العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05 / 11 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

وسائل تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط

الأخ العزيز زياد عبد الصمد المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية

تحية طيبة وبعد

أود في البداية أن أحييكم على البيان الذي تعتزمون إصداره وتأييدي له. لكن في ما يتعلق بي، ونظرا للتشويش الذي أحدثه خبر دعوة وزيرة الخارجية الاسرائيلية لحضور مؤتمر الديمقراطيات الجديدة الذي يشكل مؤتمر المنظمات العربية جزءا مكملا له، وينعقد في الوقت نفسه، أود مع الأسف الشديد أن أقدم اعتذاري عن المشاركة في المؤتمر وسحب الورقة التي قدمتها من التداول..

مع خالص التقدير والاحترام

برهان غليون

---------------------------

وسائل تعزيز الديمقراطية في الشرق الأوسط

برهان غليون

ما كان من الممكن في الظروف الدولية والإقليمية المتسمة بالتوتر الدائم، المشجعة على المواجهات والصدامات وحروب الحضارات، أن يكون لضغوط قوى المجتمع المدني في البلاد العربية أي نتائج تذكر. وأمكن للسلطات التي اعتادت خرق القانون احتواء هذه الضغوط وامتصاصها بسهولة، قبل أن ترتد إلى هذه القوى نفسها لتحاول تحطيمها وتفتيتها. وهكذا، بدل أن تساعد الضغوط الداخلية والخارجية على دفع النظم نحو الانفتاح، زادت من نزوعها إلى الانكماش على نفسها، وحرضتها على التنكيل بالقوى الديمقراطية ومحاولة تصفيتها. وها هي النظم تفسها تعود، كما كانت في السابق، إلى الاستخدام الموسع للعنف، والمراهنة على قوة القمع وتحويل اجهزة الامن الواسعة الانتشار إلى أداة وحيدة للحكم والتحكم بالقرار، في مواجهة مجتمعات مفككة ومذررة، مفتقرة للموارد الخاصة وللقيادات أيضا.

ومع ذلك، لم يكن من الصعب تصور أجندة واحدة ومتفق عليها بين الأطراف لحلحلة أزمة الشرق الاوسط وإخراج شعوبه من محنتها. بل لقد ظهرت ملامح مثل هذه الأجندة بالفعل مع مؤتمر مدريد للسلام وبعده، وقامت على الجمع بين تفاهم دولي تمثله اللجنة الرباعية، وخطة لتهدئة الأوضاع الإقليمية وفتح باب التسوية السياسية، تمثلها خريطة الطريق التي تبنتها الرباعية والدول العربية، والتي تنص على خلق دولة فلسطينية إلى جانب الدولة الاسرائيلية القائمة في أفق 2005، وتعاون دولي مع القوى الداخلية، الرسمية والأهلية، للمساعدة على فتح النظم وتوسيع دائرة المشاركة السياسية.

لكن الإدارة الأمريكية رمت بهذه الأجندة عرض الحائط، بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأحلت محلها أجندة خاصة بها لمواجهة متطلبات التغيير، وحسم النزاعات الدولية والإقليمية والداخلية الوطنية لصالحها وحدها، وبطريقتها الخاصة. ولم ينجم فشلها عن التردد في حل النزاعات والمشاكل العالقة، ولكنه نجم من أنها أرادت أن تحل مسألة الصراع الدولي على المنطقة، الذي يشكل عبئا لم يعد يحتمل عليها، ومهربا للنظم المختلفة من مواجهة الاستحقاقات الداخلية، بفرض سيطرتها المنفردة على المنطقة بأكملها، وإخراج اللاعبين الآخرين، بما فيهم أقرب حلفائها من الأورييين، من حلبة المنافسة، بدل العمل على بلورة إجماع دولي حول تحييد المنقطة عن النزاعات الدولية. وأنها أرادت أن تحل مشكلة النزاع الإقليمي المستمر، والذي يزداد شراسة وتعفنا وعنفا بسبب تفاقم الاحباط عند الجميع، عن طريق الزج بكل ثقلها مع حكومة اليمين القومي الاستعماري المتطرف في اسرائيل، ومحاباة القومية الاسرائيلية على حساب جميع القوميات الأخرى. وأرادت أن تحل مشكلة انفصال النخب الحاكمة، سياسيا بفضل دعم الغرب لها، واقتصاديا بسبب توفر العوائد النفطية والريعية الكثيرة، عن شعوبها وتجاهلها حقوقها وتغولها عليها، بالعمل على استتباع هذه النخب بشكل أكبر، وفرض نظام الإذعان عليها لتدخل في استراتيجيتها وتعمل بأمرها، بدل تطوير هامش مبادرة المجتمعات وتوفير وسائل حمايتها وتعزيز استقلالها تجاه النظم التسلطية المغلقة. لقد أرادت تحالفا أقوى مع الحاكمين لدفعهم نحو الديمقراطية، بدل تقليم أظافرهم وإجبارهم على احترام إلتزاماتهم، والتراجع عن سياساتهم التعسفية، كأي نظم سياسية تحكم باسم شعب وتمثل مصالحه الوطنية.

هكذا ما كان لموجة الديمقراطية التي ارتفعت في المنطقة في السنوات الماضية أن تصل إلى غير طريق مسدود. مسدود على الصعيد العالمي، بعد أن فتتت السياسة الامريكية الاجماع الدولي الذي كان قائما من حولها، بما في ذلك داخل التحالف الغربي المتحكم بمصير المنطقة. ومسدود على المستوى الإقليمي بسبب انهيار آمال السلام بعد تجميد خارطة الطريق والعودة إلى الحل العسكري، وما يجره ذلك من إشعال نيران العنف وتفاقم مشاعر الاحباط والرغبة في الانتقام وتحقيق انتصارات وهمية، وتراجع التفكير العقلاني والانساني في الخروج من الأزمة الإقليمية. ومسدود على المستوى المحلي بسبب نجاح النظم القائمة، التي خرجت منتصرة من معركة الضغوط الأجنبية، وأكثر ثقة بنفسها، في تكوين نظم أمنية مستقلة كليا بمواردها المادية والسياسية عن الشعب، وقائمة في فلك خاص بها، وفي قلعة معزولة تماما عما حولها. وهي الاجهزة التي ساهمت الدول الكبرى، ومناخات الحروب الإقليمية المستمرة، منذ عقود، في تكوينها وتطويرها.

2 – دروس التجربة الماضية

لست متأكدا أبدا من أن الديمقراطية، حتى في أشكالها الدنيا، أي التعددية البسيطة، مع توسيع قاعدة المشاركة السياسية قليلا لاستيعاب فئات من الطبقة الوسطى في النظم القائمة، ذات أولوية اليوم في أي أجندة دولية أو إقليمية أو محلية. ومع يقيني بأن من الصعب على قوى المجتمع المدني لوحدها حسم المعركة لصالح التحول نحو الديمقراطية والحد من تغول النظم التسلطية واللاقانونية، يظل من المفيد فهم دروس التجربة السابقة، لتوجيه خطى أولئك الذين لا يزالون مؤمنين، في داخل المنطقة وخارجها، بأن الديمقراطية لا تزال تشكل هدفا أخلاقيا في حد ذاتها  تستحق التعزيز، كما أن تحقيقها يشكل أحد المفاتيح الرئيسية أيضا لإخراج المنطقة من أزمتها التاريخية الطاحنة وبلورة التسويات والحلول السياسية الضرورية لإقامة شروط صالحة للحياة والعمل والانتاج والابداع الانساني في هذه المنطقة من العالم. وليس هناك في نظري ما يمنع من التفاؤل باحتمال العودة إلى مناخات نهاية التسعينات التي ولدت أملا كبيرا في تطور مبادرات تخرج الشرق الأوسط من محنته، ويكون لها تأثير كبير على تطوره الأمني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي أيضا.  ومما يشجع على هذا التفاؤل تفاقم المأزق الذي تتخبط فيه السياسات الأمريكية والاسرائيلية الشرق أوسطية التي حكمت موقف الغرب والعالم كله وحكومات المنطقة أيضا تجاه المشاكل المطروحة. فبقدر ما بينت تجربة السنوات الماضية بأن تجديد حياة النظم التعسفية والتسلطية لا ينفصل عن الاستراتيجيات الدولية السائدة ولا عن التوازنات الإقليمية القائمة، يتطلب تعزيز ا لديمقراطية، تغييرا مماثلا على هذه المستويات الثلاث.

 يستدعي هذا التوجه التوصل إلى تفاهم بين الأطراف المعنية حول أجندة تتجاوز مسألة الديمقراطية نفسها وتشمل في الوقت نفسه موضوعات تتعلق بالوضع الدولي والإقليمي والوطني معا. فليس من الممكن فصل مسألة الديمقراطية عن مسألة انتزاع المنطقة من الارتهان للنزاعات الدولية وضمان حد أدنى من الأمن والاستقلال لها وتقرير المصير لشعوبها. وليس من الممكن كذلك التفاهم حول أجندة ديمقراطية تقنع جميع الأطراف المعنية بالتعاون لتحقيقها من دون التوصل إلى تسويات سياسية للنزاعات والحروب الإقليمية العديدة العالقة، وفي مقدمها النزاع العربي الاسرائيلي، لكن ليس وحده. وليس من الممكن كذلك وضع هذه الأجندة الديمقراطية موضع التطبيق العملي من دون مرافقتها ببرنامج دعم شامل للمجتمع المدني، يتضمن دعم الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الرائدة، ودعم المؤسسات والمنظمات الاجتماعية، ودعم الهيئات المدنية والسياسية العاملة على توفير الأطر القانونية والسياسية لتوسيع دائرة مشاركة الأفراد في الحياة العمومية. فالديمقراطية ليست في الشرق الأوسط، اجندة سياسية داخلية، ولكنها جزء من أجندة إقليمية ودولية معا، بقدر ما يمس تغيير العلاقة بين النظم التسلطية والشعوب مصالح إقليمية، ويؤثر أيضا على مصالح دولية استراتيجية. ولذلك قد يستدعي التفاهم على أجندة ديمقراطية في هذه البلدان تفاهما موازيا على أجندة تسوية إقليمية، وبالتأكيد إعادة نظر في شروط السيطرة الغربية على المنطقة وأسلوب تعاملها مع شعوبها. هذه هي النتيجة الطبيعية لما يسم الوضع في الشرق الاوسط من تدويل فعلي، يجعل ان تغيرات السياسة الداخلية لا تؤثر فقط على مصالح القوى المحلية والداخلية فحسب، ولا تخضع لقواها الذاتية، ولكنها تؤثر على مصالح إقليمية ودولية كبيرة وتخضع لتأثيراتها أيضا.

وهذا يعني ضرورة وجود رؤية شاملة لقضايا المنطقة لا تجزئتها. كما يعني رفض الديمقراطية الانتقائية أو تأكيد وحدة القضية الديمقراطية في المنطقة. لا يمكن فصل قضية الديمقراطية في أي بلد عن قضية الديمقراطية في أي بلد آخر في المنطقة أيضا. فإما ان تكون الديمقراطية هدفا مشتركا وواحدا تجاه دول المنطقة جميعا، بما فيها بالتاكيد إسرائيل، أو أنها ستتعرض إلى تشكيك بصدقيتها، وتظهر وكانها تكريس جديد لقاعدة الكيل بمكيالين، واستخدام الديمقراطية وسيلة للضغط على الدول، لا كمشروع وغاية في ذاتها. لا يمكن للديمقراطية أن تتقدم في البلدان العربية إذا كانت انتقائية، مطلوبة للعراق وليست مطلوبة لسورية، مطلوبة للبنان ومستبعدة من مصر أو تونس أو العربية السعودية. وهذا يعني إما أن تكون هناك خطة جدية لدمقرطة النظم السياسية في عموم المنطقة العربية أو أن الديمقراطية ستظل شعارا تستخدمه القوى الدولية في نزاعها على المصالح والنفوذ في الشرق الأوسط، مع ما يعنيه ذلك من نزع  الصدقية عن القضية الديمقراطية وتحويلها إلى أداة من أدوات الصراع القومي والوطني.

لكن ليس لكل ذلك أي أمل في التحقق من دون تغيير الرؤية الغربية السائدة منذ عقود في ما يتعلق بضمان الأمن والمصالح الاستراتيجية في الشرق الاوسط. فلا يمكن في الشرق الأوسط التوفيق، كما حصل في بلدان أوروبة الشرقية، بين أجندة الديمقراطية وأجندة السيطرة الغربية. فالديمقراطية تهدد لا محالة بزوال سياسات التبعية والإلحاق بقدر ما تعيد السيادة والقرار للشعوب والرأي العام، بينما يحتاج استمرار السيطرة والاشراف على المصالح الاستراتيجية والحيوية الغربية والحفاظ عليها إلى تقييد هذه السيادة والاحتفاظ بها دائما تحت السيطرة بوسائل مختلفة، كان أبرزها حتى الآن تعزيز الوصاية السياسية للنخب الحاكمة عليها. وكما لم تشجع صيغة الديمقراطية المقيدة والفاقدة للسيادة الطبقات الوسطى على التحمس لمشاريع الاصلاح الغربية، لم تثر مشاريع الديمقراطية الوطنية التي تبنتها شرائح واسعة من الطبقة الوسطى والمثقفة العربية اهتمام الدول الغربية، ولا نالت ثقتها. وفي ما وراء الصراع بين مشاريع الدمقرطة والاستبداد، كان النزاع قويا أيضا بين مشاريع الهيمنة الغربية المقنعة بنموذج شكلي لديمقراطية مفروضة، ومشاريع الصراع لا نتزاع السيادة والحرية وحق المشاركة داخل البلدان العربية من قبل النخب والطبقات الوسطى والمثقفة.

وهذا يعني أن تعزيز الديمقراطية يحتاج إلى تبني أساليب ووسائل عمل ديمقراطية هي أيضا، وفي مقدمها الحوار والتفاهم والتواصل. وهو ما يستدعي مسبقا الاعتراف بالشعوب العربية كطرف أصيل، وبحقوقها الكاملة، وليس اعتبارها تابعا للنظم أو أدوات نفوذ أو صراع على النفوذ، حتى لو كان لا يزال لديها، بسبب ظروف الحكم والثقافة السائدين، استعدادات كبيرة للتبعية والالتحاق والاستزلام.

والنتيجة لن يسطيع أي طرف أن يحقق أهدافه أو يضمن مصالحه في الشرق الأوسط من دون التفاهم مع الأطراف الأخرى. كما أن أحدا لن يسطيع الوصول إلى حل لمشكلته بتجاهل مشاكل الأطراف الأخرى. ومن هنا أعتقد أنه م يعد هناك مهرب اليوم من تنظيم دورة مفاوضات جوهرية وشاملة تطرح جميع الملفات العالقة للبحث مرة واحدة،  تشارك فيها جميع القوى المعنية، العربية والدولية، الرسمية والمدنية، من حكومات ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات السياسية والمثقفين والخبراء، لمناقشة مستقبل الشرق الأوسط المهدد ومصيره. ومن دون ذلك لن تكون هناك إمكانية لا للحفاظ على المصالح الغربية الاستراتيجية والنفطية، ولا للسلام والاستقرار الاقليميين، ولا للديمقراطية والتنمية الانسانية، ولكن للفوضى الشاملة والخراب الذي سيقضي على مصالح الجميع. ومن الممكن وضع هذه المفاوضات في إطار مؤتمر دولي تحت إشراف الأمم المتحدة وتحويله في ما بعد إلى منتدى يعالج بشكل مرجعا لمعالجة جميع مشاكل الأمن والسلام والتنمية الإقليمية.

 ربما لن يستطيع مثل هذا المؤتمر ايجاد الحلول السريعة للمشاكل المطروحة، وليست هناك حلول جاهزة لهذه المشاكل. لكنه سيكون أفضل وسيلة لتغيير مناخ العلاقات الدولية والإقليمية المتعلقة بالمنطقة ولخلق جو من التواصل والحوار يعيد بناء بعض الثقة بين الأطراف، ويساهم في وضعهم جميعا أمام مسؤولياتهم، ودفع الرأي العام العالمي للضغط عليهم، في سبيل التوصل إلى تسويات تدعم سياسات السلام والأمن والديمقراطية والازدهار للجميع. فلا تنفع كثيرا في نظري وسائل الضغط والحصار، وأسوأ منها وسائل التدخل العسكري والسياسي. ولا توجد للأسف وسائل أخرى غير الرهان على تعبئة الرأي العام، المحلي والعالمي، وعلى ما يمكن أن ينتجه الحوار والنقاش والتفاوض من ثقة متبادلة بين الأطراف تدفع بهم إلى تقديم التنازلات الضرورية للوصول إلى التسويات المطلوبة للنزاعات الملتهبة والمزمنة التي لا تحول دون قيام حياة ديمقراطية سليمة في عموم المنطقة فحسب ولكنها تقوض أسس الحياة المدنية فيها.

باريس 28 اكتوبر 2006


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ