ذلك فكوا القيد عن الرجلين وأخرجوا المعتقل من الدولاب وأمروه أن يفتح كفيه ليتلقى هدية أخرى . وتنهال على الراحات سياط من الجلد العريض سمعنا أنها صنعت من حزام مروحة الدبابات ! حتى إذا حل بالأيدي مثل الذي حل من قبل بالأرجل وتأكد الجلادون أن الدم الآن يسيل أمروا ضحيتهم بالإنبطاح . ولا يكون المسكين بحاجة لسماع الأمر لأنه منهار ومُنْتَهٍ بذاته ، فيستقبل الأرض لا حول له ولا قوة .. وتلحق به السياط والعصي تأكل الآن ظهره وجنبيه : خمسون .. مائة .. وربما مائتا جلدة قبل أن يتوقف الزبانية .

ويدخل الحفل مرحلته الأخيرة ، فيقفز أحدهم فوق ظهر الضحية ويلحقه ثان فيقلبه ويعلو صدره .. ويأخذ كلاهما يعفسانه ويركلانه ويمسحان به نعالهما العسكرية الغليظة .. حتى تتكسر الضلوع وتتهتك بقايا الجلد السليم . وتكون الدائرة قد مرت على الدفعة كلها ، وسالت دماء الإخوة جميعاً ونال كل واحد منهم نصيباً من العذاب غير موصوف . ولكم فُقِدَ في حفل الإستقبال ذاك من إخوة وماتوا من غير أن يأبه أحد . ولكم خرج من هذا الجحيم من خرج كسيراً أو صاحب عاهة من غير أن يزيد ذلك الزبانية إلا سروراً وغروراً .

المهجــع 26

مضت ثلاث أو أربع ساعات على حفل استقبالنا هذا وسطعت علينا الشمس فهالنا أن نبصر أنفسنا وكأننا سرب طيور منتوفة الريش ! ومن قبل أن نلتقط أنفاسنا صاح بنا أحدهم أن نلبس ثيابنا ونمشي . ومشينا .. نازفي الجروح مطأطئي الرؤوس . لكن السياط والكبلات لم ترحمنا . ووجدنا أحدهم يهوي علينا بعصا لا أظنها والله إلا جذع شجرة .. إذا هوت على الظهر فلقته . فإذا أصابت الرأس أو الصدغ فالواحد ميت لا محالة !

وكان معنا أخ من ادلب اسمه نديم منصور أصيب أثناء اعتقاله بطلقات رصاص في ساقه وساعِدِهِ ولم يكن يستطيع السير . فتقدمت أنا وأخ من حلب اسمه جمال عيار وحملناه . أنا أمسكه من كتفيه وجمال يرفعه من رجليه . وركضنا وركض الشرطة وراءنا يضاعفون علينا العذاب .. وكدنا مرات عديدة أن نقع ويقع الأخ معنا . ولم نكن ندري إلى أين سينتهي هذا الجري بنا .

وجعلنا ندخل من باحة إلى أخرى ونعبر من باب إلى باب حتى وصلنا آخر الأمر إلى الباحة السادسة من السجن ، ووجدنا أنفسنا نساق إلى مهجع كبير فيها هو المهجع السادس والعشرون . وهناك وبعد أن اكتمل وصولنا وجدناهم يصفوننا على الجدار من جديد ، ومضى الشرطة فختموا لكل منا بضربة عصا على ظهره الدامي لتهد ما يمكن أن يكون تبقى من جََلَدٍ فيه . حتى إذا هدأت الأصوات وسكنت الحركات دخل المساعد أبو جهل المهجع .. وافتتح كلمة ترحيب جديدة حافلة بأقذع المسبات وألفاظ الكفر بالله .. وزف إلينا وسط عباراته الناضحة بشرى وصولنا سجن تدمر .. تدمر التي ستكون فيها نهايتنا .. نحن الخون العرصات العملاء ال.... .

وانتهت الكلمة الترحيبية بنا ، وخرج أبو جهل يتبعه الزبانية ، ووجدنا الباب يغلق علينا ، وصمت كصمت القبور يلفنا . وسرعان ما ألقى كل منا بدنه المنهك على الأرض .. يود لو أن مال الأرض كله بين يديه فيفتدي به ساعة من غير عذاب !

في انتظـار المجهـول !

أغلق الباب وظننا أننا نلنا اليوم نصيبنا كاملاً من العذاب ولن يكون هناك مزيد . غير أن الأمل تبخر لحظة أن نادى علينا صوت أجش من فوقنا يصيح :

الكل لم عالزاوية ولا .

أفزعتنا المفاجأة .. فلم نكن نتصور أن فوقنا داخل المهجع زبانية من الشرطة العسكرية أيضاً . وعندما رفع أحدنا رأسه يستطلع من أين جاء الصوت ناداه الشرطي وهو يشتمه :

أنت يا .. علّم حالك ولا . ولما أقول وين المعلّم بتطلع لبرة ..

وكالقطيع المرعوب انكمشنا نحن في زاوية من زوايا المهجع حيث أمر ، وأطرقنا برؤوسنا نترقب المجهول . وأخذنا نحاول بحواسنا المتوترة أن ندرك معالم هذا المهجع الذي ضمنا من حيث لم نحتسب . ولقد أدركنا لاحقاً أن البناء عبارة عن غرفة كبيرة مستطيلة ، ثمة دورة للمياه على يسار الداخل من الباب ، فيها حمامان تتوسطهما مغسلة وحوض . وأما بقية المهجع ففي حجم ثلاث غرف متتالية ، تحيط زاوية التقاء جدرانها الأربعة بالسقف نوافذ مفتوحة على الدوام ، عليها قضبان من الحديد وحسب ، غير أنها من العلو بما يكفي لمنع وصولنا إليها أو مشاهدتنا لما يجري في الخارج عبرها . وفي السقف نفسه هناك فتحتان مساحة كل منهما متر بمتر تغطيهما قضبان من الحديد الغليظ أيضاً ، يستطيع عناصر الشرطة الذين يتناوبون فوقنا أربعاً وعشرين ساعة في اليوم أن يروا كل ما يدور بيننا من تلك النافذتين ، أو الشراقتين كما تسميان باصطلاح السجون .

الســخـرة

ومضيت أتحسس جراحي وألملم بدني المنهك في سكون .. وانشغل كل منا بحاله فلا تسمع إلا اضطراب الأنفاس وأنات الألم تنطلق بين تارة وأخرى فلا يلبث صاحبها أن يكتمها ويشد على الجراح بصمت .

وانقضت ساعتان أو أكثر بقليل ، وفتح الباب فجأة ودلفت دفعة جديدة من المساجين الجدد تجاوز السبعين أغلبهم شباب في مقتبل العمر من طلاب الثانوية العامة أو الجامعة .. علمنا لاحقاً أنهم كلهم من مدينة حمص ، وأنهم نالوا مثل العذاب الذي نلنا ، ولكننا لم نسمع أصواتهم لأن إجراءات الإستقبال تمت كذلك بعيداً في الباحة الأولى مثلنا . غير أن الشرطة لم يحرمونا من أن نتنعم بسماع صيحات الألم والعذاب ، فلم يلبث أحدهم أن فتح الباب ونادى فينا وكأن له ثأر قديم يريد أن يشتفي منه :

وين المعلّم ولا ؟

فعلمنا أن الأمر جد إذاً ، وأن الأخ لا بد وأن ينال عقوبة تلك النظرة الخاطفة . وخرج المسكين وكان اسمه صالح الوقـاع أستاذاً لمادة العلوم من مناطق دير الزور . وانهال عليه الشرطي لطماً وصفعاً وجلداً ، وصراخه يصم آذاننا ويشوي قلوبنا ولكننا لا نملك له إلا الدعاء .

ولم يكد هذا المشهد أن ينتهي حتى فتح الباب مرة أخرى ونادى عنصر من الشرطة فينا :

من كان منكم عسكري ولا .

غير أن أحداً منا لم يجب . أعاد السؤال فسكت الجميع . وفي المرة الثالثة رفع أحدنا يده وكان اسمه وضاح الـدن من قرى حلب وقال :

أنا سيدي .

قال الشرطي : أنت عسكري ولا ؟

أجاب نعم سيدي .

قال الشرطي وهو يرمقه بقرف : ماشي الحال .. قدم الصف لأشوف .

فوقف الأخ وفق الإجراءات العسكرية ونادى فينا :

انتب......ه . است......رح . است......عد .

وفي الوقت الذي لفنا الإضطراب ولم نعلم بم نتصرف صاح الشرطي فيه :

بتقول استرح استعد المهجع جاهز للتفتيش حضرة الرقيب . تفعل ذلك كل ما سمعت أي حركة على الباب يا ...

فطـور بالإكـراه !

وخرج حضرة الرقيب .. وجعلنا نحوقل في سرائرنا ونسأل الله اللطف والستر .. ولم يلبث أن فتح الباب من أجل إدخال الفطور . وقفز الأخ من مكانه وصاح بنا اللازمة التي تعلمها :

انتب......ه . است......رح . است......عد .

ولكنه تلعثم قبل أن يعلن جاهزية المهجع للتفتيش فلم نكن قد عرفنا بعد كيف يكون ذلك أو كيف ننفذ هذا الأمر في هذه الظروف . ونادى الرقيب وهو يكاد يزمجر :

السخرة .. وين السخرة ولا ؟

ولم يكن قد مضى على وجودنا في المهجع وقت يكفي لنلتقط فيه الأنفاس فكيف لنا أن نفكر بالسخرة وبالطعام ! فلما وجد الرقيب الحالة لم تنضبط والأمر لم ينفذ سحب الأخ وضاح إلى الخارج وانهال عليه صفعاً وركلاً ، فلما انتهى رمى به إلى الداخل ونادى من جديد :

من كان منكم عسكري يا ...... ؟

في تلك المرة خرج الأخ جمال عيار وأجاب . وكان جمال أو أبو الفضل كما كنا نناديه خريج المدرسة الشرعية بحلب يخدم الجندية الإلزامية حين اعتقل . وكان رحمه الله ممتلىء الجسم قصير القامة ، فناداه الشرطي سائلاً :

انت عسكري ولا ؟

قال بثبات واحتراف : نعم سيدي .

قال له : أدخل الفطور الآن .

ودخل علينا جمال بطشت بلاستيكي فيه بعض قطع الجبن وأرغفة الخبز العسكري الجافة ذاتها . تبعها بسطل من الشاي يبعث منظرة على القرف . ولم يكن لأحد لا قدرة وقتها ولا شهية لتناول شيء ، لكننا وجدنا الشرطي ينادي من فتحة السقف فوقنا ويصيح :

الكل واقفاً ولا .

فانتفضنا وقوفاً كلنا .

وجهك عالحيط ولا .

استدرنا من غير أن ننسى هذه المرة أن نغمض أعيننا ونخفض رؤوسنا نحو الأرض .

رئيس المهجع . شيل قطعة الجبنة وطعميهن هالعرصات واحد واحد .

فأخذ أبو الفضل يطوف علينا ويدس في فم كل منا قضمة جبن . فلما انتهى ناداه الشرطي من جديد :

املأ قصعة الشاي وشرّب هال... بالتناوب .

ونفذ جمال ما أمر الشرطي به . وجلسنا من ثم في أماكننا صامتين واجمين . وقتذاك كانت الشمس قد سطعت وتسللت أشعتها الدافئة من نوافذ المهجع العليا فنشرت فينا الدفء والإرتياح لبرهة . غير أن الباب لم يلبث أن فتح من جديد فقفز جمال ونادى باللازمة . ودخل هذه المرة أبو جهل وبعض الزبانية حوله ونادى :

رئيس المهجع . ضب كل المساجين لجوه .

فاجتمعنا كلنا في زاوية داخل المهجع ، فيما دخل عدد من عناصر "البلدية" وفق مصطلح السجن الذي تعلمناه لاحقاً ، وهم المساجين غير السياسيين من العساكر الذين يقضون عقوباتهم في السجن . وأدخل أولئك كوماً من البطانيات المنتنة فكدسوها على مقربة من أقدام المساعد والشرطة العسكرية وخرجوا . فنادى أبو جهل من جديد :

الكل في صف واحد ولا .

فانتظمنا في صف واحد أخذ يمر أمامه وقد أغمضنا أعيننا كلنا وخفضنا هاماتنا . فجعل الشرطة يسلمون كلاً منا بطانيتين وكل اثنين منا عازلاً مشتركاً . والعازل عبارة عن خيمة بالية من خيام الجيش مغطاة بالبطانيات العتيقة . فلما تم الإستلام وفوق البَيْعَة ما لا يعد من اللعنات والشتائم قال أبو جهل يخاطب رئيس المهجع وبقية السامعين :

هذه البطانيات والعوازل عهدة .. وكل واحد مسؤول عن عهدته ولا .

وتلقينا العهدة والتعليمات والشتائم ونحن لا نزال مغمضي العيون خاشعي الحركة . وسمعنا المساعد وأزلامه ينسحبون ويغلقون الباب علينا .. فألقينا عهدتنا الثمينة تلك وألقينا فوقها أجسادنا المنهكة .. لا ندري ماذا نفعل أو نتوقع في الخطوة التالية .

هذه صور من الحريـة التي نادى بها حزب البعث العربي الاشتراكي ، والتي أراد أن يعممها في الوطن العربي كله ، فسلط الله قيادته القطرية على قيادته القومية ، وأنهت دور حزب البعث منذ منتصف السبعينات أو قبل ذلك بقليل ... وبقي النظام الاستبدادي يحكم سوريا بالحديد والنار باسم حزب البعث ... يجمع وينهب خيرات سوريا ولبنان ، ويسود صفحة حزب البعث في العالم أجمع ... فأين أنتم أيها البعثيون الشرفاء الذين تغارون على حرمـة حزب البعث العربي الاشتراكي !!!؟ أين أنتم !!! ماذا تنتظرون !! التحقوا بالمعارضة السورية الداخلية والخارجية ، لنقف جميعاً من أجل إعادة الوحدة الحقيقة والحرية الصحيحة والاشتراكية العادلة لسوريا المغتصبة من قبل هذه ( المافيا ) ...

الدكتور خالد الاحمد  كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ