العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14 / 05 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

محكومون بالأمل

مسعود عكو

إلى محمد غانم وفاتح جاموس وآخرين...

محمد غانم, ذلك التائه بين خلجات نفسه, الطامر عمره في أهات وطنه, وأنين أيامه الصاخبة, الذي ينادي كل أم ثكلى أذرفي المزيد من العبرات لعل تلك الدموع تخفف عنك وطئ السنين, وذل الأيام, وأهات الكلمات الآثمة لترتجف من صوتك كل أسواط الذل, وتتضرع إليك كل عفاريت الظلام.

محمد غانم, ذلك الأخر المختفي وراء أحرف ذهبية, كل واحد منها تنبأ بيوم أخر يكون للحياة طعم آخر, ورائحة أخرى تلك الخلجات الكئيبة التي أبت أن تبارح الفرح فارتطمت كلماته بكل سيوف الذل, وقلعت رياح صوته كل أشجار الغل الدفين في أفئدة هذا الزمن الأخرس.

محمد غانم, ذلك الأنين الصاخب, والضجيج القادم من خلف أسوار المدينة, ومن مراء قضبان حديدية ينادي قائلاً لا تحزن إن الله معنا فانصرنا على القوم الظالمين, ذلك الأكبر من كل عثرة, وحجرة يرمونها الغادرون أمام درب الحصان الأشهب فيزيح برجفة واحدة كل أحجار الكراهية, ويحفر في الأرض صراط الأمل الواعد, ولا يهمه في كل ذلك سوى إشباع رغبة إنسانية يحاول قدر الإمكان إبراز هذه الصفة الآدمية في نفسه, وإهدائها للآخرين لعل, وعسى نصل إلى الطرف الأخر من النهر, والضفة الأخرى من الفرات العذب. 

كان ذلك الرجل الكبير في العمر نوعاً ما, ذو الشعر الأبيض, الخفيف الحركة, والسريع المشي, يتنقل هنا, وهناك وعندما جلسنا في أحد بيوت القامشلي, جلست بجانبه, وتعرفنا على بعض قال أنا: فاتح جاموس من حزب العمل الشيوعي, كانت المرة الأولى التي ألتقي بها بذلك المناضل الذي طالما سمعت عنه, وعن سجنه الطويل في غياهب معتقلات الوطن, وكانت المرة الأولى التي اسمع فيها جهارة شخص يدعي انتماءه لحزب ظل لسنين عديدة مجرد اللفظ به خطراً على أمن الدولة, ودخل على إثر تلميع أحد ماسحي الأحذية لحذاء أحد رفاق الحزب إلى السجن ثماني سنوات, كيف تجرأ فاتح جاموس البوح به؟ سؤال ظل معي طويلاً لكنني الأن عرفت جوابه.

بعد قراءتي لمقالة مايا فاتح جاموس في الذكرى السادسة لخروج والدها من معتقلات الوطن, لا يتصور أحدكم إلى درجة أثرت فيي تلك المقالة, والتي هي أشبه برسالة اعتزاز, وحزن, وكآبة, وخوف من الأيام القادمة, رسالة مايا كانت بوحاً لخواطرها التي بدأت تتسابق في خروجها من قلب ظل لسنين ينتظر حنان ذلك الأب, وتضحك في وجهه أحياناً, وتبكي أحياناً كثيرة على صدره.

تلك الفتاة التي لم تستطع كمثيلاتها أن تتفاخر بأبيها أمام زميلاتها وظلت الكآبة متلازمة إياها لسنين عديدة وكانت طفولتها ومراهقتها سجينة قضبان حديدية تنتظر الأيام لتكسرها, وقد فعلتها تلك الأيام لكن عادت تلك القضبان لتضع أبيها خلفها, وتفتح جروحاً قديمة متجددة قد مل القدر من التئامها لكن أبى الزمن أن يشفيها, وظلت هكذا.

ألا يكفي ثمانية عشر عاماً ضريبة أفكار كان يحاول فاتح جاموس كغيره من أبناء هذا الوطن أن يعيش في بلد للإنسان فيه كرامة ويتفاخر كأي إنسان على وجه البسيطة بانتمائه لوطنه الذي ظل سجيناً فيه لمجرد أن له رؤية مغايرة للنظام الحاكم فيه ويرى بأن طريق الصواب يمر من خلال تلك الأفكار ما الضير في تبنيه لتلك الهواجس, والأفكار ليخلق وطناً يكون لكل مواطن فيه موطئ قدم, ورقعة أرض صغيرة يشعر فيها بأنه حر, وذو كرامة.

أصدقائي سنبقى أسرى أيامنا المتهالكة, ونبكي على كل كلماتنا الصغيرة, وأحرفنا التي تحاول أن ترى نور الطمأنينة في ظل كآبة هذا الليل الأسود, ولن نبرح أماكننا سنظل على الدرب سائرين حتى نحقق كل أمانينا في بناء يوم جديد, وحياة جديدة يكون لنا فيها اسم, وعنوان, وإن رحلنا عنها نبقى في ذاكرة الحجل الحزين عنواناً للحب, والعزيمة, والحرية, ولن تهزمنا بنادقهم الصدئة بل ستقد أقلامنا مضجع الانهزاميين الذين يحاولون في كل مرة كسر تلك اليراعات, وتجفيف أحبارنا, وسنظل سائرين بخطىً جريئة, ولن تنال منا أية كلمات أخرى بل سنبقى دائماً في غمرة الفرح نلعب, ونلهو بكل ما نملك من حرية, ونشع أحلامنا لكي تبدى للعيان كافة بأننا أصحاب حرية, وطلاب إنسانية, ولن تمنعنا كل أسلحة الأرض طالما في يد كل واحد منا قلم يخط به لأحلامه الصغيرة, ويسعى للفرح, والسعادة في غمرة الأيام الصدئة, وسنكون في كل لحظة, ولحظة بانتظار أقوى كلمة تهزم الظلاميين ألا, وهي الحرية, وسنبقى دائماً وأبداً محكومون بالأمل.


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ