العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08 / 06 / 2008


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

قراءة في البيان الختامي الأخير لإعلان دمشق

الدكتور/  قصي غريب

ملاحظة:(( توقفت عن نشره في حينه لاعتبارات أخلاقية و إنسانية تضامناً مع معتقلي إعلان دمشق الذين نختلف معهم، ولكن تبقى ضرورة المصلحة الوطنية مقدمة على أي اعتبار، لهذا أنشره الآن)).

      عندما ولد إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في16 تشرين الأول من العام  2005 ، رحبنا به لعدة اعتبارات يأتي في مقدمتها :انه ولد في داخل سورية، وانطلق من مدينة دمشق فكان حدثاً لا سابق له في تاريخ المعارضة السورية، فللمرة الأولى منذ انقلاب 16 تشرين الثاني العام1970 ، استطاع تجمع من المعارضة أن يخرج من عالم العمل السري تحت الأرض إلى عالم العمل العلني فوق الأرض مما شكل ذلك خطوة جريئة من الخطوات تجاه انتزاع الحرية، واحترام حقوق الإنسان، إذ دعا لإقامة النظام الوطني الديمقراطي، وعلى قاعدة ائتلاف وطني ديمقراطي واسع.

     وفي المقابل تحفظنا على مجموعة من فقرات ومفردات الإعلان كان منها: تناول الإسلام دين وثقافة الشعب السوري، والأمتين العربية والإسلامية باسلوب ملتبس، ومحاولة تعويم هوية سورية العربية، والإيحاء بأن سورية ذات الأكثرية العربية شبه المطلقة بلد أقليات مع أنها )) مجتمع فيه أقليات، وليس مجتمع أقليات((، وكذلك من عناوين القوى السياسية التي ظهرت عن طريق تسمياتها جاليات أجنبية في سورية، فضلاًً عن مفردات استفزازية غريبة على ثقافتنا الوطنية تثير الشكوك، وتدعو إلى الارتياب، مثل: (المكونات، والمنظومة، والأقليات، والمتحد) - أي أن سورية تتكون من أجزاء -وقد ظهر واضحاً منها إن الإعلان قد وقع تحت تأثير (نوح فيلدمان) كاتب قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية و( بول بريمر) الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد الاحتلال.

      وعلى الرغم من ذلك ومن أجل الخلاص من النظام الشمولي السلطوي، و لاسيما بعد أن عرض إعلان دمشق الديمقراطية كأطروحة خلاص وإنقاذ من هنا كان التمسك به، والمراهنة عليه من قبل الكثير من قوى وأفراد المعارضة السورية على أمل أن تكون المحاولة الجادة و المسئولة تجاه التغيير المنشود الذي طال عقود، إلا أن الترحيب سرعان ما فت، والمراهنة خسرت، إذ بقي إعلان دمشق أسير الانطلاقة الأولى، ولم ينفذ إلى مساحات أرحب كما بشر ، وكما كان يعول عليه.

     وفي محاولة أخرى للانطلاق من جديد عقد المجلس الوطني لإعلان دمشق دورته الأولى في1 كانون الأول من العام2007 ، وحسب زعمهم فقد تم انتخاب مكتب رئاسة للمجلس تألف من خمسة أعضاء، وأمانة عامة من سبعة عشر عضواً، ولكن كما ظهر بعيداً عن التوافقات المطلوبة في مثل هذه الأوضاع والتي كان يجب أن تحصل، إلا انه جرت عمليات) استحواذ، وإقصاء، واستبعاد) لقوى وأفراد مؤسسة للإعلان باسم الديمقراطية، وطابع الأغلبية المصطنع على حساب الضرورة، و المصلحة الوطنية، وكانت الغلبة في نهاية الأمر لاتجاه ما يسمى ب) الليبراليين الجدد)، وهم الذين بدلوا الاتجاه، وانتقلوا كلمح البصر في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، أي بعد سقوط جدار برلين، وانهيار النظم الاشتراكية في أوربا الشرقية، و تفكك الاتحاد السوفيتي، وانتهاج الولايات المتحدة الأمريكية سياسة الانفراد بالقرار والفعل عالمياً من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين على غير احتشام، فغيروا أيديولوجيتهم و دلالة ذلك من مقولتهم : ((الاشتراكية هي الحل ((إلى مقولة)) :الرأسمالية هي الحل))،ومن المنادى بـ ((دكتاتورية البروليتارية)) إلى المنادى بـ ((دكتاتورية الليبرالية))، ومن شعار ((يا عمال العالم اتحدوا ((إلى شعار ((دعه يمر، و دعه يعمل)) . لقد باتوا في المعسكر الآخر و قد أكد احدهم عبر إطلالة فضائية ، وبشكل مبتذل إن أفضل شيء لحماية نفسك الانتقال إلى المعسكر الآخر، والنوم فيه ــ ولكن ماذا يعطي شعبه ووطنه وأمته من يخسر نفسه ؟.

     وفي نهاية الاجتماع - الذي يبدو انه دبّر بليل - أصدرت ))عشائر وطوائف إعلان دمشق(( ــ النهج والسلوك يوحي بذلك ــ بياناً ختامياً تشوبه الأهواء والمصالح الخاصة رددوا فيه أقاويل خاطئة وزائفة من دون تدبر أو استقصاء قائم على احترام الحقيقة و الموضوعية، فالبيان كان فيه الكثير من المغالطات التي تنم عن جهل بتاريخنا الوطني ، وبثقافة الديمقراطية الليبرالية التي يدعون إلى تبنيها، ولكن)) أن يدعي الديمقراطية امرؤ  فهذا أمر سهل، وأن يتحمل مسئوليتها فهذا صعب (( فليس هناك ديمقراطية من دون ديمقراطيين حقيقيين.

      من هنا نرى إننا مضطرون تحت نداء الواجب الوطني، والقومي، والشرعي إلى تصحيح ما جاء في البيان من مغالطات قامت على تصوير الحقائق على غير ما هو عليه، فطابعه يتسم بنوع من الخلط غير الدقيق والجهل مما يحتاج إلى قراءة من أجل التوصل إلى رؤية أقرب للوضوح فما جاء فيه لا يمكن التزام الصمت حوله لاسيما أننا في ضلالة هذا الزيف الغوغائي، والدجل السياسي، والردح السياسي، مقبلون على كارثة لذلك يدفعنا وفائنا لوطننا وحبنا لشعبنا؛ لأن نقول ما ينبغي أن يقال: فخشيتنا تدفعنا إلى نشر القراءة، فما عدنا نستطيع أن ننتظر. لقد غدا الرد ضرورة وطنية، فنحن في هذا الوضع العصيب الذي يشهد فيه الوطن تحديات خطرة بسبب سياسات النظام المستبد غير المسئولة، ومعه على الطريق نفسه نهج وسلوك لعناصر غير راشدة أو غير ذات أهلية لتكون الصوت المعبر عن آلام وآمال الشعب أحوج ما تكون فيه إلى الرؤية الواضحة، والمجابهة الصريحة، وفيما يأتي القراءة :

     أولاً –  جاء في البيان الختامي لإعلان دمشق: (( الاستمرار في التسلط الأمني، والاعتداء على حرية المواطنين وحقوقهم في ظل حالة الطوارئ، والأحكام العرفية، والمحاكم الاستثنائية، والقوانين الظالمة بما فيها القانون49  لعام1980 ، والإحصاء الاستثنائي لعام 1962)).

      يجمع البيان في مظلومية واحدة، وباسلوب خلط غير دقيق و تعسفي بين ما يسمى القانون49  لعام1980 ، والإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وهذا تشويه للحقائق، ويدخل في باب النفاق السياسي، فالموضة السائدة في العصر الأمريكي هي تضخيم، ولولات، وصراخ الأقليات مع أن القانون49  لعام1980 ، قانون تعسفي مستبد، في حين الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 ، حق سيادي، وإجراء يتعلق بحماية الأمن الوطني، والسلامة الإقليمية، ولم يأت كمظهر للتعصب أو التحامل، وفيما يأتي الفرق بينهما :

1- القانون 49  لعام 1980:

      في نهاية السبعينات، وبداية الثمانينات تزايد القمع وقهر النظام المستبد لأبناء الشعب العربي السوري، فاشتدت المواجهة بين المعارضة الشعبية، ومنهم : حركة الأخوان المسلمين وأجهزة النظام القمعية، فسالت دماء كثيرة يتحمل النظام الجزء الكبير من المسئولية عنها، وفي أتون هذه المواجهة أصدر النظام الشمولي السلطوي المستبد القانون 49 في 7  تموز العام1980 ، والذي نصت مادته الأولى على ما يأتي :(( يعد مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الأخوان المسلمين)).

  وقد أعطي للقانون أثراً رجعياً، وفي ضلالة هذا القانون التعسفي قامت الأجهزة الأمنية بإعدام وقتل أعداد من المنتمين إلى حركة الأخوان المسلمين، فضلاًًًًً عن قتل كثير من المعارضين والأبرياء باسم هذا القانون .

      ومن نافلة القول: إن ما يسمى بالقانون 49 لعام 1980، غير شرعي من منظور الدستور السوري لعام 1973، والنافذ إلى الآن، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فهو يخالف الفقرة1  من المادة25  من الدستور السوري، والتي تنص على إن: ))الحرية حق مقدس، وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية، وتحافظ على كرامتهم وأمنهم، وكذلك المادة30  التي تنص على إن: (( لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يكون لها أثر رجعي، ويجوز في غير الأمور الجزائية النص على خلاف ذلك )).

      كما أن القانون 49  لعام 1980 ، مخالف للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على إن :(( لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويتمثل هذا الحق في حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل))، وكذلك يخالف الفقرتين 1-2 من المادة2  من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية التي تنص الفقرة1  على إن:  ))تتعهد كل دولة طرف في الاتفاقية الحالية باحترام وتأمين الحقوق المقررة في الاتفاقية الحالية لكافة الأفراد ضمن إقليمها والخاضعين لولايتها دون تمييز من أي نوع))، وتنص الفقرة 2  على إن : ((تتعهد كل دولة طرف في الاتفاقية الحالية عند غياب النص في إجراءاتها التشريعية القائمة أو غيرها من الإجراءات باتخاذ الخطوات اللازمة طبقاً لإجراءاتها الدستورية، ولنصوص الاتفاقية الحالية من أجل وضع الإجراءات التشريعية أو غيرها اللازمة لتحقيق الحقوق المقررة في الاتفاقية الحالية))، وكذلك لا يجوز أن يتحول القانون إلى أداة لقمع الحرية، وإنما يجب أن يكون وسيلة للتمتع بها، والدلالة على ذلك ما جاء في الفقرة 2 من المادة29  من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على إن : ((يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط  لضمان الاعتراف بحقوق الغير، وحرياته، واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام، والمصلحة العامة، والأخلاق في مجتمع ديمقراطي)).

       ومن هنا يظهر عدم مشروعية القانون49 لعام 1980 بناءً على الدستور السوري لعام 1973، النافذ إلى الآن، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية.

2- الإحصاء الاستثنائي لعام 1962:

      يذكر المؤرخون أن العرب قد سكنوا منطقة الجزيرة قبل الأكراد بعكس ما تروج له بعض الأوساط الكردية المتطرفة، فالمكتشفات التاريخية تؤكد أنها لأقوام سامية آشورية، وآرامية، وعربية، وفي منطقة الجزيرة- محافظة الحسكة - الكثير من التلال والآثار التي تؤكد هذا التاريخ، فضلاًًً عن الوثائق والكتب .

      وتؤكد المصادر التاريخية، والجغرافية، والديمغرافية: إن منطقة الجزيرة عربية أرضاً وشعباً، فالقبائل العربية فرضت سيطرتها على المنطقة منذ ما قبل الإسلام، فهي كانت ديار قبائل ربيعة، ومضر، وبكر، وتغلب، وإياد، وكان الكثير منهم قد اعتنق الديانة المسيحية.

     وما تزال الجزيرة- محافظة الحسكة - الآن ديار القبائل والعشائر العربية شمر، و الجبور، وطي، والعكيدات، والبقارة، والمعامرة، والعدوان، والشرابية، فضلاًًً عن الأسر العربية المسلمة والمسيحية، ويعيش بين ظهرانيهم بعض الأقليات الوافدة، ولكن ليست من ذات الثقل السكاني، مثل: الأخوة الأكراد، والأشوريين، والأرمن، والشيشان، واليزيدية. ولقد بلغت الوشائج بين الأكثرية العربية، وهذه الأقليات إلى مستوى صلة الرحم - تربطني صلة رحم مع الأرمن، والأكراد، والأشوريين، فعلى سبيل المثال لا الحصر جدتي أم أبي أرمنية مسيحية، وأنا افتخر بذلك، - فضلاًً عن الرابطة الوطنية، والعقيدة الإسلامية التي تجمع بينهم، والى اليوم ما يزال العرب يشكلون الأكثرية السكانية في منطقة الجزيرة -محافظة الحسكة-، وأن كان هناك ادعاءات باطلة من قبل بعض العناصر الكردية المتطرفة لتجاوز حقائق التاريخ، والجغرافية، والديمغرافية.

      فتؤكد المصادر: أن أعداد غير قليلة من الأكراد نزحت من تركيا إلى منطقة الجزيرة - محافظة الحسكة - هرباً من الاضطهاد التركي الذي مورس ضدهم بعد فشل ثوراتهم و انتفاضاتهم أو بسبب حملات التهجير التي أتبعت ضدهم من قبل السلطات التركية، فموجات بشرية كردية من تركيا نزحت أثر ثورة سعيد بيران في العام 1925، وانتفاضة آرارات بقيادة إحسان نوري في العام 1930،  وعصيان سيد رضا في العام 1937، وانتفاضة سعيد بيروكي في العام 1943، وبعد قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سورية، ومصر في العام 1958، تسللت إلى سورية أعداد كبيرة من أكراد تركيا للاستفادة من قانون الإصلاح الزراعي الذي طبق آنذاك. وقد استفاد الكثير من هؤلاء الوافدون منه، وأثبتوا بطرق ووسائل شتى أنهم من الفلاحين السوريين مكتومي النفوس، وكان مما ساعدهم على ذلك حالات التزاوج ، والمصاهرة مع أبناء العشائر العربية ولا سيما منهم المخاتير الذين وقفوا إلى جانبهم وأيدوهم لهذا الاعتبار، فضلاًً عن روح التسامح، وعدم التعصب التي تسود بين أبناء المنطقة العرب.

      ولكن هذه النزوحات الجماعية الكبيرة زادت من قلق وتوجس الحكومة السورية – كانت ديمقراطية–  فيما بعد، فأصدرت القانون رقم 93 في23  آب من العام 1962، والذي تقرر بموجبه أجراء إحصاء سكاني في منطقة الجزيرة – محافظة الحسكة – حصراً، ولقد جاء في الأسباب الموجبة لهذا القانون: إن أعداد كثيرة من اللاجئين الأكراد تسللت إلى منطقة الجزيرة – محافظة الحسكة – بصورة غير مشروعة الأمر الذي بدأ يهدد الطبيعة العربية للمنطقة، وبناءً عليه، فلقد تم أجراء الإحصاء السكاني الذي أعلنت الحكومة السورية على أثره أن نحو 120 ألف كردي ليسوا من أصل سوري – بل كانوا أكراد يحملون وثائق تركية رسمية – ، ولكن على الرغم من ذلك أبقتهم الحكومة السورية كمقيمين بصورة غير رسمية، ولم يلجأ إلى إبعادهم أو نقلهم إلى مكان آخر، ولم يواجهوا تهديدات تمس حياتهم .

       ومن نافلة القول: أن نسبة كبيرة ممن يعانون انعدام الجنسية في العالم هم من ضحايا النزوح، والهجرة، وكما هو معروف، فأن قضية الجنسية هي مسألة حساسة بصورة غير عادية، فهي تتعلق بصلب، وسيادة، و هوية البلد، فالدولة لها حق السيادة في تحديد من هم مواطنوها، ومن يتمتعون بهذه الصفة وفقاً للقانون، ووفقاً للقانون الدولي فأن الشخص الذي لا يحمل جنسية هو الذي لا تعده أي دولة مواطناً وفقاً لقانونها.

       أن دول العالم، وفي مقدمتها الدول المتمدنة والإنسانية لا يتم فيها منح الجنسية والمواطنة بلا تمييز، بل أنها تستند إلى عوامل معينة، مثل: مكان ميلاد الشخص، ونسبه أو العلاقة التي أقامها مع الدولة خلال الإقامة الطويلة، ومن الناحية القانونية، فان مثل هذه الصلات توفر الصلة الفعالة والحقيقية بين الفرد والدولة.

      أن السلطة ذات السيادة هي من العناصر المكونة للدولة،  فالسيادة من خصائص الدولة وقد أقرتها كافة الدساتير السورية بما فيها دستور العام1973 ، النافد كما قرها القانون الدولي عن طريق الفقرة1  من المادة 2  من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على إن :(( تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها))، ولا غنى للدولة عن ممارسة السيادة من أجل حفظ النظام داخل المجتمع، وبسط نفوذها على كل إقليمها .

      ويجب التأكيد أن دول القانون، والمؤسسات، واحترام حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي تتخذ إجراءات للحد من الهجرة غير الشرعية لحماية بلدانها، وهذا حق سيادي، وفي هذا السياق حذر المفكر الأمريكي  (صموئيل هنتنغتون) مؤلف كتاب ((صدام الحضارات)) في كتاباته الأخيرة، ولاسيما منها كتاب ((من نحن ؟ التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية)) من مخاطر زيادة هجرة الناطقين بالأسبانية، وعبر عن امتعاضه وقلقه كما أنتقد حتى فكرة التعدد الثقافي، وبرأيه أنها تشجع على تفكيك وحدة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن نحن، انطلاقاً من إيماننا بكرامة الإنسان، وكوننا معادون للعنصرية، ونحترم الأقوام الأخرى، ولا سيما الأشقاء الأكراد لابد من إيجاد حلول عادلة لمحنة هؤلاء اللاجئون الأكراد من تركيا وفقاً للضوابط، والقواعد القانونية، والتي يجب أن تحافظ على الهوية العربية لمنطقة الجزيرة – محافظة الحسكة – .

     ثانيا ً- جاء في البيان: ((إعادة بناء الدولة المدنية التي تتأسس على عقد اجتماعي    يتجسد في دستور جديد يكون أساس للنظام البرلماني، ويضمن الحقوق المتساوية للمواطنين، ويحدد واجباتهم، ويكفل التعددية، وتداول السلطة، واستقلال القضاء، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان والمواطن، والالتزام بجميع الشرائع الدولية المتعلقة بها))، و((إقامة نظام وطني ديمقراطي))، و((الديمقراطية هي جوهر هذا النظام بمفهومها المعاصر الذي توصلت إليه تجارب شعوب العالم، والتي تستند خصوصاً إلى مبادئ سيادة الشعب عن طريق الانتخاب الحر، وتداول السلطة، والى حرية الرأي، والتعبير، والتنظيم، ومبادئ التعددية، والمواطنة، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، واستقلال السلطات، وسيادة القانون((.

      من قراءة هذه الفقرات نستنتج إن البيان يدعو إلى إقامة الدولة المدنية الحديثة التي يستند نظامها السياسي إلى الأسس العامة للديمقراطية الليبرالية، ولكن في جهل فاضح في فهم أفكار، وقيم، ومضامين الديمقراطية الليبرالية، فان :((عشائر وطوائف إعلان دمشق)) تنتهج وتمارس  سلوك  قائم  على العرقية والطائفية كما تقع في مغالطة نظرية عن طرق إقحام العدالة الاجتماعية مما يتناقض جذرياً مع الأسس العامة للديمقراطية الليبرالية، وفيما يأتي تفاصيل النهج السلوكي العرقي، والطائفي، والمغالطة الفكرية :

1- النهج والسلوك العرقي الطائفي:

       أن مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة الذي يدعو إليه البيان الختامي لإعلان دمشق يؤشر بناء سياسي متمدن، ولكن عشائر وطوائف الإعلان اعتمدت معايير وسلوك سياسي غير متمدن قائم على العرقية والطائفية .وقد ظهرت هذه المعايير والسلوك السفيه عن طريق عملية المحاصصة العرقية والطائفية لرئاسة المجلس، والأمانة العامة لإعلان دمشق، إذ جاء في البيان: ((انتخب المجلس في نهاية أعماله سبعة عشر عضواً للأمانة العامة هم السادة:   رياض سيف،علي عبد الله، نواف البشير، رياض الترك، موفق نيربية، سليمان شمر، سمير نشار، ياسر العيتي ، جبر الشوفي ، ندى الخش، عبد الغني عياش ، وليد البني، غسان النجار، عبد الكريم الضحاك، وثلاثة أعضاء يمثلون الجبهة الديمقراطية الكردية، والتحالف الديمقراطي الكردي، والمنظمة الآثورية الديمقراطية))، وكذلك تأكيد أحدهم على التشكيل العرقي والطائفي لمكتب رئاسة المجلس، إذ قال: ((نحن ضد النعرات الطائفية، وأن انتخاب فداء الحوراني السنية الحموية القومية العربية لرئاسة المجلس، والكردي عبد الحميد درويش، والعلوي اليساري عبد العزيز الخير، والمسيحي الليبرالي أكرم البني في قيادة الإعلان يدل على ذلك، فأين هي النعرات الطائفية ؟ ))، ونعتقد بأن هذا التفكير إن كان موجود لدى أي منهم هو تفكير منحرف مَرَضي.

      أن هذا النهج والسلوك الذي تلجأ إليه ((عشائر وطوائف إعلان دمشق))هو محاولة بائسة لتمكين المحاصصة العرقية والطائفية في ثقافتنا الوطنية  التي لم ولن تعرف مثل هذا النهج والسلوك غير الراشد، والذي يدفع الآن أهلنا في العراق ثمنه غالياً من دمائهم .كما أن هذا النهج والسلوك يتناقض تماماً مع الأسس العامة للديمقراطية الليبرالية التي تستند إلى أساس المواطنة لاغيرها بغض النظر عن الأصول العرقية، والمذاهب الدينية، ولكن يبدو أنه حض عنصري وطائفي بامتياز لا لشيء إلا لأن رغبة جامحة تتحكم في البعض يحاول إخفائها بغباء وجهل تحت عباءة الديمقراطية الليبرالية كما كان يغلفها سابقاً بالماركسية واليسار.

      أن هؤلاء يبحثون عن مكانه شخصية، وأدوار سياسية عن طريق التوظيف العرقي والطائفي على حساب مصلحة الشعب، والوطن، والأمة، وبهذا فقدوا أهليتهم ليكونوا الصوت العالي للشعب في ضلالة النظام الشمولي السلطوي .

2- المغالطة النظرية :

       الديمقراطية الليبرالية تستند إلى مجموعة من الأفكار والقيم التي تدور حول الفرد وحريته، والفرد هو المحور الأساس، والقيمة الأولى،  والرئيسة، ولذلك لا يجوز المساس بحرية الفرد ومنافعه. ولكن عشائر وطوائف الإعلان أقحمت ((العدالة الاجتماعية(( -هي هدف من أهدافنا – إقحاما تعسفياً في مكان ليس مكانها، وهو ما يتناقض جذرياً مع فلسفة الديمقراطية الليبرالية، ويبدو أن إقحام العدالة الاجتماعية ليس لمحاولة إخفاء الديمقراطية الليبرالية بعباءتها لذر الرماد في العيون أو زلة لسان أو قلم، ولكن عن جهل بثقافة الديمقراطية الليبرالية التي يرفعونها اليوم كأطروحة خلاص وإنقاذ، ويتشدقون بها مثلما كانوا يتشدقون بالاشتراكية و((دكتاتورية البروليتارية)) سابقاً .

       أن فكرة العدالة الاجتماعية تتناقض شكلاًًً ومضموناً مع فكرة الليبرالية التي تخشى أكثر ما تخشاه ذوبان الفرد في الجماعة، لأن هذا يقضي على حريته الفردية لذلك يتخذ الليبراليون موقفاً معادياً لكل المذاهب التي تقول: بأولوية الجماعة على الفرد، وبضرورة تقديم مصلحة الجماعة على المصالح الفردية كالمذاهب التي تركز اهتمامها في الطبقات الاجتماعية، وتضع مصالحها فوق مصالح الأفراد . من هنا ، فان الفلسفة الليبرالية ترفض عامة القيم الجماعية .

ثالثاً –  جاء في البيان: ((إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية، وحقوق الآثوريين (السيريان) في إطار وحدة سورية أرضاً وشعباً)).

1- إن هذا يتناقض مع الدعوة إلى إقرار مبدأ المواطنة الذي جهلت عشائر وطوائف الإعلان أن مبدأ المواطنة دون تمييز هو حجر الأساس للنظام الديمقراطي، وأن الاختلاف في القومية، والدين، والمذهب لايحول دون الانتساب إلى مواطنة مشتركة ، وأن مبدأ المواطنة مؤسس على مساواة تامة لأفراد المجتمع، وهي:  أن لك كل الحقوق، وعليك كل الواجبات فتطبيق مبدأ المواطنة يعد مصدر الحقوق، ومناط الواجبات، والمواطنة هي أكثر أشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالاً، والمواطنة هي المشاركة في الحكم، والمساواة بين جميع المواطنين، وتبقى المواطنة هي العضوية الفورية والتامة في المجتمع السياسي، ولكن عشائر وطوائف الإعلان تردد مبدأ المواطنة دون معرفة مضمونه . لقد كان الواجب والمفروض عليهم أن يكون المحور الأساس الذي لابد أن يتم تداوله هو: الاهتمام بحقوق الجميع، وذلك ضمن نطاق المواطنة، ومبدأ الأكثرية السياسية، والأقلية السياسية.

2-  بهذه الصيغة، فان حالة القهر، وقمع الحريات التي يعيش في ضلالتها الشعب السوري منذ انقلاب 8 آذارالعام 1963، يتم اختزالها وعرضها في مبالغة واضحة من زاوية الأقليات، ولا ريب إن يؤدي هذا الاهتمام المبالغ فيه بحقوق الأقليات إلى الإيحاء بأن الأكثرية العربية تتمتع بكل حقوقها، ولا ضرورة أبداً إلى الخوض في مطالبها .

      أن مسألة الأقليات وحقوقها مهمة، ولا بد من الإحاطة بكل جوانبها، ولكن من منطلق وطني بحت غير خاضع لابتزاز الضغوط الخارجية المعادية، والمزايدات الرخيصة الجاهلة لتحقيق مكاسب سياسية تتماهى مع مشاريع خارجية معادية تستغل مسألة الأقليات وحقوقها لأغراض سياسية، وتستخدمها ستاراً للتدخل في الشئون الداخلية للدول من أجل تحقيق مصالحها ليس إلا .

غير أن أهمية مسألة الأقليات وحقوقها يجب أن لا تحجب ولا تفرط عن جهل بحقوق الأكثرية العربية المغيبة أو التي هي غائبة أصلاًً، ولذلك فان هذا التناول القاصر، وغير المسئول لمسألة الأقليات يجعل من السهل خلق انطباع بأن قضية المواطنة في سورية هي في أساسها الرئيس قضية أقليات، وهذا ليس صحيحاً أبداً، وأنه افتراءات وتجني على الحقائق، ودعس بالأقدام على الحريات والدماء التي قدمتها الأكثرية العربية في مواجهة النظام الشمولي السلطوي من أجل الحرية، والحياة الأفضل في سورية .

       أن الأكثرية العربية عندما دخلت في صراع مع النظام المستبد، وقدمت في أتون هذا الصراع القاسي والمرير تضحيات من حريات ودماء كانت الأقليات، وفي مقدمتهم الأخوة الأكراد على قناعة تامة بمكانته المحمية، ولم يتأثر أبداً في هذا الصراع، بل أن بعض القوى السياسية الكردية كانت تثني على نظام (الصمود ، والتصدي)، وأستمر حالهم في التقدم، ولكن هذا الوضع لم يستمر في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالقرار والفعل عالمياً، فالقوة الغاشمة للأخيرة ولسياساتها التدخلية في الشئون الداخلية  للدول التي وصلت إلى حد احتلال العراق الشقيق، وتدمير الدولة فيه أعطت الدافع والحافز لبعض الأقليات، وفي مقدمتهم بعض الغلاة من العناصر الكردية المطالبة بمكانة ذات امتيازات أكبر من الحجم الطبيعي للأقلية الكردية في سورية، وبدأت تطالب بحقوق تتجاوز حقوق المواطنة والثقافة - أصبحت بعض المناطق السورية غرب كردستان من قبل بعض الغلاة من العناصر الكردية –  ، وبذلك تستفز مشاعر الأكثرية العربية .

       ومن نافلة القول: إن أبناء هذه الأقليات، وفي مقدمتهم الأكراد كانوا جزءاً حياً من الدولة العربية السورية، وتسّلموا فيها مراكز سيادية مهمة عندما كان ولائهم لسورية ولشعبها .

      ويجب التأكيد أيضا أن كافة الأقليات في سورية لم تواجه تهديدات تمس حياتهم، ولم يحدث أبداً إبادة جماعية ضدهم كما حدث لأبناء الأكثرية العربية، ولم تحاول الحكومات السورية، وخلال جميع العهود تعريب هذه الأقليات بالإكراه، ولم يحدث أبداً ترحيل متعمد لهم، ولم يعانوا الاضطهاد على أساس انتمائهم القومي أو الديني، ولم يحصل في تاريخ سورية أن قامت أقليات بترك البلاد فراراً من الاضطهاد  القومي أو الديني، ولم يحصل أبداً تطهير عرقي أو طرد جماعي، والذين تركوا سورية ليس لأسباب سياسية، ولا لاضطهاد عرقي أو ديني، إنما لأسباب اقتصادية بحتة، ولم يحصل أبداً نزوح قسري أو اقتلاع أقليات من مكانهم ورحلوا، ولم يجبر أحد على النزوح؛ لأن آخرين قاموا بالاستيلاء على دياره، ولم يحصل بشكل عام إبعاد و استبعاد .

       أن الشعب العربي في سورية الذي تسوده الثقافة العربية الإسلامية السمحاء لا يشعر بأي مشاعر تعصبية أو عدائية تجاه مواطنيه من أبناء الأقليات، وإذا كان قد أصاب البعض منهم شيء من القهر، والاضطهاد، والتمييز، فكان لأسباب سياسية، وليس لأسباب قومية أو دينية – البعض من أخوتنا من أبناء الأقليات قد أسهم في مواجهة النظام المستبد، و قدموا التضحيات، ولكن من منطلق وطني بحت، و ليس عرقي أو طائفي - ، فلقد نالت الأكثرية العربية النصيب الأكبر من القهر، والاضطهاد، والتمييز .

3- أن هذه الصيغة هي محاولة لتأثيم الأكثرية العربية عن طريق تصوير أوضاع الأقليات بأنه مأساوي مع تضخيمه، وهذا الأسلوب الرخيص يذكرنا ب (( النهج الصهيوني )) البائس نفسه الذي يقوم على تضخيم الصورة مع تأثيم الآخر عن طريق بعض العناصر الضالة التي تدعي أنها من الأكثرية. مع أن الأقليات في سورية لم تعان من أي ممارسات عنصرية أو اجتماعية. لقد كان ينبغي عدم المبالغة في عرض مسألة الأقليات وحقوقها بهذا الشكل والأسلوب المريب؛لأنه ليس هناك دولة في العالم ليس فيها أقليات، إذ أن مسألة الأقليات وحقوقها ليست خاصة بسورية دون غيرها من الدول، ويرتبط حلها سياسياً وثقافياً عن طريق تطبيق مبدأ المواطنة الذي يعد مصدر الحقوق، ومناط الواجبات، وممارسة الأقليات لحقوقها الثقافية، وممارسة شعائرها الدينية، وهو ما أكد عليه البيان  : (( دستور يضمن الحقوق المتساوية للمواطنين، ويحدد واجباتهم ... واحترام حقوق الإنسان والمواطن، والالتزام بجميع الشرائع المتعلقة بها))، ولكن يبدو أن عشائر وطوائف الإعلان لا تفقه ما تقول، ولا تعرف ما تعرض .

      ومن نافلة القول: إن تحقيق طموحات الأقليات السياسية والثقافية يتم عن طريق الالتزام بتطبيق الشرائع الدولية التي دعوا إليها، فالحقوق السياسية للأقليات تتم عن طريق تطبيق مبدأ المواطنة الذي تؤكد عليه المادة2  من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على إن : ((لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق  والحريات المذكورة في هذا الإعلان دون أي تمييز ,كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الأصل الوطني أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر)).

       وبهذا يعامل أفراد الأقليات كغيرهم من المواطنين سواء الحقوق المدنية أو السياسية، فيمارسها جميع المواطنين على أساس انتمائهم الوطني، وليس على أساس انتمائهم العرقي أو الديني .أما الحقوق الثقافية والدينية، فتتم عن طريق تطبيق المادة 27 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية، والسياسية والتي تنص على إن :((لا يجوز إنكار حق الأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات عنصرية أو دينية أو لغوية قائمة في دولة ما في الاشتراك مع الأعضاء الآخرين من جماعتهم في التمتع بثقافتهم أو الإعلان عن ديانتهم ، وإتباع تعاليمها أو استعمال لغتهم((. وبهذا فأن حقوق الأقليات  تنحصر بالحقوق الثقافية، وممارسة شعائرها الدينية.

       أن تطبيق الديمقراطية في سورية يشكل المدخل الصحيح والحقيقي لقطع الطريق على أية اتجاهات تستخدم سلاح الأقليات لتنتزع المواطن من وطنه، ولا سيما أن هناك محاولات خارجية لتحقيق أهدافها ومصالحها لأبعاد هذه الأقليات عن طريق محاولات الشق التي تقودها العناصر المتطرفة في أوساطها، ولا سيما من الأكراد الذين ما نزال ننظر لهم على أنهم الأهل، والأشقاء، والشركاء في الماضي، والحاضر، والمستقبل، والمصير، فنحن سنبقى ننظر إليهم على أنهم صلاح الدين الأيوبي، ولذلك فان المطلوب ليس إيجاد حل ديمقراطي لمسألة الأقليات، إنما إيجاد حل ديمقراطي لكل السوريين، ومرة أخرى نكرر نداءنا إلى العقلاء والراشدين من أهلنا أبناء الأقليات، ولا سيما الأكراد منهم ، ونقول لهم لنعمل معاً، و لننتزع  من النظام الشمولي السلطوي حقوقنا السياسية القائمة على المواطنة، وحقوقكم الثقافية، وإذا كان ولائكم لسورية العربية وحدها لا غيرها مشينا ورائكم، وليس أمامكم .

      وبناءً على ما تقدم فان تناول البيان الختامي ل ((عشائر وطوائف إعلان دمشق)) المسائل الحيوية المهمة بهذا الشكل من دون حذر قد أدى إلى ارتفاع درجة التشكك، ودعا إلى الارتياب؛ لأن ثمة ما يدعوا إلى الخشية، فما جاء يحمل مخاطر كبيرة على سورية العربية أرضاً وشعباً، ولا يساعد أبداً على تماسك الشعب، بل أنه بشكل مبتذل، وتحت اللعب بالورقة الديمقراطية – دين العصر – لتحقيق أهداف شخصية وسياسية لعناصر يملكون رغبات غير مشبعة، وطموحات غير متحققة يتم التحريض على زعزعة الوحدة الوطنية السورية التي أثقل كاهلها أيضاً النظام المستبد بسياساته الخرقاء والحمقاء غير المسئولة .

        وبما أننا ((محكومون بالأمل)، فلقد كان هناك أمل واسع بأن إعلان دمشق قد يقوم بدور كبير وقد يضطلع بقدراً أكبر من المسئولية غير أنه لا يحتمل على ما يبدو من نهجهم وسلوكهم الذي يحتاج منهم إلى وقفة، وإعادة نظر، وتدبران تحقق مثل هذه الآمال، فلقد ضلت ))عشائر وطوائف إعلان دمشق((؛ لأنهم لم يتزودوا ببوصلة وطنية مرشدة للاتجاه الصحيح.

      لقد بدأ إعلان دمشق خطوة جريئة، وآل إلى عبث، وأعتقد أن الإعلان في الانطلاقة الثانية ولد ميتاً، وهذا ما شجع النظام الشمولي السلطوي على اعتقال بعض أعضاءه لابتعادهم عن أهداف وطموحات الشعب الوطنية لذلك سيكون إعلان دمشق طللاً من الماضي، وعليه فان الضرورة الوطنية تقتضي أن نبني المستقبل بناء حقيقي، وسليم، وصحيح بعيداً عن الزيف الغوغائي، والدجل، والردح السياسي.

       وعليه لابد من إنشاء حالة وطنية معارضة - إعلان جديد، جبهة، تحالف، ائتلاف، تجمع- تكون الصوت السياسي العالي المعبر عن آلام وآمال الشعب السوري المقهور بنظام شمولي سلطوي مستبد تكون هذه الحالة قائمة على المبادئ، والأسس الوطنية عن طريق حوار عميق موسع ومسئول بين كافة قوى  المعارضة السورية الأصيلة، ومن مختلف المواقع الفكرية في الداخل، والخارج، والحقيقة الأولى فيه: إن الأكثرية العربية هي الحاضنة الأولى، والأساس، والرئيس لنجاح أي مشروع وطني للتغير الديمقراطي، فضلاًً عن الإيمان بان كل مواطن، وليس، ))فئة(( هو ركن أساس في بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة الديمقراطية، فنحن ما نزال واقفون على أقدامنا، وعلى ارض سورية ما يستحق الحياة .


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ