العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد13 /11 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

"إعلان دمشق" شكل دفعاً قوياً و دعماً وطنياً واسعاً للقضية الكردية في سوريا

ليكن إعلان دمشق مناسبة جديدة لإعادة النظر في أطروحاتنا حول قضيتنا العادلة وسبل حلها في الإطار الوطني

*بدرخان علي

بداية لا بد من التأكيد على أن اختزال "إعلان دمشق" بمضمونه الواسع والهام وخطابه السياسي والثقافي النوعي وتنوع القوى الموقعة عليه أو المتضامنة معه وزمنه السياسي إلى ما يتعلق بالقضية الكردية وحسب يحمل خطأ كبيراً من الناحية الفكرية والسياسية برأيي. هذا الخطأ يتعلق بفهم غير دقيق ومرتبك لطبيعة العلاقة الموضوعية بين "الخاص" الكردي و"العام" الوطني الديمقراطي. هذا هو الأساس للسجال الدائر حالياً في الوسطين الحزبي والسياسي الكرديين ، رغم ظهوره بأشكال أخرى.

فالحقيقة أن الكرد – أفراداً وتنظيمات- معنيون بمضمون الإعلان من أوله إلى آخره حيث التعهد بـ" إنهاء مرحلة الاستبداد و بذل التضحيات الضرورية في سبيل ذلك وبناء سورية الحديثة وطناً حراً لكل أبنائها....".

في مجال الحقوق القومية الكردية ننطلق من حقيقة أساسية: أن الشعب الكردي في سوريا جزء أصيل من المجتمع السوري، يعيش على أرض آبائه وأجداده وليس ضيفاً على الآخرين، ساهم بفعالية في استقلال سوريا-الدولة التي غدت وطناً مشتركاً لأكثر من قومية وثقافة ودين وطائفة. هذا الشعب الذي ينتمي تاريخياً لأرومة كردية واحدة لم يقدر لها أن تشكل دولة قومية واحدة في عصر تشكل الدول القومية في المنطقة. غني عن القول أن التقسيمات التي خضعت لها شعوب المنطقة لم تكن بإرادة أي من تلك الشعوب. وارتبط مصير الشعب الكردي في سوريا من ذلك الحين بمصير الشعب العربي السوري و الأقليات القومية في البلاد. كما ارتبط  بالتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي لفئات المجتمع السوري -سلباً وإيجاباً -. صحيح أن الأكراد عانوا من الاستبداد الذي حكم البلاد بعد انتهاء فترة الليبرالية، التي حكمت البلاد بعيد الاستقلال، أكثر من غيرهم حيث أضيف إلى الاستبداد السياسي والاقتصادي سياسات تمييزية ضد الأكراد على أساس الانتماء القومي فحسب وتجلى ذلك في مشاريع عنصرية عديدة أشهرها مشروع الإحصاء الاستثنائي لعام 1962م ومشروع الحزام العربي في منطقة الجزيرة الذي حرم الفلاحين الأكراد من أراضيهم الزراعية واستقدم بموجبه عائلات عربية من الرقة وريف حلب لإسكانها في تلك المناطق بحجة غمر مياه الفرات لأراضيهم  بغية تجويع المواطنين الكرد ودفعهم للهجرة وخلق حساسيات أهلية وكذلك تغيير الواقع الديمغرافي هناك....، والشطب على الدور الوطني للكرد في تاريخ سوريا منذ الاستقلال، ووضع العراقيل أمام الثقافة واللغة الكرديتين وتطورها و ضرب الكرد والعرب ببعضهم البعض و ممارسات شوفينية أخرى وصلت لحد استخدام الرصاص الحي بحقهم في أحداث 12 آذار- أحداث القامشلي -..... كل ذلك تعزز في ظل نظام حزب البعث و الدولة الأمنية التسلطية، بتعبير أدق، التي ترسخت في البلاد واندرج ضمن نهج سلطوي لإحكام السيطرة على جميع فئات الشعب السوري وخلق أوضاع قلقة في البلاد يسخرها النظام لصالحه في أي وقت يشاء. أي أن "المساواة في العبودية" تحققت على أكثر من صعيد في سوريا.

أمام هذا المشهد المتداخل صاغت الحركة الكردية ومنذ نشأتها كأول حزب سياسي كردي في وسوريا 1957م برامج اتسمت في أغلبية مراحلها بالواقعية والموضوعية، لذلك فإن شعارات الحركة السياسية الكردية بمجملها تدعو إلى الحقوق القومية والديمقراطية والإنسانية في إطار وحدة البلاد والتعايش المشترك والسلم الأهلي بين أبناء الوطن الواحد. ويمكننا تلخيص تلك الحقوق بإزالة تلك المشاريع التمييزية المشار إليها أعلاه. وصولاً إلى الاعتراف الدستوري بوجود ثاني أكبر قومية في البلاد هي القومية الكردية تشكل ما لا يقل عن 12% من عموم الشعب السوري. ولكن أليس هناك حلقة مفقودة في سلسلة المطالب هذه؟!!

هل يعقل أن تحكم قوانين الطوارئ والأحكام العرفية دمشق وحلب واللاذقية... و يتمتع الأكراد في قامشلي و عفرين و كوباني بحرية لغتهم وثقافتهم و هامش ولو محدود من الحركة السياسية؟! السؤال الثاني: بفرض أن النظام الشمولي سمح تحت ضغط المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية بهامش صغير لوجوه من الأنشطة الثقافية و الإجتماعية وحل مشكلة إحصاء 1962 بشكل جزئي ( كما تقول بعض الإشاعات) هل يحقق ذلك طموح الكرد في التمتع بحريتهم وشخصيتهم الثقافية؟! ثم ما هي ضمانات تحقيق واستمرارية ذلك في ظل نظام يرى نفسه فوق القانون ولا يلتزم بأية مواثيق وتعهدات بما فيها التي وقع عليها بنفسه بسبب بنيته الاستبدادية غير الشرعية؟!

من هنا نأتي إلى الحديث عن "إعلان دمشق" بوصفه البرنامج السليم والواضح " لا نقول الكامل أو النهائي" لحل مشكلات الاجتماع الوطني السوري الراهنة برمتها، فهو يرسم الملامح العامة لسورية حديثة ويصيغ المدخل المناسب والمناخ الملائم لحل القضايا العالقة وهو النظام الوطني الديمقراطي و إنهاء مرحلة الاستبداد كما جاء بوضوح في الإعلان ، على أساس اعتراف الجميع بالجميع و قبول الآخر و نشر ثقافة حقوق الإنسان والتعددية ونبذ العنف و إقصاء الآخر....، أي باختصار دولة مدنية حديثة لكل مواطنيها على اختلاف مشاربهم السياسية والدينية والقومية والطائفية. وأهميته تكمن، تمييزاً عما سبقه من مواقف وبيانات مشتركة لقوى الحركة الديمقراطية السورية، في كونه وثيقة سياسية ترقى من صيغة البيان السياسي المطلبي " المناسباتي تحديداً "( ذكرى الاحصاء الاستثنائي ، ذكرى إعلان قانون الطوارئ، محاكمات النشطاء السياسيين والتضامن مع معتقلي الرأي ...)، إلى سوية عقد سياسي(ونضالي) ومجتمعي جديد تتفق فيه القوى والتيارات الموقعة والمتضامنة المتنوعة ،والتي تمثل على أرض الواقع قطاعاً واسعاً من التكوينات الاجتماعية والسياسية في سورية،على مبادئ سورية الحديثة الحرة الديمقراطية. و غني عن القول أن الإعلان ظهر إلى الوجود بعد عملية توافقية إيجابية "غير سلبية" ولكن متوافقة في نفس الوقت مع مبادئ العمل المشترك والتعددية والمصالح و الغايات المشتركة والأهم مع فحوى المرتكزات الأساسية للإعلان ،وفي هذا الصدد نقول أن الإعلان شكل دفعاً قوياً و دعماً وطنياً واسعاً للقضية الكردية في سوريا عبر طرحه صيغة "الحل الديمقراطي العادل للقضية الكردية في سورية"  التي تتضمن في معانيها إنصاف الأكراد وإزالة المشاريع العنصرية بحقهم والاعتراف بمشروعية مطالبهم حركتهم السياسية ( الممثلة في الإعلان بإطاري "التحالف" و"الجبهة" الجسم الأساسي للحركة الكردية في سوريا) الديمقراطية في إطار وحدة سورية.....

أي أنها قضية ديمقراطية عادلة لشريحة واسعة من المجتمع السوري لها خصوصيتها القومية والثقافية ولكنها لا تخصهم وحدهم بل تعني جميع أبناء سورية والقوى السياسية والثقافية حرصاً على السلم الأهلي ومستقبل البلد وإنصاف شريحة وطنية ظلمت لعقود طويلة و تجاهلت همومها وخصوصيتها تيارات المعارضة السورية العربية، وهذا يعني أن الجميع سيحمل على عاتقه ضرورة حلها ديمقراطياً ، ولمزيد من التوضيح نقول :

-  أن ما جاء في "الإعلان" يشكل نقلة نوعية على صعيد الحركة الديمقراطية الوطنية السورية،سواء الحركة الكردية حيث استطاعت إيصال صوتها لكافة قوى المجتمع السوري عبر عمل دؤوب خلال السنوات الخمس المنصرمة، له عوائقه الكثيرة الموضوعية و الذاتية واستطاعت كذلك إدراج القضية الكردية في برنامج التغيير الوطني الديمقراطي. أو بالنسبة لتيارات التجمع الوطني الديمقراطي التي تحفظت سابقاً على الكثير مما هو وارد في الإعلان الآن بخصوص القضية الكردية.!

ونرى حرصاً على مزيد من الشفافية و تعميق الثقة المتبادلة الاعتراف بالتجاهل والإهمال السابقين.... ونقد ذلك وإيلاء القضية الكردية أهميتها اللائقة، انطلاقاً من بنود إعلان دمشق ،في أدبياتها الخاصة و أوساط مناصريها....كما أن وجود خطاب كردي هادئ وعقلاني ينتقد العقلية القومية الصلبة لبعض الأخوة في المعارضة العربية يساعد على التقريب بين وجهات النظر أكثر، علماً أنها- أي المعارضة- ليست كتلة صماء و موحدة بموقف سلبي تجاه القضية الكردية هذا ما يجب وعيه والعمل عليه.

-  نرى أن بعض النواقص والملاحظات ،من أي طرف جاءت، لا تنقص من أهمية "الإعلان" بل يغنيه ويزيده قوة ويدل على ثقة متزايدة بالبيان، وهنا أريد أن أقول أن بعض الأخوة في أحزاب كردية شقيقة  قد استعجل كثيراً في إعلان موقف سلبي من الإعلان، وللأسف إن أجواء الخلافات الحزبوية الكردية-الكردية ألقت بظلالها الباهتة على مواقف هؤلاء من الإعلان الذي يفترض أن يحظى بدعم واهتمام الجميع كونه يتضمن أفكارا وقضايا من صلب برامج الحركة الكردية بمجموع أحزابها. لهو من العسف تماماً وغير الجائز أن ينطلق البعض في الحركة الكردية في تقييمها للإعلان مما يسود من خلافات حزبوية عقيمة بينها وبين الأطراف الكردية المؤسسة للإعلان،ليقع البعض في تناقض مع أنفسهم ومع برامجهم أيضاً، خصوصاً أن الجميع أجمع على شعار"الحل الديمقراطي العادل للقضية الكردية في سوريا"مع قوى الحركة الديمقراطية في سورية! ولنكن صريحين جداً :

-  هل أن مشروع"كردستان سوريا"هو المطروح من قبل الحركة الكردية أم الشعار السابق في إطار وحدة البلاد وفي ظل نظام وطني ديمقراطي؟!

وهل جاء في الإعلان أن الأكراد ضيوف على سوريا حتى يثار هذا كل هذا الضجيج من قبل البعض ويصور البعض الإعلان أنه مؤامرة كبرى ومدروسة على القضية الكردية وعلى الأحزاب "الجادة" والتي لا تقبل المساومة؟! ومن قال إن الإعلان جاء ليحل كافة الجوانب المعقدة للقضية الكردية في سوريا من جهة الوجود التاريخي وأشكال إدارة المناطق الكردية في سوريا وهل المطلوب من الإعلان أن يضع كافة الحلول " دفعة واحدة دون مساومات"( التي لم نتفق عليها كحركة كردية وبشكل نهائي بعد؟) لقضية معقدة كقضيتنا الكردية بإشكالاتها المترابطة إقليمياً ودولياً بل وداخلياً أيضاً؟

وبنفس المصطلحات التي نستخدمها قبل أن نقنع أكثرية البلاد بها؟

نذكر بعض الاخوة الكرد أن الإعلان لاقى انتقادات شديدة اللهجة من قبل قوميين عرب لعدم تبنيه خطاباًَ قومياً عربياً صارخاً فماذا نفعل إزاء واقع الرفض من جهتين ترفضان الاعتراف بالواقع والحلول الوسطية والتوافقية؟

ليكن إعلان دمشق مناسبة جديدة لإعادة النظر في أطروحاتنا حول قضيتنا العادلة وسبل حلها في الإطار الوطني ، وهذه فضيلة أخرى للإعلان.

ونضيف ها هنا ،ونقول أن حل القضية الكردية بأبعادها كافة قضية أكبر من إعلان دمشق والحركة الكردية نفسها وكل من يزاود على الحركة الكردية والواقع، إنها قضية التاريخ والجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط .

كما أن شعارات الحركة الكردية في العراق وتركيا وإيران ليست ملائمة تماماً للحالة الكردية في سوريا ولا الشعارت التي توازيها أو تحاكيها، لعوامل عديدة أهمها على الإطلاق عدم وجود إقليم كردي موحد محدد جغرافياً ذي غالبية كردية عظمى( ثلاثة مناطق كردية مفصولة عن بعضها الجزيرة، كوباني، عفرين)، وحقائق الاندماج الاجتماعي والسكاني في سوريا التي لا يمكن القفز فوقها إذا ما أردنا حلولاً لا شعارات لقضيتنا.

 ونستبق ونقول إن هذه الوقائع الصلبة والعنيدة على فوضى الشعارات والصوت العالي وضجيج المزاودات لا تقلل من عدالة قضيتنا بأي شكل من الأشكال، لأنها قضية مجموعة بشرية متميزة في خصائصها القومية تصر على نيل شخصية بذاتها عصية على الذوبان ومشاريع نزع الهوية الثقافية، وبنفس الوقت قضية حقوق إنسان وحرية. هذا هو جوهر قضيتنا برأيي.

أليس شعار" الحل الديمقراطي العادل للقضية الكردية في سوريا" ضمن سياق إعلان دمشق واقعياً وممكناً ومنصفاً إلى حد بعيد إذاً؟!

-ملاحظات أخيرة :

-إن تعميق أفكار الإعلان وتحويلها إلى قناعات راسخة في أذهان كافة المعنيين به خطوة حاسمة لا تقل أهمية عن إصداره.

-  إن الإعلان لم يتطرق إلى مسائل أخرى لا تقل حساسية وتعقيداً عما تحدثنا عنه أعلاه. بالتحديد مسألة العلمانية: الدين والدولة. وهذا أمر يهم جميع السوريين. بل أضاف التباساً حين أضاف فقرة خاصة عن الإسلام وبدت للكثيرين كزائدة عن النص ودون تحديد واضح للمقصود من بعض العبارات.

     كما ولم يذكر الموقعين حتى نظرة عامة إلى حقوق المرأة  وحريتها فهل سقطت فقرة من الإعلان "سهواً" أم لعدم إثارة حساسيات بين العلمانيين والإسلاميين الذين كانوا على دراية بمجريات الأمور؟! وهل هذا جائز. سؤال برسم الموقعين.

-نقترح على الأخوة في الإعلان التركيز على فكرة نراها من صلب مهام الديمقراطيين في البلاد ألا وهي تفنيد الأطروحة التي يروجها المستبدون وأعوانهم( وبعض ضحايا الاستبداد أحياناً!) والتي تقول إننا كشعوب لسنا أهلاً للديمقراطية، بعد، بحكم طبيعتنا! و إن الاستبداد هو الطريقة المثلى لضبط المجتمع و إشاعة الخوف من القادم المجهول و إن النظام الحالي أفضل الموجود وعلينا القبول به وإلا الحروب الأهلية وخراب البلد وهلاك الجميع!

---------------------------------

بدرخان علي – سوريا

 ناشط في حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا - يكيتي -

azadcan@hotmail.com

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ