العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11 / 05 / 2008


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

عندما يبكي البحر

البكاء ردُ فعلٍ طبيعي عن ألمٍ أحرق العمق الإنساني، أو عن فرحٍ تجاوز حد المتوقع، وفي الحالتين نعبر عنهما بالدمع الذي يدره المقلتين، ووجه الخلاف بينهما هو أنه في الأولى يطهر الجرح بملوحته وفي الثانية يعمد البهجة والسرور!...ونحن هنا بصدد البكاء من ألم أحرق الأحشاء.

للألم أسباب ودرجات,ألم الضرس عند الإنسان لا يسكنه ملوحة البحر كله، والذي لا يعادل حبة مسكن من طبيب مختص، وألم المخاض تتحمله الأم بصرخات الإغاثة ولا تنتهي إلا بصرخة الوليد الأولى، وهناك ألم الفراق وألم الرأس و....الخ . وكله يهدأ، إما بزيارة طبيب أو لقاء حبيب أو بصرخة وليد.

إلا أنه هناك ألمٌ وجعه لا يُسكنه أعشاب الصين كلها، ولا ملوحة المحيطات ولا صرخة الوليد!..... ألم الاغتراب ,الاغتراب بشقيه،  الغربة كما هو مفهومه بعد الهجر والاغتراب  الذي هو بمعنى الضياع، أي ضياع الإنسان لإنسانيته وهو في داره، ذلك تحت وابلٍ من المؤثرات اللاإنسانيه التي سحقته أو تسحقه، كهدرِ لكرامه أو إنكار لذات، وبكلمة مختصره، حجرٌ على الحرية.

لم يكن على مدرس التاريخ من مدينة القامشلي إلا أن يعيش الاغتراب بشقيه، في الأولى لا حول له وقد بدأت بُعيد صرخته الأولى، أما في الثانية فقد اختارها بمحض إرادته، وان كانت غير ذلك .

عويل والدته قُبيل الدقائق الأخيرة من الرحيل لم تمنعه من الإصرار على أن يحقق حلمه الطولي، الذي ترعرع في صدره وهو بين أحضان طبيعة كردستان الخلابة، ولم يكن يعكر صفو حلمه ذاك، إلا زياراتٍ متقطعة لرجالٍ عرفهم كغيره من الأطفال، بأسماء مختلفة تجمعها صفة الخوف والكره، وهم يبحثون عن ناشط سياسي، أو لإبلاغ فرمانٍ يفتقر للحد الأدنى من الخلق الإنساني!....

انتقل إلى المدينة وهو مازال بصدد حلمه، وانتقل الخوف معه حين كانت تلك الأسماء تنتظره هناك!....تجاوز مراحل العمر يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة، وهو يحمل الحلم الذي كبر وبدا واضحاً الآن ولم يتغير، كان بحجم ساحات قريته الصغيرة المتراصة أكواخها، وأصبح الآن بحجم ساحات الوطن المقهور فيه أبدا كل أغانيه وأمانيه، مسحوقٌ كأترابه من شباب الكرد حتى العظم، تفننت عقولٌ خبيثة أعمتها الشوفينية برصد تحركاتهم، حتى النفس في الزفير والشهيق يدرونه مسموماً في وطنٍ تشهد له الدنيا بعذوبة ونقاء هوائه!...

أول مرة سمع بكلمة أجنبي، حين أراد الانتقال إلى المدينة لمتابعة تعليمه هناك، أوراقه الثبوتية ناقصة، يحتاج لإثبات وجود، يحتاج إلى إثبات انتماء إلى وطن، كان قد افترق عن وطنه حين لم يعد لهما أسم في دواوين السلاطين، من إعراب همج وتتار غازية.

والمرة الثانية، حين وقف بين يدي احد القضاة الألمان، هو يريد أن يعرف منه أسباب اغترابه، وهو يصرُ على عدم انتمائه!...لضرورة التبني .

وأُثبت على لقبه كاللامنتمي، وهنا توقف الحلم على الورود، وأصبحت رغبات زوجته اليومية شاغله، وعاش في سبات ونبات، لا أحلام تشغله ولا أمانٍ تنعش وجوده، هو الآن أسعد ما يمكن أن يكون، صفو الذهن وخلوه من كوابيس كانت تمزق أحشائه رعباً، وانتهت مرحلة الاغتراب الأولى، ليبدأ بالثانية وهو في قمة الانتشاء . نشوة الانتماء إلى هواءٍ غير هوائه، إلى ربيعٍ عمره أقصر من عمر الربيع في وطنه، النرجس فيه لا يعيش نصف عمرها ولا عبق ، حتى أنه لم يحس بصرخة الوليد الذي أنجبته له زوجته، كانت بلغة لم يفهمها، مع ذلك كان سعيداً، أو هكذا تراءى له، فهو اللامنتمي الذي تبنته حضارة الجرمان!....

ومرت الأيام ودارت الأيام، وتقوس ظهر المدرس من كثرة الانحناء لأسلاف الجرمان، ولم يعد يستطيع رؤية البحر على امتداده، فبكى بحرقة المشتاق وأبكى البحر. 

--------------------

عباس عباس، أديب وباحث كردي من كردستان سوريا.

يعيش في المنفى.

dorki970@gmail.com


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ