العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد13 /11 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

الإخوان المسلمون و-إعلان دمشق-: الأساطير والحقائق

صبحي حديدي

الحوار المتمدن - العدد: 1355 - 2005 / 10 / 22

في صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تتحدّث كاثرين زويف عن "إعلان دمشق"، وتنقل في عنوان تقريرها أنّ "المعارضة السورية تتوحّد خلف الدعوة للتغيير الديمقراطي"، ولا تخفي بعض الدهشة من أنّ هذه "المعارضة المتخاصمة والمنقسمة تاريخياً" قد توصّلت إلى الإتفاق على هذا الإعلان. وتنقل زويف عن جوشوا لانديس، الباحث الأمريكي المقيم في سورية بمنحة من مؤسسة فولبرايت وصاحب الموقع الإلكتروني Syria Comment، استبشاره بهذه الخطوة بوصفها إشارة إلى أنّ "المعارضة السورية أخذت تنضج"، خصوصاً بعد أن كان "الجميع انتقصوا من قيمة المعارضة السورية وأسقطوها من حسابهم بوصفها نكتة".

لا نعرف مَن الذي انتقص مَن، ورأى فيه نكتة، وما إذا كان من الجائز أصلاً الحديث عن "المعارضة السورية" في أية صيغة موحّدة، على أيّ نحو يبرّر إطلاق حكم قيمة جماعي. لكننا، في المقابل، نعرف مخاوف لانديس ـ التي أعلنها مراراً، في مقالات موقعة وحوارات صحفية ـ من أنّ بديل النظام الحاكم ليس أية قوّة أو قوى علمانية ديمقراطية، منفردة أو مجتمعة، بل جماعة الإخوان المسلمين. ولهذا يحرص الناشط الديمقراطي السوري أنور البني، في تقرير زويف ذاته، على ردّ هذه الفرضية الرائجة، والتذكير بأنّ النظام هو الذي يريد من العالم أن يفهمها هكذا على نحو مطلق: إذا ذهبنا، فسيأتي الإسلاميون والمتشددون!

وفي أسبوعية Weekly Standard، معقل المحافظين الجدد ولسان حال عتاة اليمين الأمريكي الليكودي، وتحت العنوان التوراتي "السنة القادمة في دمشق" الذي يذكّر على الفور بـ "السنة القادمة في أورشليم"، يكتب جيفري غيدمن عن "المؤتمر السوريالي" ـ حسب تعبيره ـ الذي عقده "معارضون سوريون منفيون" في باريس أواخر الشهر الماضي. وهو يضع المؤتمر في سياق شرق ـ أوسطي عريض، يتضمن التبدلات الديمقراطية التالية: "الانتخابات البلدية في السعودية، ومنح نساء الكويت الحقّ في الانتخاب، وتنافس أكثر من مرشح في الانتخابات الرئاسية المصرية، والانتخابات والدستور في العراق، والثورة في لبنان"...! وغيدمن مدير معهد أسبن (مقرّه برلين، و"هدفه الرئيس خلق سوق للأفكار العابرة للاطلسي" كما يحلو للرجل أن يقول)، يمكن أن يكون مازحاً تماماً في كلّ حكاية يرويها عن ذلك "المؤتمر السوريالي"، ما خلا تفصيل واحد يبدو فيه جاداً تماماً، كما يبدو واضحاً أنه حمله معه من برلين ولم يكتسبه في أروقة المؤتمر: أنّ جماعة الإخوان المسلمين هي بديل النظام الحاكم اليوم في دمشق، والبديل الوحيد!

وقبل أيام، في الـ "غارديان" البريطانية، وتحت عنوان "الطريق من دمشق" الذي بدوره لا ينأى كثيراً عن التوراة، كتب روري مكارثي يصف متاعب النظام السوري، ومتاعب بشار الأسد شخصياً، قبيل إعلان تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس، واشتداد التأزم مع الولايات المتحدة حول ضبط الحدود السورية ـ العراقية. ولقد بدا مكارثي موضوعياً بصفة إجمالية، إلا حين استعرض ضعف المعارضة السورية الداخلية وانقسامها (وهذا ليس بالتوصيف الخاطىء طبعاً)، وأنّ "المعارضة الإسلامية، ممثّلة بالإخوان المسلمين" ستكون هي "الأكثر استفادة من أيّ تغيير للنظام في دمشق". المدهش أنه، إذ يكاد يشطب المعارضة الداخلية، "الديمقراطية" و"العلمانية" كما يقول، ويؤكد تفوّق "المعارضة الإسلامية" دون أن يوضح طبيعتها وما إذا كانت تضمّ فصائل أخرى غير الإخوان المسلمين، يقرّ في الآن ذاته أنّ النظام الحاكم "لعب طويلاً" على مخاوف كهذه، بل وبالغ فيها!

من جامعة ماريلاند الامريكية، ولكي نذهب إلى صوت عربي وسط المعمعة ذاتها، ينقل موقع Yahoo News عن شبلي تلحمي أقصى ما يمكن أن تبلغه مخيّلة في تشريح المسألة إياها: "سورية موطن الأخوان المسلمين"! صحيح أنّ تلحمي يستند إلى احتمال أن تكون االفوضى العميمة هي الحال السائدة في أعقاب أيّ غزو عسكري أمريكي، وأنّ الإدارة الأمريكية قد تكون تعلمت بعض الدروس من غزو العراق، بينها أنّ تلك الفوضى هي "أمّ الإرهاب". ولكن... هل سورية هي حقاً، على أيّة شاكلة محتمَلة أو حتى متخيََلة، "موطن الإخوان المسلمين"؟ وبالتالي، ما الذي أبقى هذا الموطن بمنأى عن أيّ حكم إسلاميّ الطابع، لكي لا نقول: إخوانيّ الهوية، طيلة عقةد طويلة طويلة، قبل الإستقلال وبعده، وخلال مختلف العهود التي سبقت استيلاء حزب البعث على السلطة سنة 1963؟

مثل هذه التقديرات، وسواها كثير في الواقع (أكثرها إدهاشاً، ومدعاة للأسف، تلك التي تصدر عن بعض المعارضين السوريين أنفسهم!)، لا تتكيء إلى مقولات قديمة أحادية الجانب وناقصة وانتقاصية تمّ ترويجها على هيئة كليشيهات مسبقة الصنع وتنميطات مطلقة مجرّدة فحسب، بل إنها تعيد إنتاج خطاب سلطة استبدادية عائلية مافيوزية، سعيدة تماماً لأنّ العالم يُبقي عليها أو يطيل في عمرها أو يكتفي بضرورة ضربها على يديها (كما في عبارة مدهشة أطلقها دنيس روس مؤخراً!)، لا لسبب آخر سوى أنّ جماعة الإخوان المسلمين هي بديل التغيير الوحيد!

والحال أنّ معظم الأصوات الغربية التي تعتمد، بعد تضخيم مقصود ودرجة محسوبة من التهويل، هذا اليقين حول الموقع الأثير للإخوان ضمن المعارضة السورية، إنما تصبّ في تكتيك (أم هو استراتيجية؟) التشكيك بوجود إسلام معتدل أو ديمقراطي. الأمريكي الشهير إدوارد شيرلي (اسم مستعار لاختصاصي في الشؤون الإيرانية، وموظف سابق في وكالة المخابرات المركزية) ساجل بأنّ الإسلاميين العرب، إصوليين أو معتدلين، تشرّبوا الثقافة الغربية، وتعلّموا مفردات الدولة ـ الأمة في العالم الحديث، واكتسبوا خصائص الدعاة القوميين... دون أن يتخلوا عن المفردات التي تصنع جاذبية الإسلام الشعبي. كذلك نهضت خطاباتهم وتطوّرت على أساس العداء للغرب والإمبريالية، ووراثة الخطاب الطبقي والإجتماعي لليسار العربي العلماني الذي انهزمت برامجه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً أيضاً. أليسوا، إجمالاً، ممثلي الحساسيات الدينية التي كانت تتعايش، على استحياء مضمر، مع الحساسيات العلمانية في الأحزاب والمؤسسات القديمة ذاتها؟

كذلك ساجل شيرلي بأنّ من الصعب أن يقيم الغرب، أو أمريكا أساساً كما يقول، حواراً مع أيّ فريق إسلامي شرق ـ أوسطي مرشّح للسلطة، أو هو يتصدّر صفوف المعارضة. ماذا استفاد مهدي بازركان، رئيس الوزراء الأسبق في إيران، من الحوار مع مستشار الأمن القومي زبغنيو بريجنسكي سنة 1979، في الجزائر؟ لقد ساهم اللقاء في تسريع سقوطه، هو ونفر المعتدلين على اختلاف مشاربهم، وكانوا سيسقطون عاجلاً أم آجلاً في كل حال. وإذا صحّ ما يقول من أنّ الثورة الإيرانية لم تنقلب إلى «ثورة يعاقبة» لأنّ الولايات المتحدة فشلت في إقامة صلات وثيقة مع المعتدلين، فما الذي يمكن أن تنتظره الولايات المتحدة من أيّ حوار مع الإخوان المسلمين السوريين؟ وعن أيّة سورية مستقبلية يمكن أن يدور الحوار؟ وهل يستقيم مثل هذا الحوار، إذ لا يحري سوى في الظلّ والأروقة والمؤتمرات المغلقة، في معهد أسبن أو في معهد كارنيغي؟

طراز التفكير الذي يقف خلف احتمالات هذا الحوار ينتمي مباشرة إلى تلك «المقاربة» التي ألمح البعض إلى إمكانية صياغتها لتكون سياسة أمريكية معتمدة بصدد "الغول الإسلامي"، وهي جزء يستكمل الشطر السيكولوجي من مبدأ التنقيب عن «أصولي غير ذئب»، لا يؤمن (أو، في الأقلّ، يؤجل إلى حين إيمانه) بأن كلمة الله هي العليا وهي القانون، وأن واشنطن هي عاصمة الشرّ ومقام الشيطان الروحي والثقافي، وأنّ صندوق الاقتراع هو لعبة الغرب والمدنية الكافرة. وبهذا المعنى فإنّ تأجيل اليقين هذا ينتقل بالأصولية خطوة، واحدة على الأقل، في سلّم سيفضي بها إلى حيث يقتضي المنطق السليم، أي إلى كونها جملة تحديات سياسية واجتماعية ودبلوماسية لا مناص من مواجهتها، بأيد تحمل أيّ شيء باستثناء الهراوة الدامية التي وفّرها التاريخ الغربي لليعاقبة.

ومن اللافت للانتباه أنّ طراز التفكير ذاته اعتمد سلسلة تأويلات صحيحة، من نوع يُحسن البعض توظيفه ويسيء البعض الغالب تطبيق نتائجه في أوروبا وفي فرنسا على وجه الخصوص. فليس من النادر أن نقرأ تحليلاً يقول بانقلاب «ثقافي» في طبيعة النشاط الإسلامي العربي المعاصر كما يُقاس على الحالات السابقة. فالثقافة، قبل السياسة، هي الموقع الأول الذي يخوض فيه الإسلامي العربي المعاصر معاركه، هو الذي راقب ودرس وحفظ دروس آبائه الذين قاتلوا وقُتلوا (في مصر الخمسينيات وسورية أواخر السبعينيات مطلع الثمانينيات)، ولم يتركوا في الشارع سوى ذاكرة دامية. وهذا الإسلاميّ المعاصر يتقن لعبة توريط السلطة في حلقات العنف التي تأخذ شكل الأواني المستطرقة، والدم الذي يطلق نداء دم جديد، ويوزّع استحقاق الضحية على الشارع الشعبي، الجائع والمقموع والمغترب.

ومع ذلك فإنّ الإنصاف يقتضي التذكير أوّلاً بأنّ جماعة الإخوان المسلمين السوريين، قبل أن تطرح مشروع" ميثاق الشرف الوطني" في أيار (مايو) 2001 ولكن بصفة خاصة بعد مؤتمر لندن الذي عُقد أواخر آب (أغسطس) 2002 وعدّل ثمّ تبنى الميثاق، أنجزت ما يشبه الإنتفاضة الداخلية أو الإنقلاب السلمي على الذات، لجهة تنازل الإخوان عن ثوابت كبرى في عقيدتهم: اعتماد خطاب معتدل تماماً، نبذ العنف المسلح، اعتناق معظم المطالب الديمقراطية التي أجمعت عليها الأحزاب السورية المعارضة وممثّلو منتديات المجتمع المدني، وتبنّي مبدأ التعددية السياسية (الأمر الذي كان يعني عملياً إغفال، أو بالأحرى إسقاط، اشتراط الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة تالياً)...

الإنصاف ذاته يقتضي التذكير بأنّ خصائص المجتمع السوري الأصيلة، أي تلك التي اقترنت بالمحطات الكبرى الفاصلة في تطوّره السياسي والمجتمعي والثقافي في الأطوار الحديثة، تضع البلد على نقيض صريح من تلك الإطروحة الأحادية التي تجعل الإخوان المسلمين بديل التغيير الوحيد. هذا أمر لا يحتاج السوريون، أو غالبيتهم الساحقة، إلى إمعان التفكير فيه أو ترجيحه كاحتمال ملموس. غير أنّ مبدأ التعددية السياسية، في ذاته أوّلاً وفي ضوء تطوّرات الفكر الإخواني وما يقترن به من سياسات ثانياً، لا يمكن أن يغلق الباب مسبقاً أمام أيّ فصيل يقبل بالمبدأ ويقرّ بقواعده الأخرى، بما في ذلك الاحتكام إلى صندوق الإقتراع، وفصل السلطات، وإقرار العلمانية، وترك الدين لله وإبقاء الوطن للجميع. أكثر من هذا، هل يمكن لأيّ ائتلاف ديمقراطي معارض للإستبداد والدكتاتورية أن يسقط من حسابه ضرورة اجتذاب معارضة إسلامية مستنيرة؟ وفي الأساس، هل يمكن لأية معارضة أن تكون فعالة في أيّ بلد ذي أغلبية شعبية مسلمة، دون إسلام مستنير؟

والإنصاف ذاته يقتضي، ثالثاً، عدم "مراعاة" ذلك الإسلام المستنير بذريعة اجتذابه إلى صفوف المعارضة، خصوصاً في المسائل الجوهرية الكبرى ذات الطابع التشريعي والحقوقي والثقافي، كأن تتمّ محاباة الإسلاميين في أية صياغة ـ خصوصاً إذا كانت غامضة، ركيكة، تلفيقية، وتوفيقية ـ تنصّ على دور أعلى تفوّقي أو تمييزي للإسلام على سواه. فالأمر هنا ليس سلاحاً ذا حدّين فقط، بل هو في الأغلب سلاح ذو حدّ واحد يرتدّ إلى نحور الغافلين عنه. كذلك، في المقابل، فإنّ مسخ العلمانية إلى كاريكاتور محض يحيل إلى سلّة المهملات جميع الجوانب الإنسانية المضيئة لثقافات مختلف الأديان والعقائد، هو بدوره سلاح ارتدادي من النوع المماثل، إذا لم يكن اسوأ وأشدّ ضرراً وأعظم عاقبة...

وهكذا، لا الإخوان هم اللاعب الوحيد، ولا سورية هي ملعبهم وحدهم؛ ليسوا خارج صفوف المعارضة ومشروع النضال من أجل سورية الديمقراطية، ولا هم البديل الوحيد عن سورية الإستبداد والنهب والمافيات وحكم العائلة. و"إعلان دمشق" مناسبة لاستذكار هذا كلّه، أوّلاً وثانياً وثالثاً و... عاشراً!

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ