العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد09 /10 / 2005


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

وقائع لقاء مع مسؤول أمريكي

حوارات في الرواق الخلفي مع مسؤول أمريكي:

  مأزق العلاقات السورية- الأمريكية

الدكتور عماد فوزي شُعيبي

رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق

drimad@dascsyria.com

يدخل ضيفي الأمريكي، بوجه بشوش بخلاف رئيسة مكتب سورية في وزارة الخارجية الأمريكية التي سبقته إلى زيارتي بأشهر، وكانت تبعث على الاستفزاز باستهتارها  وجهلها النمطي . وبخلاف "الكيمياء البشرية"، فإن الرجل يبدو من النوع الذي لديه الخبرة الكافية، كما أنه يرأس الزائرة السابقة ويجمع في مسؤولياته العديد من المكاتب كمصر والشرق الأدنى : سوريا ولبنان وإسرائيل!(في غياب فلسطين!) والأردن، والعراق. ذكرني هذا الزائر برئيس مكتب لبنان في وزارة الخارجية الأمريكية وهو شخص من أصل يوناني ووالده قد كان سفيراً للولايات المتحدة في القاهرة، وقد شعرت في زيارته إليّ قبيل الأزمة الأخيرة، باطمئنان نسبي أن تجد شخصاً يفهم في السياسة يحاورك بعقل سياسي في وقت تكاد تصل العلاقات السورية-الأمريكية إلى نقطة اللاعودة وتكاد تشعر أن اللاعقلانية تتحكم في اللغة السياسية على اعتبار أن المحافظين الجدد ينظّرون إلى اعتبار أن لغة السياسة يجب أن تتجاوز الواقعية السياسية والبراغماتية وكل ما تم الاعتماد عليه  كقواعد للعمل السياسي بعد الحرب العالمية الثانية.

كلّ هذا يدور في ذهني وأنا ألتقي هذا المسؤول الأمريكي أو ذاك، وأنا أشعر أنني محكوم بسوريتي؛ بمعنى أنك تبحث عمن يحاورك دون أن تشعر أنه جاهل أو أنه متغطرس أو أنه إيديولوجي أو أقرب إلى المحافظين الجدد، وفي نفس الوقت أن تفهم أنكما على ضفتين غير متوازيتين أحياناً؛ فأنت عربي سوري وتبحث عن أي شيء تفعله(ولو من موقعك الذي يضاهي أحياناً في مثل هذا المقام  أي منصب رسمي خاصة عندما تكون متحرراً من اللغة المؤطرة أو الإيديولوجية أو التوجيهات المسبقة، فلغتك ملكك وتوجيهك من ذاتك على اعتبار أنك مصرّ على أن تحمي حقوق بلادك ومستقبلها لأنك معني وشريك في وطن للجميع ولست أجيراً ولا ترغب أن تكون في مكان آخر، ولأن بلادك وإن جارت عليك عزيزة وأهلك وإن ضنوا عليك كرام) وذلك لضمان مقاربة حقوق بلدك بعقلية محاورك دون أن تتخلى عن الأولى أو تطلق الثانية فيغدو الحوار حوار طرشان. ميزتك الوحيدة في هذا أنهم يسعون إليك من موقعك، في وقت قرروا فيه منع اللقاءات الرسمية المباشرة ، كنوع من أنواع الديبلوماسية الأخيرة كما يقولون، ويستخدمون بديلا منها الحوارات في القنوات الخلفية ،  وأنت عليك أن تكون سورياً بامتياز... فجأة تشعر بأنك تمثل المجتمع المدني والدولة معاً دون اختيار، و... بامتنان تقبل دون انتشاء.

على الضفة الأخرى هو أمريكي في موقع المسؤول، ويريد أن يفهم منك ويبلغك الكلام بلا أية رتوش لا تسمح بها اللقاءات الرسمية. هذا هو الرواق الخلفي الذي يجعلك تشعر أنك بحاجة إلى عاقل تتقارب معه الرؤية ويريد أن يستمع إلى اللغة التي لديك دون أوهام أو رؤية مسبقة أو أحقاد، فقد التقيت عدداً كبيراً من المسؤولين والصحافيين الأمريكيين الذين كنت أخرج من لقاءات بعضهم بإحساس بانعدام الجدوى وبإحساس أنني كنت ألتقي جهلة أو مدعين وأن الحيلة معهم قليلة لأنهم يمثلون دولة عظمى في أعلى لحظة Pick  من لحظات الغطرسة ما يمنحهم حق (الزعبرة!) والادعاء، ومع ذلك فإن هذا لم يكن يسمح لي بترف أن ألغيهم من معادلة الحوار لأنهم جهلة، بل كان ذلك يزيدني قناعة بأن المسؤولية تقع علينا لأننا لم نستثمر(ولم نتجاوز ذلك اليوم) في السياسة والساسة والأعلام الأمريكي ... كما تستدعيه مسؤولياتنا إزاء حقوقنا. ولم نزرع الزيتون كي تحصد الأجيال لكننا اكفينا بحرث الأرض وانتظار الحبوب والماء من السماء. ولهذا أشعر أن أياً منا لا يحق له أن يتخلف عن هذه المهمة،ولو من موقعه،دون أن ينتظر سُقيا الدولة أو تخطيط أحد أو الدعم المالي لمؤسسات ورجال أعمال عقليتهم لا تتجاوز زراعة البقوليات آملين أن يحصدوا منها نفطاً، وهو ما علمتني إياه تجربتي الفاشلة مع اثنين من الضفة الأخرى لتأسيس لوبي سوري في أمريكا، وانتهت لأن لا تمويل لها ولا أحد يشعر بأهمية الاستثمار فيها، ولا دعم وطنياً أو من المغتربين (كل لأسبابه)...

 ليس هذا هو وقت البكاء على الأطلال أو ترف الحديث عن الماضي أو ما هو من التجربة الشخصية المحض، لأننا حتى هذا الترف محرمون منه اليوم وسورية مستهدفة ، ومصير أحلامنا في مدن الياسمين، لا يمكن استيداعه في لحظة رومانسية بحب وطن، فأنت يجب أن تدفع رومانسيتك إلى العمق وتظهر أعلى درجات العقلانية السياسية لأنك كمواطن مسؤول ، ولا تظنن أنك وحدك لا تستطيع ألا تفعل شيئاً ولا تبالغ بنفس الوقت في دورك، والمهم أن تفعل ما تستطيع، فهذه سوريا ... وما ذكرناه لا يشكل أكثر من توصيف للمعاناة، وأنت تريد أن ترمم مصفاة بإبرة !؟.

 ولكنك يجب أن تفعل فهذه سورية... ، بملء الفم ... هي ليست وطنك فقط ، هي عقدة فرط المسبحة، وإذا انهارت لا سمح الله لن تكون هناك أوطان، بل طوائف وعشائر وملل ونحل ... واقتتال.

يدخل زائري الذي ابتعدنا عنه في مشاركتنا الوجدانية السابقة ، ليتكلم لا ليستمع رغم دماثته ، ورغم أنه سياسي بارع :

العلاقات السورية-الأمريكية وصلت إلى مأزق وقرار السيدة رايس يقضي بمنع الحوار المباشر وتخفيض مستوى العلاقة الديبلوماسية من طرف واحد ... هذا هو توصيف زائري لما بات معروفاً . نعم ، لا يُقدّم جديداً، لكنه سيشكل مقدمة لما هو لاحق.

سورية  ، كما يقول:  لا تتعاون في شأن الوضع على الحدود مع العراق.

أكاد أنفجر ... أضبط نفسي، وأتمالك ، أخفض من حدة صوتي وأنزل به (قراراً) إلى المستوى الذي يوحي بالهدوء: لا أصدق أنكم لا تعرفون أنها أقامت 567 موقع مراقبة على مسافة تصل إلى 596 كيلومتراً ، ونقلت 10000 جندي أي ما يُقارب فرقة إلى الحدود. يتصنع محاوري ويتجاهل : لا معلومات لدينا في هذا الموضوع.

يرتفع الأدرينالين في الدم، وأبتلع ثورتي إلى داخلي. ولا مانع أن أشعر بحرقة القرحة (مصير كل السياسيين العقلانيين ) تزيد في الوضع حرقة، أقول له بصراحة لا أصدق أن لديكم الCIA  والمخابرات العسكرية في العراق والتصوير عبر الأقمار الصناعية والجواسيس ولا تعرفون كل هذا والمسألة تتلخص بأنكم :

1ـ إما أن هنالك فجوة بين ما لدى أجهزة مخابراتكم وبين الإدارة في شقها السياسي وهذا مرده إما إلى ضعف أجهزة مخابراتكم (وهذا لا يُصدق) أو إلى (فجوة) بين المعلومات والقرار السياسي كما حدث مع كولن باول الذي اكتفى باعتبار ما أعلنه في مجلس الأمن في خريف وشتاء عام 2002 بخصوص أسلحة الدمار الشامل العراقية الوهمية مجرد وصمة وتضليل  يدفع ثمنه أجيال في العراق بغض النظر عن مساوئ صدام حسين (والضرب في الميت اليوم حرام)، وهذا يعني أن السيناريو يتكرر مع سورية بالتجهيل والزعبرة الإعلامية وتشكيل رأي عام يقول إن سورية لا تفعل شيئاً وهذا ما يحيلني إلى نظرية المؤامرة التي لا أستسيغها، ولكنها ليست بمؤامرة فالمحافظون الجدد يريدون تنفيذ مشروع معلن وهم مسيطرون في مجلس سياسات الدفاع في البنتاغون ويستطيعون باسم غاياتهم الإيديولوجية العالية!!! أن يشرعنوا لأنفسهم، إخفاء المعلومات وفبركة وقائع مخالفة للحقيقة لتنفيذ المشروع المعلن، وفي أحسن الأحوال هذه خطط وليست مؤامرات؟!. ألتفت إلى زائري وأقول له لا أتمنى ألا تحترم عقلي ، فقد أقبل بإخفاء معلومات عنكم ولكنني لا أقبل أن تحدثني بلغة الصحافة كالنيويورك تايمز أو الواشنطن بوست ، وأنت تقرأ تقارير السفارة الأمريكية في دمشق وهي تنقل لكم أولا بأول المعلومات عما يفعله السوريون على الحدود. يعرف زائري هنا أن محاوره صعب ويحب اللعب على المكشوف، يناور لكنني ألاحقه...

2ـ أو أنكم تعرفون وتدعون أنكم لا تعرفون ، لطلب المزيد ... وهذه هي القناعة الرسمية السورية.

3ـ الخطير في الأمر أنه مهما كانت الأسباب ، فإنكم في الولايات المتحدة الأمريكية تتصرفون على أساس أن سورية لم تفعل شيئاً، بغض النظر عن الخلفيات كونكم تعلمون  وتتجاهلون أو لا تعلمون. ثم أنكم لم ترسلوا الملحق العسكري الأمريكي في الزيارة التي أعدتها الدولة للديبلوماسيين كي يروا ما تم على الحدود، وواضح أن السبب هو ألا تسجلوا على أنفسكم أنكم شاهدون على ما تم ؛ أي أنكم تتجاهلون!

يعتدل زائري في مكانه ويبدي الرغبة في التفاهم، أقله بعد أن لاحظ أن محاوره مصرّ على إيجاد مقاربة واضحة وأقل تكتيكية مما يقتضيه العمل الديبلوماسي،ويقول ربما تحاولون في سورية فعل شيء ، وعلى الأغلب تلعبون لعبة مزدوجة فمن ناحية تضبطون الحدود ومن ناحية تدعمون أطرافاً ضد استقرار الوضع في العراق.

أجد ضالتي، وأنطلق من هذه الثغرة التي فتحها لأشرح كيف أن لا مصلحة لسورية في عدم استقرار الوضع في العراق لأن الإرهاب هناك مختلط بالمقاومة وهو أي الإرهاب قد يرتكس إلى سورية، هذه لعبة خطرة لا يلعبها السوريون، أقله لا يلعبون لعبة الدعم،ولو بغض النظر، للمجموعات المتشددة، لأنها لعب بالنار ، وهذه استراتيجية سورية قديمة إذ كان بإمكان سورية أن تفتح خطاً مع ابن لادن في التسعينيات ومطلع الألفين لمحاربة إسرائيل بدلا من محاربة السوفيات،لكنها تعلم أن هذا الأمر سينعكس عليها لاحقاً لأن لا حدود أو معايير للضبط في أمثال هذه الحركات، فهم ليسوا كحزب الله.

يبدي محاوري اندهاشاً لهذا التحليل، ويتم تسجيل ذلك باهتمام في مضبطة اللقاء، وكأنه يسمعه-فعلا-لأول مرة.

ينبري :إذاً سورية تدعم الإرهاب لدى المنظمات الفلسطينية (حماس والجهاد).

 تدخل في مجادلة حول إرهاب إسرائيل على المدنيين الفلسطينيين بلا جدوى، فدائماً هنالك لدى الأمريكيين فرق بين عمليات إسرائيل؟! وإرهاب حماس والجهاد، هو المنطق نفسه الذي واجهني مع عضو الكونغرس "توم لانتوس" أيام كانت السفيرة الأمريكية في دمشق وتحاول أن تقيم حواريات في منزلها.

أصرّ  ألا أستسلم ، أطالبه أن يحترم منطق الأشياء أو يُعرف الإرهاب حتى نرسى على برّ، يناور ويغمغم... وكلٌّ منا على موقفه

يقوم زائري راحلا ولا ينسى أن يقول أنه استمتع بحوار استفاد منه،مستدركاً بالتساؤل حول موقف سورية من التحقيق الدولي ، بخصوص ميليس، لكنه يرفض أن يدخل في حوار حول إلى أين ستقود الأوضاع الأخيرة . أغتنم الفرصة كي أذكره :

السيادة والاستقلال خطان أحمران بالنسبة لسورية دولة وشعباً ودونهما يكون الخيار خيار شمشون.

يقول محاوري : نعم سورية دولة مستقلة ذات سيادة.

أشدد مستتبعاً والخطوات تسبقنا إلى باب مكتبي :

ويجب أن تبقى ذات سيادة لكن رياح التدويل تتنافى مع الاستقلال والسيادة، ولا تتوقعوا أن تأخذوا منا بالتدويل عبر جرنا إلى الاتهام بقضية الحريري كلّ شيء، والأهم أن تعلموا أننا لسنا جمعية خيرية تقدم خلافاً لمصلحتها وبالتقاسم بدون مقابل.

يهز الرجل رأسه ... يبتسم ويرحل... أعود إلى مكتبي وأغرق في هموم وطني والمنطقة، تتنغص عيشتي لكنني لا أندم أنني اخترت السياسة طريقي.

فهذه سورية ... سوريتي وسورية غيري ... بملء الفم

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ