العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10 / 09 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

أرض الصمود وأرضية البناء

من التجربة اللبنانية إلى الدعوة السورية

أظهر صمود المقاومة الباسل واستعدادها لساعة المواجهة، عمق الأزمة العربية، والقدرات البشرية والمادية الضائعة والمبددة على امتداد الوطن العربي. فقد كشفت إرادة الصمود أن الضعف العربي نابع من غياب الإرادة السياسية للتعامل الجدي مع التحديات، وغلبة الهم الذاتي والشخصي على الهم الوطني والقومي. كما أظهرت استخفاف إسرائيل، ومن ورائها الحركة الصهيونية العالمية، بالدول العربية، وقدرتها على تعبئة الخطاب السياسي وتوظيف المؤسسات الدولية لصالحها.

لاشك أن القيادات السياسية اللبنانية تمكنت عبر تماسكها الداخلي وصمود مقاومتها من فرض شروطها، وإدخال تعديلات جذرية على نص قرار 1701 الأممي. لكن إسرائيل تمكنت في نهاية المطاف من استثمار تباين المواقف بين الأطراف اللبنانية، والصمت العربي، للتقليل من الصدمة الكبيرة التي أحدثها صمود الشعب اللبناني وتكاتفه في وجه العدوان. وخرج القرار الأممي ليضع مسؤولية حفظ السلام بين لبنان والدولة العبرية على عاتق القيادة السياسية اللبنانية والمجتمع الدولي، وخرجت إسرائيل من المعركة وقد حولت فشلها العسكري إلى قتل ودمار بين المدنيين لتحمل لبنان ومقاومته مسؤولية الجرائم التي اقترفتها.

وهكذا بدلا من أن تنتهي الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على الشعب اللبناني وبناه التحتية بإدانة العدوان الشرس، والدعوة إلى محاكمة قادته السياسيين والعسكريين لارتكابهم جرائم حرب في لبنان، وإرغام الدولة الصهيونية على دفع التعويضات المالية لتغطية الدمار الشامل الذي خلفته آلة الحرب الإسرائيلية على امتاد الأرض اللبنانية، يأتي القرار الأممي ليحمل المقاومة اللبنانية المسؤولية، ويلزم لبنان بقبول قوات دولية على أراضيه لحماية أمن الدولة المعتدية، وليحول عامل القوة اللبناني المتمثل بسلاح الردع الذي تملكه المقاومة إلى عامل صراع داخلي بين القوى السياسية في لبنان حول مسألة نزع سلاح المقاومة.

لقد أظهرت التجربة اللبنانية بوضوح أن استخفاف إسرائيل بالعرب، وثقتها المفرطة في أمكانية تحويل أي انتصار عربي إلى هزيمة، نابع من انعدام الثقة بين القوى السياسية العربية، وغياب التضامن الداخلي بين أبناء الوطن الواحد والشعب الواحد والأمة الواحدة. غياب الثقة بين الدول العربية ودول الجوار الإسلامي، كإيران وتركيا، حال دون تطوير رؤية سياسية موحدة أمام التحدي الصهيوني، أو بناء منظومة تعاون اقتصادي وأمني يرغم القوى الغربية المتحيزة للرؤية الصهيونية على احترام الموقف العربي. وغياب الثقة بين الحكومات العربية يحول دون تطوير موقف عربي موحد يقطع على أسرائيل امكانية الاستفراد بالدول العربية كل على حدى، واستخدام المصلحة الآنية لأحدها للنيل من المصالح المديدة للأخرى. وغياب الثقة بين الشعوب العربية وقياداتها السياسية الرسمية يحول دون قيام تضامن وطني يسمح ببناء القوة الداخلية في مواجهة القوى الخارجية الطامعة.

وكما شكل التضامن الوطني اللبناني الأرض الصلبة التي استندت إليها المقاومة لدحر العدوان، تهدد الانقسامات الداخلية اليوم بين القوى السياسية اللبنانية، وحسابات التوازنات السياسية بين طوائف الشعب اللبناني، بتعطيل عامل الردع الكفيل بوضع حد لاستخفاف إسرائيل بالسيادة اللبنانية. كذلك تهدد المهاترات السياسية والمعارك الكلامية بين الزعماء العرب بإنهاء حالة التضامن العربي التي ولدها واقع المقاومة وأصداؤها الشعبية.

وينتهى بنا المطاف في أي تحليل صادق للحالة العربية إلى البعد الحاضر الغائب في معركة البناء والحرية والكرامة: إلى الإنسان العربي الذي حولته سنيين طويلة من التسلط والاستبداد إلى مراقب لأحداث تعصف بكرامته ووجوده، وشاهد صامت على الزمن العربي الضائع. لقد وضع الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه السياسي الذي ألقاه أمام مؤتمر الصحفيين العرب في دمشق الإصبع على الجراح عندما دعى القادة العرب إلى الانحياز إلى شعوبهم ودعم المصالح الوطنية. وانحياز القادة العرب إلى شعوبهم يعني، أولا وقبل أي شئ آخر، احترام القادة للقدرات الشعبية وتحريرها من التسلط السياسي والأمني، وتمكينها من المشاركة في البناء والمواجهة. كذلك يعني هذا التحيز تنمية الإمكانيات والاقتصادية والانتاجية المهدورة وإخراجها من أقبية الفساد الإداري إلى ساحات المسائلة الشعبية والصحيفة، وحكم القضاء العادل.

سوريا التي وقفت في وجه الاستلاب السياسي ودعمت المقاومين للتوسع والعدوان والمنافحين عن الحرية والاستقلال في فلسطين ولبنان، تملك اليوم الخيار في أن تقدم نموذجا في التحول الديمقراطي الذاتي وبناء دولة القانون والحريات بعيدا عن الإملاءات الخارجية. هذا الخيار سيقدم مثالا رفيعا على انحياز القيادة إلى الشعب، وبناء المناعات الداخلية في مواجهة التهديدات الخارجية، وسيدفع العدو المستخف الطامع إلى إعادة حسابته في التعامل مع الدولة السورية. فالقيادة السورية مدعوة اليوم لتحويل دعوتها إلى واقع عملي عبر دفع جهود الإصلاح السياسي وتطوير تقاليد المشاركة السياسية الجماهيرية، وتحرير مؤسسات المجتمع المدني من المركزية المكبلة، وتشجيع الصحافة الحرة والمساءلة النيابية لمواجهة الفساد الإداري والتجاوزات الدستورية والقانونية.

انتهت المعارك في لبنان وبدأت عملية البناء والإعمار. وكما ندعو الحكومات والشعوب العربية إلى المساهمة في إعادة إعمار لبنان، فإننا ندعوهم إلى المباردة إلى بناء الجبهة الداخلية، والبنى الديمقراطية والمؤسسات الإعلامية والقانونية. وقبل هذا وذاك بناء الثقة بين القوى الاجتماعية والسياسية والدينية من جهة، وبينها وبين مؤسسات الدولة وهيئاتها.

لقد أظهرت التجربة في لبنان أن إلتفاف الشعب حول قيادته، وثقته الكاملة بها، وتحمله لمسؤولية الدفاع عن الكرامة والأرض، هي الأرضية الصلبة التي تستند إلى كرامة المواطن وعزة الوطن. وأن اعتماد القيادة على القدرات الذاتية للشعوب هو الطريق الأفضل لحماية انجازاتها والحفاظ على وجودها ومستقبلها. فهل يتحول هذا الدرس إلى واقع عملي ملموس، يحرر الشعوب العربية من قيود الخوف والعجز والاستلاب؟

لقد استمدت المقاومة صمودها، أولا وأخيرا، من ألتفاف قرى ومدن الجنوب اللبناني حولها، وتفاني أبنائه في الدفاع عن حياض الوطن وكرامته. ومن منا لم تتحرك مشاعره الدفينة وهو يستمع إلى نساء الجنوب يتحدثن الواحدة تلو الأخرى عن استعدادهن لدفع ثمن الكرامة والحرية مهما غلت التضحيات؟ بل من منا لم يتململ في مقعده وهو يستمع إلى الثقة الكبيرة التي يكنها شعب الجنوب لقيادته ويتساءل: متى تعم هذه الثقة شعوب المنطقة برمتها ليتحول التخاذل إلى ثقة والهزيمة إلى نصر والاستخفاف إلى احترام والهوان إلى عزة؟

لؤي صافي


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ