العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد08 /01 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

القلم الشهيد بل شهيد القلم

مسعود عكو

في لحظة كنا ننتظر حصيلة التحقيقات التي يقوم بها القاضي الألماني ديتليف ميليس في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري, ونتنقل بين محطة فضائية, وأخرى, وموقع إلكتروني, وآخر في سبيل أن نحصل على معلومة دقيقة, وصحيحة لما آلت إليه أخر هذه التحقيقات. بذعر, وخوف سمعنا خبر انفجار قوي شبيه بالانفجار الذي أودى بحياة الحريري في ضاحية المكلس كما أوردت كل الوكالات الإخبارية, والتخوف من أن يكون هذا الانفجار قد استهدف موكب النائب, والصحفي اللبناني جبران تويني, وسرعان ما تم تأكيد الخبر. فجبران كان الهدف, واحترق في مجمر القتلة متديني الإرهاب المنظم, وعبيد السيارات المفخخة.

لا يكاد المرء أن يصدق أن تكون نهاية عظيم بالاحتراق في سيارة مصفحة, أو غيرها. فتتم تصفية إنسان لمجرد أنه كان إنساناً, بهكذا جريمة قذرة تقشعر لها الأبدان حينما تتذكرها, وتوجس في نفسك خيفة أن يكون هذا مسلسل مكسيكي طويل العرض بحلقات مئوية لا تنتهي إلا بنهاية مأساوية لكل رجالات لبنان, وأحرارها.

بالعادة تجف الأحبار في اليراعات, وتتخبط الكلمات في الحناجر, وتبقى العبرات أسيرة صرخة أم, وزوجة, وابنة, وتتلكأ كل الجمل فتصيح ناقصة في فضاء مليء بالغيوم السوداء, لتقتحم الدرب, بسيول جرفت معها أجساد مزهقة, كانت في لحظة ما أرواح تتلألأ في سماء يومها الجديد, لكن أيادي الغدر كانت أقرب من حبل الوريد فقطعتها لتسيل منها دماء طاهرة, غسلت الدروب مرة أخرى لتسقي تراباً, لا زال قانياً من دماء أسلافه.

ستولد صحيفتك "النهار" أعداداً جديدة, لكن لن يكون هناك افتتاحية جديدة فيها سوى آهات الصفحات الأخرى تبكي قلماً قلما كان مثله جريئاً ناقداً حنوناً عظيماً بكل ما تحمل هذه الكلمات من معنى, وسنجدها مرة أخرى بدون تلك الطلقات الكلامية التي كانت تطلقها مقالاتك اللاذعة لكل ما هو غير صحيح بنظرك.

بلدٌ الظاهر قد كتب على جبينه أنه سيرى كل يوم نهاراً دموياً, فيه تموت الكلمات قبل ولادتها, وتنتهي حياة العظماء فيه بالانفجارات الواحدة تلو الأخرى لتحصد في كل موسم لها العشرات من القتلى, ومئات الجرحى ليفضي إلى نهاية مظلمة تنتهي بتحقيق يؤيد ضد مجهول في قضية قديمة جديدة نسيت العشرات من أمثالها, وبقيت بقاياها حسرات مليئة بالدم, والدمع في قلوب لا زالت أطفالاً. الحزن لها أبكر من أن تكبر عليه.

جريمة تهز ضمير الحجر فكيف لبشر أن يقترفوها, ويرتكبوها في أناس كان همهم بناء بلدهم بتعبهم, وكدهم, وعرق جبينهم, ولم يكن سيبخلوا بدمائهم من أجلها, ولكن لماذا تتدخلون حتى في ما كتبه الله, وتوزعون صكوك الموت, وتحلون محل عزرائيل في قبض الأرواح أما تكفيكم ما اقترفتم قبل هذا أم أصبح الاغتيال لكم ثقافة, والموت صار سيجارة محشوة بنوع من المخدرات التي لما تستطيعون الفراق عنها, وتتابعون لعبتكم اليومية في إعداد ورقة رحيل إنسانٍ أخر دون أن تدخل قلوبكم مثقال ذرة من رحمة, أو رأفة, أو وجل.

ليتني أستطيع أن أعبر عن اغتيالك يا جبران تويني بكلمات أقوى من هذه, لكن! هؤلاء الأوغاد قد حرموا علينا حتى التصور في رثاء إنسان أياً كان ناهيك عن قلم شهيد مثلك كانت كلماته رصاصات في قلوب أعداءه, وكانت مقالاته مدرعات تخاف منها أكبر ترسانات الأسلحة, والذخيرة, والجيوش, ولم تخف قط بل كان جبروت جرأتك تخيفهم فأوقفوا قلباً كان ينبض بالجرأة, ويدفع التصميم, والعمل في الأوعية بدلاً من ذلك الدم الذي راقوه على إسفلت حقير احترق من جراء حقد, وغل دفينين, وكانت نهاية رجل شجاع عليه عاراً عليهم وفخراً لك.

فطوبى لرفيق الحريري, وسمير قصير, وجورج حاوي, وطوبى للقلم الشهيد جبران تويني, وطوبى للشهداء الأحياء مروان حمادة, ومي شدياق ولكل من لم تسعفني ذاكرتي في تسميتهم فبكم سيبقى لبنان بلد الأحرار, والأبطال, وستبقين يا بيروت عاصمة الثقافة العربية, وعاصمة للأقلام حتى ولو كان في كل يوم سيكتب علينا قدر جديد بأن نفقد قلماً شهيداً حراً أبى أن يسكت عن الحق, ورأى بأنه يستطيع إيصال كل خلجاته بكلمات بسيطة قدت مضجع الأوغاد, وسيبقى كل لبنان وفياً لقسمك " نقسم بالله العظيم, مسلمين ومسيحيين, أن نبقى موحدين, إلى أبد الآبدين, دفاعاً عن لبنان العظيم" فطوبى لك هذه الشهادة العظيمة في سبيل كلمتك الحرة, وروحك الطاهرة, ونلت رغماً عن أنف الحاقدين وسام الاستحقاق العظيم وسام القلم الشهيد وسام شهيد القلم.


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ