العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12 / 09 / 2004


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

العلاقات الأخوية الكردستانية

بين

المشروعية القومية ... والممنوعية الإقليمية

* بقلم: نوري بريمو

  إنّ تعدّد القوميات وتنّوع الثقافات وتجاور الحضارات والتقاءها في أي بلدٍ من بلدان المعمورة ، يبقى يشكل مصدر تقدمه ودليل حضاريته ، خاصة إذا ما تم التفاعل فيما بين مختلف تلك المكونات وفق أسس التلاقي الإيجابي واحترام الآخر والاعتراف المتبادل ، وهذا لا يمكن أن يتم ما لم تبقى أبواب الحوار مُشْرَعَةً أمام الجميع دون أية استثناءات تذكر .

   على هذا الأساس المجتمعي عاش العرب والكورد وأبناء القوميات الأخرى معاً في هذه المنطقة من العالم فيما مضى ، عيشة مشتركة سادتها أواصر صداقة حميمة ، متآخين فيما بينهم ، تجمعهم قواسم مشتركة وأنماط الحياة مشتركة والجيرة عبر سنين غابرة من الزمن .

   وبعيداً عن التعمّق في صفحات التاريخ فإن لأبناء القومية الكردية الذين يشكلون بتعدادهم السكاني الذي ينوف المليونين والنصف نسمة ، ثاني أكبر مكّون للشعب السوري ، توجهات ومواقف وطنية سورية لا يمكن لأحد تجاهلها أو الإساءة لها ،حيث كان الكورد في مقدمة المدافعين عن هذا البلد في كل المحن وضد مختلف المخاطر الخارجية منها والداخلية.

   ورغم هكذا مساهمات إيجابية كانت حاضرة دائماً لأبناء شعبنا الكوردي في تأسيس  وبناء وحماية هذا البلد وتعزيز جبهته الداخلية ، فإنه قد جرى التنكر الدائم لوجودهم و لدورهم الوطني المشرّف هذا ، وقد تم وضعهم دوماً موضع الشكوك والمخاوف من قبل الجانب الآخر الأكثري أي العربي ، ليس هذا فحسب بل مورست بحقهم مختلف السياسات والتدابير الاستثنائية وقد كان آخرها ما شهدته المناطق الكردية لأحداث دامية في آذار من العام الحالي إذ تعرّض الشارع الكوردي لفتنة قومجية ولهجوم دموي مباغت أودى بحياة العشرات من الشهداء والجرحى والآلاف من المعتقلين والمتضررين مادياً وبشرياً .

   إنّ ما تعرّض له الشعب الكوردي هنا من تمييز قومي لا يمكن تسميته سوى بمسلسل شوفيني يتضّمن سلسلة من الحلقات الضاغطة الثقيلة التي فتحت جراحاً عميقة في الجسد الكردي الذي بات يئّن من وطأة حالة احتقانٍ باتت تتأزم يوماً بعد آخر ، مما شكل لدى الكورد رويداً – رويداً مزيداً من الشعور بالاغتراب وخُلِقَتْ لديهم أجواء عدم الثقة والفرقة .

   ورغم هذا وذاك فإن الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمجموع أحزابها حاولت على الدوام تجاهل وعدم الاكتراث ببعض المواقف القومية الانعزالية التي كانت تظهر بين الحين والآخر لدى بعض المواطنين الكورد جرّاء ما يلحق بهم من مظالم ، وابتعدت دائماً عن الانزوائية السياسية في الفكر والسلوك والممارسة ، ليس هذا فحسب بل أصرّت على أن تكون توجهاتها وممارساتها وخطابها السياسي منفرجاً و بعيداً عن الكردايتية الضيقة، وقد سعت دائماً الى أن تكون جزءاً من الحراك الديمقراطي السوري وشريكاً أساسياً في حمل الهموم والشؤون السورية العامة ، واعتبرت أن حل المسألة القومية الكوردية في سوريا لا يمكن أن يتم إلاّ عبر الحل الديمقراطي العام في البلد ، و حاولت على الدوام التوفيق ما بين العام السوري والخاص الكوردي الذي لا يتعارض البتة مع ذلك العام ، وآثرت على تغليب العام على الخاص وذلك حرصاً منها على وحدة ودَمَقْرَطة البيت الداخلي السوري .

   إذاً ... فقد سلكت الحركة الوطنية الكوردية منذ تأسيسها وحتى الآن سلوكاً وطنياً ديمقراطياً سورياً ، وذلك لقناعة منها بأن الطرف الآخر سواءٌ أكان في السلطة أو في خارجها ، قد يتعامل بالمثل أي كما يجب، بإنصاف مع الكورد على أنهم مواطنين سوريين قبل أي اعتبار آخر، بل ينبغي أن يكونوا شركاء، لهم ما لغيرهم من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات ، وذلك وفق ما تقتضيه قواعد وقيم المواطنة الحقيقية، التي من شأنها أن تضع حدّاً  لمعاناة الشعب الكوردي في سوريا .

   ولما كانت علاقات حسن الجوار والتعايش الأخوي بين العرب والكورد في سوريا تعود إلى عهود ما قبل الإسلام والمسيح، وبما أن ليس هنالك أية جهة سياسية أو مجتمعية كوردية سورية تبتغي أو تخطط لتغيير أية حدود جغرافيةٍ لسوريا ، وإنما يبغي الكورد جميعاً التمتع بحقوقهم القومية المشروعة ضمن إطار وحدة البلاد.

   وبما أن القضية الكوردية في سوريا لا تُقاس ولا تُقارَنْ من حيث التطلعات والآفاق والنتائج والحلول والتداعيات الممكنة مع ما هو عليه في باقي أجزاء كردستان ، فإن من واجب الجانب الآخرـ أي العربي ـ أن يحترم هكذا قضية إنسانية وطنية سورية بامتياز وهكذا حركة سياسية واقعية لا تبتغي سوى التقدم والخير والرخاء لهذا البلد ، ليس هذا فحسب بل عليه أن يدحّض ما تروّج له بعض الأوساط الشوفيينية من تشكيك وتأليب للرأي العام العربي ضد وجود ودور ونوايا الكورد السوريين ، وأن يقف ضد مختلف التهم الباطلة بحقهم كـ (( تشكيل دولة كوردية في شمال سوريا )) أو (( ارتباط الكورد بالأجنبي  )) أو (( تغلغل الموساد الإسرائيلي في شمال سوريا ))  ...!؟، وما إلى هنالك من افتراءات لا أساس لها من الصحة والموثوقية .

   والمطلوب من الجانب العربي السوري أيضاً أن يميّز ما بين أمرين هامين يجري الخلط بينهما عَمْداً في أحيان كثيرة وخاصة في الآونة الأخيرة، حيث يتم خلط الأمور مع بعضها بشك مقصود من قبل بعض الجهات الحاقدة على الكورد ، فهنالك فرق شاسع ما بين العلاقات الكوردستانية المبنية على الأخوة المشتركة واللغة نفسها وعلى الاحترام المتبادل لخصوصية كل جزء أو طرف ، وبين الارتباط مع جهات أجنبية خارجية...!؟ ، فالأطراف الكوردستانية هي ليست كما يريد أن يصفها البعض بجهات خارجية وهي ليست أجنبية بالنسبة لنا لأننا أبناء شعب واحد ولنا تاريخ واحد .

   فالكورد السوريون بأحزابهم وفعالياتهم وباقي مؤسساتهم المجتمعية الأخرى ، تربطهم آمال وطموحات وأعماق كوردستانية مع كل من كوردستان تركيا وإيران والعراق ومع أكراد الشتات ، وهذا لا يعني البتة الارتباط مع الأجنبي أو الخارج ، إذ أنّ مثل هكذا علاقات كوردية ـ كوردية لا تٌعْقَدْ من  قبيل التآمر على داخل أي من الدول الإقليمية التي تقتسم أراضي وخيرات وشعب كوردستان ، وهي لا تتعدى كونها علاقات مبنية على تلاقي الآمال والأحلام والآلام وهي أي تلك العلاقات في غالبها صلات قرابة مشروعة ولا يجوز التشكيك بها البتة كونها لا ولن تسيء لأحد أبداً ، وهي إن تطّورت وجرى تعزيزها وفق أسس ديموقراطية فقد تجلب الخير ليس للكورد وحدهم بل لكل شعوب المنطقة برمتها .

   وأخيراً فإن اللاطبيعي في الأمر...!؟، هو أن تتعامل بعض الدول الإقليمية المعنية بالشأن ذاته مع تلك الروابط التاريخية بين أشلاء الشعب الكوردي الموزع بين هذه الدولة أو تلك ، وفق منطق التشكيك والممنوعية ، وأن تراودها هواجس وتخوفات لا مبرر لها وهي قد تكون ضارة للجميع وخاصة لأصحابها .

   أما الطبيعي في الأمر هو ... أنّ العلاقات الكوردستانية هي صلاتٌ أخوية مشروعة لا يمكن أن تشكل أي خطر على أحدٍ من الجيران لا اليوم ولا غداً ، ومن هذا المنطلق فإن الجانب الكوردي سيبقى متمسكاً ومعتزاً بتعزيز وتطوير تلك العلاقات الأخوية التي أمَرَنا بها الله عز وجل حين أوصى بصلة الرحم والقربى .

ــــــــــــــــ

* عضو اللجنة السياسية لحزب الوحـدة الديموقراطي الكردي في سوريا (يكيتي).

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ