العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد09 /10 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

نظام الفرص الضائعة ‏

د. برهان غليون

‏1- الاحتضان الدولي للنظام السوري:

بصرف النظ عما سيسفر عنه التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصلت العلاقات ‏السورية مع الكتلة الغربية المكونة من أهم قوى دولية قائمة اليوم، أعني الولايات المتحدة وأوروبا، إلى ‏قطيعة نهائية لن يكون من الممكن تجاوزها أو الالتفاف عليها بأي شكل. وغني عن القول إن أخطر ما ‏يمكن أن تتعرض له دولة أو نظام هو أن يضطر أحدهما إلى أن يواجه تحالفاً أوروبياً أمريكياً ضده. ولا ‏يمكن لأي نظام، مهما كانت الحيثيات والدوافع والتبريرات، أن يتحمل مثل هذا التحالف، ومن باب أولى أن ‏يسمح بنشوئه أو أن يدفع إليه. فهو يعني - لا أكثر ولا أقل - أنه يدين نفسه بالعزلة العالمية ويسد أمامه جميع ‏الآفاق. وفي منطقة مثل منطقة الشرق الأوسط الخاضعة بشكل لا مثيل له في أي منطقة أخرى للهيمنة ‏الأمريكية الأوروبية، التاريخية والمكشوفة معاً، يعني مثل هذا الموقع، أكثر من ذلك، عزلة إقليمية كبيرة ‏أيضاً، وبالتالي تعليق النظام نفسه في الفراغ.

لا ينبغي الاستهانة بالمخططات الغربية الأمريكية والأوروبية معاً، ولا الاعتقاد بأنها تهدف إلى خدمة ‏المصالح العربية. فليس هناك شك في أن الولايات المتحدة تسعى اليوم إلى كسر شوكة الوطنية العربية ‏التي اتخذت شكل الحركة القومية الوحدوية الماضية والتي لا تزال تعيش تحت الرماد، وأنها تهدف من ‏مشاريعها إلى قطع الطريق على أي تفاهم عربي واسع كيما تتمكن من بناء الشرق الأوسط الذي يمر ‏تفاهم جميع بلدانه وشعوبه عبر واشنطن وبفضلها. وهذا هو الطريق لتكريس الهيمنة الإقليمية الأمريكية ‏وضمان المصالح النفطية والاستراتيجية معاً. وليس هناك شك أيضاً في أن ما تريده أوروبا اليوم في ‏المنطقة العربية هو تأمين حدودها الجنوبية ومنع نشوء مخاطر عليها، سواء أكان ذلك نتيجة قيام تكتلات ‏استراتيجية قوية أو انتشار الأسلحة الهجومية الشاملة أو تصاعد حركات العداء والعنف المناوئة لها. وفي ‏هذه السياسات نقاط خلاف جوهرية تفصل المصالح العربية العليا عن المصالح الأمريكية والأوروبية. ‏ويمكن أن نضيف إلى ذلك أيضاً قضايا خلاف ظرفية نابعة من اختلاف وجهات النظر أو التعارض في ‏المصالح التكتيكية أو الاستراتيجية العربية الغربية، كما هو الحال في ما يخص الحرب في العراق ‏والموقف من الاستيطان الاسرائيلي في فلسطين والجولان ومن بعض تشكيلات المقاومة العربية في ‏فلسطين ولبنان والعراق.‏

لكن بالرغم من هذه الخلافات السياسية التي دفعت وتدفع واشنطن إلى ممارسة ضغوط استثنائية على ‏الدول العربية لتغيير أجندتها وإعادة النظر في الكثير من خياراتها الاستراتيجية والاقتصادية والثقافية ‏القديمة أيضاً، لا أعتقد أن المواجهة التي نسير إليها اليوم بين سورية والولايات المتحدة الأمريكية كانت ‏حتمية أو لم يكن من الممكن تجنبها. فزوال الاتحاد السوفياتي والحرب الباردة من جهة، بما يعنيه من ‏التراجع الدولي عن سياسات الاقتصاد المخطط والانخراط الطوعي والمتزايد للدول العربية وغير العربية ‏في سياسات التحرير الاقتصادي والاندماج في السوق الدولية، والخوف من تنامي حركات العنف ‏والإرهاب في العالم، كل ذلك يخلق مجالات لمصالح مشتركة أيضاً بين الدول العربية والكتلة الغربية. ‏وهذه المصالح المشتركة هي التي سمحت للعديد من النظم العربية التي تعرضت في السنوات الماضية إلى ‏ضغوط أمريكية وأوروبية قوية من أجل الاصلاح، بالوصول إلى تفاهمات جديدة غيرت من طبيعة ‏السياسات العربية والغربية معاً، بما في ذلك التمديد لأنظمة كانت الولايات المتحدة تقف ضدها بصورة ‏قطعية. ‏

ولا يختلف الأمر عن ذلك في ما يتعلق بالنظام السوري الذي تبنى، مثله مثل جميع النظم العربية الأخرى، ‏سياسة الانفتاح على الولايات المتحدة وأوروبا والتوصل معهما إلى تسويات في جميع الملفات. وهذا ما ‏يفسر الحيوية التي طرأت على العلاقات السورية الغربية في الأعوام القليلة الماضية، والتعاون الواسع ‏الذي نشأ بين البلدين إلى فترة قريبة قبل انفجار الأزمة الراهنة. وهو الأمر الذي يستحق أن نتأمل فيه ‏لنعرف أين حصل الخطأ الذي أدى إلى هذا الوضع، ومن هو المسؤول الرئيسي عنه. فكما أن من الصعب ‏تصديق النظام السوري عندما يؤكد أن الولايات المتحدة وفرنسا ومن ورائهما اليوم المعسكر الغربي؛ كله ‏يريدون القضاء على النظام السوري بسبب خياراته الوطنية، من الصعب أيضاً تصديق ما يردده الغربيون ‏من ادعاءات حول حرصهم على نشر السلام وتحقيق الديمقراطية لشعوب المنطقة ومنها الشعب السوري. ‏فحتى أشهر قليلة، وربما حتى هذه اللحظة، كما لا يزال يعتقد البعض، لم يكن أحد يشك في أن نظام ‏الرئيس بشار الأسد لا يزال يحظى برعاية خاصة في العواصم الغربية، نظراً لما وسم به من علمانية ‏ومقدرة مجربة على مواجهة الحركات الإسلامية والتعامل بواقعية مع الاحتلال الاسرائيلي للأراضي ‏السورية. وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك اعتقاد قوي لدى حكومات أوروبا وأمريكا معاً؛ بأن النظام ‏السوري يلعب دوراً إيجابياً بوجوده في لبنان ويضمن الاستقرار على حدود اسرائيل الجنوبية جميعاً، كما ‏أن من الممكن أيضاً أن يكون له دور إيجابي في العراق. ‏

وقد وجدت الولايات المتحدة وأوروبا في الميول الإصلاحية التي أظهرها العهد الجديد سبباً آخر للتمسك ‏بالنظام السوري والعمل معه بدل الانقلاب عليه، في سبيل تقريب سورية من السياسات الغربية وإعادة ‏إدراجها في السياق العالمي الجديد. ولم تكن السلطة السورية معارضة لهذا الاندراج، بل إن العكس هو ‏الصحيح. فقد بدأت السلطة البعثية التي كانت تتبنى سياسات اشتراكية وقومية متطرفة في وقت من ‏الأوقات؛ بالتخلي تدريجياً عن خياراتها السابقة، والتعامل بإيجابية مع الطروحات الغربية الأمريكية والأوروبية ‏على جميع الأصعدة. هكذا قبلت دمشق بالدخول في مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية منذ مؤتمر ‏مدريد عام 1991، وشاركت مع مصر والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول المقربة من الغرب ‏في بلورة مشروعات عربية إسرائيلية، وقطعت نهائياً مع مشروعاتا الوحدة العربية والشعارات القومية، مثل ‏شعار "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، وأظهرت تعاوناً كاملاً مع الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى ‏سلام مع إسرائيل على أساس قرار مجلس الأمن: الأرض مقابل السلام. كما أظهرت (دمشق) تعاوناً أمنياً معلناً مع ‏السلطات الأمنية الامريكية في الملف العراقي الملتهب. وعلى المستوى الاقتصادي، أظهرت المبادرات ‏السورية المتعددة للتوقيع على اتفاقات التجارة الحرة مع العديد من البلدان، بما فيها منطقة التجارة الحرة ‏العربية الكبرى، لكن، بشكل خاص، على اتفاقية الشراكة المتوسطية، رغبة حكومة دمشق القوية بالتعامل ‏مع واقع السياسات النيوليبرالية والانخراط في اقتصاد السوق، قبل أن يكرس المؤتمر العاشر لحزب البعث ‏في حزيران/ يونيو الماضي رسمياً هذا الخيار. ‏

باختصار، شهدت السنوات الأربع الأولى من حكم الرئيس بشار الأسد انفتاحاً قوياً، ومتبادلاً أيضاً بين الكتلة ‏الصناعية الغربية وسورية، (وهذا) هو الذي ثبت أركان النظام السوري وجعله يبدو وكأنه في طريقه إلى القطع ‏مع تاريخه السابق والتحول إلى نظام جديد. ويمكن القول إن مشروع التغيير السلمي للنظام، أي (أيضاً) ‏التغيير من الداخل؛ هو الذي يفسر الإجماع الذي حظي به الحكم الجديد ليس في الخارج فحسب، ولكن في ‏الداخل أيضاً. فقد كان الجميع على اقتناع بأن مثل هذا التغيير يشكل مصلحة عامة؛ لأنه يخفف من مخاطر ‏الانزلاق إلى الفوضى التي ترافق عادة مراحل الانتقال، ويؤمن إعادة إدماج سورية في الحياة الدولية ‏بتكاليف أقل كثيراً مما تستدعيه الانقلابات والثورات الشعبية. وجاءت التجربة المرة للانتقال الفوضوي ‏في العراق لتزيد من اقتناع الرأي العام السوري والعالمي معاً بأفضلية هذا النمط من التغيير. وفي هذا ‏السياق ضاعفت الدول الغربية من دعمها للنظام، وبشكل خاص الدول الأوروبية ذات المصالح الأمنية ‏الكبيرة في المنطقة. وأرسلت فرنسا من أجل هذا التغيير السلمي مستشارين وخبراء في التحديث ‏والإصلاح، متأملة في أن تساهم في أن يعيد النظام السوري، الذي لا يزال في بنياته السياسية والاقتصادية ‏يعيش في ما قبل تاريخ الاقتصاد والسياسة المعمول بهما اليوم في بلدان العالم؛ بناء نفسه بما يسمح للغرب ‏بالتعاون معه ودمجه في الدورة الاقتصادية وفي المعادلة الجيوسياسية الجديدة الشرق أوسطية. لقد تبنت ‏الدول الغربية بشكل واضح، ضد أية نزعات انتقامية أو حتى ديمقراطية مستعجلة كما كانت تقول، ‏مشروع تجديد نظام البعث السوري تدريجياً ومن دون ضغوط خارجية، وأعادت المراهنة عليه بما يعنيه ‏ذلك من ضرورة إخراج سورية من انغلاقها وعزلتها ودمجها في اقتصاد السوق الدولية الجاري بناؤها ‏على قدم وساق. لا بل لقد تحولت المشاركة في تجديد النظام وتبنيه موضوعاً للتنافس بين الأوروبيين ‏والامريكيين، فطرحت أوروبا مشروع الشراكة المتوسطية لدمج الدول القريبة منها في منظومتها ‏الإقليمية ولو بشكل ضعيف، وطرحت الولايات المتحدة مشروع السوق الشرق أوسطية. وكلاهما كانا ‏يحتفظان للنظام السوري بموقع أساسي ومهم في التركيبة الجديدة المنتظرة للشرق الأوسط في ما بعد حقبة ‏الحرب الباردة. ومنذ سنوات ثلاث فقط، استقبلت أوروبا الرئيس بشار الأسد وزوجته استقبال الفاتحين في ‏لندن ومدريد وباريس، وكانت ترى فيه نموذجاً لجيل جديد من القادة العرب المتنورين العازمين على ‏التغيير ومكافحة الفساد وتحقيق الانتقال، ولو تدريجياً، إلى نوع من التعددية تغير أسلوب التعامل بين سورية ‏والعالم. وفي المقابل، تجاهلت جميع الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، خلال سنوات طويلة؛ المعارضة ‏الديمقراطية السورية على مختلف اتجاهاتها ولم تولها، حتى وقت قريب، أي اهتمام. فما الذي حصل حتى ‏انقلبت الأمور رأساً على عقب في أقل من سنتين، وصار التكتل الغربي ينظر للنظام السوري على أنه ‏أصل البلاء ومنبع جميع المصائب المحيقة بالشرق الأوسط؟ ‏

‏2- الانقلاب الدولي على النظام:

ليس هناك شك - في نظري - في أن سورية قد أضاعت في السنوات الخمس الماضية أكبر فرصة تاريخية ‏عرضت لها في سبيل الخروج مما يقارب نصف قرن من التقوقع والانغلاق والتقهقر في معايير المعيشة ‏والمعاملة والحكم والحياة عموماً، وفي النهاية الترهل والتعفن والفساد. فقد توفرت للنظام الجديد شروط ‏داخلية وخارجية لم تتوفر لأي نظام آخر، بما في ذلك النظم المحسوبة على الغرب منذ عقود طويلة. فقد ‏كان الشعب خائفاً فعلاً من أن يؤدي التغيير إلى انقلاب واضطراب في السلام الأهلي، فوجد في تبني الحكم ‏مشروعاً للإصلاح التدريجي مخرجاً استثنائياً لأزمة البلاد. ولم يكن موقف الدول الأوروبية والولايات ‏المتحدة مختلفاً عن ذلك كثيراً، فقد اعتقدت هي أيضاً أن إصلاح النظام من الداخل يوفر عليها مخاطر ‏كبيرة ويمكنها من الاستفادة في الوقت نفسه من إمكانيات النظام البعثي وخبرته الطويلة في محاصرة بؤر ‏الارهاب والعنف المتنامية في المنطقة والعالم. وكان من المنتظر أن يستفيد الحكم السوري بشكل كبير ‏من المراهنة القوية التي وضعها التكتل الغربي، الأمريكي والأوروبي؛ عليه وعلى استمراره، ويوظفها في ‏إطلاق مشروع إصلاح كبير يمكن سورية من أن تتحول إلى رائدة في المنطقة عن طريق الجمع بين ‏الرعاية الاستثنائية التي يحظى بها من قبل الدول الصناعية الكبرى من جهة، وما تتمتع به سورية من موقع ‏وموارد بشرية تحسد عليها وما يحظى به شعبها أيضاً من تقدير واحترام لدى جمهور واسع في العالم ‏العربي وخارجه أيضاً بسبب نضاله وتراثه الحضاري العريق، من جهة ثانية. ‏

لكن عاملين قويين ساهما في تبديد تلك الفرصة، قبل أن يدفعا إلى تغيير الموقف من النظام السوري من ‏النقيض إلى النقيض، فيحولانه من موضوع رعاية وعطف شاملين إلى موضوع نقمة ورفض قاطعين، ‏في الداخل والخارج على حد سواء، وتقريباً في الوقت نفسه. العامل الأول داخلي يتلخص في نظري في ‏ما تميزت به القيادات المختلفة في الحزب والإدارة العسكرية والمدنية من سوء قراءة للأحداث، وعجز ‏عن تجاوز المصالح الضيقة السائدة في النظام بالإضافة إلى قدر كبير من انعدام الخبرة السياسية والسقوط ‏في حمى المزاودات الرخيصة بالوطنية لقطع الطريق على المعارضة الداخلية، وتجنب فكرة المشاركة. أما ‏العامل الثاني فهو من دون شك ما تميزت به السياسة الامريكية بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول ‏‏2001؛ من تخبط واضطراب. فبينما حالت مثالب النظام دون تحقيق الحد الأدنى من التغيير والإصلاح ‏المنشود وبالسرعة المطلوبة لوقف مسار التدهور المتواصل في المناخ السياسي وشروط الحياة المعنوية ‏والمادية والاجتماعية، جاءت السياسة الهجومية الرعناء لإدارة الرئيس الجمهوري لتعيد الأجندة الوطنية ‏والقومية إلى مركز الأولوية في تفكير الجمهور الواسع، مما أضعف قضية المعارضة الديمقراطية، دفع ‏النظام إلى الاعتقاد بأن بإمكانه مقايضة استحقاقات التغيير والإصلاح الداخليين برفع الشعارات الوطنية ‏والعزف على وتر العداء للاستعمار والامبريالية، والالتفاف حول السلطة في مواجهة الأخطار الخارجية.

أثار إخفاق النظام في التكيف مع الوضع الجديد وتمسكه بصيغته وسياساته القديمة المتسمة بالانغلاق ‏وعدم الشفافية والتكور على النفس والشك بأي تغيير؛ خيبة أمل عميقة لدى العواصم الغربية، وليس فقط في ‏وسط الرأي العام السوري. ولم يحصل ذلك دفعة واحدة، وإنما كان ثمرة تراكم خبرة السنوات الخمس ‏الماضية جميعاً. فقد كان للاعتقالات والعقوبات غير المعقولة وغير المقبولة بأي معيار دولي؛ (بحق) الناشطين ‏السياسيين والمدنيين، وفي مقدمهم الشخصيات الثمانية الذين شاركوا في ندوة منتدى الحوار الوطني للنائب ‏رياض سيف في الخامس من أيلول/ سبتمبر 2001، أثر سلبي جداً على رصيد النظام الخارجي. وجاء استمرار ‏عمليات الاعتقال وعجز النظام عن إيجاد صيغة مقبولة للتعامل مع حركة المجتمع المدني التي كان العالم ‏الخارجي ينظر إليها بتفاؤل في سبيل مساعدة النظام القديم على الخروج من جموده بصورة تدريجية ‏وسلمية، وتصاعد إجراءات القمع وتكميم الأفواه، وإخفاق المؤتمر العاشر لحزب البعث (حزيران/ يونيو 2005) ‏الذي مثل فرصة أخيرة في مراجعة الحساب وتبديل السياسات القديمة وإنقاذ مشروع التغيير .. لتقنع الرأي ‏العام السوري والغربي بأنه لا أمل يرجى من الحكم الجديد في تحقيق أي إصلاح. وبدأ صبر المتعاطفين ‏المحليين والشركاء الغربيين ينفد بسرعة، وخلف الحماس للنظام الجديد والتفاؤل بقدومه حرقة وندم على ‏ما تم من استثمار فيه ورهان عليه. ‏

ومع ذلك لم يتخذ التحالف الغربي أي موقف سلبي من النظام، وظل يدعو للتعامل الايجابي معه إلى فترة ‏قريبة. وحتى بعد احتلال العراق، وبسبب التقاطع الواضح بين الموقف السوري والموقف الأوروبي، لم ‏يؤثر الدعم العلني الذي قدمه الحكم للمقاومة العراقية على استقراره ومديد التحالف الغربي له. ولم تتردد ‏واشنطن في التعاون الأمني معه وتبني موقف تشجيعه وإغرائه بالمساعدات في سبيل توسيع تعاونه معها. ‏إن الأيام الصعبة للنظام لم تبدأ إلا على أثر القطيعة التي حصلت بينه وبين حليفه الرئيسي في الغرب، ‏فرنسا، التي كانت تقدم له الحماية والرعاية والتغطية والدعم، وكان ذلك بسبب تمديد ولاية الرئيس اللبناني ‏لحود من دون تفاهم مع الحلفاء، بل ضد إرادتهم وبالرغم من تدخلاتهم لدى النظام السوري لوقف هذا ‏المسار، كما ذكرت الصحافة مراراً في ما بعد. فبتخلي فرنسا عن النظام، ومن ورائها أوروبا، وتصاعد ‏شكوك واشنطن بعدم جدية التعاون السوري وباحتمال خسارتها للحملة المكلفة في العراق، أصبح الطريق ‏سالكاً لتكوين تحالف أوروبي أمريكي ضد دمشق. وهو ما كان عليها (دمشق) أن تحول دونه بأي ثمن.‏

وعلى الأغلب أنه حتى بعد هذه القطيعة الخطيرة مع الحليف الفرنسي، لم تكن فرص الخروج من المأزق ‏الذي كان يسير إليه النظام قد استنفدت تماماً في نظري. فقد كان الغربيون، وربما لا يزالون يعتقدون بأن ‏التعكيز على نظام بعثي ضعيف خير من المغامرة بتغيير غير مضمون النتائج، كما حصل في العراق. لكن ‏اعتداد النظام بنفسه إلى درجة كبيرة نتيجة الاعتقاد بأن الغرب ليس لديه بديل له، وأنه مضطر في النهاية ‏إلى القبول بالحوار معه على شروطه ومن دون إحداث التغييرات السياسية المطلوبة لتعزيز عملية ‏التحرير الاقتصادي، حرمه من إدراك المخاطر المزدوجة للجمود على الجبهة الداخلية واحتمال استمرار ‏المواجهة على الجبهة الخارجية. وجاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري والمظاهرات الشعبية الواسعة التي ‏اندلعت في لبنان تطالب بخروج الجيش السوري، ثم خروجه بالفعل بالطريقة المعروفة، لينهي عصر ‏التسامح والتعامل الإيجابي الطويل مع الغرب ويقلب الوضع رأساً على عقب. ولم تساهم السياسات الأمنية ‏المتشددة التي أعقبت المؤتمر العاشر لحزب البعث الحاكم في وقف دينامية العداء المتنامي للنظام، بقدر ما ‏أعطت الدليل على عجز النظام عن التغيير كما لو أنها جاءت لتقطع الشك باليقين وتزيل أية أوهام عند من ‏كان لا يزال يعتقد بحصول المعجزة.

‏ لقد وقع النظام، ولم يعد لأي طرف مصلحة في مساعدة نظام معطوب ومخيب للأمال على الخروج من ‏عثرته. فالولايات المتحدة التي تعيش هوس هزيمة عسكرية منكرة في العراق تجد في هذه الوقعة فرصة ‏لا تقدر بثمن، كي تحول النظام السوري الضعيف إلى كبش فداء وترمي عليه المسؤولية كلها في إخفاقها ‏الذريع هناك. كما أن فرنسا التي شعرت بأنها خدعت مرتين؛ تعتقد بأنها قد أعطت للنظام فرصاً كافية حتى ‏يظهر فيما إذا كان قادراً على إصلاح نفسه، وأنها أصبحت مقتنعة الآن بأن أي جهد جديد يبذل على هذا ‏السبيل سيكون مضيعة للوقت. باختصار، في حالة الضعف التي وصل إليها النظام، لم يعد أحد، لا في ‏الولايات المتحدة ولا في أوروبا، يشعر بمصلحة في إعادة الحوار معه أو الرهان عليه، وذلك بصرف ‏النظر حتى عما إذا كان مسؤولاً بالفعل عن اغتيال الحريري ودعم قوات التمرد في العراق أم كان بعيداً ‏عن ذلك. فالحصان الذي يقع ويكسر ساقه في ميدان السباق لا يعول أحد على شفائه ولا يراهن عليه.‏

__________

* أكاديمي سوري، مدير مركز دراسات الشرق المعاصر بجامعة السوربون - باريس

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ