العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12 / 06 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

هل يلحق الخزنوي السوري بالحريري اللبناني

بقلم : محمد الحسناوي

     بعد مضي عشرين يوماً من اختطاف الدكتور معشوق الخزنوي /10/5/2005م  من وسط العاصمة دمشق ، تعلن السلطات السورية عن اكتشاف جثته مقتولا في مقبرة بمدينة دير الزور، وحين تسلم جثته لذويه يرفضون استلامها ما لم تعرض على طبيب شرعي  ، للاشتباه بأن اختطافه ومقتله الغامضين ينطويان على بعد سياسي ، كما أفاد نجله مراد ، وكما تذهب إلى ذلك مؤسسات حقوق الإنسان و المجتمع المدني التي دأبت منذ ساعات اختطافه الأولى ، على التنديد بالسلطات الرسمية ، محملة إياها  مسؤولية الاختطاف ، من الناحية الإدارية ، لأنها المكلفة بحماية المواطنين جميعا ، وبصفة  اختصاصية  لأنها (دولة أمنية ) تملك أربعة عشر جهازاً أمنياً ، فضلاً عن الحزب الحاكم ومنظماته أو ( مليشياته ) الحزبية المنتشرة في القطر انتشار الفطر ، وأخيراً بصفة تاريخية لأن هذه السلطة عرفت بنهج التصفيات الجسدية لخصومها داخل القطر وخارجه . وقد ذكرت (منظمة العفو الدولية ) أنه <سادس كردي يقضي في السجن بسبب التعذيب أو سوء المعاملة منذ مارس 2004م >

 وقد تزامن الحادث الرهيب مع موجة جديدة من اعتقالات (ربيع دمشق الثاني ) ..مثل اختطاف نزار رستناوي في 8/4/2005/م الناشط في حقوق الإنسان ،الذي لم تعترف السلطات الأمنية باعتقاله في مدينة (حماة) إلا حين عُثر على سيارته على باب أحد الأجهزة الأمنية ، وتلا ذلك اعتقال عضو (منتدى الأتاسي) علي العبد الله /15/5/2005م ، ثم اعتقال (أعضاء إدارة المنتدى ) نفسه الثمانية دفعة واحدة /24/5/2005م، فضلاً عن اعتقال المحامي محمد رعدون ( رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية ) في22 /5/2005م ،وإعادة اعتقال حبيب صالح /28/5/2005م في مدينة (طرطوس ) ، بعد أقل من تسعة أشهر من إطلاق سراحه ، وهو أحد الذين سبق اعتقالهم في (ربيع دمشق ) وأمضى ثلاث سنوات في السجن ، ثم اعتقال محمد حسن ديب في 26/5/2005م في مدينة السلمية ( ناشط سابقاً في الحزب العمل الشيوعي ) .

الشيخ  محمد معشوق الخزنزي  ذو شخصية منفتحة على الآخر ، وله حضور فاعل في عدد من المنابر المحلية والإقليمية والعالمية المهتمة بالحوار بين الأديان والحضارات ، بصفته نائب رئيس ( مركز الدراسات الإسلامية في سورية ) الذي يرأسه الدكتور محمد حبش ، كما يحظى بمكانة متميزة في الوسط السياسي  الكردي والشعبي ، لأنه من الشخصيات الإسلامية الكردية القليلة المهتمة بالشأن السوري العام ، وتنتقد السياسة السورية تجاه حقوق الأكراد السوريين ، وكانت السلطات السورية قد سحبت قبل عام كتاباً له من الأسواق بسبب ذكره لـ(كردستان ) ، يضاف إلى ذلك أنه قبل اختطافه بقليل عاد من جولة أوروبية ، حيث شارك في شباط الماضي بندوة عن (الأديان والسياسة) عقدت في أوسلو بدعوة من الحكومة النروجية ، والتقى بالجاليات الكردية والسورية ، كما التقى المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية علي صدر الدين البيانوني ، واتفق معه عل إصدار بيان باسم  الجماعة ، يوضح فيه موقف الجماعة مفصلاً في حل المسألة الكردية السورية ، واستجاب لطلبه .

أما عن كيفية اختطاف الشيخ الخزنوي فيشار إلى أنه استدرج من مكتبه في (مركز الدراسات الإسلامية ) بدمشق ..بمكالمة على هاتفه الخلوي  ، فخرج ولم يعد حتى عثر على جثته ، التي تحمل آثار تعذيب كما أفاد ابنه ومسؤولون في الأحزاب الكردية ، وأنه مات خنقاً .

وتقديرا لمكانته في نفوس شعبه ، ولا سيما الإخوة الأكراد ، خرجت تظاهرة شعبية في مدينة القامشلي شمال شرق سورية ، تقدر بعشرات لآلاف من المواطنين ، تندد وتستنكر اختطافه ، ويوم تشييع جثته خرجت مظاهرة أخرى لا تقل حجماً عن الأولى ، تطالب بالتحقيق (المستقل) الشفاف بحادثة اغتياله ، كما تندد بسياسات السلطة المماطلة في تحقيق مطالب الإخوة الأكراد العادلة ، في تجنيس المحرومين (وهم بالآلاف) من الجنسية السورية ، أو إعطاء الخصوصية الكردية الثقافية حقها ، أو إنهاء  سسياسات التمييز العنصري و(الحزام العربي) وتداعياتها الكثيرة .

مثلما كان اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري  سبباً لاستذكار ملف الاغتيالات السياسية في لبنان ، مثل اغتيال كمال جنبلاط  ومفتي لبنان الشيخ حسن خالد وبشير الجميل ورينيه معوض والشيخ صبحي الصالح ورشيد كرامي ، ثم كان أيضاً سبباً مباشرأ لإخراج القوات السورية من لبنان ، بعد ثلاثين عاماُ  من الممارسات الأمنية المرفوضة .. يتوقع أن يكون اغتيال الشيخ معشوق الخزنزي  سبباً لفتح ملف الاغتيالات السياسية في سورية  على أيدي أجهزة (الأمن ) الأخطبوطية .

وبالمناسبة نرانا مضطرين للإمساك   بسلسلة  العنف الدموي الذي عانت منه سورية في الثمانينات من بدايتها الحقيقية ، أي منذ اعتقال الشيخ المهندس مروان حديد 1975م واغتياله عام 1976 تحت التعذيب في سجون الأجهزة الأمنية ، والإجهاز على عدد من أفراد جماعته  بالتعذيب حتى الموت أيضاً : مثل حسن عصفور الذي اعتقل في 1/7/1975م وتمت تصفيته في 20/7/1975م ، وصبحي عثمان الذي تمت تصفيته في عام 1976م ، ومحمد حسن عجعوج الذي سلمت جثته لأهله في عام 1985م .

من المعلوم أن الشيخ مروان حديد له مجموعته المستقلة عن تنظيم الإخوان المسلمين منذ الستينات من القرن الماضي ، وأنه  قاد دفاعاً مسلحاً عن ( حماة ) و( مسجد السلطان) في أحداث حماة أيام حكومة البعث السوري ورئاسة أمين الحافظ ، الذي كان له دوره في تهدئة الأوضاع المحتقنة آنذاك ، وفي المصالحة الوطنية مع شيخ حماة المرحوم محمد الحامد ، وفي صرف النظر عن تدمير حماة كلها ، كما كان يشتهي ( الرفاق ) الذين عادوا فنفذوا ( شهوتهم )عام 1982م في (غياب أمين الحافظ والشيخ الحامد ) (صمّامَي الأمان ) ( ضد الانفلات الطائفي ) .

لكن جاء يوم اعتقل فيه الشيخ مروان ومجوعته من الحمويين والدمشقيين ومن دير الزور والجزيرة السورية ، وأخضعوا لعمليات تعذيب رهيبة ، فمات بعضهم تحت التعذيب الوحشي كما ذكرنا ، ولم يعرف مصير البقية وهم بالعشرات ، نذكر من الحمويين : الطالب مأمون كاخي – المدرس غالب محمد حداد – مصطفى عادلة صاحب مكتبة – الطالب الجامعي معن بارودي - -طالب الطب عمر أحمد الأمين – المدرس محمد صادق عرجون – طالب الشريعة موفق عياش الذي وضعت رجلاه في الماء المغلي حتى اهترأتا – الطالب الجامعي وضاح جنيدي – الطالب أحمد رشواني – المدرس .. معراوي – المزارع عميد محمد باكير البرازي . ومن حلب التاجر خالد خطاب ، ومن دير الزور والجزيرة السورية كل من المدرس توفيق بركات وطالب المعهد علي محمد علواني . يضاف إليهم عشرات المواطنين الدمشقيين أيضاً .

جدير بنا أن نشير إلى أن مجموعة الشيخ مروان حديد هذه مضى على اعتقالهم ثلاثون عاماً ، ولعلهم أقدم سجناء رأي في سورية ، ولا يشار إلى محنتهم من قريب ولا بعيد ، لتراكم الاختناقات وتعدد موجات الاعتقال في المواطنين السوريين ، منذ ذلك الحين حتى الآن ، كما أن المعاناة الوحشية التي لقوها تحت التعذيب .. تسربت إلى أهلهم وأنصارهم ، فكان إنشاء ( تنظيم الطليعة المقاتلة ) التي كانت رأس الحربة في مواجهات الثمانينات الدامية من القرن الماضي ، أي أن العنف (السلطوي ) الذي انصب على عناصرها في سجون القمع الأمني بدءاً من الشيخ مروان نفسه ، ومروراً بأفراد تنظيمه ، وانتقالا بالعدوى والتداعيات إلى مدينة ( حماة ) كانت السبب في هذا الاحتقان السوري المتوارث . والباديء أظلم !

من الموافقات العجيبة أن مدينة (حماة) المشهورة بمعارضتها للنظام السوري الاستبدادي ، نصف سكانها أو يزيد من أصل كردي ، وأن المواطنين الأكراد السوريين يشكلون اليوم فصيلاً معارضا مهماً للنظام    أيضاً ، ومن المعلوم أن ( أبا الفداء ) ملك حماة الصالح الأديب الذي تسمى باسمه هو من أصل كردي ، وما تزال الأسر الحموية تحتفظ بأنسابها الكردية إلى اليوم مثل ( آل البرازي والملي ) .. ولا نبعد كثيراً إذا تذكرنا أن رفيق الحريري أيضاً من أصل كردي!!

هذه ليست مصادفات بل توافقات ذات جذور في الأزمة السورية ، يتحاشى المخلصون كشفها أو التعمق فيها ، حفاظاً على الوحدة الوطنية . لكن ماذا تفعل إذا كان هناك من يمزقون هذه الوحدة صباح مساء ، ثم لا يبالون ، بل يتمتعون بالاستثناءات والأموال الحرام ومظلة المادة(8) من الدستور ، التي تميز بين المواطنين تمييزاً متخلفاً مفضوحاً .

لقد تغيرت الدنيا منذ أن استولى الحزب الحاكم على السلطة في انقلاب عسكري في الثامن من آذار عام 1963م أو منذ الحركة العسكرية التصحيحية التي قادها الأسد الأب في السبعينات من القرن الماضي ، ولم تتغير الطبيعة  الأمنية للنظام ولا ممارساته القمعية  طوال أربعين عاماً ، سئم منها الشعب داخل سورية ، كما سئم منها الأشقاء اللبنانيون ، وأخيرا سئم منها المجتمع الدولي ، فباتت ذريعة يتخذها للضغط على النظام الستاليني البائس .

كان بوسع الأباطرة (الأمنيون ) السوريون أن يتعظوا من الدروس المستفادة من سقوط منظومة الاتحاد السوفياتي ، أو من الدرس العراقي ، أو من الدرس اللبناني ، فيقلعوا عن سياسات القمع الأصم ، وتحكيم (العنف) الرسمي في مواجهة التطلعات الشعبية الطبيعية للحرية والانعتاق والكرامة الإنسانية . لقد وصل حكم الحزب الواحد ( القائد للدولة والمجتمع إلى الأبد) .. وصل إلى أبواب مسدودة في انهيار الاقتصاد ، وانتشار الفساد ، وظهور المافيات الصريحة والمقنعة ، وتحول الجمهورية إلى حكم وراثي ، وإلى سقوط شعارات (الوحدة والحرية والاشتراكية ) في حبالة  الانغلاق والعصبيات و(الدويلات الأمنية المتعددة ) . كما تغيرت القوى الدولية والتوازنات الإقليمية ، ولم تعد تسمح كما كانت في الماضي بالمجازر الجماعية للفلسطينيين أو للسوريين أو للبنانيين ، ولا باختطاف السياسيين والتصفيات الجسدية للمعارضين ، ألم يقل شيراك لأصحاب القرار السوري قبل مقتل الحريري : إن سٍلامة الحريري وجنبلاط من مسؤولية حكام دمشق ، وتمت المحاسبة على ذلك ؟

نحن نزعم أن زمن صفقات (المقايضة ) و( البلطجة ) الدولية في منطقتنا في الأقل .. قد مضى ، بل باتت هذه السياسات غالية التكاليف ، وصارت تدرج في مستحقات ما يسمى الحملة على ( الإرهاب ) لأن شرورها ، غير تهريب المخدرات والأسلحة ، وصلت إلى البيت الأبيض وناطحات السحاب في سبتمبر المشؤوم . فهل يتغير تجار( العنف) السلطوي الرسمي طوعاً أو كرهاً ؟

لقد اكتشفت الإدارة الأمريكية فيما اكتشفت أن (عنف) الحكومات التي تدعمها أو تسكت عنها هو الذي ولد العنف الذي وصل إليها ، ويكتشف العالم اليوم أن ما يجري من قمع للشعب والمعارضة في مصر هو نفسه ما يجري في سورية لكن بصورة أشد وأكثر مخاتلة وخداعاً ، ولذلك هب أمين عام الجامعة العربية للإنقاذ ، وأي إنقاذ، إذا كنت أنت تبني وغيرك يهدم ؟

إن إعلان النظام السوري بعد ثلاثة أسابيع من اختطاف الشيخ الخزنوي ومقتله .. على أيدي عصابة ، اعتقلت منهم ثلاثة ، لا يعفيها من إجراء تحقيقات ومحاكمات (محايدة) أو ( مستقلة) شفافة ، تشارك فيها مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني السورية والعربية وحتى الدولية ، لما يعاني القضاء السوري من ضغوط وانحرافات (سلطوية) ، ولأن أجهزة الأمن هي نفسها متهمة ، وبوسعها أن (تسوق ) قضايا (مفبركة ) مثل طمس اغتيال الأستاذ أمين يكن القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين عام 2000م على أيدي خصومه من المزارعين (المدعومين ) ، وكما قيل عن الصحفية المصرية التي انتهكت حرمتها في تظاهرات مصر هي التي مزقت ثيابها وكشفت عورتها ، برغم الصور الواضحة التي شاهدناها على شاشات التلفزيون .

يكاد يكون هناك إجماع لدى منظمات حقوق الإنسان ، يشكك برواية السلطات السورية التي تنفي اعتقالها له أو علاقة أجهزتها الأمنية بالحادث ، فاللجنة العربية لحقوق الإنسان – باريس ، تذكر أن الفقيد تعرض لعلاج من آثار التعذيب في مستشفى تشرين العسكري ، وتضبف ( لكن ضمانات التحقيقات الأولية التي قمنا بها ، أصبح لدينا قرائن وأدلة على أن عدداً من المتهمين كانوا موجودين في أماكن عملهم أو مع أشخاص آخرين أثناء حدوث جريمة الآختطاف ... لكل ذلك تعد اللجنة ملفاً كاملاً حول هذه القضية لفريق العمل الخاص بالإعدام خارج القضاء التابع للمفوضية السامية لحقوق الإنسان في جنيف ، لكون الجريمة السياسية هي العنصر الأكثر رجاحة في معطيات التحقيق وتجميع المعلومات الذي تقوم به اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية وحقوقيين سوريين . وقد طلب عدد من ذوي المتهمين مباشرة تدخل اللجنة العربية لحماية المتهمين من مسرحية محاكمة سريعة تنتهي بإعدامهم لإخفاء الحقيقة .)

كاتب سوري وعضو رابطة أدباء الشام

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ