العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09 / 07 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

إضـراب السـتين يومـاً ضد الفرنسـيين

سوريا تحت الانتداب :

كان في سوريا مظاهرات ، وإضراب لما كانت تحت الانتداب ، وكان الشعب يتكلم ويقول : لا ...... لست موافقاً ...بل أنا غاضب .... أما لما صارت تحت الحكم الأسدي فلم يـر جيل كامل إضراباً أو مظاهرة ، سوى تلك التي تأمر بها الوحدات الأمنية ، وتسوق طلاب المدارس وعمال المصانع ، وتكتب لهم الشعارات واللافتات وتأمرهم أن يمشوا في شـوارع محددة ، ويشكل عناصر الأمن نصف المتظاهرين على الأقل ...فأيهما أكثر ديموقراطية وعـدالـة الانتداب أم الحكم الأسدي !!؟؟

 

بدأت ثورة عام (1936م) بحملة احتجاج قادها ( فخري البارودي ) ضد شركة كهرباء دمشق ؛ لأنها رفعت أجرة ( الترامواي ) نصف قرش ، من هنا انطلقت شرارة أعظم وأطول إضراب جرى في العالم حتى ذلك الحين ، فما أن أعلن الإضراب العام ، وقامت التظاهرات في دمشق حتى عمت المدن السورية جميعاً ، وفوراً انقلب الاحتجاج على شركة الكهرباء إلى المطالبـة للاستقلال ورحيل المستعمر ([1]) .

 

وقامت مجموعة من الطلاب  بالوقوف على جسر فكتوريا لمنع وصول الطلاب إلى الجامعة ، وصارت مجموعة أخرى من الطلاب أيضاً تنشر قوائم سوداء تضم أسماء الطلاب الذين يداومون على الجامعة ،  ، واضطر وزير المعارف ( حسني برازي ) إلى إصدار قوائم متلاحقة بأسماء الطلاب المفصولين من المعاهد والمدارس والجامعة ، ثم اضطر لإصدار قرار يعلق فيه الدراسـة بالجامعـة .

 

الإضـراب في حمـاة :

صباح ذلك اليوم أضربت حمـاة عن كافـة الأعمال التجارية والصناعية إضراباً عاماً شاملاً ،كما جاء في وصف مراسل صحيفة ( القبس ) لليوم الأول من الإضرابات في حماة استجابة لاضرابات دمشـق ، وقد كان صمود حماة عظيماً ، فقد سقط في مظاهرات يوم واحد من تلك الأيام ( ثمانية ) شهداء ، وعدد كبير من الجرحى ، حيث هاجم المتظاهرون العـزل من السلاح الثكنات العسكرية ؛ فقابلهم الجنود الفرنسيون بالرصاص

 

الجـامـع الأمــوي :

كان الطلاب بعد تأمين سير الإضراب في ذلك اليوم ، يذهبون إلى الجامع الأموي ، حيث ملتقى المتظاهرين من كافة أبناء الشعب ، وكانت ساحة المناوشات تتراوح بين شارع جمال باشا ، والباب الغربي للجامع الأموي ، باب سوق ( المسكية ) وكانت الحجـارة سلاح الطلاب ، يقذفونها على الجنود الفرنسيين ، وعندما تشتد المعركة ، ويسقط شهداء كنا نرتـد وندخل الجامـع الأمـوي ، فهو قلعتنا التي لاتقتحمها القوات الفرنسية احتراماً وإجلالاً ... وكان الطلاب ينقلون الجرحى والشهداء من الباب الغربي إلى الباب الشرقي حيث يتم تهريبهم إلى الأطباء للمعالجة ، وكانت الدماء ترسم طريقاً أحمر على بلاط المسجد ([2]) .

استمرت هذه المعارك ستين يوماً ، ودمشق وسائر المدن السورية مغلقة جميعها من أقصى البلاد إلى أقصاها . وتشكلت اللجان الشـعبية التي تولت عمليات التمويـن ، وجمع التبرعات وتوزيعها ، وكان التجار والأغنياء أسخياء في تبرعاتهم ، وأعلن كثير من أصحاب بيوت السكن أنهم أعفوا المستأجرين من دفع أجرة السكن عن تلك الفترة ، ومـر عيد الأضحى والمدن مغلقة ومقفلة ، وتبرع الأطفال بعيدياتهم للحركة الوطنية ...

 

عصـابـة النشـل :

ومن أطرف ما جرى أن رئيس عصابة النشل والسرقة وقف في الجامع الأموي معلناً التوقف عن عملـه مادام الإضراب قائماً والمظاهرات مستمرة ... ولم تقع جريمة ، لاصغيرة ولاكبيرة ، في جميع أنحاء البلاد خلال شهري الإضراب ، وهذا هو إعجاز الثورات الوطنية التي ترفع الشعب إلى مستويات البطولة والاستشهاد ، فقد نشرت جريدة ( لو جورنال دوناسيون ) في جنيف رسالة لسيدة سويسرية مقيمة في دمشق جاء فيها :

( ومع أن الإضراب استمر أكثر من خمسين يوماً فإنه لم يحدث حادث من حوادث الجنايات العادية ، وكان الغني يساعد الفقير ، وكانت الطبقة المثقفة تقود الإضراب ) .

 

المـرأة السورية تشارك في الإضراب :

ومما زاد في تماسك الإضراب واستمراره اشتراك جميع فئات الشعب حتى النساء والأطفال ، وكان للنساء دور خطير في استثارة النخوة والحمية عند اشتراكهن في تشييع جنازات الشهداء الذين يسقطون في ساحات الصدام مع الانتداب ... وكانت النساء المحجبات تطل من شرفات البيوت فيزغردن وينثرن ( ماء الورد ) على مواكب المتظاهرين ، كما شاركت بعضهن في المظاهرات ، وتعرضت للاعتقال والمحتكمة والسجن ، وعندما انتهى الإضراب كان عدد من النسوة في السجن مثل :

حفيظة بنت مصطفى اللحام ، أديبة بنت محمود العـواد ، ليلى بنت الشخ سعيد الحلبي ، وحيدة بنت عبد الحميد الحموي ، حميدة بنت الشركس ، هدية بنت صالح العاطي ([3]) .

 

الشعوب العربية تقف مع الشعب السوري :

ومما شد العزائم وزاد من صلابة الصمود التجاوب الرائع من البلدان العربية فقد انهالت برقيات التأييد على دمشق من القاهرة وبغداد والقدس وحيفا ويافا وطربلس وصيدا وصور .... إلخ .

كما تشكلت لجان في تلك البلدان لتقديم الدعم المادي والمعنوي ، وكان ذلك محركاً نحو الشعور القومي العربي والوحدة العربية .

 

نهايـة الإضراب :

سقطت وزارة تاج الدين الحسيني ، وتوارى حسني برازي عن الأنظار ، وكانت الحراسة الفرنسية مشددة على بيوت الوزراء خوفاً من ثورة الشعب ... وشكلت وزارة في (24 /2/1936) برئاسة السيد ( عـطا الأيوبي ) لتدير المفاوضات بين الكتلة الوطنية وفرنسـا .     

كيف انتهى الاضراب الستيني؟

          اتفق رئيس الكتلة الوطنية هاشم الأتاسي في 28 شباط 1936 مع الكونت دومارتيل المفوض السامي على المفاوضة في بيروت حول القضية السورية، فسافر الأتاسي وبصحبته فايز الخوري وعبد الرحمن الكيالي وعفيف الصلح، وفي نهاية المفاوضات أذاع الأتاسي في 2 آذار 1936 بيانا هذا نصه:

          "بعد المحادثات التي دارت بين المفوض السامي ورئيس الكتلة الوطنية والنتائج التي وصلت اليها أصبحنا نعتقد أن القضية السورية دخلت في طور جديد بفضل جهود الشعب النبيل  ومثابرته في سبيل حقوقه الطبيعية التي كانت منكرة عليه. وقد وافق الجانب الفرنسي بوثيقة موقعة منه على تنفيذ خمسة أمور جوهرية لم يكن يقرها قبل هذه المحادثات، هي:

1-    الموافقة على أن لا تقل حقوق السوريين في المعاهدة العتيدة عن حقوق إخوانهم العراقيين في معاهدتهم الأخيرة مع بريطانيا .

2- تصريح الجانب الفرنسي بأنه ليس له مصلحة ما في تجزئة البلاد السورية .

 3-    الموافقة على نقل ساحة العمل للعاصمة الفرنسية بواسطة وفد من المواطنين يتولى البحث مع المراجع العليا في باريس .

4-    اعادة الحياة النيابية الحرة بأسرع ما يمكن على أساس الانتخاب الشعبي.

5-    الإلغاء في الحال لجميع الأحداث التي ولدتها الحالة الحاضرة في البلاد السورية كافة منذ 18 كانون الأول الماضي أي سنة 1935 إلى الان، من عفو عن المحكوم عليهم وإعادة حرية المعتقلين وإطلاق سراح الموقوفين وإلغاء التدابير الادارية المتخذة في معاهد العلم.

 ثم يقول:

ولكي يتمكن الوفد من القيام بالمهمة الشاقة التي تودع اليه نرجو من الأمة النبيلة أن تيسر له جوا هادئا فتعود إلى أعمالها بعد عيد الأضحى 1936 الذي نرجو أن يكون فاتحة خير على هذه البلاد ... الخ".

وهكذا تم انتخاب أعضاء الوفد المفاوض الى باريس من الرئيس هاشم الأتاسي والأعضاء: سعد الله الجابري، فارس الخوري، جميل مردم، ادمون حمصي، مصطفى الشهابي، أحمد اللحام (مستشار عسكري)، نعيم الانطاكي (سكرتير)، وسافر الوفد الى باريس في 22 آذار 1936 فودعه الشعب بمظاهرات تأييد لم يجر لها مثيل.

هذه لمحة سريعة عن هذا الإضراب الكبير الذي نفـذه السوريون من أجل الحصول على كرامتهم وحريتهم . ويلاحظ فيه :

1- مشاركة المدن السورية كلها .

2- الجامع الأموي كان مقر القيادة لهذا الإضراب . ولم تكن القوات الفرنسية تدخل المسجد الأموي أو غيره من المساجد احتراماً لشعائر المسلمين .

3- إجماع المناطق السورية على الوحدة ، ومحاربة المشاريع الانفصالية التي حاولت فرنسا إقامتها .

 

حمـاة 1964م

 

وللأمانة التاريخيـة أقول أن هذا الإضراب هو ما أراده الشيخ مروان حديد يرحمه الله عندما اعتصم بمسجد السلطان في ربيع عام (1964م) ([4]) ، وكان هدفـه تشجيع الشعب في حماة على الإضراب العـام من أجل إسقاط الحكومة البعثية التي استولت على السلطة بانقلاب عسكري صبيحة يوم (8/3/1963م) ، وسنت قانون الطوارئ ومازال ساري المفعول حتى يومنا هذا ...

وكانت خطـة مروان تقوم على أن الجيش والشرطة لاتدخل المسجد ، وسوف يوفر له المسجد حصناً آمنـاً ، ومكبرات للصوت ينادي منها الشعب الحموي ، ويحثهم على الإضراب العام والعصيان المدني ، ولم يتبادر إلى ذهـن مروان يرحمه الله ومن معـه يومذاك أن النظام الأسدي سوف يدخل المسجد ، بل سيهدمـه فوق رؤوس التلاميذ الذين اعتصموا فيـه ...

 

والأدلـة على هـدف الشيخ مروان يرحمه الله كثيرة جداً منها :

 

1- أدخل معـه في المسجد مجموعة غير قلية من التلاميذ بعضهم في الصف السادس الابتدائي ، وجلهم من المرحلة المتوسطة ، وقليل منهم في المرحلة الثانوية ... وكان هدفـه سياسياً إعلامياً ، ولم يكن عنده أي توجـه عسكري ... ليوجـه أنظار العالم إلى أن مجموعة من الطلاب تعتصم في مسجد اللسطان وتطالب بتغيير النظام الحاكم ...

2- استخدم مكبرات الصوت في المسجد ودعا الشعب الحموي منها إلى الإضراب وبين أن هذه الحكومة كافرة ومغتصبة للسـلطة ويجب مقاطعتها والإضراب حتى إسقاطها ...ونادى مروان حديد ـ يرحمه الله ـ صراحة بالعودة إلى النظام الديموقراطي الذي سـاد سوريا خلال الخمسينات ، وكانت سوريا تحكم من قبل المجلس النيابي الذي يشارك فيه كافة فئات الشعب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ...

3- أرسل وفـدٌ من وجهاء مدينة حمـاة من ضمنـه الشيخ سعيد العبدالله يرحمه الله ، إلى حمص ، ودمشق ، وحلب ، ودير الزور ، يدعون الشعب فيها إلى الإضراب ، وذهب هذا الوفـد بسيارة رياض العظم يرحمه الله الذي قتلته السلطة في قريته ( الجنان ) لأجل ذلك  ...

4- نـفذ الحمويـون الإضراب ، وأغلقت المحلات التجاريـة ، وتعطلت الأسواق ، وأضرب كثير من العمال والموظفين عن الذهاب إلى عملهم ....

5- لم تتكاتف المدن الأخرى مع مدينـة حمـاة لذلك لم ينجح الإضراب .. . وهذا هو مربط الفرس ، في كل عمل سياسي ، لابـد لـه من التناصر والتأييـد من معظم المـدن كي ينجـح ... في حين كان النظام الأسدي في سوريا ينفرد بالمدن السورية واحدة بعد الأخرى ...

6- نـزل الجيش العقائدي بقيادة العقيد ( حمد عبيـد ) ، وهو ينـوي هـدم المسجد فوق رأس مروان يرحمه الله ، ومـنذ وصولـه حماة أطلق النار على الطالب ( ...جواد ) الذي كان يهتف في المظاهرة وقتـله ...وحاول دخول المسجد منذ أن وصل إليـه ...

7- كان للهمجيـة والعنـف والكـره الذي أظهره النظام الحاكم ، الدور الأول في تغييـر منهج مروان حديد يرحمه الله من العمل السياسي [ كالإضراب والمظاهرات والعصيان المدنـي ] إلى المقاومـة المسلحة التي سـار عليها فيما بعد عندما أسـس الطليعة المقاتلة ...

 

واليوم تنادي المعارضة السورية بالتغيير السلمي ، وأظـن أن الإضراب والعصيان المدنـي ، سيكون من أدوات هذا التغيير السلمي الذي تريد المعارضة من خلاله تغيير النظام الاستبدادي في سوريا ، وإقامـة نظام بديل ديموقراطي يسهم فيه جميع شرائح الشعب السوري ...

فهل يمكن أن يتكرر الماضي ، وأن يعيد التاريخ نفسـه ، والفضائيات اليوم لاتحتمل ستين يوماً ، وربما ربع المدة كافية لإسقاط أكبر حكم استبدادي اليوم ، وكان ( تشاوشسكو) أكثر استبداداً من الأسد ، وكان يحكم رومانيا حتى إذا سافر منها حكمتها زوجته ، وإذا مرضت أو تعبت يستلم ولده المقاليد ويسير أمور البلاد ، ثم ماذا ، انفجر الشعب بثورات سياسية ، ومظاهرات وعصيان مدني ، وانتهى ذلك بقتل الطاغية ( تشاوشسكو ) مع زوجتـه ، وتحررت البلاد من ذلك الحكم الآستبدادي ...

فهل يسلك الشعب السوري الطريق نفسـه ... ويبدأ بالإضراب والعصيان المدنـي ، والمظاهرات ، حتى يهرب اللصوص ويتركون سوريا لأبنائها المخلصين ، فيقيمون حكومة مؤقتـة يشارك فيها جميع أطياف الشعب ... ثم تقوم الانتخابات فتفرز صناديقها مجلس شعب حقيقي ، يرسخ الديموقراطية والعدالة في سوريا ... فتعود سوريا إلى ماضيها الديموقراطي كما كانت تحت الانتداب وبعيد الاستقلال ....

.....  والله أعلم .

الدكتور      خالد الاحمد            كاتب سوري في المنفى


[1] ـ مذكرات أكرم الحوراني ، مكتبة مدبولي بالقاهرة ،  ط1 ، 2000م ،  ج1، ص 146 .

[2]  ـ مذكرات أكرم الحوراني ، ص 148 .

[3]  ـ مذكرات الحوراني ، ص 149 .

[4] ـ للمزيد انظر مقالـة لي عنوانها : البعثيون يهدمون مسجد السلطان ، نشرت في عدة مواقع منها أدباء الشام ، ومركز الشرق العربي و موقع حماة الخالدة وغيرها... ...


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ