العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد13 /11 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

ديتليف ميليس... إلى أين؟

مسعود عكو

ديتليف ميليس القاضي الألماني المكلف بتولي التحقيقات بمقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري,والذي كلف من قبل مجلس الأمن الدولي بموجب قرار صادر عنه برقم /1595/ بتاريخ 7/4/2005الأمر الذي وضع جريمة اغتيال الشهيد الحريري في إطار غطاء دولي, بغية الوصول من خلال هذه التحقيقات إلى خفايا أمور مبطنة تبطن في طياتها أسرار الجريمة النكراء, وغايات الدول التي ترعى هذه الجرائم البشعة من خلال انتهاجها سياسات إرهابية للتخلص من الأشخاص الغير ودودين لها, أو الذين يشكلون لها عثرة تقدمها في جشعها وطغيانها وجبروتها.

أسئلة كثيرة بل, وأكثر من كثيرة يطرحها المراقب العام للأوضاع على الساحة الشرق أوسطية, وخاصة بعد اغتيال الحريري, ومن جملة تلك الأسئلة التي سألت نفسي قبل أن يسألها عني غيري بغية مرادهم مني إعطائهم جواباً مقنعاً لعل, وعسى تهدأ من وسواس الحيرة التي بات الكثير من الأناس في غمرتها, والأهم في كل هذه الأسئلة هي ما الذي يختلف بالحريري عن غيره لتولى لجنة دولية لتقصي الحقائق مهمة البحث عن دوافع الجريمة, ويكلف العالم عن طريق الأمم المتحدة لجنة قضائية دولية لتقصي التحقيقات, والانتهاء إلى كشف أسرار هذه اللغز اللعين.

لماذا الحريري بالذات؟ ما هي دوافع الجريمة؟ من هي الدول المتورطة في هذه الجريمة؟ أسئلة كثيرة مشابهة لهذه الأسئلة تطرحها علينا السوسة الموجودة في عقولنا, وإلى هذه اللحظة عن نفسي لا أجد لها أية أجوبة, ولكن جل علمي يكمن في أن جريمة اغتيال الحريري هي جريمة سياسية ليس الهدف منها فقط إزاحة الحريري عن رئاسة الحكومة اللبنانية, ولكن أشياء أخرى من قبيل إعادة ترتيب البيت الإقليمي للشرق أوسط العربي, وخاصة بعد سلسلة التغيرات في العالم قاطبة, وفي العربي منه خاصة, وليبيا والعراق مثالان حيان شاهدان على نتيجة هذه المتغيرات فهل كانت هذه الجريمة هي مفتاح بوابة تغيير النظامين الحاكمين في بيروت, ودمشق, وبدا ذلك واضحاً من إسقاط الحكومة اللبنانية بعيد اغتيال الشهيد الحريري, وتوجيه التهمة بشكل مباشر إلى النظام الأمني في لبنان, وقادة القوات السورية العاملة فيها.

ديتليف ميليس خلص في 21/10/2005 إلى تسليم تقريره المهني إلى رئاسة الأمم المتحدة, وأعلن عن تورط مسؤولين أمنيين لبنانيين في جريمة الاغتيال, وأكد بأنه قرار عملية الاغتيال ما كان ليتخذ دون موافقة مسؤولي أمن سوريين كبار, وتواطؤ نظرائهم في أجهزة الأمن اللبنانية بالإضافة إلى تورط جهات أخرى في هذه الجريمة كجماعة الأحباش الإسلامية, وتورط عناصر من الجبهة الشعبية القيادة العامة إلا أنه السؤال الأهم الذي طرحته نتيجة تقرير ميليس هو لماذا اغتيل رفيق الحريري؟ والنائب باسل فليحان؟ وغيرهم؟ في جريمة قذرة تقشعر لها الأبدان, الجريمة التي نفذت بكل دقة, وعلى الأغلب جريمة شبه كاملة.

اغتيل العشرات من المسؤولين اللبنانيين قبل الحريري بعشرات السنين, ومنهم من كان أكبر من الحريري منصباً فالرؤساء والزعماء الدينيين, والحزبيين, وغيرهم لقوا نصيبهم من جرائم الاغتيال, ولم تستطع أي حكومة لبنانية, أو حركات شعبية, وسياسية في لبنان من تحويل ملفاتهم إلى الأمم المتحدة بغية الحصول على قرار يقضي إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية لتقصي الحقائق في جرائم الاغتيال المختلفة التي طالت العشرات من المسؤولين اللبنانيين.      

العديد من الملفات التي كانت ترقد تحت رماد هادئ, وأهم هذه الملفات الوجود العسكري السوري في لبنان, والتواجد الفلسطيني على مستوى الجماعات المسلحة بالإضافة إلى ملف حزب الله, والتي كانت تسعى الولايات المتحدة, وإسرائيل, واللبنانيين إلى الحصول على قرار دولي يقضي بإلزام كل هؤلاء بترك لبنان, وشأنه, وتمنع التدخل في حياة اللبنانيين, وكان ما أرادوا في /2/ 9/ 2004/, حيث أصدر مجلس الأمن الدولي القرار/1559/ الخاص بالوضع في الشرق الأوسط، ودعا إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية من لبنان.

اغتيال الحريري مسألة اغتيال سياسي بدون منازع لما لتأثير الحريري سياسياً في لبنان كرجل سياسة, ولما له من مكانة اقتصادية عالمية, وليس فقط لبنانياً حيث كان يملك شبكة اقتصادية عالمية من خلال المئات من المشاريع العملاقة في لبنان, والعالم العربي, وحتى الغربي, وبذكاء حاد يدير تلك المنظومة فاغتياله يأخذ أبعاداً أخرى قد يكون للاقتصاد فيها نصيب حتى ولو لم يذكر تقرير القاضي الألماني ميليس هذه المسألة فهو بالحالة الطبيعية لرجل أعمال مثله أن يكون له أعداء في كل بقعة يحط فيها رحال أعماله, ولكن تبقى هذه الأشياء كلها مبهمة, وغير مبينة.    

دوافع كثيرة أدت إلى اغتيال الشهيد الحريري, وأهمها برأي هي إيجاد ورقة عمل دولية للضغط على النظام الحاكم في سورية بغية قلبه وتغييره, وتم توريط سورية بشكل, أو بأخر في هذه الجريمة سواءً كانت الحقيقة كامنة في تقرير القاضي الدولي, وهي تورط سورية حقيقة في جريمة الاغتيال, أو لم يكن صحيحاً فالأمر بدا واضحاً من خلال إصرار الولايات المتحدة, وفرنسا, وبريطانيا إلى إيجاد قرار دولي أخر عن طريق مجلس الأمن الدولي للضغط على هذا النظام حيث يأخذ باستنتاج اللجنة بأن عدم التعاون الجوهري من جانب حكومة سوريا مع اللجنة، قوض التحقيق, وأن المسؤولين السوريين حاولوا تضليل التحقيق بإعطاء بيانات مغلوطة وغير دقيقة، بالإضافة إلى أنه يأخذ علماً بقلق بالغ بنتائج اللجنة أنه، بالبناء على ما تم العثور عليه من قبل اللجنة والتحقيقات اللبنانية حتى اليوم, وعلى أساس المواد, والبراهين المجمعة، والدلائل التي تمت متابعتها حتى الآن، فإن هناك دلائل مركزة تشير إلى تورط مسؤولين سوريين ولبنانيين في هذا العمل الإرهابي، وأنه من الصعب تصور سيناريو يمكن أن يتم فيه الاغتيال من دون علمهم.

حيث يقرر في هذا الإطار بأنه على سوريا اعتقال هؤلاء المسؤولين السوريين, أو الأشخاص الذين قد تعتبرهم اللجنة مشتبهاً بتورطهم في هذا العمل الإرهابي، وجعلهم متاحين بشكل كامل ومن دون شروط للجنة, وعلى اللجنة أن يكون لها في مواجهة سوريا الحقوق, والسلطات ذاتها المشار إليها في الفقرة الثالثة من القرار /1595/، وعلى سوريا التعاون مع اللجنة بشكل كامل, ومن دون شروط على هذا الأساس, وعلى سوريا أن تسمح للجنة بإجراء مقابلات مع مسؤولين سوريين, أو غيرهم من الأفراد, وتعتبر اللجنة أن لهم ضرورة للتحقيق خارج سوريا أو بعيداً عن وجود أي مسؤول سوري آخر إذا طلبت اللجنة ذلك, وعلى سوريا أن تتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، سواء مباشرة, أو بشكل غير مباشر، والامتناع عن أية محاولة تستهدف زعزعة استقرار لبنان، وأن تحترم بشكل كامل سيادة, ووحدة أراضي, والاستقلال السياسي لهذا البلد, ويقرر أيضاً أنه على سوريا أن تتعهد نهائياً بوقف دعمها لكل أشكال الأعمال الإرهابية, وكل المساعدة للجماعات الإرهابية, وإظهار هذا التعهد بتحركات جدية.

الأهم من هذا كله هو وجود نية اتخاذ إجراءات إضافية بموجب المادة /41/ من ميثاق الأمم المتحدة إذا اقتضى الحال لضمان رضوخ سورية إلى تلك التوصيات, والمطالب الأمر الذي يضع الحكومة السورية في وضع محرج تجاه التعامل دولياً مع هذا القرار, والغير مستبعد حصول تلك القوة عليه لإجبارها على تنفيذ تلك التوصيات حتى, ولو كان ذلك على حساب تسليم قيادات كبيرة, وأقرباء للرئيس السوري لمحكمة دولية متهمين من قبل اللجنة الدولية في حال تم إثبات تورطهم في جريمة الاغتيال, ولكن هذا بضرورة الحال ستضع الحكومة السورية أمام مآزق كبيرة, وكثيرة لما تشكل مناصب هؤلاء الأشخاص من درجة عالية, وكبيرة في سلم النظام الحاكم في سورية ناهيك عن صلة القربة مع الرئيس السوري بشار الأسد.

إلا أن الرئيس أكد في مقابلته مع قناة سي أن أن الأمريكية, وفي رد على سؤال من الصحفية الأمريكية:" والآن، لا بد أنك سمعت التكهنات بأن سوريا قد تكون متورطة، في حال حصل هذا، وفي حال ذكرت أسماء مسؤولين سوريين مرموقين على أنهم مشتبهون، فهل ستقومون بتسليمهم إلى محاكمة دولية؟فرد الرئيس قائلاً: "إذا كان هناك شخص سوري متورط فهو يعتبر في القانون السوري خائناً، وسوف يحاكم بأشد العقوبات على هذه الخيانة. لكن أين ستحصل المحاكمة موضوع آخر.في أي حال نتحدث من ثقتنا بأن سوريا غير منغمسة. حتى الآن ليس هناك دليل مادي على تورط سوريا, ونحن متأكدون من هذا, وفي سؤال تأكيدي لكبيرة المراسلين الخارجيين في محطة سي أن أن الإخبارية كريستيان أمانيور للرئيس قالت: دعني أستوضح هذا ثانية، إذا ثبت تورط سوريين فسوف تسلمهم إلى محاكمة دولية؟ فرد قائلاً:  نعم، إذا كانوا متورطين فيجب معاقبتهم سواءً أمام القضاء الدولي, أو السوري. إذا كانوا متورطين فيجب معاقبتهم، وإذا لم تتم معاقبتهم دولياًً فسيعاقبون في سوريا".

إلى حين وصول المسلسل الدولي مع ديتلف ميليس إلى الحلقة الأخيرة, والتي قد تكون في منتصف الشهر الأخير من هذا العام ستبقى تلك الأسئلة أسيرة أجوبة غير مقنعة, و سجينة تكهنات ليست في محلها لكن طالما الأمر وصل إلى الأمم المتحدة بالتأكيد سنرى سيناريوهات مختلفة قد تكون على الطراز الليبي, أو العراقي, أو شكل أخر من السيناريوهات التي غالباً تتخذ طابعاً دولياً حتى, ولو كانت هذه المسائل تكون مكلفة, وباهظة فالشعب المسكين يدفع كعادته ثمن تذكرتها وفاتورة أخطاء ليس له فيها ناقة ولا جمل فأين سترسي مراكبك أيها القاضي الألماني السيد ديتليف ميليس؟

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ