العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد13 /11 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

الاقتصاد السوري

ونتائج تقرير ميليس

الباحث الاقتصادي هيكل غريب

المعروف للجميع في سوريا او في غيرها ان هناك على الارض  الكثير من التبعات السلبية والنتائج غيرالمرضية التي سوف تترتب لاحقاً على تقرير المححقق  الدولي ميليس .

لكن اخطر هذه النتائج واكثرها تأثيراً علىالمجتمع السوري هي النتائج الاقتصادية التي اخذت بوادرها السلبية تتطل على البلاد حتى قبل ان يسلم ميليس تقريره للامم المتحدة .

والسؤال  الان ماذا اعدت ادارة البلاد لتلافي هذه النتائج التي تصيب العباد قبل اولياء الامور؟

لانبالغ اذا قلنا وخاصةً اذا وضعنا امام الجميع تجربة اربعين عاماً من الحكم ، ان الامر بالغ الصعوبة ، ويحتاج الى معجزات في عالم لاتوجد فيه معجزة .

فباديء ذي بدء ، وعندما نلجأ الى عالم التحليل والمعلومات للتحدث عوضاً عن الاوهام والفرضيات لنقول ان موارد البلاد جميعها بما فيها الضرائب والرسوم لاتكفي لتلبية احتياجات ستة ملايين من ابناء  سوريا . فكيف الحال اذا علمنا ان سكان سوريا يتجاوز الان 20مليون نسمة  ؟

ان الاقتصاد السوري بالاساس يعاني من مظاهر سلبية صارخة ، عجز كبير في الموازنة العامة يغطى بواسطة طبع الاوراق النقدية بدون غطاء ، وعجز مزمن في ميزان المدفوعات مع ازدياد حجم القروض والديون للخارج وتدهور  الادخار المحلي وزيادة الاستهلاك ، بل وتشجيع الاستهلاك الترفي ، وتبديد مذهل للموارد الوطنية مع تزايد الضغوط التضخمية ، وظهور قنوات جديدة لاكتساب الدخول لاتصل اليها الدولة لتأخذ منها حق المجتمع مما يؤدي في النهاية ويؤدي في استمرار الى تفاقم التفاوت في توزيع الدخل القومي ، واختلال واضح في اسلوب تعبئة واستخدام الموارد الوطنية ، وتحديد الاولويات الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم نمط وتوزيع هذه الموارد والثروات الوطنية .

صحيح ان  الظروف الاستثنائية التي تعيشها سوريا مع الضغوط الخارجية فرضت اعباءاً ثقيلة الوطأة على الاقتصاد السوري ، غير ان العلة الحقيقية في الاختلال الذي يعاني منه الاقتصاد الوطني الان هي الافراط في الاستهلاك الحكومي ، ونزعة الاستهلاك السريع الى حد صار يلغي الادخار المحلي ، وتختفي معه الموارد المحلية للاستثمار .

وبينما يعيش اغلبية السوريين على حد الكفاف او دونه ، فان هناك فئات طفيلية في المجتمع تحصل على دخول سهلة وضخمة لاتجهد نفسها في سبيلها ، وانما تعتمد في تحقيقها على الفساد والافساد والسمسرة والعمولة والتهريب والاستفادة من ازمات الاقتصاد السوري وتعميقها   ، ومن نزعات الاستهلاك الطفيلية التي تنشرها  في المجتمع السوري بدون رقيب او حسيب .

ان هذه الفئات الطفيلية التي تلقى رعاية ودعم اصحاب النفوذ السياسي اصبحت تثرى ثراءاً فاحشاً دون ان تضيف شيئاً للطاقة الانتاجية ، بل تبدد جزءاً من  الدخول في استهلاك يتسم بالشراهة والمظهرية والتباهي والادعاء ، ويزاد خطر هذه الفئات بسبب مسلكها الاستهلاكي على المجتمع السوري كله ، وبخاصةً على الفئات الوسطى وما دونها اذ يسبب تفسخاً اخلاقياً ويسبب ايضاً كسلاً اجتماعياً ينسحب على انتاجية العمال وبالتالي الانتاج الوطني ، الامر الذي يمكّن القوى المعادية الخارجية والقوى الاستغلالية الداخلية من تحويل الصراع ضد الاحتلال الصهيوني والعدوان الخارجي الى صراع داخلي في ما بين قوى المجتمع السوري وشرائحه الاجتماعية ، وتخفيف حدة المواجهة بين  القوى الوطنية واطياف المعارضة وبين الرموز المتسلطة للنظام ، ومحاولة ابعاد قوى وشرائح اجتماعية عديدة عن ساحة الصراع مع المتسلطين والمتنفذين ورموز الفساد والرشوة .

لقد اختفى كل امل للعودة الى اسلوب تخطيط سليم للاقتصاد السوري في ظل الوضع القائم والنهج الطفيلي ، كما ، تخلفت حركة  التصنيع التحويلية وفتح المجال لنمط الانشطة الاستهلاكية وغير المنتجة ، وهي الانشطة التي تعمل بالوساطة والسمسرة والتوكيلات الاجنبية والتهريب والمضاربة على قوة الشعب والتي تحارب بشراسة الرأسمالية الوطنية المنتجة وتسد امام مشروعاتها سبل النجاح ، وتستغل الحرفيين وتفسد القطاع  العام .

بالمقابل فقد نمت رأسمالية شرهة تجني الثروات الطائلة على  حساب الام الجماهير السورية وبؤسها ، وعلى حساب اهداف التنمية المعلنة ، وتضع نفسها في خدمة الرأسمالية العالمية  ، وصارت تدعو علناً للارتباط بها واعتماد نظام السوق في محاولة لاغراء رأس المال الاجنبي ، فصدرت التشريعات تلو التشريعات تمنح الامتيازات بعد الامتيازات لعل ان يأتي رأس مال خارجي او رأس مال وطني مهرب ، ولكن حتى الان لم يسفر الانفتاح واعتماد نظام السوق الا على اقامة عدد من الصناعات الاستهلاكية والمشروعات الخدمية ومناطق حرة ، اضافة الى وعود لم نعد نسمع بها في الوقت الراهن .

ومع ذلك كله لم يفلح نظام السوق والانفتاح حتى الان في التغلب على أي  مظهر من مظاهر الازمة الطاحنة التي يعاني منها الاقتصاد السوري ، وعلى الرغم من العون الذي قدمته اقطار عربية نفطية بالاضافة الى ايران لم يتقدم الاقتصاد السوري بشكل ملحوظ وبارز ، بل لم يقف التدهورالذي اصابه ، فاشتدت وطأة التضخم ، وضاقت سبل الحياة امام الناس ، وزينت رموز السلطة الهجرة امام العاملين والعاطلين عن العمل حلاً لازمة المعيشة مما استنزف خبرات البلاد وعمالتها الماهرة ، وما زالت البطالة تدفع بالشباب السوري ليس للهجرة  الخارجية فحسب ، بل للهجرة  من الريف الىالمدن في ظروف عدم اعدادهم للعمل الا لاكثر الاعمال مشقة ويتقاضون اضعف الاجور ، وصار مايقلق الجماهير العريضة قبل كل شيء انها اصبحت لاتحس بالمساواة في التضحية امام ما تفرضه الازمة الاقتصادية من اعباء ، وانها لاترى امامها املاً واضحاً للخروج من تلك الازمات المتراكمة بعد اجل قريب او معلوم .

ونتيجة لذلك كله ، فان مظاهر الخلل الاقتصادي تتلخص بضوء السياسة السائدة في ان سوريا اصبحت دولة مستهلكة اكثر مما تنتج لنفسها  ، وتستورد اكثر من ضعف مما تصدر ، وتنفق اكثر مما تدخر ، وبالتالي ، فلا سبيل لعلاج هذا الخلل الا بزيادة الانتاج ، وخصوصاً في القطاعات السلعية ، وهو علاج يستحيل حدوثه في ظروف التحكم الطفيلي المتسلط ، وفي ظروف نهج الانفتاح المزعوم والسمسرة ، ولولا  دخل صادرات البترول والمساعدات الخارجية وتحويلات السوريين العاملين في الخارج لانكشف الاقتصاد الوطني السوري وواجه كارثة محققة لايعلم مداها احد .

والان بعد ذلك كله يحق لنا ان نطرح السؤال الذي يفرض نفسه ... ماذا اعددنا جميعاً لمواجهة نتائج تقرير ميليس والضغوط الخارجية التي تهدد اميركا بمضاعفتها في مثل هذا الواقع المتردي الذي  تشهده البلاد ، والماسي الاقتصادية والمعيشية المتزايدة ... ؟ السؤال بات يتردد بقوة الى حد الصراخ ،  ولكن هل  من مجيب ؟ وهل بقي عند اهل الحكم والنفوذ اذاناً صاغية ؟  الجواب معروف ..والنتائج ايضاً معروفة ...... !

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ