العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09 / 04 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

التعـذيـب في سجن تـدمـر – 4

مقـدمـة :

يقول فلاسفة التاريخ : الهدف من دراسة التاريخ ليس اجترار الآلام ، ونبش الماضي بروائحه المتعفنة واسترجاع الصـور المبكيـة ، وإنما هو أخذ العبرة من الماضي ، الماضي الذي كلف سوريا عشرات الآلاف من خيرة أبنائها ، كي لايضيع الماضي سـدى ، فنستفيد منه في الحاضر ، وعندما أتحدث عن المذابح الجماعية التي مارسها نظام حافظ الأسـد في سوريا ، أو أنواع التعذيب وأساليبه الوحشية ؛ لا أقصد منها سوى أن نعتبر من الماضي المؤلم ، وأن نتخذ كافة الاجراءات والاحتياطات كي لايعود هذا الماضي ، ونجتث الأسباب المؤدية لهذا الماضي المروع من جذورها ، وأهم تلك الجذور الحكم الفردي الديكتاتوري ، الذي استخدم الجيش ( جيش الشعب ) كما قالوا عنه ، استخدم جيش الشعب ليقتل الشعب بدلاً من أن يحميه. وينهب أموالـه وأثاث منازلـه بدلاً من المحافظة عليها .

ويتابـع الشاهد العيان الأخ محمد سليم حماد مؤلف كتاب ( تدمر شاهد ومشهود ) يحفظه الله ، يتابع رواية مشاهد من التعذيب في سجون النظام الأسـدي .

النـوم بالتناوب !  

أغلق علي باب المكان الذي دخلته وأنا لا أزال مطمش العينين ، لكن يداي كانتا مطلقتين . ولم ألبث أن سمعت همهمة تتزايد حولي ، وأحسست حركة من جهات شتى . وكأنما أتاني نداء خافت بأن أرفع الغطاء عن عيني الآن .. فاستجبت ببطء .. وبحذر . حتى إذا فعلت وكانت المرة الأولى التي أفتح فيها عيني بلا طماشة منذ اعتقالي ، وجدتني وسط مهجع محتشد بالنزلاء ، يكاد عدد السجناء فيه يصل المائة ، في مساحة لا تزيد عن حجم غرفة عادية ! ولم ألبث أن أومأت لمن حولي .. وسلمت ، فتشاغل البعض وأشاح البعض .. ورد الآخرون بصوت منخفض .

وسرعان ما لمحت ( .....)  بين الناس فاقتربت منه بالتدريج . فلما حاولت أن أكلمه همس لي وقال :

لا تقترب مني كثيراً فربما كان هناك مخبرون بيننا !

لكن الحذر بدأ مع مضي الوقت يخف بالتدريج ، وبدأت أتعرف على الشباب ويتعرفون علي ، لنبدأ معاً مرحلة جديدة من هذه المحنة حافلة بالفواجع والأحداث .

كانت ظروف المهجع في غاية السوء . فمع هذا العدد غير المعقول من الناس لم يكن ثمة مكان لقادم جديد . وكنا إذا أردنا النوم تناوبنا على المكان فينام البعض ويظل الآخرون وقوفاً ينتظرون ! وكانت الأنفاس تختلط بنتانة العرق ، وتجتمع معها روائح جراحاتنا المتعفنة في هذا الجو السيىء . ولأن المهجع كان يحتوي على حمام بداخله ، فلم يكن هناك أي فرصة لمغادرته أبداً .

القمـل والجـرذان !  

ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا ونحن في هذه الحالة من الجوع والضيق والمعاناة كان قضاء محتماً علينا أن نشارك الطعام والمقام ضيوفاً من مخلوقات أخرى تؤمن أن كرم الضيافة حق مباح بلا حدود !

كانت الجرذان ، والتي أقسم أن واحدها كان أكبر من القط بلا مبالغة ، تربت على طعام المساجين الذي يحتجزه السجانون عنا ثم يرمونه في القمامة ! هذه الجرذان كانت تتنقل بين المهاجع من خلال قنوات التهوية رائحة غادية ، وأثناء عبورها فوق فتحة المروحة التي كانت أعجز من أن تقدم شيئاً لهذا الجو الموبوء ، كان بعضها يزلق فيسقط بيننا أو علينا ، فيصاب المهجع كله بهستيريا الذعر ، ويتراكض الناس يميناً وشمالاً يريدون أن ينجوا من عضة هذا المخلوق المرعب . ويتدافع الخلق .. ويعلو الصياح .. ولا تنتهي الغارة ويموت الجرذ تحت الأقدام إلا وقد نهش أرجل أربعة أو خمسة منا .

ومع احتشاد المهجع وتزاحم المعتقلين ، وبسبب بعض السجناء القادمين من مواطن موبوءة أو غير نظيفة بالأصل، بدأت تتفشى فينا أعرض مرض السل ، وانتشر فيما بيننا القمل . وإذا كان البلاء الأول قد أصاب بعضنا وقتذاك ولم يأخذ صفة الوباء ، فإن القمل لم يوفر أحداً من بيننا أبداً ، وانتشر في رؤوسنا وملابسنا وأمتعتنا حتى لم يعد من سبيل لتفاديه . وكنت أنا أكثر الناس الذين قملوا . وكان منظراً اعتيادياً ونشاطاً مشتركاً لسكان المهجع كل يوم أن نخلع ملابسنا ونتابع القمل فيها فنفقأه بأصابعنا كإجراء وحيد متاح للحد أو التخفيف من انتشاره !

إلى الحـــلاق  

وذات يوم ، وبعد أن مضت أسابيع كثيرة على اعتقالنا فطالت شعورنا ولحانا حتى بدونا كالغيلان ، صدر الأمر لنا بالذهاب إلى الحلاق . ومضى الطابور بنا إلى غرفة قريبة يتوسطها كرسي وسجان بمهنة حلاق كان يتناول رؤوسنا كالماعز ويمر بآلة الحلاقة عليها حتى نخرج من بين يديه بالقرعة كرأس البطيخ ! ولم يكن هذا الشخص يوفر الفرصة ليمتع نفسه بشتمنا ولطمنا بين حين وآخر .  

ولقد كان من المضحكات المبكيات أننا وبعد هذه المهزلة أمرونا أن ندفع للرجل خمس ليرات أجرة حلاقة الرأس الواحد . تولاها الإخوة الذين كانت معهم في أماناتهم بعض النقود ، أو الذين وصلتهم مع طول مدة اعتقالهم زيارات بالواسطة . وبعد ذلك جاء وقت الحمام الجماعي ، وساقتنا اللطمات والركلات وفرقعة الكرابيج على ظهورنا إلى قاعة مفتوحة أدخلوا كل عشرة فيها دفعة واحدة وأمروهم أن يتعروا من ثيابهم ويغتسلوا معاً . والجلادون على الباب يشتمون من شاؤوا ويضربون من اشتهوا ، والجرذان العملاقة تلك على المواسير فوقنا تترقب أن يغفل أحدنا لتنهش منه أو تنقض عليه !

أحـقـاد الطـائفيـين  

ومرت الأيام ، واستطعنا التعرف على بعض جلادينا وسجانينا . فرئيس الفرع هو العقيد مظهر فارس من الطائفة العلوية . وأما مدير السجن في هذا الفرع فضابط شركسي ينادونه أبا نزار مسلوب الإرادة كأكثر المسؤولين والضباط من غير طائفة   العلوية  ، على العكس من نائبه المدعو أبو منهل ، والذي كان علوياً حاقداً . فكان يقتحم علينا المهجع من غير سبب إلا أن يدلق علينا سيلاً من الشتائم والكلمات القذرة التي طفحت بها حوصلته ويمضي ! ومن السجانين عرفنا واحداً اسمه أحمد سالم وآخر اسمه أحمد غانم من طائفة النظام أيضاً وفي منتهى القسوة والتجبر . وكان هناك رقيباً أول بنفس المواصفات اسمه مالك لا حد لأحقاده وقسوته . فكان لا يدع أحداً يعبر أمامه من السجناء إلا ضربه ، ولا يفوت فرصة لتعذيب الناس إلا اغتمنها . وحتى السجناء الذين كانوا يخرجون من بيننا لإدخال الطعام إلى المهجع كانوا ينالون من بطشه وظلمه بلا حساب .

الكرسي الألمـاني !  

وفي تلك الفترة نمى إلى علمنا أن أخوات من النساء معتقلات في نفس الفرع معنا ، ولكننا لم نلتق أياً منهن . كذلك علمنا أن في السجن شيوعيين من جماعة رياض الترك وبعثيين يمينيين أيضاً ، غير أنهم كانوا قد فرزوا كل اتجاه مسبقاً ولم يتيحوا لنا فرصة للقاء .

ومن المشاهد المؤلمة التي لا أنساها عن تلك الفترة حالة الأخ حسين رشيد عثمان الذي عذبوه بالجلوس على "الكرسي الألماني" في فرع المخابرات بالعدوي حتى أصيب بما يقارب الشلل . والكرسي الألماني هذا عبارة عن كرسي ذو أجزاء متحركة يوثق السجين عليه من ذراعيه وساقيه ثم يسحبون مسنده الخلفي للوراء ساحباً بذلك جذعه الأعلى معه ، فيما تظل قدماه مثبتتان مكانهما من الجهة الأخرى المضادة . فيتركز الضغط على صدره وعموده الفقري . فإذا ازداد تهتكت الفقرات حتى تتكسر . وعندما التقيت الأخ أبا رشيد كان وضعه في غاية السوء . فلم يكن يستطيع تحريك ظهره البتة ، ولم يكن يرتاح لذلك لا في يقظة ولا في منام ، ولا يستطيع لا أن يجلس ولا أن يقف . وانتقل الألم إلى رجله أيضاً فزاد من عذابه ومعاناته . ومع ذلك كان رحمه الله يتحامل على الألم الذي لا يطاق ويصبر ويحتسب .

وكان الأخ حسين عثمان صحفياً في وكالة الأنباء السورية في غاية السرية والإنضباط ، لم ينكشف أمره رغم مضي قرابة العشرين سنة على عمله هناك ، حتى تم تكليفه بمسؤولية المكتب الإعلامي بدمشق في إدارة الأخ ( .......)  . فلما اعتقل ( ..... ) اعترف عليه فيمن اعترف . ورغم ذلك كان أبو رشيد يردد بكل احتساب :

لا بأس .. الله يسامحهم ..كله في سبيل الله .

وعلى طيبه واحتسابه كان أبو رشيد مثال الأخ الصلب الذي ثبته الله في المعتقل ، فلم يعترف بأكثر مما اعترف عليه به ( .... ) ، حتى أنهم أتوا له إلى السجن برئيس أركان الجيش السوري حكمت الشهابي في محاولة لإقناعه بالإعتراف . وكان الشهابي وأبو رشيد صديقان من أيام الشباب ، خرجا من بلدتهما معاً ومضيا إلى دمشق زميلين وصديقين رغم اختلاف إنتماء كل منهما . وعندما حضر الشهابي إلى أبي رشيد في سجنه حاول أن يحضه على الإعتراف . وجعل يقول له - كما أخبرني أبو رشيد بنفسه - :

اعترف يا حسين .. اعترف والباقي عندي .

وجعل يذكره كيف كان والده مختاراً للمدينة التي أتى منها الشهابي .. وكيف كان على علاقة طيبة بالناس ومن خيرة أهل البلد . وأخذ يمنيه بمساعدته إذا تعاون مع السلطة . لكنه لم يصل معه لشيء . وفيما بعد ، وعندما صرنا في تدمر وضمّنا أنا وحسين مهجع واحد حتى يوم إعدامه ، نال رحمه الله عذاباً شنيعاً على هذا اللقاء ، وحاولوا - كما سيأتي إن شاء الله - إقناع حسين بتوريط الشهابي نفسه استناداً إلى ذلك .. لكنه ورغم البون الكبير بين الرجلين فقد أبى أن يورطه بلا ذنب أو سبب ، ورفض التعاون معهم في هذه المؤامرة الرخيصة حتى ولو كان الثمن حياته .

إلى المنفـردة من جـديـد  

مضت قرابة ثلاثة أسابيع على وجودنا في المهجع الجماعي لنفاجأ صبيحة أحد الأيام بالسجان يفتح الباب ويطلب مجموعة من الشباب بأسمائهم . وعندما عادوا بعد فترة لم تطل سألناهم عم جرى فقالوا إنهم أمروهم أن يوقعوا على أوراق وحسب . ما الذي فيها ؟ لم يدر أحد . وتكرر الأمر وتتابع إخراج الشباب حتى شمل كل الذين اعترف عليهم ( .....)  . وبعد يومين وما كدنا ننهي عشاءنا حتى جاءني الطلب مع ثلاثة أو أربعة إخوة آخرين ، فطمشونا وكبلونا من جديد ، ووجدناهم يقودون كل واحد منا إلى زنزانة منفردة ويقفلوا عليه .

مرت بضع ساعات علي أترقب أي جديد دون نتيجة . ولم يلبث البرد أن بدأ يزحف على جسدي ، وينخر مفاصلي وعظامي . ولم يكن في الزنزانة أية بطانية أو غطاء ، ساعتها افتقدت نعمة الإزدحام في المهجع التي أمنت لنا الدفء على أقل تقدير ! ولم أكد أتكور على نفسي محاولاً بث الدفء من جزء من بدني إلى الجزء الآخر حتى أخذ القمل ينشط فيّ ويبدأ عضاته التي لا ترحم ولا تُتَّقى ! ولم تلبث أصوات أخ يعذب أن انطلقت تشق ظلمة الليل ، فأدركت أنني قريب من غرفة التعذيب التي لم نكن نحس بوجودها في المهجع . وازداد الصراخ ، وطال العذاب ، عذاب الأخ يليه الأخ وعذابي أنا . وأخذت الهواجس تطبق علي وتنهش نفسي المنهكة . وعدت إلى مخاوفي التي سكنت بعض الشيء بملاقاة الإخوة والإستئناس بهم في المهجع ، وها أنا ذا هنا من جديد لا أنيس حولي آنس به ولا جليس أشكو مرارة حالتي إليه .

ومضت الأيام علي أسير هذه الزنزانة الموحشة .. يفتح السجان الباب علي الآن ثلاث مرات في اليوم للخروج إلى الحمام .. وليته لم يكن يفعل . فتلك كانت فرصة مالك السجان الموتور وأمثاله ليسلخوا جلودنا بالكبلات من جديد ، ويفرغوا فينا من سموم أحقادهم ما وسعهم الجهد . فإذا عدت عادت إلي الأوجاع والبرد والجوع والكوابيس .. عرضة في أي وقت لنزوة سجان يفرغها في بدني المنهك من غير أي سبب أو تفسير . فلا أملك إلا البكاء والتضرع إلى الله تعالى أن يخفف عنا . وبعد مضي عدة أيام وجدتهم يستدعونني إلى غرفة التحقيق ويسألونني عن أسماء وأشخاص لم أكن أعرفهم بالفعل . فرفعوا الطماشة عن عيني وعرضوهم أمامي . فقلت لا أعرفهم . وتكرر الأمر ، ثم وجدتهم في المرة التالية يعرضونني أنا على أخ معتقل لا أعرفه ، لكنهم لما سألوه هل تعرفه قال نعم . ولقد علمت بعدها أن الأخ كان أحد من كشفتهم اعترافات ( .....) أيضاً ، لكنني لم أعرف لماذا قال أنه يعرفني رغم أنني لم أره من قبل بالتأكيد . ولم ألمه فيما قال وقدرت أن التعذيب لا بد وأن طاله مثلما طال البقية . لكن ذلك كان من أصعب الأمور حقاً . فالواحد لا يكاد يصدق أنه أغلق الأبواب عليه وانتهى من دوامة العذاب والتحقيقات ليأتي من يفتح عليه الباب ويعيده إلى مسلسل الرعب من جديد !

بـاب جديــد !  

وفتح الباب علي .. وعادت ليالي العذاب والجلد والسلخ والكهرباء . عشرة أيام أو ربما تزيد من التعذيب : أين هي المخابىء ؟ أين أماكن السلاح ؟ أين فلان ومن هو علان ؟ وأنا لا أعلم عما يتكلمون عنه شيئاً أبداً . والكبلات تأكل من جسدي وتشرب السياط من دمي ولا مغيث ! حتى أشرفت على الهلاك فعلاً ولم أعد أستطيع جذب النَفَس . ويبدو أنهم اقتنعوا ببراءتي هذه المرة وشعروا أنه ليس لدي شيء بالفعل فتركوني . وعدت إلى المنفردة ألعق جراحي وأستجمع كياني المحطم ثلاثة أو أربعة أيام تاليات ، لم يطلبوني فيهن إلى التحقيق أو يخرجوني إلى التعذيب .

ومن غير مقدمات وجدتهم في ليلة تالية نادوا علي ضمن قائمة مطولة من الأسماء  ....

وانتهت تلاوة الأسماء . وأمرونا أن نجهز أنفسنا جميعاً لرحيل جديد . إلى أين ؟ لم يقل أحد بالطبع . ولم يكن لأي منا القدرة حتى على الهمس . ووجدناهم يفتحون علينا الزنزانات ويسوقوننا تحت السياط ولسعات الكبل واللكمات ككل مرة إلى الذاتية ، فنستلم أماناتنا ، ونكمل تحت وابل اللكمات والركلات إلى سيارة النقل المغلقة ذاتها أو سيارة اللحمة كما كنا نسميها . فنكبل كالعادة ونطمش ، وتقيد رجل واحدنا برجل الآخر ويده بيده ، ويودع كل منا بلطمة أخيرة منتقاة ، لنجد أنفسنا أكثر من أربعين شخصاً محشورين في تلك العلبة المغلقة .. تتحرك بنا تحت جنح تلك الليلة نحو رحلة أخرى من المجهول !

أبـو جهـل !

لم يكن سهلاً علينا في البداية أن نتكهن إلى أين نمضي ، ولم يكن ممكناً لنا في نفس الوقت أن نتبادل الآراء أو أن ننبس ببنت شفة ، لكن الوقت الذي طال علينا والسرعة المنتظمة التي أخذت السيارة تحافظ عليها أوحت إلينا أننا الآن خارج العاصمة نتجه إلى مكان بعيد ، لم نلبث أن رجحنا هذه المرة أن يكون تدمر لا غير . وبالفعل وفي نهاية المطاف توقفت السيارة بنا وسكن هدير محركها ، وفتح الباب الحديدي علينا وأتانا الأمر بالنزول .

سرت القشعريرة في بدني فور أن نزلت من السيارة ولسعتني قرصة البرد الصحراوي قبيل الفجر . ولم نلبث أن وجدنا العناصر الذين أتوا بنا يرفعون الطماشات عن أعيننا ويفكون القيود من أيدينا وأرجلنا ويرموا بها في السيارة لأنها عهدة الفرع هناك . وبرغم الظلام الحالك إلا أن الأنوار التي تسلطت علينا كانت كافية لنرى أفراد الشرطة العسكرية يحيطون بنا ويجرون مع عناصر المخابرات إجراءات الإستلام والتسليم ، ولنعلم من ثم أنه سجن عسكري ذاك الذي وصلناه .. وأنه لكل المعطيات التي اجتمعت سجن تدمر لا ريب !

لم يطل الأمر بنا لأكثر من ثوان معدودات حينما هجم عناصر الشرطة العسكرية علينا وبدأوا يجذبون كل من تحرر من القيد منا فيركلونه ركلة يجد نفسه من فوره على باب صغير ، ينتظره على جانبه شرطي آخر يجذبه بيديه كخروف تعس الحظ ويركله مرة ثانية ليلج الباب . وهناك وما أن دلفتُ حتى استقبلتني لطمة شرطي ثالث حولت وجهي إلى الجدار . وتتابع وصول الإخوة الآخرين إلى الجدار بنفس الطريقة ، حتى إذا اكتمل عددنا وانتهت الدفعة أحسسنا ووجوهنا إلى الجدار كلنا أن شخصاً مهماً قد حضر . ونادى أحدهم وفق الإجراء العسكري المتبع :

حاضر سيدي المساعد .

وانطلق من وراء ظهورنا صوت مساعد السجن أحمد كيساني كما علمنا لاحقاً أو أبو جهل كما سماه السجناء .. انطلق من غير مقدمات يلعن آباءنا وأجدادنا ويَفْجُرُ بحق أمهاتنا وأعراضنا وديننا .. كان مضحكاً مبكياً أن ينادينا هذا المجرم الوالغ في دماء الأبرياء يقول :

يا خَوَن ( أي خونة ) .. يا عملاء الصهيونية !

وانطلقت السياط من غير إنذار تسلخ جلودنا المكشوفة لهم ، فإذا صاح واحدنا أو تأوه ضاعفوا عليه العذاب . لكن حفلة التعارف ما كانت لتبدأ من قبل أن نتلقى أصول الإتيكيت السائد ! ولم ألبث أن طرق سمعي صيحة أبي جهل هذا ينادي عساكره :

أحضروا هذا العرص أبو الجينز .

وكنت وقت اعتقالي ألبس بنطال جينز قدراً ، فكأنما وجده نقطة علام تساعده على أداء مهمته . وجذبتني الأيدي كملاقط الحديد ورمتني أمام سيادة المساعد ، فلما رفعت عيني إليه أريد أن أستطلع الخبر صاح بي ملء صوته :

غمض عينيك ولا .

وهجم عناصر الشرطة علي فبطحوني أرضاً يركلونني ويجلدونني من كل اتجاه . وأتتني وسط هذه العاصفة لسعة كرباج على عيني رأيت الشرر والله خرج منها ! وأدركت لاحقاً أن هذا الذي أصابني كان مجرد درس تعليمي لنا وحسب ! فالقوانين هنا في سجن تدمر العسكري غيرها في أقبية المخابرات بدمشق . وإذا كانت التعليمات تقتضي هناك أن تبقى عيوننا معصوبة مطمشة على الدوام حتى لا نرى أحداً من المحققين أو الجلادين ، فإنها هنا توجب علينا أن نكشف عيوننا وأن نمتنع رغم ذلك عن رؤية أي أحد منهم ! ولو نزلت على واحدنا كبلات الأرض أو قطعت لحمه السياط فالواجب المحتم عليه أن يبقى مغمض العينين !

وسنترك شاهدنا العيان بعد أن وصل تـدمـر ، لنعود له في حلقة قادمـة ، فنـرى من أهوال التعذيب في سجن تـدمـر ماتشيب له الولدان ، هذا كان يجري في ظل حكم النظام الأسدي الذي بدأ باسم الوحدة والحرية والاشتراكية ، الحرية التي أدخلت مئات الألوف من الشعب السوري في السجون والمعتقلات ...

وهذه وقفـة أمام مناظر التعذيب التي لايتصورها العقل البشري ، صبها أزلام الأسد ونظامه الاستبدادي على خيرة أبناء الشعب السوري ...

وإلى اليوم الذي ينال هؤلاء الجلادين جزاءهم ، ندعو الله أن يأتي ذلك اليوم الموعود في الدنيا ، ثم في الآخرة ، لنرى جزءا من عدل الله عزوجل ، والله يمهل ولايهمل ... إنه على كل شيء قدير  ..

الدكتور   : خالد الاحمـد       .... كاتب سوري في المنفى


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ