العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12 / 11 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

النظام السوري وطاولة الحوار... إلى أين يتجه لبنان...؟!.

في لعبة المصالح الحادة التي تجري على الساحة اللبنانية تنعكس قواعدها بشكل محير بين" القط السوري والفأر اللبناني" ,وفي تسلسل فصول الدور السوري في لبنان يتكرر المشهد السوري بما يشبه مسرحية من فصل واحد هو جعل لبنان خريف مستمر, ومابين لبنان الأمس ولبنان اليوم مفارقات في موازين قوى داخلية وخارجية تدفع لبنان إلى الخروج من جلده العربي الحرالديموقراطي, ليلبسه النظام السوري من بقايا جلده الديكتاتوري الممزق المنتوف .

ومن بعض المفارقات أن النظام السوري فشل في الدخول في النسيج السياسي اللبناني والتفاعل الإيجابي معه ,ولم يستطع أن يتعامل مع لبنان بخصوصية تفرضها طبيعته السياسية والديموغرافية والطائفية , تناسى كل ذلك وعوم لبنان على معاييره المركزية ومنهجه السياسي الفردي الذي يتلخص في إلغاء لبنان الحر الديموقراطي وتحويله إلى فرع أمني تابع له يديره ضابط اسخبارات سوري لايجيد سوى لغة الجريمة والتسلط والعنف.

ونتيجة عجز النظام السوري عن فهم المعادلة اللبنانية ,تعامل معه بمنطق القط ذو الأظافر الطويلة الحادة , ولكثرة هبشه وخرمشته في جسم لبنان على مدى ثلاثين عاما ً , أدمى لبنان ومزق أوصاله وظن النظام السوري أن لبنان أصبح في حالة إعياء كامل لاتمكنه الخروج من دائرته تلك, ونسي منطق الأشياء ووجد نفسه فجأة في لبنان ببقايا قوة خائرة وأظافر متكسرة وخطوات متعثرة, واستمر كعادته بالسير في الإتجاه الخاطئ وحيدا ً عكس الزمن اللبناني .

وكالعادة لجأ إلى سياسته الخاطئة يبحث عن مخرج ,لكنه حقله في لبنان لم يحصد منه سوى الطاعة المبنية على الخوف والقمع وشراء بعض الضمائر الموجودة على الرصيف اللبناني تبيع بضاعتها لمن يدفع الثمن من كل ماهب ودب , عاد إلى موروثه السياسي وهو التسلط واغتصاب مواقع الشرعية اللبنانية وكان أول المعادلة منصب رئيس الجمهورية "المسيحي" الذي كان يقرر في قصر المتاجرين وليس في لبنان,وثانيها منصب رئيس البرلمان" الشيعي" , ورئيس مجلس الوزراء" السني " الذي فلت من يديه على تداعيات اغتيال المرحوم رفيق الحريري ,وبعض التنظيمات المسلحة بالطائفية والمدججة بأجندة خارجية وبالتالي ظن النظام السوري أنه يمسك لبنان من " خوانيقه " وليس له حراكا ًسوى بالقدرالذي يسمح به.

بهذه التشكيلة" اللبنانية "التي تعكس تركيبة النظام السوري من القيادته القطرية إلى الجبهة الوطنية ومابينهما ,وكل مفاصلها بيد حراس النظام الأمنيين, بهذا الشكل يظن النظام السوري أنه سيطرعلى القرار اللبناني الدستوري إلى أجل غير مسمى , ولم يدرك أن ظروف لبنان الداخلية وسلسلة الحروب التي مربها قد أفرزت قادة سياسيين لايمكن أن يكونوا ضمن دائرته,والمثل الصارخ هو الشهيد رفيق الحريري , مرة ً أخرى لايتزحزح عن طبيعته في حسم الخلافات على مستوى الساحة اللبنانية وتصرف كما يتصرف في سورية مع الشعب السوري ومع المعارضين السوريين ,سجون وملاحقات وتصفيات هي السياسة الوحيدة التي تربى عليها بشار أسد ونظامه.

ظن أن اغتيال الشهيد رفيق الحريري سيفتح له باب السيطرة على لبنان لربع قرن آخر, لكن الذي حدث أن تلك العملية الدنيئة فتحت عليه أبواب جهنم , هنا لجأ إلى مرتكزاته على مستوى الحكومة اللبنانية التي أوجدها للسيطرة على لبنان ,أي استخدامها كأسلحة هجومية ضد الجميع على الساحة اللبنانية , لكن بشار أسد الرئيس الذي يعتمد على الصدفة ولايعرف التخطيط ,فاجأته الأحداث أنه في حالة دفاع ليس عن وجوده في لبنان فقط , ولكن عن نفسه وعن وجوده ككل في سورية ولبنان , مرة ًأخرى يصربغباء عجيب على السير في الإتجاه الخاطئ..!.

المعروف أن بشار أسد بصفاته الشخصية المتواضعة  يمثل خلاصة النظام في سورية بكامل أبعادها الفكرية والسياسية والوطنية والأخلاقية ,وآلية عمله مصدرها محاكمة الأشياء على أرضية هذه الصفات , والعقدة الأساسية له هوكيفية الإستمرار في الحكم في وضع دولي جديد متغيرلم تعد المساومات مدخلا ً للدعم والتغطية ,لأن موازين القوى الداخلية السورية تجاوزت هذه المحددات وأن النظام وبشار أسد مستعد للمساومة على كل شيء,أي لم تعد التوازنات التي ثبتت النظام قائمة , وعليه وجد في التوازنات الإقليمية ضالته الوحيدة الباقية لكي يلعب بها لحمايته واستمراره في الحكم .

ولكون العلاقة السورية اللبنانية متداخلة بشكل كبير ,الأمر الذي يفرض معرفة تداخلاتها والمفاصل التي يلعب بها النظام السوري لضرب سورية ولبنان معا ًلحماية حكمه ,واستطرادا ً يمثل وجوده في لبنان الركيزة الأساسية لإستمراره في الحكم ,وهو كما معروف ليس له أية ركائز وطنية أو حتى إصلاحية داخلية وأن بقاؤه في الحكم مرتبط بشكل مباشر بتأدية دوره التخريبي على المستوى الإقليمي ,وأن حجم العنف الذي مارسه في سورية ولبنان والتغطية الخارجية له هو نتيجة أداؤه لدور إقليمي لصالح القوى الإقليمية والخارجية وبالذات " إسرائيل",لكن الآن انتهى مفعوله وانتقلت" إسرائيل" من حالة الدفاع وتثبيت أسس " الدولة " إلى مرحلة تنفيذ استراتيجتها على المستوى الإقليمي ولم تعد بحاجة إلى وسطاء تقليديين , وعليه تم وقف الدعم وسحب جزء كبير من الغطاء الخارجي  لكن دون تبني سياسة تغيير النظام , أي تركه هو واستحقاقاته السياسية وظروفه الداخلية والإقليمية في حالة تناقض وصراع بدون ضغط خارجي  وبدون دعم واضح لقوى التغيير والمعارضة والشعب , تركه هو ومشاكله معلق كعش قشي تتقاذفه العواصف بكل الإتجاهات ...

والنتيجة التي وصل إليها النظام السوري يعرف جيدا ً أن مقدماتها فعلتها يديه على الساحة اللبنانية , ويعرف جيدا ً أن المحكمة الدولية قادمة رغم كل أحلامه الوهمية بقدرته على تعطيل تشكيلها, ويزيده طيشا ً أنه ورط لبنان بفخ حزب الله الذي جره إلى عدوان دمره وأرجعه ربع قرن إلى الوراء ,لكن تلك الحرب لم تخلط الأوراق ولم تسقط الحكومة الشرعية , بل حددت شرعية صديقه " إميل لحود " وزادت من شرعية الحكومة ورئيسها فؤاد السنيورة , فانتقل إلى اللعب المباشر بكل رصيده في لبنان كمقامر يلعب بكل مايملكه ولجأ إلى الخيار الأخير,خيار تعطيل دور الحكومة وإسقاطها على أمل إسقاط المحكمة وطي صفحاتها, وبات لبنان برأسين متناطحين أحدهما ثورإسباني وثانيهما لاعب ماهر سيطرح الثور أرضا ً في لعبة سياسية تشبه إلى حد كبير لعبة الثيران الإسبانية المعروفة النهاية ..!.

وأصبح لبنان بين الرئيس " إميل لحود " الذي جاءته الأوامر من دمشق باستخدام صلاحيات الرئيس الدستورية ورفض أي مشروع حول المحكمة , ناسيا ً النظام السوري أن الأمم المتحدة لديها من الخيارات ما لايستطع أن يعرفها أو يقف ضدها كائنا ً من كان والأمثلة صارخة في محيطه العربي ,لكن عمليا ً عطل مؤسسة الرئاسة وتحولت إلى أشبه بدائرة علاقات عامة لعملاء النظام السوري القدامى المتقاعدين والجدد المساومين في لبنان.

وجاء دور دولة رئيس البرلمان اللبناني " نبيه بري " ممهدا ً للحوار الذي قطعه النظام السوري وعملاؤه في جر لبنان إلى الحرب والدمار , ممهدا ً بتعطيل دور الحكومة اللبنانية بنقل الحوار من مؤسسات الدولة الدستورية إلى طاولات حوار ,ومن استحقاقات لبنان الأساسية التي تتعلق بالرئاسة إلى انضمام الثلث المعطل للحكومة ,ومن احتواء مخلفات الحرب وإسكان مشرديه وإعمار لبنان ,إلى حوار مشروط يمثل المطالب السورية التي يصر بشار أسد على فرضها على طاولة الحوار اللبنانية .

لبنان ومستقبله أصبح يقرر على طاولة الحوار التي هي في أحد جوانبها الإلتفاف على المؤسسات الدستورية لينتقل الأمر من معالجة جذرية للمشاكل التي يمر بها إلى مهاترات ومساومات على أمل التوافقات بإشراك القوى المعطلة وعلى رأسها العدو اللدود للنظام السوري بالأمس العماد " ميشيل عون " إلى صديق له ليس طمعا ً فيه وفي تخليص لبنان من محنته بقدر ماهو المشاركة في الحصول على جزء من الكعكة اللبنانية التي تتقاذفها الكثير من الأيدي والأصابع البريئة والجارحة, وفي أجندة الكثير خلط الأوراق وتضييع الوقت والإرتباط مع المتغيرات الدولية وخاصة على الساحة الأمريكية التي تعصف بها انتخابات يتوهم النظام السوري وحلفاؤه بتغير أولويات المجتمع الدولي في لبنان وتحصيل حاصل في سورية وبالتالي تجاوز مأزق المحكمة الدولية بهذه الصفقة أو تلك .

يبقى لبنان معلق بين إرادة الشرعية اللبنانية الدستورية والسياسية والشعبية وبين إرادة النظام السوري وإيران المعروفة أدواتهما وأهدافهما في لبنان وبتأثير موقف دولي بقوة زكزاكية القيمة والإتجاه , يبقى المخرج في لبنان مشترك ومرتبط بشكل عضوي مع المخرج السوري لأن أزمة لبنان في مجملها أزمة النظام السوري التي يحاول علاجها على الساحة اللبنانية بدلا ً من الداخل السوري , باختصار هي أزمة الإستمرار في الحكم في سورية , وقد نجحت قوى 14 آذار برؤية الحل الصحيح وربما المكلف وهو بدء عزل النظام السوري عن الساحة اللبنانية وهذا يتطلب أكثر من فعل حوار إلى فتح موضوع الدور السوري بكل هدوء مع كافة أطراف المعادلة اللبنانية على بساط المناقشة داخل أطر المؤسسات الدستورية ليتحمل كل طرف مسؤوليته في المفاضلة في ظروف يدفعها الكثير إلى أن تجريد الجميع من القدرة على تحمل المسؤولية ودفع لبنان إلى الفراغ الحكومي والسياسي وبالتالي الفوضى التي تمنع لبنان عن القيام بدوره على المستوى الداخلي تجاه شعب أرهقته الحرب وعلى المستوى الخارجي في إطار المحكمة الدولية التي تتوقف على تشكيلها الكثير مما نراه اليوم في لبنان وسورية.

د.نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ