العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11 / 06 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

تـعذيـب النسـاء في السجون السورية - 7

إضراب النسـاء

الشعب كله متهم في سوريا ، رجاله ونساؤه ، أطفاله وشيوخه ، كلهم متهمون ، يجب أن يسحقوا ، وأن تملأ بهم السجون والمعتقلات ، ويذبحوا ويتسلى بهم الساديون ، أزلام النظام الأسـدي ، الذين نفخ فيهم أسـد الحقـد الطائفـي ، وسـخرهم لذبـح المواطنين رجالاً ونسـاء ، من جميع الفـئات ، والأعمـار والأجناس ...

قدم لنـا الأخ محمد سليم حمـاد ( يحفظه الله ، وجعل ذلك في صفحات أعماله الصالحة يوم القيامة ) ، قدم لنا كتاب ( تدمر ، شاهد ومشهود ) بين فيها صفحة من صفحات التعذيب الذي  صبـه أزلام النظام الأسدي على رجال سوريا الأحرار ، على خيرة أبناء الشعب السوري .

وتـذكر لنا هذه المـرة ( هبـة الدبـاغ ) يحفظها الله في كتابها ( خمس دقائق فقط : تسع سنوات في سجون الأسد ) ، هبـة الدباغ ، الوحيدة التي بقيت من أسرتها الحموية ، التي أبادوها بكاملها في عام (1982) ، ونجت هي لأنها فس السجن ، وشقيقها ( صفوان ) لأنه خارج سوريا .... وقتل أزلام الأسد حوالي ( عشرة ) من أفراد أسرتها ، من الأب إلى الأم ، إلى الأطفال الصغار ، والبنات الصغيرات ، في مجزرة حماة الكبرى (1982) التي عجـز المغول والتتار والصليبيون والفرنسيون على أن يفعلوا مثلها ... فلنسمع ماتقوله هبـة الدبـاغ ( واسأل الله أن يجعله في صحائف أعمالها يوم القيامة ) ... فقد قدمت وثائق نادرة وحقيقية ضـد نظام القتلة الأسـدي ...

 

تقـول هبـة الدبـاغ :

 

الـمحكمـة الميـدانيـة

كانت قرابه ثمانيه شهور على اعتقالنا قد انقضت حينما نادوا فجأه أول ما نادوا على رغداء خ ولمى ع وجاء العنصر فأخذهما معا ظنا بادىء الامر أنها زياره لكن ساعه تلتها ساعه اخرى مرتا دون أن نسمع لهما حسا ولم يلبث العناصر ان اتوا بعد قليل وأخذوا واحده ثالثه ورابعه وعندما وصلوا الى السابعه ولم يعد اى منهن قلنا لها:اذا أنزلوك وكانت زياره فقط فتصنعى السعال ،واذا كانت غير ذلك فلا تفعلى شيئا وسنفهم ان الامر مختلف فلما أنزلوها من الطابق العلوى الى القبو ثانيه ساقوها الى غرفه اخرى لكننا شعرنا بقدومها وتنصتنا جيدا ننتظر اشارتها فلم تسعل ولم تفعل شيئا فتأكد لن أن هناك شيئا ما وبعد ما مرت ساعه أخرى وجدناهم فجأه وقد أحضروهن جميعا مصفرات الوجوه باديات الاضطراب ومن شفاههن المرتعشه سمعنا لاول مره عباره (المحكمه الميدانيه)! [ ألا يخجلون يسمونها محكمة ميدانية ... والمحاكم الميدانية تعقد في سـاحة المعركة ، اثناء القتال مع العدو الصهيوني ] ، كانت المحكمه برئاسه النقيب سليمان حبيب وهو ضابط من القرداحه كث الشعر هزيل الجسم قصير القامه لايكاد يظهر من وراء الطاوله ومعه اربعه ضباط آخرون كانوا يعيدون قراءة ملف كل واحده من البنات عليها ويسردون ما ألصق بها من تهم واعترافات ويسألونها ان كانت تقر بما تسمع ام لا ثم ما كان الا ان توقع وتمضى !لم يكن هناك تعذيب وقتها ولكن التهديدات لم تنعدم فعلى سبيل المثال وعندما نفت ماجده الاتهامات وقالت بأن اعترافاتها  اخذت كلها تحت التعذيب قال لها النقيب حبيب:اذا لم تقولى الصدق فسأرميك من الشباك وأحكم عليك بالاعدام وأحرمك شمه النفس!  ثم لم يلبث المقدم ناصف ان أرسل ورائها فى اليوم التالى وقال لها :انت قلت فى المحكمه بالامس أنهم عذبوك من هذا الذى عذبك ؟ هل ضربك أحد ؟ هل اذاك أحد حقا؟  فقالت له بارتباك وهي تعلم أنه عذبها بنفسه وأذاقها طعم السياط والخيزران بيديه : نعم . قال لها مزمجرا : من ؟ من عذبك ؟ قالت وقد تملكها الخوف والإضطراب : لا أعرف . . فقال لها بدهاء :لا، لم يعذبك أحد ولم يمسك أحد، عندنا هنا ممنوع أن يلمس أحد أحدا أبدا ولكنك غير صحيانة ! الظاهر أنك كنت خايفة جدا . . وليش حتى تخافي ؟ ! ولم تكن التهديدات بأقل إيلاما من عبارات السخرية وبذاءة اللسان لدى أعضاء المحكمة ورئيسها كلهم ، فعندما نفت ماجدة أمامهم الإتهامات الملفقة عن علاقتها بخالد الشيخ (أحد المعتقلين ) صاح فيها رئيس المحكمة : هل من الضروري أن أحكي لك ماذا قال خالد الشيخ عن لون رجليك ! فانفجر الضباط الأربعة بالضحك الفاجر وأخذوا يتندرون عليها ويهزأون بها والمسكينة تنتحب بحرقة حتى كادت أن تصاب بانهيار . .كذلك عادت الحاجة رياض من هذه المحكمة وهي تندب وتبكي ، فلما سألناها عم حدث قالت أنه صاح فيها : أنت لازم ما تخرجي من السجن وتبقي فيه مثل أهل الكهف . . فكانت تبكي من طيب قلبها وتقول للحاجة مديحة : أبوي يا حجة . . بكرة انت بتطلعي وأبقى أنا هنا أسند الحيطان ! وأما هالة المسكينة فكانت لا تزال مريضة وقتها لا تعي ما حولها ورغم ذلك قرروا أن يأخذوها إلى المحكمة كالأخريات ، فكانوا يسحبونها كالدابة سحبا لتعود دائما متسخة الثياب معفرة بالطين الذي كان يملأ الدرج والممرات أيامها في فصل الشتاء .

 

التـنفـس !

وفي يوم من الأيام وبعد أكثر من ثمانية أشهر وقد اشتد الكرب وضاقت بالمهجع الأنفاس وازدحمت الفرش وتلاصقت الأكتاف . . وبعد طلبات عدة جاءنا الإذن أخيرا بالتنفس من عشر دقائق إلى نصف ساعة كاملة . . كل بضعة أيام !

كانت هناك باحة خاصة لهذا الغرض في القسم الجنوبي من السجن ننزل إليها بأربع أو خمس درجات تحت الأرض ، كانوا يقتادوننا إليها مشيا يرافقنا ثلاثة أو أربعة عناصر وينزلوننا إليها ، فإذا نظرنا أعلى منا لا نكاد نرى السماء لكثرة ما يحيط بالساحة من أبنية وجدران اسمنتية صماء . . وسرعان ما علمنا أنهم يخرجوننا أولا ثم يعيدوننا ليخرج الشباب إلى الساحة نفسها للتنفس . . فوجدناها وسيلة للإتصال غير المباشر معهم خاصة حينما رأت الحاجة رياض توقيع أخيها على الجدار وعلمت أنه هناك . . ووجدناهم يكتبون بضع كلمات لنا على الجدار فيسألون : هل فلانة موجودة ؟ فكنا نجيب بما نعلم .

وفي مرة تالية سألتهم الحاجة رياض عن أخيها فكتبوا : لا . . فعلمنا أنه نقل إلى تدمر على الأغلب .

وسألتهم أنا في مرة غيرها عن خالد الشيخ الذي طالما سألوني عنه في التحقيق وكان أحد أصدقاء أخي صفوان ، فكتبوا : لا . . ورسموا ما يشبه الجمجمة وعظمتين ، ففهمت أنه أعدم !

وذات مرة ونحن في فترة التنفس نتمشى أنا وماجدة وكنا معا بجانب الجدار فوجئنا برأس يعلوه الصابون يمتد من نافذة على الجدار ثم يختفي . . فعلمنا بعد التدقيق أنها نوافذ حمامات الشباب وأن واحدا منهم حاول كما يبدو اغتنام الفرصة ليتكلم معنا لكن العنصر لمحه فعاد . . فلما عرفنا ذلك صرنا إذا شعرنا بوجود أحد في الحمام ذهبت إحدانا إلى العنصر المكلف بمراقبتنا لتلهيه بالكلام ونحاول نحن خلال ذلك التحدث مع السجناء ، فكانت وسيلة مبتكرة للسؤال عن سجناء نعرفهم والإستعلام عمن لها أقرباء أو أهالي معتقلون . وذات مرة فوجئنا بأحدهم ألقى إلينا مبلغ مائة ليرة دون أن يشعر العناصر بشيء ، فأخذتها إحدى البنات ووضعتها في الحساب الجماعي للمهجع .  وتكرر الأمر مرة ثانية فرموا إلينا بمائتي ليرة ، لكن عنصر المراقبة اكتشف الأمر في الثالثة فقامت القيامة على الشباب المساكين ، ونال المهجع الجنوبي كله نصيبا وافرا من الإهانة والتعذيب فما عادوا لتكرارها أبدا !

 

وتجــدد الأضــراب . .

والذي حصل أن الحادثة على مرارتها لم تكن نهاية الإتصال بالشباب قدر ما كانت بداية لمرحلة جديدة ومنعطف هام في حياتنا كلها . . فذات يوم لاحق ، وبينما كنا عائدات من التنفس بشكل عادي لمحنا طفلين صغيرين أنيقي الثياب تبدو عليهما سيماء النعمة والرفاهية . . ولم نلبث أن علمنا من العناصر أنهما ابنا المقدم ناصيف أحضرهما معه كما يبدو لشأن ما ، فلما لمحانا بدورهما نادى الأخ أخته يقول: تعالي . . تعالي جاءت السجينات.  فحرك ذلك في أم محمود حليمة شوقها لأولادها الذين لم تكن تكف عن التلوع عليهم ، وهمت أن تحضن الطفل فخاف وهرب ، فلما وصلنا المهجع كانت ثورة عواطفها وأشواقها قد انفجرت ففجرت معها شجون بقية الأمهات ، وعلا النشيج والنحيب فأغرقنا جميعا في حناياه . . وفاض بنا إلى حالنا الالم حتى أطل السؤال الذي لا يغيب : -حتى متى ؟ ولم نلبث أن طرحنا فكرة الإضراب من جديد إلى أن تلبى مطالبنا ويجدوا لنا حلا . . وكان وقت العشاء قد دنا فقمنا وجمعنا كل ما كان قد توفر لنا من طعام وصلنا عن طريق الشباب بالخفية أو وفرناه من بقايا الزيارات فتوازعناه وأكلناه . . وعقدنا عزمنا على ا لإضراب ، فلما أحضروا الطعام لم ينهض أحد لاستلامه من الطاقة ، فسأل العنصر باستغراب : - لماذا لا تردون ؟ قالت له الحاجة : لا نريد أن نأكل ولا أن نشرب . قال مندهشا هذه اللهجة الجديدة : أف ! خير . . خير . . طولوا بالكم ! قالت : لا نريد . . خذوا أكلكم ونحن بغنى عنكم . وأغلقت الطاقة . . فذهب العنصر وأخبر رئيس نوبته أبا عادل الذي جاء محموقا وفتح الطاقة بسرعة وقال : - ماذا هناك ؟ خير ! ردت الحاجة وقد وسكت الجميع : لا شيء . فسأل ثانية : - لماذا لا تأخذون العشاء ؟ ونادى على العنصر ليفتح الباب وأمره أن يضع الطعام قريبا منا ففعل . . فعاد وأغلقه وهو يقول بجفاف: اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه . . وذهب . . وبعد حوالي نصف الساعة عاد ففتح الطاقة وسأل : - شو أكلتم ؟ فلم يجبه أحد. فلما نظر ووجد الطعام مكانه احتد جدا وأمر العنصر بإخراجه ثم انصرف بادي الغضب وهو يقول: أنتم أحرار . في اليوم الثاني أحضروا الفطور فلم نأخذه . الغداء كذلك . . وصار العناصر ورؤساء الدفعات يذهبون ويعودون إلينا يقولون لنا : ما بصير . . أنتم الآن لا تضروا إلا أنفسكم ولن يرد عليكم أحد.. ولأن أحدهم إذا أفلح في كسر إضرابنا يرفع ويأخذ مكافأة فقد جاء من الجملة أبو شادي رئيس نوبة في القسم الجنوبي يحاول معنا أيضا ، وجعل يحاول فتح حوار معنا مظهرا عذوبة في الكلام ولطفا مصطنعا في الخطاب . . فقلنا له بصراحة: إما أن تجدوا لنا حلا فتفتحوا لنا الزيارات لنلتقي أبناءنا وأهالينا أو تخرجونا وتعدمونا !  فأجابنا بكل تبجح : - تأكدوا أن أهاليكم إذا وصلوا هنا فنحن لا نردهم . . ولكنهم هم الذين لا يسألون عنكم !  فقالت له ماجدة وقد أخذتنا الحماسة جميعا : لأن أهلنا يخافون أصلا أن يأتوا هنا . . اسم الفرع وحده يخيفهم .  ولم يصل الحوار بنا إلى شيء ، ومر اليوم الثاني على هذه الحال ، فلما حل الثالث جدت بعض التطورات . . فقست المعاملة ، وحضر أبو رامى رئيس النوبة الثانية ونادانا بجفاء : هيا . . كل المضربات إلى الخارج. فراعه أن خرجنا كلنا بما فينا الشيوعيات والمسيحيات والمتهمات بالبعث العراقي . . فنظر إلينا نظرة ملؤها الإستغراب والغضب معا يقول : - والله حلوة . . عاملين اتحاد افرو - اسيوي ! واقتادنا إلى غرفة التحقيق في القبو فيما بدأ اثنان من العناصر بتفتيش المهجع وتقليب الأغراض والبحث عن أي شيء يمكن أن يؤكل ليصادروه ، فعثروا على بعض المعلبات مما كان الشباب قد أرسلوها لنا ، فأخرج منيرة وأمرها أن تفتح كل العلب وترمي بها في برميل الزبالة أمام عينيه. . فيما أخذ عنصر اخر يتسلى ويسألنا عما نريد وما هى طلباتنا ، فقطعنا عليه الطريق وقلنا له : -أنتم تعرفون ما هي طلباتنا وماذا نريد ولا حاجة لمزيد من الكلام . وبعدما انتهى تفتيش المهجع أعادونا إليه ، وقطعوا الماء عنه ، وبدأ الجوع والعطش ينهشان في بقية جلدنا المنهك نهشا أمر من السكاكين.

 

مـن أجـل ســن ثـوم !

وواقع الأمر فإنني ومنذ اليوم الثاني فقدت القدرة على الاستمرار من الإعياء ، وبدأت أتفرغ دما بسبب القرحة، ولم نلبث أن اكتشفنا أنا وماجدة طبق بيض سبق واشتريته من المشتريات كان على سطح أرفف حديدية ركبوها لنا في المهجع فأعماهم الله من أن يعثروا عليه ، وكانت هالة مصابة بالقرحة أيضا فخبأت قليلا من حليب النيدو وبعض السكر للإحتياط ، فجعلت البنات يذبن بعض السكر بالماء اخر كل ليلة ويشربن منه ملعقة ملعقة لكل واحدة ليتقوين بعض الشيء ، واتفقت ماجدة وهالة أن تتركا الحليب والبيض لي وحدي ، ولم تخبرا أحدا بذلك حتى لا يفت من عزم أي منا ، ولأن الإتفاق تم على أنه إذا فكت أي واحدة منا إضرابها فسيتبعها الجميع ويضيع كل الجهد هباء ، لكن حالتي الصحية المتردية جعلت ماجدة وهالة ترخصا لي في الإنفراد ببعض ما يقيتني ، فصرت ألعق من الحليب بعض الشيء ، وكانت ماجدة تأخذ بيضة كل يوم إلى الحمام فتنقرها من طرفيها وتتركها هناك وتخرج ، فأدخل بدوري فأشرقها نيئة بالطبع وأرمي القشر في الحمام . . ولم تدر البنات بذلك إلا عندما صرنا في قطنا وأبحنا لهم بالسر . . فكدن من استغرابهن وغيظهن وقتها أن يخنقنني !

ولقد حدث ذات يوم أن انتشرت رائحة ثوم في المهجع فجأة ، فصرنا نتساءل ونسأل ، إلى أن أحسسنا بالرائحة تصدر من فم أم شيماء ، فلما سألوها أقسمت أنه سن ثوم واحد وجدته بين ثنايا فراشها فأكلته ، فقامت القيامة أيضا على سن الثوم ذاك ! ولكن الإضراب صمد واستمر ، ولم يفلح الترغيب ولا الترهيب في إثنائنا عن الاستمرار ، رغم أن حالة البنات بدأت تسوء وتسوء . . والإعياء ألقى بكلكله عليهن .

 

زعـيمـة الإضــراب !

ودخلنا رابع يوم للإضراب . . وفوجئنا بأبي عادل يفتح الباب علينا عند الصباح وينادي بشراسة ظاهرة: تعالوا هنا . . من زعيمة الإضراب بينكن ؟

فأجبنا بصوت واحد : ما عندنا زعيمة في المهجع .

قال : من اقترحت عليكن الإضراب ؟

قلنا : لا أحد .

قال بحنق : لابد وأن واحدة منكن قالت تعالوا نضرب يابنات . . فمن هي ؟

ولما لم يجبه أحد جعل يتفحص وجوهنا فوقع نظره على أم شيماء فوجدها أكبرنا جسما وأطولنا قامة فقال لها: تعالي . . أنت زعيمة الإضراب !

فسألته الحاجة : إلى أين أنت اخذها ؟

قال : لتنال جزاءها .

فهبت ماجدة تقول له : لا . . أنا زعيمة الإضراب . . لماذا أخذت أم شيماء؟

أجاب : لأن شكلها يوحي بذلك ، ولكن ما دمت اعترفت فتعالي . . ولا أزال أذكر كيف لبست المسكينة حذاءها المهترئ وخرجت وهي ترتدي ثوبا كان أخضر اللون قبل سنين ولكن الأيام جعلته انقلب إلى الصفرة . . وتحته بنطال بيجاما على غير مقاسها يصل الأرض ، وعلى رأسها شاشية كالفلاحات أكل الدهر عليها وشرب ! فلما وصل بها غرفة التحقيق في القبو نفسه سألها ثانية : - أنت إذا زعيمة الإضراب .

قالت له : لا . قال : ولماذا تكذبين إذا ؟

أجابته : لأنه ليس لدينا لا زعيمة إضراب ولا زعيمة مهجع . . ومع ذلك أردت أن تأخذ أم شيماء بالتهمة .

فقال لها وقد اشتد غيظه : إذا ولأنك بدلت نفسك عن أم شيماء فلا بد وأن تعذبي مكانها . .

وجعل يحاول وضعها على الدولاب وهي تصيح به : لا أريد أن اكل . . ما دخلكم في ؟ أنا أتحمل مسئولية نفسي . . فلما وجدها على هذا الإصرار والثبات أعادها وأعفاها من التعذيب ونجت برحمة الله .

 

ترغيــب . .وتـرهيــب !

وإذا كانت ماجدة قد نجت من التعذيب فإن الشباب الذين تضامنوا معنا وأضربوا نالوا الأمرين بسبب ذلك!  فعندما بلغ نبأ الإضراب المهاجع الأخرى أعلن الشباب في السجن كله حتى الجنوبي منه الإضراب أيضا تضامنا معنا . . لكن الأوامر صدرت بسرعة وأسرع الجلادون والعناصر فعمموا عقوبة  الفلقة" على كل سجين على الماشي جعلتهم يتوقفون عن المتابعة ويكسرون إضرابهم تجنبا لمزيد من التعذيب . . ولم يلبث المقدم ناصيف أن أتى بنفسه صبيحة اليوم الخامس فأخرج عائشة إلى غرفة التحقيق وحدها وأتى برغيف خبز وجبن وقال لها: ستأكلي الان أمامي .

فرفضت . . فثار عليها وجعل يشتمها ويقول لها : أكيد أنتم لكم صلة بالخارج وتريدون استغلال أحداث لبنان لإحراج الحكومة .  ولم ندر وقتها ما الذي يجري لا في لبنان أو سورية ولا حتى في الزنزانة التي بجانبنا ! فلما اشتد بالكلام والتهديد عليها خافت من أن يعذبها من جديد فتناولت قطعة جبنة وأكلتها ، فلما عادت إلى المهجع وقصت علينا ما جرى قامت قيامة البنات ثانية وخربوا الدنيا فوق رأسها على هذه اللقمة . . وصبيحة اليوم التالي عاد المقدم وجعل يخرج البنات واحدة إثر أخرى ويحاول أن يدس الطعام في فمهن بالغصب فكن يرفضن ويمتنعن ، فإذا أفلح وأدخل اللقمة في فم واحدة منهن رفضت أن تبتلعها . . فلما وصل الدور على هالة وتصرفت التصرف نفسه - وكانت قد عادت طبيعية وقتذاك - رماها على الأرض وجعل يركلها برجليه ويصفعها كالمجنون بيديه ويقول لها : أصلا أنت عقوبتك ستكون لوحدك . . وسنعيد لك محكمتك (الميدانية) على ما تفعلين . . مشيرا إلى الرسالة التي كتبتها لوالدتها وأرسلتها مع السجينة الفلسطينية التي تبين أنها نقلتها للمقدم . لكن أحدا برغم ذلك لم يأكل ، وتوقف عن إحضاري وكنت الوحيدة التي بقيت في المهجع ، فلما عدن هناك ازدنا كلنا صلابة وتصميما على الإستمرار والتحدي وقد لمسنا تأثير الإضراب عليهم ، وعاد العناصر يحاولون واحدا بعد الآخر باللين وبالخادعة أن ينهوا إضرابنا ، فأعادوا لنا الماء أولا ، وصاروا يتفننون في إحضار الأطعمة الشهية التي لم نحلم أن نراها في هذا المكان ليغرونا بها . . وذات مرة حضر هيثم بطبق من لبن سميك ما عهدناه من قبل أبدا ، واخر من أجود أنواع المشمش وأشهاها ، وثالث من صنف اخر . . لكن أحدا برغم الجوع المفرط والإعياء لم يمس أي شيء . . فلما عاد ووجد مسعاه قد فشل كما فشل سابقوه تملكه الغضب . . ونزلت عليه اللعنات . . فأمر عنصرا أن يخرج الصحون ، وجعل وهو يشتم الرب والدين يركلها بقدمه فتتطاير في الممر وتتناثر محتوياتها على الأرض والجدران . . واشتد الإرهاق بالبنات وزادت المعاناة ، وصارت بعضهن تسقط مغميا عليها وتقيء أخريات . . وغالبيتنا مصابات بفقر الدم أصلا . . ولم تعد إحدانا تقوى حتى على النهوض ، فشددنا البطانيات على بطوننا وصرنا حتى الصلاة نؤديها إيماء . . وبعد ذلك كله وحينما أسقط في أيديهم جاءنا أبو شادي فسألنا بلهجة بادية الجد : - قوموا وقولوا لي ما هي طلباتكم . فقالت له رغداء والكل ممد على الأرض لا يقوى على الحراك : - أنا أريد إذا متنا أن تقبرونا في حفرة واحدة . فأجابها ساخرا : طلبك على العين والرأس ، ولكن ألا توجد لديكن أية طلبات أخرى ؟ قالت ماجدة : أريد أن أرى أبي قبل أن أموت ولو لدقيقتين . فسألها : لماذا؟  قالت : لأقبل يديه وأكسب رضاه وحسب . فقال متهكما كعادته : والله مرضية كثير! لو كنت مرضية بالفعل لما كانت هذه حالك . ثم أغلق الباب بلؤم ومض . . ولم يلبث أن عاد ومعه عدة صناديق من المحارم النسائية "دليلة" . . فقالت له الحاجة مستغربة : ماذا تفعل . . وماذا تريدنا أن نفعل بكل هذه الصناديق ؟ قال : ألم تطلبوها بأنفسكم ؟ ألا ترون كيف نلبي لكم كل طلباتكم في الحال ! فقالت الحاجة وقد تملكنا الغيظ جميعا : ماذا ؟ طلبناهم من أول ما وصلنا الفرع وبقينا نطلب ونطلب ولم تردوا . . الآن فقط ! قال : الان فقط وصلني الخبر ! فأجابته وقد كللنا جميعا من التعاطي الممل معهم : خلاص . . لا نريدهم ولا نريد شيئا غيرها . . فقط أغلقوا هذا الباب علينا حتى يأتينا النزع ونموت ثم افعلوا بنا ما تشاؤون ! فقال بلؤم وتهكم : لا . . اطمئني فلن تموتي . . أنت كالقطة بسبعة أرواح ! وجعل يروح ويغدو على مدار اليوم مكررا محاولاته السمجة عسانا نفك الإضراب على يديه فيحوز الجائزة . . حتى ضقنا منه أكثر من ضيقنا بالجوع . . وأنهكنا من كثرة الأخذ والرد أكثر مما أنهكنا العناء والتعب !

 

رحلـة جـديـدة إلى المجهـول !

واستمر الإضراب . . ودخل يومه السابع لنفاجأ في الصباح الباكر بكلبشات الحديد تطرق باب المهجع ففزعنا جميعا ونهضنا برغم الإعياء خائفات ، وكنت وقتها في الحمام فسمعت أبا طلال ينادي اسمي بصوت عال يختلط بصوت الكلبشات تتأرجح بين يديه . . وكرر النداء مرتين أو ثلاث وهو يقول: بسرعة..بسرعة. فما ظننت إلا أن ساعة الإعدام قد دنت بالفعل ، وها هو ذا أت ليقتادني إليه . . فجلست مكاني من الرعب لا أستطيع أن أرد أو أنهض ، وما عدت أعرف ما حصل ! فجاءت البنات وأنهضنني ثم أخرجنني إليه ، فرأيته وأنا شبه غائبة وضع القيد في يدي . . فنادته الحاجة : - فقط وحدها ؟ خذونا معها . . أهي الوحيدة التي تستاهل الإعدام ! كلنا نستاهله . . هيا دعونا نرتاح من هذا العمر! لكنه لم يلتفت إليها وجعل ينادي أسماءنا واحدة تلو الأخرى ويخرجنا إلى الممر ويضع القيود بأيدينا . . ولما لم يأت اسم سجينات التنظيمات الأخرى في القائمة اندفعن نحونا تتقدمهن منيرة وهي تقول له بانفعال: انتظر . . نريد أن نذهب معهن . . فصاح فيها بحنق وهو يدفعها بكل فظاظة : [شـ . . ر . . ]  وقعت على الأرض ، ورد الباقيات بنفس الغلظة إلى المهجع ثم اقتادنا إلى مكتب الأمانات فدفعوا إلينا أشياءنا هناك ، واكتشفت الحاجة في هذا الموقف الحرج أنهم سرقوا ذهبها الذي أخذوه منها ساعة القدوم ، ورغم إلحاحها وإصرارها إلا أنها لم تفلح في الحصول على شيء منه ، واقتادنا أبو طلال بعدها إلى باحة الفرع ، فوجدت نفسي أول الواصلات ، ووجدته يجذبني بقوة ويقول لي: قفي هنا.  فلما تلفت وجدتني في منتصف الساحة وقد اجتمعت حولي جميع العناصر ، والمقدم ناصيف يطل علينا من الأعلى من خلف شباك مكتبه . وأتاني صوت أبي طلال وقد أطرقت رأسي ينادي : ارفعي رأسك . قلت له : لا أريد أن أرفعه . قال : سأنزع لك الحجاب في الحال .  قلت : افعل ما تريد .  قال : ألا ترين كم يوجد عناصر حولك ؟ إذا لم تفكي الإضراب الان فسأهينك أمام هؤلاء جميعا . قلت له : إفعل ماتريد . . ماذا يمكن أن تفعل أكثر مما فعلتم ! فعصب كثيرا وجعل يشتمني بعبارات قبيحة ويسب الدين . . فلما لم أرد بشيء التفت وصاح لماجدة فوضع الكلبشات لي ولها سويا وعاد يقول لي : -أتعرفي لماذا يقف هؤلاء العناصر هنا كلهم ؟ قلت وأنا في غاية التوتر والإرهاق : لا . . لا أعرف .  أجاب : هؤلاء أخرجناهم ليتفرجوا عليكم لأنكم صرتم فرجة ! وجعل يهدد البنات ويقول لهن بصوت عال : - نحن أخرجناكم الان ليتفرجوا عليكن . . وإذا لم تفكوا الإضراب فسننزع الحجاب عنكن وسنهينكن . . وأنتن تعرفن كيف تكون إهانتكن . . وجعل يرغي ويزبد وينادي كأنما أصابه مس : -يا بنات الـ. .يا كذا . . والله سنفعل بكن . . . ثم جعل يخرجنا بالتتابع فيكبل كل اثنتين منا سويا ويقتادهما إلى السيارة مباشرة . . ووجدت نفسي الأولى بينهن فلم أجرؤ على الصعود ولم أعد أقوى حتى على رفع قدمي . . ووجدتني تدفعني أياد من ورائي قسرا لأجد نفسي وماجدة مكبلة معي في قفص حقيقي له قضبان وباب وقفل ! ووجدنا بقية البنات تدخلن بعدنا واحدة تلو الأخرى لاهثات الأنفاس . . عندها أحسسنا أن الأمل في الإفراج عنا أو في حل مشاكلنا قد مات . . وأيقنا وقتها أنهم سيقتادوننا الآن إلى تدمر أو إلى ساحة أخرى للإعدام وأنها النهاية . . فداخ البعض . . وأغمي على بعض . . ووجدنا الحاجة أخرجت ليمونة لا ندري من أين وجعلت تقشرها بيديها وتمسح بها على وجوههن . . فيما أقفل باب السيارة علينا . . وبدأت رحلة جديدة بنا إلى المجهول !

إعـداد الدكتور خالد الاحمد       كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ