العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد12 /02 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

اصلاح النظام العربي

باستثناء الوظيفة السلطوية بأكثر معانيها ضيقا أثبت النظام العربي خلال الأعوام القليلة الماضية

عدم قدرته على مواجهة التحديات، الداخلية منها والخارجية، وأصبحت الصورة العامة تكشف عن هشاشة وعطب شديدين يصعب إخفاؤهما أو مداراة سوءاتهما، فكل ما جرى من احتلال للعراق وتصعيد للهجمة الصهيونية في فلسطين،وانهمار لمشروعات الإصلاح الأجنبية، إضافة إلى فشل ذريع في تحدي التنمية أثبت أن النظام العربي الحالي بات مستهلكا تماما، وعاجزا عن مواكبة المتغيرات الحاصلة حواليه في كل المجالات سياسية واقتصادية وثقافية، وظهر بشكل واضح للعيان أن الأنظمة العربية ! لا تملك إلا مشروعا واحدا هو إدامة بقاء السلطة في يدها لأمد غير محدود.

وحين انكشفت الفراغات في الوطن العربي كان ذلك مدعاة لأن تحدث تدخلات خارجية متباينة الأشكال والوسائل والأهداف، فهناك من جاء لسد فراغ الديمقراطية، وآخر ادعى أن مهمته سد فراغ إصلاح النظام العربي، وثالث يتحدث عن ملء فراغ المجتمع المدني. وجهات قابضة ومانحة دولية تتحدث عن ملء فراغات اقتصادية، وعن برامج لإدارة موارد الدول

وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فبعد الحادي عشر من سبتمبر أصبح يجري التعامل مع العالم العربي على اعتبار أنه مصدر خطر يدعى الإرهاب، ومرض يدعي التطرف الديني والفكري، ومن ثم فإنه ينبغي عزله ومعالجته،! أو استئصاله وتغيير هويته

علينا أولا أن نعترف بالواقع الذي نعيشه فالنظام العربي متخلف، وديكتاتوري واستبدادي وأنه طوال أكثر من نصف قرن مضى لم يحدث تداول سلمي للسلطة في أي من الدول العربية

وأن الوطن المحكوم بهذه الأنظمة يواجه اليوم نقطة اختبار دقيقة، إما أن يستطيع اجتيازها ويفرض نفسه من جديد كعنصر مؤثر في معادلات القوة على المستوى الإقليمي، وإما أن يتحول إلى مجرد عنصر هامشي ينتمي إلى التاريخ، ويجري فصله تماما عما ينتظر المنطقة من إعادة ترتيب وإلغاء للهوية العربية وطمس للحضارة والتراث وهدم للقيم التي هي بنظر الغرب تفرخ التطرف والإرهاب

حاجة إلى إصلاح

بناء على ذلك فإن هناك حاجة ماسة للإصلاح، وضرورة لأن تقف الأنظمة وقفة جادة تراجع فيها أحوالها وتتفحص المتغيرات الحادثة من حولها، وتلتفت بعد طول مكابرة الى المطالب الداخلية المتعلقة بإصلاح الأحوال السياسية والاقتصادية وإصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز المشاركة الشعبية وحقوق الإنسان وتحديث منظومة التعليم ونشر الثقافة وذلك تلبية لحاجة ذاتية وأوضاع داخلية . ولجسر الهوة بين العالم العربي وبين التطورات الدولية في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية

فكم ضاعت سنوات طويلة تم خلالها تجاهل تأثير المتغيرات والتحولات الدولية بعد انهي! ار الكتلة الشرقية والاستهتار بالحاجات الداخلية وبالتيارات السياسية التي ضغطت لإصلاح الأوضاع. لم يتجه العالم العربي نحو تعزيز التكامل الاقتصادي العربي ليواكب متطلبات العولمة، ولم يطور نظمه السياسية

ويعزز شرعيتها انسجاما مع واقع انهارت فيه الدكتاتوريات، وصار فيه حكم الفرد أثرا بعد عين اللهم إلا من دول قليلة حالها أشبه وربما أتعس من البلدان العربية، كما لم يستنهض قواه الاقتصادية لتأمين حاجاته ولم يرتق بنوعية التعليم فيه ليواكب الثورة العلمية والتكنولوجية في العالم ويفترض بالنخب الحاكمة والنخب الملتحقة بها أن تدرك أن انسداد آفاق التغيير هي أكثر ما يسهل على القوى الخارجية التدخل،

وأن عملية الإصلاح تعزز من قوة العالم العربي في مواجهة ال! تحديات الخارجية، وتزيد مناعته في مواجهة التحديات والتدخلات وأشكال الابتزاز الأجنبي، كما أنها تتيح استقرارا يمكن أن يديمها في سدة السلطة نظرا لغياب البديل في أكثر من بلد عربي، لكن البقاء في هذه الحالة يمنحها مشروعية مفقودة، ويكسبها احتراما هي أبعد ما تكون عنه في الوضع الحالي.

إصلاح شكلي

ولأن أطراف النظام العربي ظلوا يتعاملون معه لعقود طويلة على أنه واقع شكلي، وليس حقيقة عليهم مواجهتها والتعامل مع استحقاقاتها، فإن ما خيم على مشاريع الإصلاح التي عرضت في الفترة الأخيرة، هو تغليب الشكل على الم! ضمون، فقد أراد الجميع البدء بعملية إصلاح افتراضية،

غير أن كل طرف أرادها خارج نطاقه أو في أحسن الأحوال أراد كل نظام قبول عملية الإصلاح عبر إصلاح غيره من الأنظمة أولا، وفي النهاية لم يرض أي طرف بتحمل تبعات الإصلاح في نطاقه، وكأن هناك عدم إدراك لحقيقة أن إصلاح العالم العربي يبدو مستحيلا طالما لم يقم كل بلد بمعالجة مشاكله، وكل نظام بإصلاح أحواله.

وبدلا من الانخراط في عملية تغيير جماعي حقيقي بدأ كل طرف في النظام العربي يلقي باللوم على غيره في تعثر التوافق على مشاريع الإصلاح وأولوياتها، وتركز الأمر على مناقشة إصلاحات صورية تهدف إلى استمرار الأنظمة كما هي عليه دون أن تخطو خطوة واحدة للأمام.

وإذا كانت الإصلاحات النابعة من حاجات ذاتية قد أجهضت في القمة الأخيرة التي عقدت بتونس بعد لأي، فإن مصير المشاريع الخارجية لم يكن أوفر حظا إذ انقسم العرب حول هذه المشاريع الآتية من الولايات المتحدة وأوروبا، هناك من رفضها بدعوى أنها مفروضة من الخارج، ومن رفضها لأنها لا تناسب الأوضاع العربية الراهنة، ومن رفضها لأنها تستبق حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي والذي يفترض أن يحل أولا، وهناك من أخذ يلتف حول الأفكار الغربية وذلك من خلال الاستجابة الانتقائية أو الوظيفية لها، أو الفصل بين استحقاقاتها الداخلية والخارجية.

وهناك من أخذ يساوم الولايات المتحدة مذكرا بدوره القديم المتمثل في ضبط الشعوب بالمعنى التقليدي الكلاسيكي للكلمة، مستغلا التباين الظاهر بين شعوب أصبحت معادية للغرب، وأنظمة تسي! ر في ركابه وكل مطالبها هو أن تبقي في السلطة لأن البديل لن يستطيع وفي الوقت نفسه بدا الغرب مشتتا بين رغبته في إبقاء سيطرته على المنطقة، وبين رغبته في نشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبدأ بعض المفكرين الغربيين يتساءل عن كيفية حل المعضلة المتمثلة في أن الديمقراطية ستأتي بنخب تناصب الغرب العداء، وربما تهدد المصالح الغربية.

وفي الوقت نفسه بدا الغرب مشتتا بين رغبته في إبقاء سيطرته على المنطقة، وبين رغبته في نشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبدأ بعض المفكرين الغربيين يتساءل عن كيفية حل المعضلة المتمثلة في أن الديمقراطية ستأتي بنخب تناصب الغرب العداء، وربما تهدد المصالح الغربية، وعن كيفية تجميل وجه الديكتاتوريات الحالية، ودفعها إلى تنفيس الاحتقان الذي يعاني منه الشارع، وإحداث تغييرات لا تصل إلى حد التهديد بإفقادها كراسي الحكم.

هروب

ربما يفسر ذلك محاولة القفز على الواقع التي حدثت في القمة الأخيرة، فالنظام العربي حاول الهروب للأمام حينما طالب بإيجاد برلمان عربي فيما تخلو الساحات المحلية من برلمانات شرعية غير مشكوك في نزاهة الانتخابات التي جاءت بها، وفي ظل غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة الشعبية ودولة القانون والمؤسسات، أو وجودها في حالة شكلية وباهتة وفي ظل غياب أو تقييد حرية الأحزاب والنقابات والصحافة.

لذلك تعامل البعض بسخرية مع تلك الأفكار، واعتبرها آخرون تتسم بنوع من الترف أو الرغبة في القفز على الحقيقة، وبدلا من أن يتصدى القادة العرب لمش! كلة الإصلاح الحقيقي الذي لا يرغبون في حدوثه أدخلوا أنفسهم في متاهات الجدل حول المؤسسات المقترحة كيف يتم تقسيم مقاعد البرلمان العربي المقترح بين الدول وعلى أي أساس وكيف يتم اختيار القضاة في محكمة العدل العربية أو اختيار أعضاء مجلس الأمن القومي العربي، ونسجت من هذه التفاصيل شبكة من الخلافات والحوار البيزنطي جعلتهم يدورون حول المشاكل الفعلية دون اقتحامها.

وبدأت بعض النظم العربية تبحث عن طريقة فردية لحل المشاكل القائمة مع الغرب عبر تعامل ثنائي وانتقائي مع مطالب الإصلاح محاولة بذلك أن تنجو بنفسها وتحوز الرضا، فيما اتجهت نظم أخرى إلى الاستجابة لمطالب تتعلق بالسياسة الخارجية وتتجاهل المطالب المتعلقة بتطوير الأوضاع الداخلية.

اولويات الإصلاح

بغض النظر عن الضغوط الخارجية ومحاولة الالتفاف عليها، فإن المواطن العربي لن يصدق أي إجراء ما لم ينعكس على حاله، سياسيا واقتصاديا، فالمواطن بحاجة الى أن يحس بوطن يمنحه حقوقه ولا يتعامل معه بوصفه كما مهملا مسلوب الإرادة بل باعتباره إنسانا حرا يستطيع أن يمنح صوته الانتخابي لمن يعبر عن إرادته ويحقق تصوراته وطموحاته وآماله

ولا يعني المواطن كثيرا أن تلتف الحكومات العربية حول الحاجة الماسة للإصلاح داخل ك! ل بلد وتقوم بتصديرها إلى النظام العربي

ككل وكأنه كائن بحد ذاته في حين أن الواقع يؤكد أنه مجرد محصلة للمنظومة السياسية والاقتصادية السائدة في الأقطار العربية.

وحتى إذا كانت النوايا الصادقة فإن الإصلاح من قمة النظام العربي كان يفترض أن يبدأ من تعزيز المصالح البينية في التجارة والاستثمار و تحديث منظومات التعليم والاقتصاد والتشريعات،

من الاتفاق على مناهج تعليم موحدة، إلى إنشاء شبكة طرق وسكك حديدية وخطوط بحرية تربط العالم العربي، إلى إنشاء مراكز موحدة لأبحاث العلوم والتكنولوجيا، إلى استحداث نظام فيزا موحد، أو إتاحة التنقل والدخول دون تأشيرات كما هو الحال على الجانب الآخر من المتوسط

هناك بالقطع بين نخب الحكم من يعي أن الإصلاح والتحديث عملية متدرجة تبدأ من تطوير نظم التعليم وتأمين الحد الأدنى من الخدمات والعدالة الاجتماعية، وتمر بتنمية الاقتصاد ومحاربة الفساد وهدر الثروات وإضفاء الطابع المؤسسي على الدول وتعزيز استقلال القضاء، وتتطور لتصل إلى التربية على الديمقراطية، وترسيخ مفهوم المواطنة وإعلاء شأن الدستور والمساواة أمام القانون وتعزيز المشاركة الشعبية.

تفعيل عمل الجامعة العربية

في الوقت الذي تصاعدت فيه الأخطار التي تحدق بالمنطقة العربية اتجهت الأنظار الى جامعة الدول العربية علها تدفع بعض الخطر، وباستثناء الحالة الفلسطينية، فإن النظم لم تلجأ للجامعة إلا حينما أحست أن بقاءها نفسه بات مهددا، وأن دورها الوظيفي أصبح محل نقاش في عواصم القرار الغربية.

ورغم التشوهات التي صاحبت نشأتها كانت غاية الجامعة تحقيق الاستقلال والأمن لدولها وال! سعي نحو تحقيق التضامن والوحدة العربية، لكن مسيرتها اعترضتها عقبات كثيرة أدت الى فشلها في تحقيق أغلب الأهداف التي أنشئت من أجلها وكان الإخفاق الأكبر للجامعة متمثلاً في فشلها في حماية أمن الكثير من الدول الأعضاء فيها ضد الاعتداءات الخارجية، إذ ظلت أحكام اتفاقية الدفاع العربي المشترك، حبرا على ورق ولم توضع موضع التطبيق الفعلي إلا في حالات نادرة.

بنفس القدر كان نجاح الجامعة العربية في تسوية المنازعات العربية- العربية محدودًا للغاية، فمن بين سبعة وستين نزاعا في الفترة من 1945-1981 لم تنجح الجامعة إلا في تسوية ستة نزاعات منها فقط.

لذلك أصبح هناك شبه إجماع من جانب المخلصين على أن استمرار عمل الجامعة بوضعها الحالي ليس إلا إضاعة للوقت والمال والجهد، فالتجارب المريرة على مدى نصف قرن تؤكد أن العرب فقدوا المبادرة وتركوا أمرهم بيد غيرهم وانشغلوا بمجاملة بعضهم البعض، أو بتوتير علاقتهم ببعضهم البعض

ولكن ما هو ذنب الجامعة كمؤسسة للعمل المشترك إذا كان بوسع أي مراقب أن يكتشف أن فشل الجامعة والنظام العربي سببه عدم وجود إرادة سياسية جادة لدى معظم البلدان العربية في تفعيل النظام العربي حيث سيطر اعتقاد على معظم حكام العرب أن نظاما عربيا فعالا سيفقد أنظمتهم كثيرا من سيادتها، ولذا تعامل أغلبهم مع ! الجامعة وكأنها رابطة استشارية أو ديوان تشاور وليست مؤسسة إقليمية جامعة ووسيلة فعالة لاستكمال نظام إقليمي يحتاجه الجميع.

الدكتور محمد وليد اسكاف

مواطن عربي سوري


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ