العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13 / 08 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

المقاومة في وجه مخططات العدوان هي الحل الأساسي

عندما يضيع المرء في الصحراء ويتوه في رمالها فإن عليه العودة إلى النقطة التي انطلق منها ومن ثم عليه أن يعمل عقله للبحث عن الطريق و الوسيلة للخلاص من الضياع.

تذكرت ذلك وفي ذهني أحوال أمتنا العربية الهائمة ونحن أمة في ضياع كبير - إلا من عصم ربي - نجوب الآفاق ونضيع في المتاهات نبتعد حيناً عن الحقيقة بل ونبتعد عنها كثيراً موغلين في تحليلات عقيمة لا طائل وراءها وهي ليست أكثر من أحاديث منمقة وتعابير سطحية وكلمات جوفاء نرددها على غير هدى والنتيجة المراوحة في المكان وعقم المعرفة ضارب أطنابه في حياتنا ولوظننا أنه أنجب فلن ينجب سوى عقم جديد وتشوهات.

أسوق هذه المقدمة وأنا حائر في متاهات بعض من أصحاب الرأي المنظرين البعيدين عن المنطق والمبادئ القويمة يعللون مالا يعلل ويبررون مالا يبرر وفيهم من فقد القدرة والمقدرة وفيهم من أُفقد القدرة وأفقد ذاته وعن عمد القدرة بحثاً عن مصالح ورغبات جميعهم لا يقتربون من التماس مع الحد الأدنى لأحاسيس المواطن الشريف . من هنا كان لابد من ركائز لتفكيرنا وللنهج الذي نسلكه لنهتدي إلى الطريق الواجب علينا سلوكه حتى نضمن غدنا ومستقبلنا وحتى لا يقذفنا القدر إلى أسوء الأوضاع وأبشع تركة لحياة الأجيال القادمة ولنؤكد الحقائق العلمية في بدء رحلتنا.

التاريخ مدرسة فيه التنوع بكل أشكاله والقيم بكل معاييرها كما وأن الثقافة مصدر ثرٍ لكل من أراد الغوص في بحارها والتنعم بلؤلؤها وجني نفعها

أثبتت الوقائع صحة وصدق عدم التوازن بين القوي والضعيف وبين الغاصب المحتل وصاحب الحق الشرعي والمحتلة أرضه

كذلك أثبتت وقائع التاريخ أن لاحق من دون قوة تفرضه ولا حق من دون علم يرسخه

على الواقع تدرس وتحسب نتائج كل عمل لإظهار وتقييم الأعمال التي سبقته

لقد التزمت بهذه الأسس وأنا أبحث في سبيل الخروج من التيه الذي وضعنا فيه جميعاً وفي ذاكرتي من أيام حداثتي صورة لا تبارحها حين كنت أرى جاراَ لنا بسيطاَ في سائر شؤون حياته يمزج الكلس مع البنزين في قارورة ويغمس فيها قطعة قماش ليلهبها وليرمي بها الجنود الفرنسيين الذين احتلوا سورية في مطلع القرن الماضي وربما اعتبر البعض تلك الحادثة مجرد عمل فردي لا يقدم ولا يؤخر مهما تكرر ومثل ذلك لا يقاس عليه ولكن الرد أن ما خفي عني ولم أسمع به كان أكثر من الكثير وهو كفاح باسل وتضحيات كبيرة تنوعت أساليبها وكانا الأساس في استقلال سورية وانتصارها على العدوان

 وأنا أهم بكتابة بحثي عدت إلى التراث والثقافة وتصفحت كتب التاريخ وركزت على التاريخ العربي بالذات فوجدته حافلاً بالعبر وحكايات المجد والبطولة ففي كتاب أعيان العصر وأعوان النصر- للصفدي - الذي أرخ لأعيان عصره واقتصر على من أدركوا سنة ولادته وهي 666 م كتب:

" إن عبد الحق السلطان أبا سعيد المغربي المديني صاحب مراكش وفاس كان ذا حلم وركون إلى السلم فأهمل أمور الجهاد فامتلأت عليه بالوبال والرياء والوهاد وامتدت أثناءها الفتن وجرى ويل الوبال وهتن (أي هطل مثل المطر) وعلا في أيامه أمر الغلاء" وأستميح العذر للقفز ولو بشكل مؤقت إلى البند الرابع الذي حددته وهو الواقع ونتائجه ولنقارن بين هذه وبين ذاك التاريخ والأحداث الجارية وفي العودة إلى التراث ينقلنا - لسان الدين بن الخطيب - 1313 – 1374 إلى إشراقة حلوة فقد كتب عن رضوان النصري فقال" كان هذا الرجل مليح الشيبة والهيبة معتدل القدر والسحنة مرهب البدن مقبل الصورة حسن الخلق واسع الصدر أصيل الرأي قليل الخوف ثابت القدم في الأزمات أثر عنه من المشقة الدالة على صحة اليقين صدق الجهاد إذا أصابه سهم في ذراعه وهو يصلي فلم يشغله عن صلاته "وفي كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني 897 – 967 م قال عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه" إن الجهاد باب من أبوب الجنة فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء وديث بالصغار وسيم الخسف"

وفي الكتاب نفسه أن عوف بن الحارث قال : " يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده ؟ قال غمسه يده في الصدر حاسرا فنزع درعاً كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل"

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عن سأله أبو ذيب أي العمل أفضل يا أمير المؤمنين ؟ قال الإيمان بالله ورسوله قال قد فعلت فأيهم أفضل بعده ؟ قال الجهاد في سبيل الله

وفي كتاب - التدوين في أخبار قزوين – للإمام الرافعي 1162 – 1226 م عن علي رضي الله عنه " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ثمانية أسهم فالصلاة سهم والزكاة سهم والجهاد سهم وصوم رمضان سهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهم وخاب من لا سهم له "

وفي كتاب التذكرة الحمدونية لابن حمدون وهو من أهل بغداد 1104 – 1167 م عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد خذله بعض مؤيديه قال " إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة ومن الذهول في سكرة ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها وكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر :

وثمة شواهد كثيرة ومشرقة ففي كتاب الحور العين لنشوان الحميري وهو من بلدة شمالي صنعاء توفي عام 1178 قال " أعرف عن زيد بن علي تقدمه بالشجاعة والرغبة في الجهاد فقد روي عنه عليه السلام أنه لما  خفقت الرايات على رأسه قال الحمد لله الذي أكمل لي ديني وفي رواية مؤثرة حزينة تشع بأضواء ساطعة وبظلال قاتمة فحياة علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي كانت بمجملها إشعاعاً في نصرة الحق والدين مع ظلال أليمة لمن تقاعسوا عن نصرته ففي العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي وهو من أهل قرطبة في الأندلس 860 – 940 كتب :

قال الحسن بن علي صبيحة الليلة التي  قتل فيها علي بن أبي طالب " حدثني أبي البارحة  في هذا المسجد فقال :أي بني إني صليت البارحة ما رزق الله ثم نمت نومة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوت له ما أنا فيه من مخالفة أصحابي وقلة رغبتهم في الجهاد فقال ادع ربك أن يريحك منهم فدعوت الله قال الحسن صبيحة تلك الليلة أيها الناس إنه قتل فيكم الليلة رجل كان رسول الله ( ص ) يبعثه فيكم فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره حتى يفتح الله ما ترك إلا ثلثمائة درهم "

وفي تطوافنا بمصادر التراث نحط الرحال عند الأبشيهي وهو من المحلة الكبرى في مصر 1388 – 1448 وفي كتابه " المستطرف من كل مستظرف : قال رسول الله ( ص ) " إن الله يحب العبد المحترف وقال أيضاً " جعل رزقي تحت ظل رمحي فكانت حرفته الجهاد "

وفي ثقافة الشعر العربي وهو الذاكرة الحية والشاهد الصادق أمثلة لا حصر لها يقول إبراهيم طوقان شاعر فلسطين المجلي:

نهضـت بواسـل تفـذ       فالنفوس على الجهاد

ولسوف تنطق في سبي        ل الحق ألسنة الجهاد

 

وللشاعر اللبناني المفتي فتح الله المتوفى عام 1844 م

 

وقد طغوا وبغوا إذا للفساد سعوا   ولم  يكـن لهم عـن ذاك  تحـويل

وصنفوا حيلاً بالمكر قد عضدت    و أيــد المكـر تلبيـس  وتخـييل

وأمّنوا من بها من بعد ما نهبوا     ما في أيديهم وما في الأرض محمول

وبعـد تأمينهم خانوا عساكرها    وكلـهم  برصاص الكفــر مقتـول

والله يجبر " يافا " في مصيبتها     مـن فضـله وهو مرجـو ومأمـول

 

أما شاعر القطرين خليل مطران 1897 – 1949 فيهتف في المجاهدين

سيروا على بركات الله واغتنموا   أجر الجهاد وأجر البر بالناس

ردوا على الوطن الباكي أعزته    ودافعوا الموت عنهم دفع الياس

 

وللشاعر المصري مرسي شاكر طنطاوي قوله :

يقربنا حب الجهاد لغايـــة       وكـل بعيــد بالجهاد قـريب

كفى بضمان الفوز أني مجاهد      وأني امرؤ في المكرمات رغيب

تحدثني طرح السياسات جانباً       فقــد رابني ملا يكـاد يريب

فقد رابني أن الشؤون تضارب      وأن شهـود الصالحات غيوب

 

إن شاعرنا يقر في هذه الأبيات الأربعة حكمة الفرق بين المبدأ والعقيدة وبين السياسات المضللة

وللشاعر السوري الدمشقي ميخائيل الله ويردي 1867 – 1945 سموٌ في الوصف والتحليل فيقول :

ولعل من نعم الحياة عليك أن      يرث المجـد خلوده بجهـاده

يرن بآفـاق الحياة قصـيدنا      ويحيا على رغم أنفنا شهيـداً

ومن حسب أن الجهاد يكيدنا       تعيـرنا أنـا قلـيل عديـدنا

فقلت لها إن الكرام قليل

 

ووصولاً للعبر واستخلاص الدروس من هذا الإرث التاريخي وبمقارنة مع أوضاعنا سنجد التشابه بل التطابق بين الماضي والحاضر ألا نعيش الوبال والرياء و الوهاد وامتداد الفتن وجرى ويل الوبال وهتنه " الصفدي "

أليست الأزمات باكية " خليل مطران " وأعداؤنا طغوا وبغوا وللفساد سعوا " فتح الله "و أبشع وأقسى ما نسمعه أنواع الرياء عبر وسائل الإعلام وما يسمى بالتحليل والواقعية منه براء لكن الأمل الكبير بدأ يغمرنا جميعاً إذ نطقت في سبيل الحق ألسنة الجهاد " إبراهيم طوقان " وما يؤكد حتمية النصر أن العديد احترفوا الجهاد فكان رزقهم تحت ظل سيوفهم أسوة بنبيهم عليه الصلاة والسلام وهم يشدون الرحال لإضحاك ربهم فقد نزعوا دروعهم ليقاوموا ويستشهدوا ومع ضحكة الله العزيز القدير يضحك كل المجاهدين ولا تهمهم الأسماء التي بدأت تطلق عليهم أو الألقاب التي يلقبون بها وضحكاتهم المجلجلة تضحك كل المستضعفين

و الآن ماذا عز واقعنا وحاضرنا سمعنا وتناقلنا في كل محفل عنواناً ضخماً أطلقوا عليه " استراتيجية السلام " واعتمدوه الطريق الوحيد للإنقاذ والخلاص " ولاغير سواه ومن الغريب أنهم لم يضعوا إلى جانب ذلك الخيار أية وسائل لدعمه وإقراره غير سيول من الحديث عنه والتبشير بفضائله بل لم يرسموا البدائل في حال فشله وتغاضوا عن مقولة صادقة نعرفها – ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة

ويسارع المحللون لتسويق فكرهم إلى عباد الله لكن ليس هناك من مشتر المهللون لكل فكر رسمي إنهم بارعون في تزو يق وتنميق ما يوحى لهم وعندهم المقدرة الكبيرة في محاولاتهم البائسة لتحويل الباطل إلى حق والرياء إلى صدق وهداية لكن الحقيقة تبقى مشرقة أبداً وتبقى ينبوع عطاء لقد أفاضوا بما للسلام من أهمية ونتائج وتناسوا أن الإنسان الخير ميال بطبعه للسلام لأن في السلام هدوءاً وسكينة وأمناً وعطاء وأمتنا الخيرة التي ربيت على السلام تحيتها وحب الآخرين هدفاً مكملاً لقيمها عانت وما زالت تعاني منذ أكثر من قرن من عدوان وظلم الآخرين ويوم اعتمدوا استراتيجية السلام كخيار وحيد وهو شأنهم هم بالتأكيد كان هناك قطر عربي محتل شرد أهله في أصقاع الدنيا ومرت عقود عليهم قتلاً وتشريداً وفي خضم الألم نادى صوت جديد مرتفع يريد من شعبه ومنا بتكريس عقيدة السلام-  ومن سخرية الأقدار أن بلدين بلد مسلم وآخر عربي أضيفا إلى قائمة الاحتلال ولابد من محاولات لتوسيع هذه القائمة بأساليب متعددة - احتلال مباشر أو احتلالات مخفية ثقافية واقتصادية واجتماعية

فمن عناوين التطبيع إلى اتفاقات التجارة الحرة والتي رفعت المقاطعة عن العدو الصهيوني إلى مؤامرات أخرى تبيت في الظلام والجميل والرائع ما كان من تمايز بين الرسمي والشعبي فقد رفض برلمان البلد الموقع على اتفاقية التجارة الحرة تفسير المسؤولين لحقيقة المخطط الآثم برفع المقاطعة عن العدو وتستمر المؤامرة وتمضي المأساة في " التكويز " أي معاهدة " الكويز " الموقعة بين بلدين عربيين والعدو الصهيوني لإقامة مناطق صناعية حرة مشتركة واستعمالنا لتعبير " التكويز"  لنضمه إلى التعابير التي تعود عليها المواطن العربي وجميعها خارج إطار أمانيه وأحلامه.

إنها التسليم . . . . . التطبيع . . . . . التنازل . . . . . التهرب والتهريب وحتى التطبيع والتهريج وكل شيء في صدامنا مع الأعداء له مدلولاته اللفظية إلا التوسع في الرفض والمقاومة وعدم الإذعان والاستسلام

ونأتي بعد ذلك إلى ما يساق من مبررات الهيمنة والعدوان : الإصلاح – الديمقراطية – الحرية – بناء المجتمع المدني – الخلاص من الأنظمة الحاكمة – التنمية والمساعدة من أجل التطوير وكل تلك العبارات وجوه لعملة واحدة وهي الاستغلال والنهب والتحكم وكأننا نسينا أن الوصاية والانتداب الذين فرضا على عديد من أقطارنا بعد الحرب العالمية الأولى كانا كما زعموا بهدف التحضر والتقدم ولم يكن من ذلك شيء سوى التخلف والضياع والانقسام والأمراض الاجتماعية وما مثل الانتداب الفرنسي على سورية ببعيد إذ أراد المحتل لتحقيق " التقدم والتطور " أن يشرع قوانين أحوال شخصية ومحاكم لها تختص بكل طائفة وملة وصولاً إلى تمزيق وحدة الشعب والتفرقة بين أبناء البلد فما كان من رجال الدين على مختلف آرائهم إلا أن هبوا جميعهم غاضبين ليؤكدوا أن العقيدة الإسلامية واحدة وهي المصدر الوحيد للتشريع ولا خلاف على ذلك وفوتوا على مدعي التحضر ما خططوا له

ووقفة بسيطة ألا نرى مرتسمات لمثل ذلك الآن لكن مع الأسف فإن صمتاً عميقاً عميقاً يخيم علينا

ثم هل نسينا درس الجزائر البطلة وما قدمته من ثمن لحريتها وهل نسينا استعادة الأمة لحقها في قنالها( السويس)

وكيف قاوم الشعب العربي حتى حقق الانتصار وثمة مشاهد أضخم يقدمها التاريخ يوم قام المجاهد فوزي القاوقجي لحماية جناح الجبهة المصرية في فلسطين من غدر القائد الإنكليزي " الجنرال غلوب " الذي كان من الممكن أن يفسح المجال للقوات الصهيونية ضرب القوات المصرية " كتاب مذكرات القاوقجي " وقد حمى القاوقجي ورجاله البواسل جيشاً عربيا من الغدر و الخيانة فعمل من مقاوميه درعاً على الجناح الشرقي لهذا الجيش و بذا وسع جهاده بقتال الأعداء وحماية الأشقاء

وتتعدد وجوه الاحتلال و التآمر فحينما نشرت رسائل بن غوريون إلى شاريت عام 1952 م وكان شاريت يومها رئيساً للوزراء أوضحت كيف كان الأول يحضه على إثارة الفتن الطائفية في لبنان بهدف تمزيقه وكان جواب شاريت بتأكيد وتأييد الفكرة لكن لا تتوفر لديه الاعتمادات المالية اللازمة وجاءه الرد بأن عليه أن يقتطع المبالغ من اعتمادات وزارة الحرب لأن ذلك يضمن لهم الأمن المنشود وإضعاف عدوهم زيادة لقوتهم

وعلى نفس النهج والخط وفي عام 1974 وبعد حرب تشرين التحريرية صرح مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي " بريجنسكي " وهو يتحدث عن منطقتنا العربية قال : " نحن ليست لنا أهداف سريعة في المنطقة لكننا سنعمل من أجل إجراء تغييرات هيكلية عميقة تثبت على مدى ثلاث أو أربع سنوات " وكانت أحداث لبنان في عام 1975 وكان " هنري كسنجر "وزير خارجية أمريكا يومها المهندس الأساسي لما جرى من حرب وباعترافه في مذكراته وليس خافياً ما قامت وتقوم به أمريكا من تحريض ودعم لانقلابات في بلدان عدة لتغيير أنظمتها بل وتطورت المخططات لتصبح تغيرات هيكلية عميقة ولم يعد مطلوباً التغير ليشمل السطح بل الأعماق ورسم خارطة الشرق الأوسط الجديد يدخل في هذا المضمون والإطار

هكذا فإن ما عرضناه يوضح وبجلاء مؤامرات العدوان ومخططات الهيمنة والتدخل من أجل نهب الثروات وتدعيماً للمصالح ما تزال سياسة ثابتة لقوى الاستعمار انطلاقاً من أن الغاصب هو الأقوى بينما صاحب الحق هو الأضعف وفي فترات الاحتلال تطفو على السطح مصالح واختلالات فكرية لفريق مهر تزييف القيم وتعود نذالة التبرير لإسناد الباطل وتسويق المؤامرات الدنيئة

لقد قرأت منذ فترة وأعجبني ما قرأت " السياسة فن الممكن لدى المنهزمين بينما المقاومة فن المستحيل " وفن الممكن الهابط نقلنا من فلسطين بكاملها إلى حدود التقسيم ثم إلى حدود 1948 بعد توسع الأعداء ثم حدود 67 والممكنون غير المتمكنين لا نعرف إلى أين سيوصلوننا في رسم الحدود

لقد قال قائد عربي " الحق لا قيمة له بلا قوة والقوة لا قيمة لها بلا حق والاثنان لا قيمة لهما بلا علم " أروع ما في هذا الكلام وفي هذه المعادلة أن المحتلة أرضه له الحق وعليه تأمين القوة وتصعيدها وزيادتها والقوة الغاشمة المحتلة تملك القوة ولا تملك الحق – مهما ادعوا – والحق من سماته عدم التصغير أو التكبير فليس هنالك ربع حق أو نصف حق أو جزء منه والحق الكامل المترتب على قوة الاحتلال يقضي إنهاءه وإعادة ما احتل لأصحابه بدون أية شروط وهذا المستحيل بعينه ويبقى أمام صاحب الحق البحث عن القوة واستعمالها وتصعيدها وهي موجودة إذا اعتمد العلم والعمل والوحدة والتكتل والتطور والمقاومة كما قيل عنها بأنها فن المستحيل قد أثبتت أن المستحيل يتحول إلى واقع تتنامى وتعظم التضحيات فيه وتزداد مرتسماتها في حياتنا انتصارات تتعاظم ويهمني أن أضرب أمثلة عما حققته المقاومة الوطنية الشريفة ضد العدو الصهيوني

ففي كتاب " كلفة الاحتلال للمجتمع الإسرائيلي " للدكتور شلوموسبيرسكي – يذكر المؤلف أن ثمن احتلال الضفة الغربية كان متدنياً نسبياً من وجهة النظر الإسرائيلية في السنوات العشرين 1967 – 1987 لكن منذ اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 بدأت إسرائيل بدفع ثمن الغطرسة وفي الحقيقة لا يستطيع الفلسطينيون – برأيه – إلى إلحاق الهزيمة بجيش " الدفاع الإسرائيلي " فقد هزموا المرة تلو المرة لكن رغبة الفلسطينيين المتكررة في العودة إلى ساحة القتال مرة بعد مرة كي يعبروا عن طموحهم إلى تأسيس حياة قومية مستقلة أصبحت تشكل ومنذ عام 1987 تهديداَ مزمناً للاستقرار الاقتصادي والسياسي فكان الجدار لمنع تسلل الفلسطينيين والذي خصصت الحكومة مبلغ 3.5 مليار شيكل لبنائه وعدد القتلى والجرحى منذ أيلول عام1987 وحتى كانون الأول 2003 ارتفع إلى 1255 قتيلاً و6709 جريحاً من المدنيين والعسكريين والتعويضات التي دفعت للمدنيين الذين قتلوا أو جرحوا وصلت في عام 2003 إلى 250 مليون شيكل أي نحو 80 مليون دولار

ولقد تراجع نمو الناتج القومي الإجمالي من 6.1 % في عام1987 إلى 2.6 %  عام 1988 إلى 1.4% عام 1989 بينما تراجع الناتج القومي للفرد من 4.6 عام 1987 إلى 1.9 % عام 1988 إلى 0.3 % عام 1989 وارتفعت البطالة من 6.1 في عام 1987 إلى 8.9 عام 1989 واقتربت زيادة الموازنة بين عامي 1987 – 2005 إلى مبلغ 29 مليار شيكل أي نحو 6.5 مليار دولار وبغية معالجة الأزمة المالية تبنت الحكومة الإسرائيلية استراتيجيتين :

الأولى : سلسلة من التقليصات لثمان مرات بلغت قيمتها الإجمالية 60 مليار شيكل مما أثر على جميع مرافق خدمات الحكومة

الثانية : طلبت من الحكومة الأمريكية الحليف الإستراتيجي تغطية العجز دون الحاجة إلى زيادة العب في سوق النقد المحلية ودون اللجوء إلى رفع الضرائب

وعلى الجانب السياسي يرى الكاتب عدم الاستقرار بوضوح في حقيقة تبديل خمس رؤساء للحكومة في التسعينيات بينما شهدت العقود التي سبقتها تبدل رئيسين في كل عقد وثلاثة في الثمانينيات

وعلى الجانب الاجتماعي توالت التقليصات الحكومية التي لجأت لها الدولة بعد الانتفاضتين الأولى والثانية ففي جهاز الصحة العام بدأ العلاج الطبي يعتمد أكثر وأكثر على المدفوعات الشخصية وجرى تقليص حاد في تمويل ساعات التدريس في التعليمين الابتدائي والثانوي وكما وأدى تقليص الميزانيات المعدة للأبحاث والتطوير بشكل حاد مما اثر على البرامج الحكومية لدعم صناعات التكنولوجيا الرفيعة الناشئة وقلصت مستويات معونات الإسكان وضعفت شبكة الضمان الاجتماعي وتزايد الفقر نتيجة الركود الاقتصادي فشهدت نسبة الإسرائيليين الذين يقعون تحت ضغط الفقر ارتفاعاً من نسبة 17.6 %عام 2000 إلى 19.2 % عام 2004 مما جعل بداية لانتشار مطابخ الفقراء وثقافة الهبات التي لم تكن معروفة في إسرائيل خارج المجتمعات الإسرائيلية

وفي دراسة للدكتور – شاي دنوت – الخبير الاقتصادي والمستشار في مجالات السياسة الجماهيرية يقول : " يشكل الصراع الإسرائيلي والفلسطيني ومصاريف الأمن الباهظة تفسيراً لأنهاك موازنات الدولة لقد بدأت الانتفاضة في نهاية الثمانين والحصة العالية لمصاريف الأمن تزداد" ويقودنا البحث إلى ما يجري في العراق الشقيق بعد الغزو الأمريكي فمعهد " بروكنيغز "للأبحاث في واشنطن وفي دراسات مستمرة عن قتلى الحرب والمهد يجدد الدراسة يومياً فالقتلى حتى تشرين الأول إجمالي 1931 منهم 1504 بنيران معادية و425 بنيران صديقة والنسب موزعة 26.2% من سكان المدن مقابل 40.4% من سكان الضواحي ، 33.3% من سكان القرى والكلفة للحرب 204.6% مليار دولار وحتى نهاية أيلول 2005 وكانت الإدارة قدرت ميزانية الحرب بنحو 75 مليار دولار في مراحلها الأولى مع مراعاة أن هذه النفقات لا تتضمن مرتبات الجنود وتكلفة الرعاية الصحية المستقبلية لهم هذا بالإضافة إلى عدم حساب الفائدة على الدين العام الأمريكي والذي يرتفع باضطراد نتيجة لاستمرار الحرب وطبقاً لدراسة مركز مشروع الأوليات الوطنية – ومازال التحليل لمعهد  بروكنغز " – كان ممكناً لهذا المبلغ أن يمول :

برامج مكافحة نقص المناعة لمدة 19 عام

أو تمويل كل برامج مكافح الجوع لمدة ثمانية أعوام

أو توفير الأمصال الرئيسية اللازمة لأطفال العالم لمدة 66 سنة

أو توفير الأموال اللازمة لتعليم 26.4 مليون طالب مدرسي في الولايات المتحدة ولمدة سنة

أو توفير تأمين صحي لأكثر من 119 مليون طفل في الولايات المتحدة ولمدة سنة كاملة

إن تكلفة إلقاء القنابل ما بين عشرة آلاف إلى 15 ألف دولار في الساعة وهنا يتبادر إلى ذهن كل إنسان متمسك بإنسانيته ومؤمن بربه هل الله تعالى أمر الرئيس بوش حقاً باحتلال العراق إن من فقد عقله  يصدق هذه الترهات أمام هذه المقارنات والمقاربات وأن الله جلت قدرته ليس عوناً لأصحاب النوايا الشريرة لكن المصالح الأمريكية الإسرائيلية وراء ذلك وصحيفة – الواشنطن تايمز  قدرت أن تصل كلفة الحرب أكثر من 200 بليون دولار بينما كلفة عاصفة الصحراء وهي الحرب على العراق الأولى نحو 80 بليون دولار دفع الكثير منها من أموال الأمة العربية

وبعد كل هذه الوقائع والعودة إلى الماضي لأخذ العبر وتثبيت المبادئ والقيم هل هناك من ركن إلى عقلة فأعمله وإلى وجدانه فاحتكم له أن يخرج بتحليل يبرر التواطئ والاستسلام والتسليم ويسمي المقاومة بأسماء لا تنتقص من قيمة مناضليها وشهدائها إنما تنتقص وحتماً من قائلها وتضعه في خانة الحقارة والنذالة ، إن الواحد منا حر في التجني على ذاته وإن كان ذلك غير محبب ومكروه لكن أن يتجنى على أمته وعلى أبطالها ورجالها وتاريخها فهو بالتالي معجون بالدناءة والوضاعة

والسؤال لنا : هل عرفنا ماذا يحاك لنا وهل أدركنا الفرق بين استراتيجية السلام وتركيز عقيدة السلام وبين الجهاد والمقاومة وهل عرفنا أكثر وأكثر لمَ تتمادى أمريكا وصنيعتها دولة الشر والعدوان في تسمية المقاومين بالإرهابيين ؟ ولماذا تطالبان بنزع أسلحة المقاومة

إن الشريكين معاً في خندق الخسارة المستمرة لكن المقاومين والمجاهدين في خندق الربح المتنامي والمتعالي

قد يعمد في بعض الأحيان إلى سلوك طرق أخرى سياسية وهي سبل مشروعة لاستعادة الحقوق لكنها ستبقى بلا معنى وبلا نتائج وعقيمة العقم كله إن أنجبت فلن تلد إلا تشوهات إن لم تدعمها المقاومة والقوة

ولا بد من أن خير خاتمة لهذه الخواطر الصادقة التوجه إلى قول الله تعالى جلت قدرته

" فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً "  سورة الفرقان الآية 53

" والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون " سورة التوبة الآية 20

 وصدق الله العظيم

اللهم أنت الحق وقولك الحق فانصر الحق يا الله

محمد علي الحلبي


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ