العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

قـراءة في سـقوط الجـولان – 4

في الحلقات السابقة عرضنا سير المعركة ( التمثيلية ) ، واستقينا من كتاب سقوط الجولان الكثير ... وفي هذه الحلقة والتي تليها سنعرض الحيثيـات السياسية للمعركة التمثيلية التي تنازل النظام السوري فيها عن الجولان ...وسننقل عن سياسيين كبار عاصروا الحـدث ، وكانت لهم صلـة بـه ....

النظام السوري يحرض على المعركة :

كانت سـوريا هي الـمحرضة على الحرب ، فقد أدلـى وزيـر الدفاع السوري وقائــد سلاح الطيران اللـواء حافـظ الأسـد بتصريح لصحيفـة الثـورة السورية يوم (20 /5 / 1967م ) جاء فيه : ( .. إنه لابد على الأقل من اتخاذ حد أدنى من الاجراءات الكفيلة بتنفيذ ضربة تأديبية لإسرائيل تردها إلى صوابها ... إن مثل هذه الإجراءات ستجعل إسرائيل تركع ذليلة مدحورة ، وتعيش جواً من الرعب والخوف يمنعها من أن تفكر ثانية في العدوان . إن الوقت قد حان لخوض معركة تحرير فلسطين ، وإن القوات المسلحة السورية أصبحت جاهزة ومستعدة ليس فقط لرد العدوان ، وإنما للمبادرة في عملية التحرير ونسف الوجود الصهيوني من الوطن العربي  إننا أخذنا بالاعتبار تدخل الأسطول السادس الأمريكي  وإن معرفتي لإمكانياتنا تجعلني أؤكد أن أية عملية يقوم بها العدو هي مغامرة فاشلة ، وهناك إجماع فـي الجيـش العـربي السوري الذي طال استعداده ويده على الزناد ، على المطالبة بالتعجيل في المعركة ، ونحن الآن في انتظار إشارة من القيادة السياسية . وإن سلاح الجو السوري تطور تطوراً كبيراً بعد ( 23/2 /1966م ) من حيث الكمية والنوع والتدريب ، وأصبحت لديه زيادة كبيرة في عدد الطائرات ، وهي من أحدث الطائرات في العالم ، كما ازداد عدد الطيارين وارتفع مستوى التدريب.

وقال حافظ الأسـد : إن العملاء يركزون باستمرار على أن هناك عدداً كبيراً من الطيارين المسرحين ، ولكن عدد الطيارين المؤهلين لخوض المعارك الجوية ، والذين هم خارج الخدمة لايتجاوز عدد أصـابع اليد ..

 

كما يقول العقيد أحمـد الميـر قائد الجبهـة :

في(23/ 5 / 1967م ) أدلى العقيد أحمد المير قائد الجبهة السورية بالتصريح التالي:  

إن الجبهة أصبحت معبأة بشكل لم يسبق له مثيل من قبل ، وإن العرب لم يهزموا في معركة 1948م من قبل الاسرائيليين ، بل من قبل حكامنا الخونة ، وهذه المرة لن نسمح لهم أن يفعلوا ذلك([1]) .

وفي اجتماع طارئ لاتحاد المحامين العرب بدمشق في (29 /5 /1967م ) قال الدكتور يوسف زعين رئيس وزراء سوريا  ( إن انحناء إسرائيل أمام الرد العربي الحاسم الآن ؛ يجب أن لايفسر بأنه انتصار نهائي عليها ، فهو ليس إلا بداية الطريق لتحرير فلسطين ، وتدمير إسرائيل ... إن الظروف اليوم هي أفضل من أي وقت مضى لخوض معركة المصير العـربي ، وقال  إن الشـعوب العـربية ستحاسب كل من يتخاذل عن الواجب ، وقال  إن المسيرة إلى فلسطين هي المسيرة إلى إسقاط الرجعية العربية والاستعمار والصهيونية إلى الأبد ) ([2]) .

 

وقال الرفيق الدكتور إبراهيم ماخوس ( وزير الخارجية يومذاك ) بعد عودته من القاهرة عندما صرح لوكالة الأنباء العربية السورية : إن زيارتي للقاهرة كانت لوضع اللمسات الأخيرة على الوضع السياسي العربي والدولي وقال : إن مخططات الرجعية والاستعمار والصحف الصفراء التي دأبت على التشكيك بلقاء القوى التقدمية قد دحـرت ، وإن سحب قوات الطوارئ بالشكل الذي تـم بـه يبرهـن على أن لاشيء يقف في طريق الثورة ، وإن تشكيك الرجعية حول وجود هذه القوات قد رد إلى نحـرها .

 

روايـات الدكتـور ســامي الجنـدي :

 

أمـا الدكتور الرفيق سامي الجندي [ وزير الإعلام ] في أول حكومة بعثية ، وخلال الحرب كان سفيراً في باريس ، فيقول في كتاب (عرب ويهود ) : يقول واصفاً اجتماعاً لمجلس قيادة الثورة بعد الثامن من آذار (1963) :

( ألقينا على أنفسنا أسئلة كثيرة وناقشنا كل القضايا ، ومن بينها القضية الفلسطينية التي كانت محور السياسة العربية ، وخاصة دول المواجهة ، ... ولأعطي فكرة عن موقف سوريا تجاهها يكفي أن أقول أن (63 % ) من الميزانية مكرس للتسليح ، مما يشكل نسبية ضخمة بالقياس إلى بلد في طريق التنمية ... سألنا أنفسنا هذا السؤال الدقيق :

ماذا نفعل لو هاجمتنا إسرائيل !!!؟؟؟ طلبنا أدق المعلومات السترية لنستطيع تقييـم قـوة العـدو وقـوتنا ، وفو جئنا بالفرق الشاسع بين القوتين ، وقدرنا أن الجيش السوري ، رغم تسلحه الجيد ، وتمرسـه وشجاعته ، ليس في وضع يسمح له أن يصمد أكثر من ساعات أمام أي هجوم إسرائيلي !!! ) .

 

وعن اجتماع قمـة الدار البيضاء قال الجندي :

( حضر الزعماء العرب عدة مؤتمرات قمـة ، بقصد مواجهة قضية فلسطين متحدين ، ومنها مؤتمر قمـة الـدار البيضـاء .. تحدثوا عن تحويل نهر الأردن ، وعن عزم إسرائيل على إعلان الحرب ضدنا ، أبدى كثيرون حماسة عظيمة ، ثم جاء دور العسكريين ، فقدم الجنرال ( علي علي عامر ) تقريره ( وكان قائداً للجبهة العربية ) ... فنظر الزعماء العرب إلى بعضهم ، في خيبـة أمـل كبرى ، ثم قال الجنرال علي علي عامر :

إذا تحملت الدول العربية مسؤولياتها كاملة ، فستصبح قواتنا معادلة لقوات إسرائيل خلال ثلاث سنوات .. فإذا شئنا التفوق عليها لزمنا ثلاث سنوات أخرى ،لأن تعادل قواتنا لايعني النصر حتماً ...لأن التدريب الإسرائيلي متفوق على تدريب جيوشنا ، وثمة عوامل عدة في صالح إسرائيل ، وحدة الأرض ، ووحدة القيادة ، ....) .

 

صدق الزعماء العرب على تقرير علي علي عامر ، ووقعوه ونفذ المخطط حرفياً خلال ستة أشهر ، ثم نجم خلاف جديد بين الزعماء وعبر الإذاعات ، وتوقف المخطط حتى هذه الساعة ... إذن لم يكن العرب مستعدين للمعركة ) انتهى كلام الجندي من كتاب ( عرب ويهود ، ص 63 وبعد ) ...

 

ويعلق عبد الغني النواوي فيقول (ص 405) :

 

وخلاصة رأي الدكتور سامي الجندي أن النظام السوري الذي يقرع طبول الحرب ، وهو يعلم ضعف إعداد الجيش إنما يهدف من وراء ذلك إلى تسليم العدو اليهودي قطعة من الأراضي السورية ...

 

ثم يقول الدكتور سامي الجندي في كتابه ( كسرة خبز ) :

 

( كنت أعارض دائماً في حرب مع إسرائيل أعرف أننا خاسرون ...التقارير التي كنت أحملها من لجان (المتابعة) سنة (1964) يوم كنت ممثلاً لسورية فيها ماكانت تدع مجالاً للشك في الهزيمـة إذا قامت حرب ، كلها تؤكد أن القوة العربية لم تصل إلى نصف قوة إسرائيل ... وقد دخلنا في حرب (1967) بأقل من نصف قواهـا وما كان أحد من المسؤولين يجهل ذلك ..فكيف إذن يعود الجولان ...آرائي كلها كانت ضد الحرب ، لم أخف أبداً أن الحكم يعـد لهزيمـة ، لا لاسترداد فلسطين ، لم يكن هناك أي بادرة للنصر ، ولا أعني أنه كان يعـد لهزيمتـه نفسه ، وإنما لهزيمـة العرب الآخرين كي يبقى الثوري الوحيد سيد المناخ الثوري العربي ...[ بل كان  ينفذ مخططاً ، وكان بطلاً صهيونياً من الطراز الأول ، قلب موازين الفكر العربي كلها ... ]

 

وأضيف على ذلك بأن المتأمل في نتائج حرب (1967) يرى أن الهزيمة حولت الفكر العربي من فكر مقاتل ومجاهد من أجل تحرير فلسطين من النهر إلى البحر ، إلى فكر يقبل مشروع روجرز ، ويقبل بوجود دولة إسرائيل ، والمطالبة بعودة إسرائيل إلى حدودها قبل حرب حزيران (1967) ... هذا الاعتراف الذي كان جريمة لمن ينطقه فقط ، فقد أضربت المدارس في سوريا ومصر والعراق ولبنان عام (1959) يوم قال الحبيب بورقيبة لماذا لانفاوض إسرائيل !!!؟ كان الفكر العربي لايقبل التفاوض لأنه اعتراف...

أما اليوم ... فقد أوصلتنا الهزيمة النكراء التي ساق العرب إليها حافظ الأسد وأزلامه ، أوصلتنا إلى ( سلام الشجعان ) وإلى أن نعلن قبولنا متابعة التفاوض بدون قيد أو شـرط ... وصرنا نتذلل أمام إسرائيل كي ترضى وتتفاوض معنا ... 

 

روايـة الملك حسـين :

وعلى الرغم من أن سلاح الجو الإسرائيلي بدأ هجومه على مصر مع الفجر( في الخامسة صباحاً تقريباً)، ولم يترك لحماية سماء الأرض المحتلة ومطاراته سـوى اثنتي عشرة طائرة فقط،ولوُشـن  هجومٌ جوي عربي ( سوري عراقي أردني ) على مطارات العدو بعيد الخامسة صباحاً وحتى العاشرة لدمر مطارات العدو، واعترض طائراته عند عودتهامن سماء مصر بدون وقود وذخيرة ، ومن السهل إسقاطها عندئذ . ولكن الطائرات السورية - وسوريا هي الداعية إلى الحرب - نفذت أول وآخرهجوم في الثانية عشرة ظهراً ، أي بعد ساعة كاملة من فراغ الطيران الإسرائيلي من تدمير السلاح الجوي المصري وهي ست ساعات( 5 - 11 ) . ولم نسمع عن غارة سورية ثانية بعد تلك الغارة على مصافي حيفا . ونجد الجواب في كتاب ( حـربنا مع إسـرائيل ) للملك حسين إذ يقول :

كنا ننتظر السوريين فبدون طائرات الميغ لايمكن قصف مطارات إسرائيل الجوية، ومنذالتاسعة والنصف اتصلت قيادة العمليات الجوية بالسوريين ، فكان جوابهم أنهم بوغتوا بالأحداث !!! وأن طائراتهم ليست مستعدة !!! وأن مطاراتهم تقوم برحلة تدريبة !!! وطلبوا إمهالهم نصف ساعة، ثم عادوا وطلبوا إمهالهم ساعة ، وفي العاشرة والخامسة والأربعين كرروا الطلب نفسه فوافقنا، وفي الحادية عشرة (أي بعد ست ساعات)لم يعد بالإمكان الانتظار!!، فأقلعت الطائرات العراقية وانضمت إلى سلاحنا الجوي لتساهم في المهمة، ولذلك لم تبدأ عملياتنا الجوية إلا بعد الحادية عشرة ( أي بعد فراغ الطيران الصهيوني من تدمير الطيران المصري ) .

يقول الملك حسين في هذا المعنى (فوت علينا تأخر الطيران السوري فرصة ذهبية كان يمكن أن ننتهزها لمصلحة العرب ، فلولا تردد السوريين!!! لكنا قد بدأنا عمليات القصف الجوي في وقت مبكر،ولاسـتطعنا اعتراض القاذفـات الـمعادية وهي في طريق عودتها إلى قواعدها بعد قصفها للقـواعـد المصرية ، وقد فرغت خزاناتها من الوقود ونفذت ذخيرتها ، وكان بإمكاننا حتى مفاجأتها وهي جاثمة على الأرض تملأ خزاناتها استعداداً لشن هجمة جديدة ، فلو قيض لنا ذلك لتبدل سير المعركة وتبدلت نتائجها   .

الزمن وحده سيكشف تفسيراً لأمور عديدة ، لكن ما تأكدت منه أن الطيران السوري لم يكن جاهزاً للحرب يوم(5) حزيران ، وكانت حسابات الإسرائيليين صحيحة عندمالم يتركوا سوى اثنتي عشرة طائرة لحماية سمائهم ، بينما استخدموا كل سلاحهم الجوي لضرب مصر). انتهى كلام الملك حسين .

ويتذكر الشعب  العربي السوري أغنيــة البعثيين عن طائــرة الميغ عندما يقول ذلك الساقط ( ميراج طيارك هرب ، مهزوم من نسر العرب . والميغ طارت واعتلت بالجو تتحدى القدر ) ، ويؤكد عبد الناصر أن البعثيين هم الذين ورطوه في الحرب ، ثم لم يقدموا شيئاً أبداً، ومن خلال قـراءة كتـاب سقوط الجولان يلاحظ أن البعثيين لم يسمحوا للجــيش أن يقاتل ، حتى أن خسائر ســوريا كانت حوالي (120) جندياً فقط ([3])، بينما بلغت خسائر مصـركما أعلنهـا عبد الناصر (5000 1)عسكـري بينهم (1000) ضــابط منهم (35) طياراً .

 

هذا غيض من فيض ، من الآلام التي زرعها حافظ الأسـد في الأمـة العربية ، عندما باع الجولان ، كي ينصب حاكماً لسوريا ، هو وأولاده من بعـده ... والله على كل شيء شهيد ...

الدكتور      خالد الاحمد             كاتب سوري في المنفى


([1])  محمد عبد الغني النواوي ، مؤامرة الدويلات الطائفية ، ص 400

([2]) مصفى خليل ، سقوط الجولان ، ص 144

[3] ـ وعدد الجنود الذين قتلوا حول منزل رئيس مجلس الرئاسة  محمد أمين الحافظ في يوم (22/2/1966) حوالي (200) جندي ، واصيب الرئيس نفسـه ، وابنتـه بجرح .


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ