العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 14 / 03 / 2004


نشرنا لأي مقال أو بحث لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

قراءة في الإفراجات الأخيرة

أفرجت السلطات السورية في الأول من شباط الفائت عن دفعة جديدة من المعتقلين السياسيين دون أية مساع لوضع الحدث في سياق مجريات الوضع السياسي الداخلي. كما لم تُظهر، من خلال هذا الإفراج، أية بوادر تشي بوجهة تعاطيها مع مسألة تحريرهم  من زاوية إنسانية أو حقوقية، فاحتفاظها بمئات المعتقلين الآخرين من التنظيمات والتوجهات والتهم والتبريرات ومدد الاعتقال ذاتها يُظهر عدم اكتراثها بهذا الجانب.  ورغم القيمة الإنسانية والحقوقية التي يتضمنها أي إفراج، إلا أن أوضاع المفرج عنهم في هذه الدفعة إضافة إلى طبيعة المرحلة إقليمياً ودولياً تحول دون التباهي بـ"العفو"، ودون التفات المجتمع السوري إليه بوصفه مؤشراً إلى انفراج عام في الوضع الداخلي.

   بلغ عدد المفرج عنهم هذه المرة 114 معتقلاً من اتجاهات وتنظيمات متنوعة، تجمع فيما بينهم وتجمعهم إلى الإفراجات السابقة ثلاث سمات، فهم: إما معتقلون دون تهم محددة ودون محاكمات وأحكام، أو معتقلون زادت مدد اعتقالهم الفعلي على مدد الأحكام التي أصدرتها بحقهم، في الأحوال كافة، محاكم استثنائية وغير دستورية، أو ممن خرجوا لأسباب صحية، أي ممن يعانون من أمراض عضال. يضاف إلى ذلك أن اثنين من المعتقلين المفرج عنهم كانا حدثين لا يتجاوز عمراهما السبعة عشر عاماً عند اعتقالهما، فضلا عن ستة من أقرانهم الذين أعيدوا إلى سجنهم بعد يومين من الانتظار في أحد معتقلات أجهزة الأمن؛ وهؤلاء الثمانية كانوا قد اعتقلوا في مطلع الثمانينات من القرن الماضي. ومدونة "القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء" توصي بوجوب " أن تكون القاعدة العامة ألاّ يُحكم على هؤلاء الجانحين الصغار بعقوبة السجن"، رغم ذلك فإن الأحداث الستة، وهم الآن في مقتبل الأربعينات من أعمارهم، ظلوا في حبسهم لعلة وزمن غير معروفين.

 والمعتقلون وقد خرجوا من حبسهم بعد كل هذه السنوات يبدون قلقين في بعض الأحوال مما حدث من تغيرات في المجتمع والسياسة، فبعضهم يفضل الانسحاب إلى حياته الخاصة هرباً من مسؤولية العمل في قضايا الشأن العام، وتذرعاً بخشية تجدد الاعتقال. و أكثرهم يعاني من مشكلات أسرية واقتصادية لا قبل لهم بمواجهتها بما اعتادوا عليه من أساليب في التفكير والسلوك، وأغلبهم تم استدعاؤه من قبل أجهزة الأمن لتبصيرهم بشؤون دنياه ما بعد الحبس، الأمر الذي يفسر تجنبهم التعامل مع منظمات حقوق الإنسان؛ إذ  يمكنهم أن يفعلوا ما شاءوا إلا أن يُظهروا التعاون مع من يريد التواصل معهم وإيصال ألمهم ومحنتهم إلى الآخرين. والمؤلم بعد كل هذا أنك تجد بينهم، وخاصة ممن أُدخلوا السجن في سن مبكرة، من يقر بـ"خطأه"، دون أن تفهم ما هو هذا الخطأ، لكنك تحزر كيف وصل به الأمر إلى الإقرار بذنب لم يرتكبه.

  المجتمع في سورية مطالب بتجنيب هؤلاء المعتقلين محن ما بعد السجن، بعد أن عجز عن تجنيبهم محنة الاعتقال والحبس. والسلطة تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية إزاء هؤلاء وإزاء من سبقوهم ومن بقوا بعدهم رهن الاعتقال؛ مسؤولة عن إعادتهم إلى أعمالهم، ومسؤولة عن توفير فرص عمل لمن لا يجدونها منهم ومسؤولة عن مساعدة المرضى منهم في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، وتعويضهم جميعاً مادياً ومعنوياً عن سنوات الاعتقال الطويلة.

ونحن كملاحظين وناشطين حقوقيين نفهم أن إغلاق ملف الاعتقال السياسي في سورية مرة واحدة، ودون تكتيكات ورسائل قد لا تصل إلى عنوانيها، هو المفتاح لطي صفحة مظالم ستبقى مفتوحة على المستقبل، وستبقى موضوعة على جدول أعمال الجيل القادم ما دامت الشجاعة والعزم الكافيين لطيها لا يتوافران في هذا الجيل.

المرصد / نشرة إلكترونية غير دورية / صادرة عن جمعية حقوق الإنسان في سورية


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ