العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12 / 03 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

"الإنسان الحرام

قراءة في الإعلان العالمي لتحقيق  الإنسان "

كتاب جديد للدكتور منصف المرزوقي  

نشرت دار الأهالي بدمشق في منتصف شهر فبراير  طبعة مزيدة  ومنقحة من مؤلف "الإنسان الحرام" وهو الكتاب الذي افرده الدكتور المرزوقي لقراءة أدبية وفكرية للإعلان  العالمي لحقوق الإنسان.

تقديم : الدكتورة فيوليت داغر رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان.

هدفت اللجنة العربية لحقوق الإنسان منذ انطلاقتها سنة 1998 إلى تجذير مفاهيم حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية في الثقافة العربية والإسلامية بنوع خاص. ذلك انطلاقا من قناعتها بأن النظم السياسية التي نرنو لها لا تقوم إلا على دعامات فكرية متينة وهي حصيلة عملية بناء مستمرة. ولم يكن هذا التوجه إلا الترجمة المنطقية لعطاء الكوادر الفكرية للجنة قبل تشكلها في العقدين الأخيرين. ضمن هذا المشروع يمكن تتبع هذا الوليد الجديد من أعمال الدكتور منصف المرزوقي، والتي حاول عبرها تفحص القيم والأفكار التي بدأت تتداولها المجتمعات المدنية العربية، باحثا عن سبل غرسها في أديم ثقافة مشبعة بمفاهيم وممارسات الاستبداد.

يتجدد في هذا النص هاجس المفكر في تحصين الفكر العربي المعاصر بأدوات وآليات تمكنه من مقاومة الاستبداد في الفكر والسياسة، ويبرز همه في تدعيم تيار التحرر الذي يجتاز تاريخنا مع بقائه لحد الآن عاجزا عن فرض قيمه ورؤاه. فالتحدي الذي يواجهنا اليوم هو إما الدوران في نفس الحلقات المفرغة وإما التجدد الفكري بإدماج تقييم صحيح لفشلنا التاريخي ووضع الإنسان في الصدارة بدل اعتباره مجرد أداة لهذه الإيديولوجية أو تلك.

هذا الكتاب الذي بين أيدينا يقدم قراءة نقدية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يبين لنا كاتبه بطريقة عرضه لمواده ولكيفية صياغتها إنها وإن كانت نصوصا ذات طابع حقوقي عالمي، فهي مفاهيم أنتجتها مجموعة صغيرة من البشر من ثقافات ومشارب مختلفة. يدخلنا بأسلوبه السردي الشيق المدعم بعناصر من وحي خيال واسع ومعرفة معمقة بخفايا النفس البشرية إلى عالم الأشخاص خلال انكبابهم على مناقشة وتحرير نصهم. تتكشف لنا بعض خلفياتهم، ونستنتج أن عملية كهذه لا تخضع لاعتبارات فكرية ونظرية فحسب، بل كذلك ثقافية ونفسية واجتماعية ودينية وسياسية الخ

هذه القراءة النقدية التي يقدمها الصديق منصف في تفكيك نص بهذا الوزن تؤدي لنزع صفة القداسة عنه التي يحب البعض ايلائها له. ذلك انطلاقا من اعتباره ابن حقبة تاريخية محددة ليس بوسعها أن تقدم إجماعا عالميا يتجاوز السقف الذي جرت ضمنه. كذلك، عمل الكاتب على الإطاحة بعباءته الغربية التي جعلته مشبوها عند قرائه العرب. بدا همه بالدرجة الأولى إظهار صبغته التوافقية العابرة للثقافات، بهدف تبنيه كجزء من تراث مشترك ساهمنا جميعا من مشارق ومغارب الأرض في صياغته. ربما يكون الصديق المرزوقي مبالغا في تفاؤله عندما يريد له أن يكون السند النظري والأخلاقي لهوية عالمية تحتوي المستويات المختلفة للهوية ولا تنقضها.

من البداهة القول أنه ليس من السهل إنتاج نص من هذا النوع يتسم بالعالمية- على الأقل من الناحية الشكلية- ولا يدعيها فقط. اتخاذ هذه السمة كان نتيجة حوار متبادل بين أطراف بعضها أتى من ثقافات غربية، ليبرالية وانكلوساكسونية وأخرى سوفياتية واشتراكية، وبعضها من خارجها، من آفاق متنافرة أكثر منها متجانسة. هذا الحوار، خلق محاولة توفيقية أبعدت المادة عن الإيديولوجية والمعتقد ضمن إطار الحق بالاختلاف واحترام التعددية. من هنا، نفهم أن يجد المؤمن والعلماني، اليساري واليميني، كما كل الثنائيات المختلفة أنفسهم في هذا النص كونهم جزء من كل وكل من جزء.

لقد كان الوضع العالمي بين نهاية الحرب العالمية الثانية و1948، سنة خروج الإعلان العالمي للعالم، محملا بشحنات كبيرة لمناهضة الفاشية والدكتاتورية. ولم يكن يوازيها شيء مشابه في مناهضة الاستعمار، حيث أن البلدان المنتصرة هي المستعمرة (بكسر الميم). لذا نجد غيابا للحقوق الجماعية في نص الإعلان، بالإضافة لعدم تركيز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ذلك باعتبارها لم تكن بعد قد أخذت حجمها في البلدان المستقلة حديثا وبلدان معسكر وارسو (سابقا).

تجدر الإشارة إلى أنه في هذه الحقبة التاريخية لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لم يكن هناك بالعربية سوى اصدارين متعلقين بحقوق الإنسان: أحدهما ظهر في ساو باولو في 1910 وآخر في سوريا في 1937 وكلاهما لكاتبين لبنانيين هم جميل معلوف (حقوق الإنسان وتركيا الجديدة) ورئيف خوري (حقوق الإنسان من أين وإلى أين المصير؟). لبناني آخر هو شارل مالك كان في فريق العمل على الإعلان. ورغم هذا وذاك لم تلبى دعوة رئيف خوري في سنة 1948 لتشكيل هيئة تعنى بحقوق الإنسان في لبنان. وكان لا بد من انتظار عقدين من الزمن لتحقيق ذلك.

وإن كان هذا حال لبنان المستقل حديثا فكيف هو وضع البلدان العربية الأخرى التي كانت في غالبها مستعمرة؟ بالتأكيد لن يأخذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حقه في هذه الدول كما يفترض ولذلك جملة أسباب. من أهمها أنه عند خروج الإعلان كان قرار تقسيم فلسطين قد سبقه بعدة أيام، صادرا عن هيئة الأمم المتحدة نفسها التي أصدرت الإعلان ودعمت وجود إسرائيل. مما ترتب عنه إحباط وأزمة ثقة بهذه الهيئة الأممية، إضافة إلى أن الإعلان لم يتطرق لمسألتي نزع الاستعمار وحق تقرير المصير.

هدف إعلان حقوق الإنسان، الذي كان محصلة صراعات رغم أنه لم يحمل صفة الإلزام، للخروج بنص أخلاقي يعتبر حقوق الإنسان قيمة عالمية. لقد اعتقد من كان يعمل عليه بضرورة وجود مادة مؤسسة تفتح الباب أمام آليات أكثر إلزاما. لكن كان لا بد من انتظار حوالي عقدين من الزمن (1966) لتخرج نصوص جديدة لها سمة قانونية وليس فقط إعلان مبادئ. نصوص تتعهد بموجبها الدول باحترام الحقوق التي وقعت وصادقت عليها. وقد توالت بعد ذلك مواد مشابهة اهتمت بجوانب متعددة من الحقوق.

منذ ذلك الوقت حصلنا في فضاء حقوق الإنسان على ترسانة قانونية للحماية لا يستهان بها. وكان البناء أحيانا أسهل من وضع حجر الزاوية. لكن في الوقت عينه كنا وما زلنا نشهد (وربما أكثر فأكثر) انتهاكات جسيمة لهذه الحقوق وعلى كل الأصعدة وتراجعا مقابل التقدم المحرز. لم يكن التقدم الحاصل على صعيد الحقوق السياسية والمدنية موازيا لما تم في إطار الحقوق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وبدا كأنه على حساب لقمة العيش والقبول باقتصاد السوق وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات وتحكم البنك الدولي وصندوق النقد العالمي في حياة البشر، وخاصة المغلوب على أمرهم ضمن علاقات القوة الدولية. فما زلنا حتى اليوم في اللجنة العربية لحقوق الإنسان وشبكات مختلفة على الصعيد العالمي نطالب ببروتوكول ملحق للعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ملحق يخرج العهد من العام إلى الإلزام ولو كان ذلك محدودا في كل ما يتعلق بحق الصحة والسكن والغذاء والضمان الاجتماعي والمشاركة في الحياة الاجتماعية والثقافية كما في حق العمل، باعتبار حقوق الإنسان كل لا يتجزأ.

من ناحية أخرى، التقدم الذي جرى في مضمار حقوق الإنسان لم يصمد بالخصوص أمام أول حدث نال رمزيا مركز التجارة العالمي في نيويورك. كان ذلك الحدث وما تأتى عنه من نتائج بمثابة زلزال أصاب الجميع، حيث شهدنا تراجعا هائلا على صعيد الحريات، إن في بلدان الشمال أو الجنوب.  وكان السؤال: هل قدرنا أنه كلما تقدمنا خطوات علينا أن ندفع ثمنها تراجعا خطوات أخرى، وكأن الإنسان لا مفر له من ثنائية الخير والشر؟ هل لزاما علينا أن نواجه انتهاكات جديدة وخروقات جسيمة تعصف بنا من خلال الثقوب التي تركت عمدا في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان (عدم التصديق عليها، التصديق مع التحفظ، استثناء مواطني بلد معين من التعرض للمقاضاة أمام المحكمة الجنائية الدولية، الخ)؟ أليس من الضروري والحال هذه إيجاد ميثاق يتعين تصديق الأغلبية عليه إلزام جميع الدول به؟ ما العمل كي لا يجري التنصل من قيوده باسم سيادة الدول أو أولوية الخصوصيات الثقافية وغيرها من أعذار ومبررات لا تخدم سوى الطغاة ؟

ألا يستدعي هذا الوضع العالمي وجوب طرح أسئلة دون تسليط سيف الخوف من الإرهاب الفكري ودون الحذر من بعض التعابير والمفاهيم باسم احترام الاختلاف؟ لماذا مثلا تحاسب إيران التي وقعت على اتفاقية حظر الأسلحة النووية ولا تحاسب إسرائيل التي لم توقع عليها؟ لماذا يحاكم مواطن من الأردن أو استراليا أمام المحكمة الجنائية الدولية في حين لا يمكن فعل ذلك مع مواطني الدول الكبرى كروسيا أو الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية؟ ألا يخلق ذلك عالما منقسما بين ما هو ملتزم بموازاة آخر غير ملتزم تحكمه موازين القوة التي تسعى دائما وأبدا للتملص من التقيّد بحدود؟ هل يمكن للبشرية في المرحلة القادمة أن تستمر بقبول مبدأ القوة على حساب مبدأ العدل؟ ثم هل يحق لمن يدافع عن هذه المفاهيم النبيلة أن يعبث بها بحيث تصبح المغامرة مجهولة المصير والطريق غير مضمون النتائج ؟

وكما يعتقد منصف المرزوقي، فإن آليات تصحيح الخلل متوفرة وليس أمامنا سوى التعويل على طاقات الخلق والتغيير عند البشر من أجل تكوين ثقافة مشتركة تتخطى الخصوصيات الثقافية. ثقافة تتكون على قاعدة القانون الدولي والشرعة الدولية والأخلاق والقيم المشتركة للبشرية. فالعالمية هي في النهل من كل الثقافات التي هي جزء من التراث الذي يملكه كافة البشر رغم تبايناتهم. خاصة وأننا بتنا نعيش في عالم معولم مترابط يجتازه وعي جديد ومتنامي بالانتماء للعائلة البشرية. انتماء يحرّم العنف انطلاقا من انتفاء الخوف من الآخر ووصولا لتحرير طاقات الإنسان وتطوير وجوده من الطبيعة إلى الحضارة. التجديف في نفس الاتجاه هو فقط ما يمكن أن ينقذ المركب الذي نمتطيه جميعا من الغرق. وليس لنا سوى التفاؤل بقدرة صناع المعجزات على تصويب الدفة. بقوة امكانية هذه الأقلية المؤمنة بالإنسان على إعطاء المثل بأن الحفاظ على الذات يمر عبر الحفاظ على الآخر واحترام وجوده وكرامته والاغتناء من اختلافه.

***

كل مؤلفات الدكتور منصف المرزوقي موجودة على موقع www.moncefmarzouki.net


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ