العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10 / 09 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

نتائـج الحـرب السـادسـة ـ 3

في عام( 1993) انتهيت من أطروحتي للدكتوراة في التربية السياسية ؛ التي قدر لي أن أناقشها في (30/9/2005) وقد ورد فيها مايلي :

قلت في أُطروحتي :

( ... ومن الحق أن نقول أن النزعة الجماعية لدى الشيعة اليوم أقوى منها عند السنة ، واستطاعت الثورة الإيرانية القضاء على ديكتاتورية الشاه وهومن أكبر طغاة العالم ، بعد أن قدم الشيعة تضحيات كثيرة جداً ، جاءت من قبل تنظيم سياسي قوي ، قام على النزعة الجماعية القوية عند الفرد الشيعي . وسر ذلك أن الشيعة يرون الإمامة (العمل السياسي) فرضًا من فروض الدين الواجبة بالنص : (يقول محمد عمارة نقلاً عن العالم الشيعي الكليني في كتابه ( الكافي من أصول الدين ) : أركان الإسلام عند الشيعة هي : الإمامة ، الصلاة ، الزكاة ، الصوم ، الحج . انظر محمد عمارة : الإسلام والسلطة الدينية 26) .

 . بينما يرى عامة أهل السنة أن الإمامة ( العمل السياسي ) من الفروع وليست من الفروض ،  لكنها من الفروع التي لايقوم الدين إلا بها ، ووجوبها بالإجماع المبني على العقل ؛ لا على النص .

وقد تصدى ابن تيمية رحمه اللـه لهذا الفهم الخاطئ ،  ونقض رأي الشيعة في كتابه منهاج السنة ، ووضح قول السنة فقال ( إن ولاية أمرالناس من أعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها ) ، كما أن الإمام النووي رحمه اللـه يرى أنها واجبة بالشرع  لا بالعقل فقط ، (شرح مسلم ، كتاب الإمارة) . والدين لا يقوم بلا الإمامة  كما يقول ابن تيمية  والإمامة لا تقوم بلا مجتمع مسلم ، ولا يقوم المجتمع المسلم إذا طغت نزعة الانعزالية بين المسلمين ، وهكذا فالاهتمام بأمر المسلمين عبادة تتعلق بقيام هذا الدين .

 

وقلت أيضاً في أطروحتي :

( .... يهتم الشيعة بالسياسة أكثر من أهل السنة والجماعة ، وللعمل الجماعي ؛ والتكافل الاجتماعي دوركبير عندهم ، أكبر منه عند السنة فما سر ذلك ؟

ترى الشيعة أن اللـه سبحانه وتعالى هوالحاكم المطلق للكون ، وأنه قد ألزم عباده بأوامر ونواهي لخيرهـم في الدنيـا والآخـرة ، ولذلك عين لهم إمـامـاً ليجعل الأوامـر والنـواهي نافـذة التطبيق ( قمر الدين خان ، رسالة دكتوراة عنوانها الفكر السياسي عند ابن تيميـة ، ص 53 ) .

يقول فقيه الشيعة الحلي : (.. ثم أردف الرسالة بعد موت الرسول بالإمامة، فنصب أولياء معصومين منصوصين ليأمن الناس من غلطهم وسهوهم وخطئهم ، فينقادون إلى أوامرهم لئلا يخلي اللـه العالم من لطفه ورحمته )(قمر الدين خان ، ص 70) . وترى الشيعة أن اللـه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعيين علي بن أبي طالب كأول إمام للأمة من بعده ، وأن علياً رضي اللـه عنه قد حدد خلفاءه حتى الإمام الثاني عشر ، وهذا هوالإمام المنتظر. وخلاصة ذلك كله أن الإمامة ( العمل الجماعي ) عند الشيعة من أصول الدين ، لأنها واجبة بالنص والتعيين من اللـه ورسوله ، وهكذا فطاعة الشيعي للإمام هي طاعة ( أولي الأمر ) التي أمر اللـه بها كما يفسر الشيعة الآية : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللـه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } ( النساء : 95 ) ، قالوا أولوا الأمر هم الأئمة المعصومون الإثني عشر ( تفسير القرطبي ) .

أما أهل السنة والجماعة فيرى بعضهم أن الإمامة ليست من أصول الدين ، وليست واجبة بالنص ، ولم ينص عليها في القرآن الكريم ، ولا في الحديث الشريف ، وإنما هي واجبة بالإجماع المعتمد على العقل . وجاء ابن تيمية رحمه اللـه ليؤكد وجوب الإمامة فقال : ( إن ولاية أمرالناس من أعظم الواجبات في الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها )(قمر الدين خان ، ص 54).

وخلال العهد الأموي والعباسي عندما شاع علم الكلام قدمت أفكار تقلل من أهمية الإمامة منها :

يقول المعتزلة : الإمامة واجبة بالعقل وليس بالشرع ولا تقوم إلا بإجماع الأمة ، ومن الواضح أن قولهم هذا موجه ضد الشيعة . كما تصور بعض المعتزلة إمكانية قيام المجتمع واستمراريته بدون الإمامة إذ يقول الأصم : ( إنه إذا تكافى الناس من التظالم لاستغنوا عن الإمام ) وماعدا الروافض ؛ تجمع المدارس الفقهية والدينية على أن من الجائز أن لا تقوم الإمامة على الأرض . أما الخوارج فقد رأوا أنه إذا أمكن تطبيق الشرع في المجتمع بدون أية سلطة دنيوية عليا ، فإن المجتمع لا يعد محتاجاً إلى إمام لتطبيق الشرع . ويرد النووي ( كتاب الإمارة ) على ذلك فيقول ( وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل وأما ماحكي عن الأصم ( معتزلي ) أنه قال لا يجب وعن غيره أنه قال يجب بالعقل لا بالشرع فباطلان ( جميع النقول السابقة من قمر الدين خان ، ص 50ـ54 ) .

 

وخلاصة ذلك :

أن الشـيعة يؤمنون بمقولة أختلف معهم فيها ، وهي مقولـة الإمـام المعصوم ، وعندي ( لاعصمة إلا لنبي ) ، وغير الأنبياء ليسوا معصومين ، وهذه مقولـة خطيرة تقودنا إلى الكهنوت الذي حاربـه الإسلام أيمـا محاربـة ...ولكن كان لهذه المقولة الفاسدة أثر إيجابي عند الشيعة ، يتضح في التزامهم بأولي الأمـر ، والالتزام وطاعـة أولي الأمـر فريضة نص عليها القرآن الكريم { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ...} ـ النساء 59... وهذا الالتزام بطاعة أولي الأمر جعل الشيعة يتفوقون على السـنة في العمل السياسي ...

أما السـنة فهم ينكرون نظرياً مقولة الإمام المعصوم ، وفي الواقع المؤسف كل واحد منهم يرى نفسـه ( إماماً معصوماً ) ، لذلك يصعب اجتماعهم في العمل السياسي ... وكُتب عليهم التشرذم والفرقـة كما هو واضح في العالم الاسلامي ....

 

والحــل كما قلت في أطروحتي :

بعد أن عرفنا أن البيعة واجبة على المسلم ، فمن نبايع ؟ وقد كثر الكلام حول هذه النقطة حالياً ، فمن قائل أنها لا تجب اليوم على أحد حتى يقوم الخليفة المسلم فيبايع عندئذ ، وبعد أن كثرت البيعات قلت مكانتها واستهان بعض المسلمين بها ، ولذلك زادت أهمية هذا السؤال من نبايع ؟ وبتعبير آخر من هم أولو الأمر الذين أمرنا بطاعتهم؟ وعلينا مبايعتهم ومن ثم طاعتهم تنفيذاً لأمر اللـه عزوجل ؟؟؟

 : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللـه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللـه والرسول ، إن كنتم تؤمنون باللـه واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلاً } ( النساء : 59 ) ، وقال عزوجل : { وإذاجاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، ولولا فضل اللـه عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً }(النساء : 83). في هاتين الآيتين الكريمتين ورد مصطلح أولي الأمر في القرآن الكريم ، ولم يرد في غيرهما. فمن هم أولو الأمر الذين أمرنا بطاعتهم ؟ إن السؤال في غاية الأهمية لأن الأمر دين يتعلق بالإيمان باللـه واليوم الآخر كما في الآية ، وسوف يعرض الباحث موجزاً لأقوال المفسرين ثم يختار منها ما يراه أصلح لعصرنا .

تـفسـير القـرطـبي :

يجمع القرطبي رحمه اللـه أقوال العلماء في تفسير هذه الآية في ستة أقوال هي :

1-  أولو الأمر هم الأمراء ، وهذا قول الجمهور ، وأبي هريرة ، وابن عباس وغيرهم ، وجاء في القرطبي أيضاً أن ابن خويز منداد قال : ( وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان للـه فيه طاعة ، ولا تجب فيما كان للـه فيه معصية ، ولذلك قلنا إن ولاة زماننا لا تجـوز طاعتهم ولامعاونتهم ولا تعظيمهم ، ويجب الغزو معهم متى غزوا ) ، انتهى كلام ابن خويز .

2-  أولـو الأمـر هم أهـل القرآن والعلم ، وهذا قول جابر رضي الله عنه ، ومجاهد ، واختيار مالك ، ونحوه قال الضحاك .

3- أولو الأمر هم الصحابة رضوان اللـه عليهم ، وهذا قول مجاهد .

4- أولو الأمر هم أبو بكر وعمر رضي اللـه عنهما ، وهذا قول عكرمة .

5- أولو الأمر هم أولو العقل والرأي ، وهذا قول ابن كيسان .

6- أولو الأمر هم علي بن أبي طالب  رضي الله عنه والأئمة المعصومون من بعده ، وهذا قول الشيعة .

 

يقول القرطبي وأصحها الأول والثاني ( الأمراء والعلماء ) ، أما الأول فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم ، روى الشيخان عن ابن عباس قال: نزل قوله تعالى { يا أيهـا الذين آمنوا أطيعوا اللـه ... } الآية في عبد اللـه بن حذيفة رضي الله عنه إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، وكان فيه دعابة معروفة ، فأمرهم أن يوقدوا ناراً ويدخلوها ، وقال لهم  ألم يأمركم رسول اللـه صلى الله عليه وسلم بطاعتي ؟ وقال من أطاع أميري فقد أطاعني ، فقالوا ما آمنا باللـه واتبعنا رسوله صلى الله عليه وسلم إلا لننجو من النار ، فصوب رسول اللـه صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقال تعالى { ولا تقتلوا أنفسكم } .

أمـا القول الثاني ( أي العلماء ) ـ ومازال الكلام للقرطبي ـ فيدل على صحته قوله تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللـه والرسول ..} وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة ، ويدل هذا على أن سؤال العلماء واجب ، وامتثال فتواهم لازم ، قال سهل بن عبد اللـه : لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء ، فإن عظموا هذين أصلح اللـه دنياهم وأخراهم .

تـفـســـير ابن كـــثـير :

قال البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه : نزلت هذه الآية في عبد اللـه بن حذيفة كما تقدم . وقال ابن عباس : وأولي الأمر منكم يعني أهل الثقة والدين ، وكذا قال مجاهد وعطاء ، والظاهر - واللـه أعلم - أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم ، أما الآية (82) فإنها تفسر من هم أولي الأمر : إنهم الذين يعلمون الاستنباط ، وعندما نستعرض سبب النزول لهذه الآية - كما يقول ابن كثير - نجد أن عمر رضي الله عنه بلغه أن رسول اللـه صلى الله عليه وسلم طلق نساءه ، ونزلت هـذه الآيـة { إذا جاءهم أمر ... } فكنت أنا - والكلام لعمر رضي الله عنه - استنبطت ذلك الأمر . انتهى كلام ابن كثير . فهذا عمر يقول عن نفسه أنه مـن أولي الأمر المقصودين في هذه الآية ، ولم يكن خليفة يومذاك ، ولا أميراً ، ولعل هذا الذي دفع عكرمة إلى القول أن أولي الأمر هم أبوبكر وعمر فقط .

تـفـســير الـطـبري :  أولو الأمر هم الأمراء والولاة إذا كانوا مسـلمين .

قـول الإمـام الجويـني  :

يقول الجويني في  كتابه الهام (الغياثـي) : إذا كان صاحب الأمر مجتهداً فهو المتبوع ، الذي يستتبع الكافة في اجتهاده ولا يتبع ، أما إذا كان سلطان الزمان لا يبلغ مبلغ الاجتهاد فالمتبوعون العلماء ، والسلطان نجدتهم وشوكتهم ، والسلطان مع العالم كملك في زمان نبي ، مأمور بالانتهاء إلى ما ينهيه إليه النبي (الجويني ، غياث الأمم ، ص380) ، ويطلب الإمام الجويني من الوزير نظام الملك اتباع العلماء فيقول له : ( ومما ألقيه إلى المجلس السامي وجوب مراجعة العلماء فيما يأتي ويذر (الأمير) ، فإنهم قدوة الأحكام ، وأعلام الإسلام ، وورثة النبوة ، وقادة الأمة، وسادة الملة ، ويقول الجويني أيضاً : ( فإذا شغر الزمان عن الإمام - كما هو اليوم -([1]) وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية ، فالأمر موكول إلى العلماء ، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم ، فإن فعلوا ذلك ، فقد هدوا إلى سواء السبيل ، وصار علماء البلاد ولاة العباد ، وهم على الحقيقة أصحاب الأمر استحقاقاً ، وذو النجدة من الحكام مأمورون بارتسام مراسمهم ، واقتفاء أثرهم ، والانكفاف عن مزاجرهم ) (ص 280)  ، وإن كثر العلماء في الناحية فالمتبع أعلمهم ، وإن فرض استواؤهم في العلم ، فإصدار الرأي عن جميعهم (ص391) .

ابـن تـيمـيــة :

يقول ابن تيمية في السياسة الشرعية : ( وأولو الأمر صنفان : الأمراء والعلماء ، وهم الذين إذاصلحوا صلح الناس ، فعلى كل منهم أن يتحرى ما يقوله وما يفعله طاعـة للـه ورسـوله واتباعاً لكتاب اللـه .

الـنـووي :

يقول في شرحه لصحيح مسلم : قال العلماء : المراد بأولي الأمرمن أوجب اللـه طاعته من الولاة والأمراء ، وهذا قول جماهير السلف والخلف ، من المفسرين والفقهاء وغيرهم ، وقيل هم العلماء والأمراء ( كتاب الإمارة ) .

ويقول الـرازي (5/150) لكن المقصود بأولي الأمر في الآية هم العلماء ، وأعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوي العلماء ، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء ، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى .

وفي أحكام القرآن لابـن عـربـي عند تفسير هذه الآية {.. وأولي الأمر منكم } : وقـال خـالد بن نـزار : وقفت على مالك فقلت : يا أبا عبد اللـه ما ترى في قوله تعالى { وأولي الأمر منكم .. } ، قال : وكان محتبياً فحل حبوته ، وكان عنده أصحاب الحديث ، ففتح عينيه في وجهي وعلمت ما أراد ، وإنما عنى أهل العلم .

ويقول الشيخ محمد عبده في تفسير المنار (5/180) : والمراد بأولي الأمر جماعة أهل لحل والعقد من المسلمين ، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة ، إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه .

ويقول المودودي في تدوين الدستور الإسلامي (ص85) : هم الحائزون على ثقة العامة ، الذين يطمئن إليهم الناس لإخلاصهم ونصحهم وأمانتهم وأهليتهم .

مناقشــة

   وبعد استعراض ماقاله السادة المفسرون والعلماء يسترعي انتباه الباحث عدة أمور منها:

1- لفظ (أولو) - كما يقول القرطبي - لفظ جمع أحدهم (ذو) على غير قياس كالنساء والإبل والخيل ، كل واحد منها اسم جمع لامفرد له من لفظه ، ويستنبط الباحث من هذا أحد الاحتمالات التالية :

أ- أولـو الأمر الذين أمر اللـه المسلمين بطاعتهم هم جمهور العلماء ، وليس فرداً بعينه، كأهل الشورى أو أهل الحل والعقد ، أو جمعية العلماء أو ما شاكل ذلك.

ب- أولـو الأمر الذين أمر اللـه المسلمين بطاعتهم هم مجموعة من الولاة ، أدنى من الإمام ، كأمير البلد أو عمال الخليفة كأمير الشرطة وأمير التعليم ،كل ذلك بشرطين:

                    1-  أن يكونوا مسلمين .

                    2-  أن لايؤمروا بمعصية إذ لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق .

2- لقد رجح علماء السلف أن المقصود هم الأمراء لعدة أسباب منها :

أ- تأكيد رسول اللـه  صلى الله عليه وسلم فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللـه صلى الله عليه وسلم قال: [ من أطاعني فقد أطاع اللـه ، ومن عصاني فقد عصى اللـه ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني ] ([2]) .

ب-كان الأمراء في عهد الصحابة علماء ، لا يطلبون الإمارة كما يقول ابن تيمية (ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية أو سبق في الطلب ، بل ذلك سبب المنع ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن قوماً دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال :[ إنا لانولي أمرنا هذا من طلبه ] ، وقال لعبد الرحمن بن سمرة : [ يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ] ([3]). وعدم طلب الإمارة يدل على العلم والورع والتقوى ، وهذه مظاهر العدالة والعلم عند الرجل .

ج-وقد استنبط الماوردي صفات وشروط الإمام العام والولاة ؛ من أمراء الصحابة والتابعين حتى أنه سماهم الأئمة المتأمرين ( أي العلماء الأمراء ) فقال : ( ففرض علينا طاعة أولي الأمر فينا وهم الأئمة المتأمرون علينا ) (ص5) . واشترط الماوردي للإمامة سبعة شروط هي: ( العدالة ، العلم المؤدي للاجتهاد ، سلامة الحواس، سلامة الأعضاء ، الرأي ، الشجاعة ، النسب القرشي ) (ص6) . كما يشترط الماوردي في وزير التفويض (رئيس الوزراء ، ونائب الرئيس) يشترط فيه شروط الإمامة كلها ما عدا النسب القرشي ، ويضيف على ذلك أن يكون من أهل الكفاية والدراية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج ، خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما ) (ص22) . ثم يقول الماوردي: ( وإذا قلد الخليفة أميرًا على إقليم أو بلد ؛ تعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض ( وهي شروط الخليفة ما عدا النسب القرشي ) ، لأن الفرق بينهما خصوص الولاية في الإمارة ، وعمومها في الوزارة ، وليس بين عموم الولاية وخصوصها فرق في الشروط المعتبرة فيها ) (ص30) .

    ويتضح من شروط الماوردي للخليفة والوزراء والأمراء ؛ أن الأمراء كانوا من العلماء.

3-  إذا كان الأمراء من العلماء ، فأولو الأمر عند السلف هم العلماء والأمراء ، هكذا كان الأمراء في عهد الصحابة والتابعين ، وبدأ التغير بسيطاً منذ أواخر عهد الأمويين حتى وصل الأمر إلى عصرنا هذا ، فأصبح الأمراء من غير العلماء ، بل وقع فصام نكد بين العلماء والأمراء ، حتى صارت الهوة بينهما سحيقة جداً ، وأهم خصائص عصرنا أن بعض الحكام تربوا تربية علمانية أو قريبة منها ، فابتعدوا عن العلماء ، وابتعد العلماء عنهم - إلا من رحم ربك - حتى وقع صراع بين العلماء والحكام كاد أن ينتصر فيه الحكام ، لولا رحمة اللـه بالمسلمين حيث رحمهم بالصحوة الإسلامية المعاصرة ، فالشباب المسلم المعاصر يوالي العلماء ، وأولو الأمر عندهم هم العلماء والدعاة ([4]).

وإذا كان المصطلحان ( العلماء ولأمراء ) يتداخلان عند السلف ، إلى درجة صعوبة الفصل بينهما ، فإنهما منفصلان في أيـامنا إلى درجة استحالة الجمع بينهما حالياً - ونسأل اللـه أن يزول هذا الفصام النكد - بل إن البون شاسع بينهما اليوم ، وهذا مايدفعنا إلى أن نفهم مصطلح ( أولو الأمر ) بأنهم أهل الفقه والدين .

4- لا تعدو العلاقة بين الأمراء والعلماء إحدى ثلاث :

أ- أن يكون الأمراء من العلماء ، فيكون المقصود بأولي الأمر العلماء والأمراء ، ولولا العلم ماصار الأمراء أمراء ، إذن مصطلح العلماء أعم وأشمل ، وأولو الأمر في هذه الحالة هم العلماء .

ب- قد لا يكون الأمراء من العلماء ، ولكنهم يستمعون للعلماء ، ويشاورونهم ، كما كان أمير المدينة المنورة عمر بن عبد العزيز يرحمه اللـه ، كما قال عنه الطبري: ( لما قدم عمر المدينة نزل دار مروان ، دخل عليه الناس فسلموا ، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة وهم : عروة بن الزبير ، عبيد اللـه بن عبد اللـه بن عتبة ، أبو بكر عبد الرحمن ، عبيد اللـه بن عبد اللـه بن عمرو ، عبد اللـه بن عامر ، خارجة بن زيد... فدخلوا عليه فجلسوا ، فحمد اللـه وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال: ( إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ، وتكونون فيه أعواناً على الحق ، ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم ، أو برأي من حضر منكم.. ) (الطبري ، 3/ 672) . هكذا كان عمر بن عبد العزيز ، وعندما يطاع هذا الأمير الذي يشاور العلماء ، ولا يخرج على إجماعهم؛ فهذه الطاعة المقدمة له طاعة للعلماء ، أهل الفقه والدين .

ج- أن تكون الهوة واسعة بين العلماء والحكام ، وطاعة الحكام - غالباً - مخالفة لكتاب اللـه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وغالباً يختلف العلماء مع الحكام ، في مثل هذه الحالة يجب أن يطاع العلماء وليس الحكام .

4- يقول الإمام الجويني يرحمه اللـه: ( فإذا شغر الزمان عن الإمام - انتبه إلى قوله إمام - وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية ( السلطان ذو النجدة .. أي يشاور العلماء ولا يخالفهم ) ، وقال الإمام الجويني إمام ثم قال سلطان ويفهم الباحث من ذلك أنه يقصد بالإمام الذي استوفى الشروط المنصوص عنها ( العلم والعدالة ... ) أما السلطان ذو النجدة فهو الحاكم الذي لم يستوف هذه الشروط (كالمتغلب) ، ولكنه يطيع العلماء ولايصدر إلا عن رأيهم ) . ونعود إلى كلام الجويني : إذا شغر الزمان عن الإمام ، وخلا عن سلطان ذي نجدة ، فالأمور موكولة إلى العلماء ، وعلى الخلائق أن يرجعوا إلى علمائهم ، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم فإن فعلوا ذلك فقد هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد، وهم على الحقيقة أصحاب الأمر استحقاقاً، وذوو النجدة من الحكام مأمورون بارتسام مراسمهم ، واقتفاء أثرهم والانكفاف عن مزاجرهم (ص 280) ، ويقول الجويني في مكان آخر: ( وإن كثر العلماء في الناحية فالمتبع أعلمهم ، وإن فرض استواؤهم في العلم ، فإصدار الرأي عن جميعهم ) (ص 391) .

وفي هذا الشأن يقول مسلم الأعور عن خالد العرني قال: دخلت أنا وأبو سعيد الخدري على حذيفة فقلنا : يا أبا عبد اللـه حدثنا ماسمعت من رسول اللـه صلى الله عليه وسلم في الفتنة ، فقال حذيفة: قال رسول اللـه صلى الله عليه وسلم :[ دوروا مع كتاب اللـه حيثما دار ]([5]). وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم [ خذوا العطاء مادام عطاء ؛ فإذا صار رشـوة على الدين فلا تـأخـذوه ، ولستم بتاركـيه يمنعكـم الفقـر والحـاجة ... ألا إن رحى الإســلام دائرة ، فدوروا مع الإسلام حيث دار ، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب..]([6]). وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول اللـه صلى الله عليه وسلم [ سيكون عليكم أمراء من بعدي يأمرونكم بما تعرفون ويعملون بما تنكرون فليس أولئك عليكم بأئمـة ] ([7]).

جمعيـة العلمـاء المسـلمين        

وبما أن أولو الأمر هم العلماء ، لذا يجب على العلماء أن يشكلوا جمعية في كل بلد على غرار لجنة كبار العلماء في السعودية على أن تكون منظمة مدنية غير حكومية ، أو جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (سابقـاً) ، أو جمعية العلماء في محافظات سوريا قبل حكم البعثيين ، ويكون لهذه الجمعية فروع في كل مدينة يقوم عليه عالم عامل ، يعاونه دعاة إلى اللـه على صلة يومية بالشعب ، وتقوم هذه الجمعية بالنظر في كل مايستجد من أمور ( سياسة ، اقتصاد ، اجتماع، تربية ... إلخ ) ، وتبين حكم الإسلام في ذلك الأمر ، ثم تنشره على المسلمين بوسائل النشر الحديثة ، ليسمعوا به ، ويطيعوه لأنه من أولي أمرهم . ثم تتعاون هذه الجمعيات على إنشاء رابطة عالمية للعلماء المسلمين ، تتعاون الجمعيات من خلالها ، وتتعاون الأقطار المسلمة بواسطتها ، وتكون هذه الرابطة نواة لهيئة أهل الحل والعقد الإسلامية العالمية ؛ التي تمهد لعودة الخلافة الإسلامية بإذن اللـه . ويفضل أن تكون هذه الجمعيات شـعبية لا حكومية ، وتستطيع الحركات الإسلامية أن تفعل ذلك بعد الاعتماد على اللـه عزوجل .

ويبدو للباحث أن الصفة الأساسية للشعب الأفغاني المسلم التي مكنته من القضاء على الامبراطورية الشيوعية العالمية هي موالاته للعلماء وليس للحكام، والعالم المسلم عندهم هو المتبع وهو الزعيم الشعبي، يطيعونه في شؤون حياتهم الدينية والدنيوية معاً، دون الفصل بينهما.

العصمـة للأمـة :

وهكذا تكون العصمـة للأمـة عندنا وليس لفرد بعينه ولو كان إماماً ، فقد رحمنا ربنا عزوجل فجعل أمتنا لاتجتمع على ضلالة ، والمهم كيف نجمع أمتنا ، ونستخلص الرأي أو القرار الذي تجمع عليه ، ولايظن أن الاجماع المطلوب ( 100 % ) ، وهذا يستحيل خاصة عند السـنة ، وإنما الاجماع المطلوب هو إجماع الأكثـرية ... والقرار الذي يقرره أكثر أهل الحل والعقد يصبح ملزمـا ً شـرعاً كما أرى ـ والله أعلم ـ ويجب طاعته ، لأنه هو قرار أولي الأمر الذين أمرنا الله عزوجل بطاعتهم ...

هذا ما أ عرف فإن كان صواباً فالفضل من الله ، وإن كان غيرذلك أستغفر الله العظيم ، وأسأله تعالى أن يهدينا إلى الحق ويرزقنا إتباعـه ..

الدكتور  خالد الاحمـد         كاتب سوري في المنفى .


([1]) خلا الزمان عن الإمام في زمن الجويني ( أما في زماننا فماذا يقول الجويني !!)  .

([2]) صحيح البخاري (13/99) في الأحكام ، ومسلم (1835) في الإمارة ، وجامع الأصول (4/64) .

([3]) جامع الأصول (4/58) ، والبخاري (13/ 61) في الأحكام ، ومسلم (1652) في الإمارة . 

([4]) من الأدلة على أن الشباب المسلم المعاصر يوالي العلماء ولا يوالي الحكام أنه قامت في الجزائر عام (1989م) مظاهرة سارت فيها مئات النسوة العلمانيات ، يطلبن بإلغاء الطلاق وتعدد الزوجات ... عندئذ وجهت رابطة الدعوة الإسلامية برئاسة الشيخ سحنون وهو آخر أعضاء جمعية العلماء الجزائريين التي حررت الجزائر من فرنسا والصليبية ، وجهت هذه الرابطة نداء للمسلمات الجزائريات للتجمع أمام البرلمان والمطالبة بتطبيق الإسلام في الأسرة والمجتمع ، وما أن تداول الناس الخبر حتى خرجت المرأة الجزائرية الطالبة والمعلمة والطبيبة وربة البيت والجدة والحفيدة حتى قدر أحد أعضاء البرلمان عدد الحاضرات بالمليون امرأة معظمهن محجبات ، يطالبن بتطبيق الإسلام عليهن ( انظر مجلة الإرشاد الجزائرية العدد الأول جمادى الأولى 1410) .

([5]) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/148)ويقول الذهبي : مسلم بن كيسان (أي مسلم الأعور) تركه أحمد وابن معين. .

([6]) المعجم الصغير للطبراني (1/264) قال الهيثمي رواه الطبراني ويزيد بن مرثد لم يسمع من معاذ ، والوضين وثقه ابن حبان وغيره وبقية رجاله ثقات.

([7]) قال الهيثمي رواه الطبراني وفيه الأعشى بن عبد الرحمن ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات ( مجمع الزوائد 5/ 227) .


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ