العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

العلمانية في الوطن العربي بين واقع وطموح (2 – 3)

(2)

استمراراً في إلقاء الضوء على مفهوم العلمانية في محاولة لإعادة النظر في المفهوم نفسه وإعادة تشكيله على

ضوء حاجة الواقع العربي وحتى لايفهم من الكلام أن الواقع العربي  يجب النظر إليه على أساس من العزلة عن مسيرة التطور الإنساني بشكل عام , بل يجب إجراء عملية حوار مع الواقع العربي , حوار موضوعي عقلاني يفهم أسسه وماضيه وحاضرة والجسر السليم القادرعلى نقله إلى المستقبل حيث يكون طرفا ً في التقدم الإنساني وليس مشحوطا ًً أعيته وتيرة حركة التقدم العلمي والتكنولوجي في العصر الحديث وهو لازال يركض بمكانه في طرقات فكرية وثقافية وسياسية أوصلته إلى الضياع وقد يصل إذا استمر على هذا المنوال إلى الإفتراق عن العصر.

أهمية العلمانية في كونها علمية ومنهجيه وإجتماعية منفتحة على الواقع , وعصرية بمعنى إحترام إرادة الآخر وإرادة المجتمع وأفكاروقناعات أفراده وأديانها, أي أن تكون نابعة من الواقع نفسه وليست مادة استهلاكية مستوردة يتم المتاجرة والبيع والشراء فيها.

أهمية العلمانية في النظرة الصحيحة إلى جوهرالدين وليس إلى رجل دين قد يكون صادقا ً أو كاذبا ًمع نفسه ومع دينه ومع مجتمعه , أي يجب الحوار بين مناهج وأفكاروليس الحوار بين أفراد أو  بائع ومستهلك , أي بناء خطوط محلية لإنتاجها حسب قياسات الواقع العربي والشخصية العربية والثقافة العربية , أي التوافق مع أخلاق المجتمع في جوهرها وليس في رواسبها التي تراكمت بشكل مخيف ووصلت إلى الحد التي غطت على جوهرها وعمت ظواهرها السلبية التي لايمكن أن تكون موضع قياس معياري لتقييم شخصية مجتمع ووضع برنامج لتطويرها .

باختصار لم يكن لدعاة العلمانية كأفراد والعلمانية كمفهوم ركائز مادية وإجتماعية وسياسية للبناء عليها لتصبح قادرة على التفاعل والتأثير في الحياة الفكرية بشكل عام وفي المشاركة في عملية تطوير الوعي الفكري والثقافي والسياسي والإجتماعي الفردي والفئوي بل زادت حدة التناقض بإضافة إشكال جديد إلى واقع المجتمع لم تستطع على حسمه لمصلحة الحراك العام في المجتمع, إذ وضعت الفرد في حالة التصادم بينه وبين هويته ,بل إلى حالة مواجهة بين الإلحاد والإيمان , وهذا ببساطة شديدة ليس مدخلا ً ولافعلا ً إصلاحيا ً.

وهنا نرى أن أهم الأسس التي يمكن أن تساعد في التفاعل معها ونشرها وترسيخها هي :

أولا ً- أن تكون علمانية واقعية وإذا تطلبت مصلحة المجتمع أن تكون مؤمنة ولانقول دينية بل نقول إعادة تصحيح علاقتها ونظرتها إلى الدين والإسلام تحديدا ً لأنه هو الحامل الفكري والثقافي والتاريخي الأساسي للمجتمع العربي ولا يمكن أن تتم أية عملية تطوير للمجتمع العربي إلا عبره وعن طريق التفاعل معه وإنتاج خطاب تطويري مفيد للمجتمع.

ثانيا ً- أن تكون علمانية إجتماعية عامة بمعنى أن تتخلى عن نخبويتها وانتقائيتها, بمعنى أن تخاطب الأكثرية الفكرية والثقافية والعددية في المجتمع لأن التطوير إذا كانت حوامله إجتماعية يتحرك في الإتجاه الفاعل

السليم ويصبح قادرعلى تحريك المجتمع بهذا الإتجاه والمساهمة في تطويره ويجنبه الكثير من الصراعات الداخلية , أي أن الكل النشيط يستطيع أن يتحرك بشكل أقوى وأسرع مع حركة الجزء الناشط أو حتى الكامن والعكس غير صحيح.

ثالثا ً -  أن تكون علمانية علمية بمعنى أن يكون منهجها هو انعكاس لمتطلبات الواقع العربي وملائمة لشروط تطوره , أي عدم فصل البيئة الفكرية والإجتماعية عنها,أي إعطائها صفة الحركية والديمومة والحياة وعدم التعامل الموميائي معها , إذ تصبح في هذه الحالة مسألة عرض معلب لتراث الآخرين وثقافتهم وتجاربهم السياسية والفكرية في إطار ممارسة الحكم والرؤية لكيفية تطويره ليكون أكثرعدلا ً وأكثر تقدما ً وأكثر تجاوبا ً مع رغبات الأفراد والمجتمعات لكن في شروط إجتماعية وبيئية أخرى .

رابعا ً - أن تكون علمانية مرنة قادرة على التفاعل مع الواقع العربي , اي أن لاتكون جامدة غير قابلة على الإنتشار في وسط المجتمع , ومرونتها لاتعني الذوبان في الواقع العربي , بل التفاعل عبر الحوار الصادق والصريح والجريء بين مكونات المجتمع على قاعدة الوصول إلى حل للمشاكل العامة التي تواجه الجميع والقناعة بأن الفرد المتنور لايمكن أن أن يعيش بمفرده وفي وسط إجتماعي متخلف ومظلم .

خامسا ً- وهذا يتطلب حسم أكثر الأمور إشكالية في العلمانية وهو الموقف من ثقافة المجتمع ومعتقداته وهويته التي هي صيرورته التاريخية , وبشكل أكثر مباشرة يجب على العلمانية أن تحدد كيفية الفصل بين واقع متخلف وأفكار متخلفة وحوامل فكرية وإجتماعية متخلفة أيضا ً,وبين جوهرمعرفي فكري ثقافي ديني حي لكنه غير قادر بل ممنوع من الحركة وهو في حالة كمون وتحييد بل تقييد من قبل القوى السياسية التي تتحكم بالمجتمع وبالضد من فائدته ومصلحته في التطور وتبقي عليه أسير رواسب سلبية في الماضي رافقت فترة حكم هذا الإطارالعقائدي أوذاك في هذه الفترة أوتلك من التاريخ.

سادسا ً – الإقراربالدين والإعتراف بدوره في عملية الإصلاح على أرضية وطنية مدنية إذ لايمكن فصل المجتمع عن تاريخه وثقافته حيث يلعب الدين المحرك الأساسي في هذا المجال لأنه ليس هناك ثقافة إنسانية لم يكن الدين أحد أهم مكوناتها , قد يجوز فصل الدين عن السياسية وعن مؤسسات الدولة لكنه لايجوز بل من الخطأ والعبثية محاولة إلغاء الدين من ذاكرة المجتمع والإنسانية , وهذا يكون المدخل الملحد للديكتاتورية وقد يكون أشد كارثية ً على المجتمعات والشعوب والإنسانية بشكل عام .

سابعا ً- يجب نقل التعامل مع العلمانية من حالة الصراع مع الثقافة إلى حالة الحوار معها ونقلها من المواجهة المعرفية إلى حالة التفاعل مع فكر المجتمع  وطرح الموضوع على أساس سياسي يتعلق بعلاقة الأفراد مع بعضهم في إطار الدولة والبحث عن أسس جديدة للمساواة ,وليس على علاقة الأفراد مع الخالق , وهذا هو المدخل الوحيد لتطور العلمانية والدين على حد ٍ سواء .

بقي أن نقول : على العلمانيين في الوطن العربي أن يجيبوا بصراحة وموضوعية على الكثير من الأسئلة المعلقة والتي شكلت عوازل بين المفهوم نفسه والمجتمع , عن الأسئلة الكثيرة التي أدت إلى هذا الإرباك المعرفي والفكري الذي انعكس على واقع المجتمع مزيدا ً من عوامل الفرقة والإستقطاب السلبي بين مكوناته ,وعليه يجب إعادة النظر في موقفها من ثقافة المجتمع وضرورة وضع أسس جديدة للحوار معها على أمل التواصل والتفاعل وإنتاج البديل الحضاري المفيد للجميع .

د.نصر حسن

العلمانية في الوطن العربي بين واقع وطموح .

(3)

خير البداية سؤال :

هل العلمانية مناهضة للدين ومتناقضة معه فكريا ً واجتماعيا ً , وهل هي رؤية إلحادية ؟ وهل تعني فصل الدين عن الدولة أم عن السياسة ؟.

هنا يجب التمييز بين العلمانية كمفهوم في ظرفه التاريخي وهدفه السياسي وحامله الإجتماعي في مرحلة تاريخية معينة , وبين فهم معظم العلمانيين من خلال إسقاط علاقة غيرصحيحة على واقعهم الإجتماعي على وجه التحديد , وتحميله على أزمة النظرة الفئوية إلى المجتمع , وهذا الفهم الخاطئ أدى إلى ظهورعوارض مرضية جديدية في المجتمع بدل أن يكون علاجا ً لبعض ظواهره المرضية وتجاربه الفردية في الحكم , وتجريده من لحظته التاريخية والتعامل معه بدرجة عالية من الجمود في الفكرة والمفهوم الأمرالذي أفرغه من فوائده السياسية والإجتماعية التي إن فهمت بظروف كل مجتمع وراعت مراحل تطوره وثقافته ربما تكون مفيدة في تفعيل وتيرة التطور والنمو نحو الأفضل للمجتمعات والشعوب .

ولعل من المفيد الإشارة بأن مفهوم العلمانية شأنه شأن كل مفهوم فكري , يحكم عليه من خلال الوسط الناقل له بين مجتمع وآخر وطريقة التعامل معه وأسلوب التبشيربه , وبهذا الإطار فإن الموقف من العلمانية في الوطن العربي هو مرادف للإلحاد ومناهض للدين بل في تناقض كامل مع الدين والشريحة الكبيرة التي تؤمن بالدين ودوره في حياة الشعب , وبالتالي فهم على أن الهدف الأساسي منه هو إلغاء الدين وإلغاء الدور السياسي والإجتماعي والفكري للأكثرية وبالتالي الرجوع إلى مواقع الفردية ولكن من موقع الفكر العلماني هذه المرة مما أعطى الموضوع بعدا ً يتعلق بالهوية , وهذا أخطر مافي الفهم العربي للعلمانية , أي إلغاء ثقافة مجتمع وهويته وإحلال ثقافة أخرى غريبة عن شخصيته وعن ثقافته ولاتملك عوامل الإتصال الفكري والثقافي مع ماضيه وحاضرة .

بيد أن الذي أعطى للعلمانية طابعها الإلحادي هو التعامل التعسسفي وغير العلمي مع موضوع العلاقة بين الدين والحكم قديما ً , والدين والدولة حديثا ً, هذا التعامل الذي لم يستطع وضع حدود للعلاقة بين الدين والدولة , وانسحبت نظرته على الواقع بمنظار الماضي حيث لعب الدين الدور الأساسي في تكوين النظام السياسي في كل المجتمعات وربما قد يكون أفرز نظاما ً سياسيا ً مركزيا ً , من هنا جاء الفهم العلماني للدين خليطا ً بين الثقافة والسياسة بشكل مقصود حينا ً و غير مقصود حينا ً آخر , وبالتالي لم يحدد الآلية الصحيحة للتعامل مع

الدين , هل يلغيه ؟ وهذا يضعه في مواجهة ثقافة وهوية مجتمع ونمط حياة وطريقة تفكير وسلوك أفراد تحكم أدق تفاصيل الحياة في المجتمع العربي الذي يشكل الإسلام الغالبية المطلقة منه .

من هذا الفهم العلماني غير الواضح للدين وربما يكون واضح وغير معلن لدى دعاة العلمانية , وهذا يرجعنا إلى السؤال الأساسي ماهو مفهوم الدين لدى العلمانيين ؟ وهل العلمانية تريد من الدين أن يترك مواقع العقيدة وينتقل إلى مواقع السياسة ؟ وكيف تتعامل مع مجتمع كل مخزونه الثقافي هو إنتاج الدين ؟ .

لعل الخطأ المنهجي في العلمانية العربية هو محاولة فرض نظرة إصلاحية للمجتمع العربي المؤمن على حامل كافرغريب عنه ومضاد له , وبالتالي كانت بداية التأسيس للصراع والتناقض مع المفهوم جملة ً وتفصيلا ًً وهذا مايبرهن على عدم تمكن العلمانية من الإنتشار إلا في صفوف فئات محددة من المجتمع ولعوامل نفسية سلبية وليس تعبير عن حاجة وضرورة .

ولتصحيح هذا الإشكال يجب أن تحدد العلمانية بالضبط ماذا تريد أن تصل إليه ؟ هل تريد الوصول إلى بناء دولة حديثة تكون الروابط بين مكوناتها الإجتماعية غير دينية ؟,أي  روابط مدنية تحكمها معاييرالتسامح والقبول بالآخر والعيش المشترك ؟ أم تريد تكسير أواصر تكوين مجتمع أنتجتها مسيرة طويلة من الصراعات والتفاعلات الإجتماعية ؟ وهل مفيد لعملية التطور التاريخية للمجتمع إلغاء أسسه النفسية وتفكيك روابطه الثقافية وهل يمكن ذلك ؟ولماذا الإصرارعلى إلغاء الدين بدل الحوار معه والتفاعل على قاعدة إنتاج البديل الأكثر تلبية ً لمصالح المجتمع والأكثر انسجاما ً وتجاوبا ًمع التطوروالبعيد عن الدخول في متاهات الصراعات ؟ وبشكل أكثر مباشرة هل تريد إلغاء دور الأكثرية عبر إفراغها من الشحنات الثقافية الإجتماعية الأساسية التي تعطي للمجتمع هويته وقوة حركته ؟ ولماذا هذا الإصرار على الدخول إلى مشاكل المجتمع عبر النوافذ الضيقة الجانبية ولم يتم الدخول من الباب الرئيسي مباشرة ً إلى المجتمع ؟ .

وعليه , هل يمكن تحقيق مجتمع مدني وعلماني وديموقراطي في ظل دولة تستند إلى الشرائع الدينية كمصدر أساسي للتشريع ؟.

مرة أخرى كل الأسئلة المطروحة للنقاش والوصول إلى فهم مشترك للعلمانية والدين والوصول إلى حل يكون لصالح المجتمع واستقراره تستند على الفهم الغير صحيح للدين , وربما المبطن بأهداف أخرى , فالدين والمقصود هنا الإسلام على وجه التحديد وفي نظرته الحقوقية إلى علاقة الأفراد مع بعضهم وعلاقتهم مع المؤسسة الدينية أي الدولة قائمة على أساس قانوني مدني ضمن وعاء ثقافي ديني , ولعل الإشكال هو تجميد الدين أولا ً وإسقاط كل رواسب التخلف والضعف عليه ثانيا ً والنظر إليه ضمن حدود هذه الصورة والتي هي غير صحيحة ثالثا ً,بل هي تشكل بعض الإفرازات للحكم وهذه مسألة معروفة ومفهومة وعادية  لأن علاقة الحكم بالواقع لاتنظمه مسطرة دينية سحرية تحدد مسبقا ً كل شاردة وواردة في حركة الواقع رابعا ً, وهذا هو بعض أسرار التطور الإنساني ,الأمرالذي أدى إلى استنتاجات غير صحيحية , وهنا لانريد أن نخوض في جدل موقف الدين من القضايا الفردية وتفاصيلها ولكن بشكل عابر نقول:  إن أهم شيء يحتاجه الفرد المجرد السليم عقليا ً ونفسيا ًفي كل زمان ومكان هو الحرية والعدل والتساوي ورفض التمييز وتنظيم علاقة الأفراد على أساس إنساني ورفض الظلم والعبودية واللاهوتية وتنظيم علاقة المجتمع على أسس بعيدة عن العبثية وأقرب إلى فطرة الإنسان أي تنظيم علاقة الفرد مع نفسه ومع الآخرين على أساس عقلاني مفيد وربطها بهدف معين ,أي القرب من الواقعية وتلبية الرغبات الإنسانية على أساس هذه القواعد والمحددات الإجتماعية , هذا باختصار هو الدين والذي يعبر عنه يمنتهى البساطة ( إنما الدين المعاملة ) أي أسلوب علاقة الفرد بالآخرين ويجسده بشكل واقعي السلوك الإجتماعي للفرد ومدى قدرته على التعايش مع الآخر المختلف,أما الدخول في مسألة النظرة إلى المرأة وتعدد الزوجات وقطع يد السارق والحجاب وزواج المتعة والعصمة هذه أمور جزئية وظرفية وهي قابلة للحل وليست مستعصية عنه , وكذلك إن الدخول في الغيبيات هي مسألة فردية تنحصر بين الشك واليقين ,بين النسبي والمطلق , بين الكفر والإيمان , والإيمان هو سمو في النفس والفكرة وهي مسألة طوعية وضرورية للفرد وغير مؤذية للآخرين لأنها تمثل الإرتباط بهدف نهائي مطلق من الحياة وهذا عامل يساعد على نموالجانب الإنساني والإجتماعي والتوازن للأفراد والمجتمعات.

د.نصر حسن


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ