العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05 / 03 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

الطائفيـة والديموقراطيـة  

( 2 / 6 )

من الواضح أن الطائفية والديموقراطية ضـدان ، ( وبضدها تعرف الأشياء ) ، فالطائفية تخدم فئـة واحدة على حساب الفئات الأخرى ، أما الديموقراطية فإنها تخدم الجميع , أو تخدم الأكثرية على الأقل .

وكي نضبط مصطلح الطائفية ، ونوحد هذا المفهوم في أذهاننا ، سوف أتطرق إلى سلوك النظام الأسدي الطائفي ، كأمثلة واقعية تبين مفهوم الطائفية . كي نتكلم عن أمثلـة حية عاشها ومازال يعيش أكثرها الشعب السوري ... ومفهوم الطائفية الذي طرحته في الجزء الأول : هو تحكم الأقلية في مصير الأكثرية ، وتحقيق الأقلية لمكاسب على حساب الأكثرية .... وكذلك تحكم الأكثرية وتحقيق مكاسب على حساب الأقلية ... فالطائفية إذن تحقيق مكاسب على حساب الآخرين ... ولاشك أن تحكم الأقلية بالأكثرية أكثر ضرراً ، لأن المتضررين أكثر عدداً .

 

1 ـ  طائفية  في الجيش :

يشكل المواطنون العلويون (5 ر11 %) من الشعب السوري ، فكم كانت ومازالت نسبة العلويين في الجيش العربي السوري !!!؟

من حادثة مدرسة المدفعية المؤسفة تبين أن ( 90 % ) من طلاب الضباط في مدرسة المدفعية كانوا من العلويين ، حيث كان عدد طلاب المدرسة قرابة (300) طالب ، أخرج منهم النقيب إبراهيم اليوسف (30) طالباً من أهل السنة ... وحاول أن يقتل الباقين ، وهذا العمل الذي قام به إبراهيم اليوسف عمل طائفي لاشك ، لأنه أراد أن يقتل طلاب الضباط في مدرسة المدفعية لسبب واحد فقط وهو أنهم علويون ، وهذا تفسير واضح ومحدد للسلوك الطائفي ... وقد استنكر الإخوان المسلمون هذه المجزرة في حينها ، وأصدروا بياناً نشرته مجلة المجتمع الكويتية  ، في شعبان 1399 هـ ، أعلنوا فيه استنكارهم لهذه العملية ...

ومما لاشك فيه أن الإسلام يحرم هذه الأعمال أي قتل الإنسان بسبب دينه أو مذهبه ، وقد أفاض العلماء بعد عمليات (11 سبتمبر عام 2000)  ، وصرحوا أنه لايجوز قتل الكافر لأنه كافر ، إذ { لا إكراه في الدين }  ... ومن باب أولى لايجوز قتل الإنسان لأنه مخالف لنا في المذهب ...

والسلوك الطائفي الثاني ، بل والأهم ، الذي نستخلصه من حادثة مدرسة المدفعية هو وجود ( 270 ) طالباً علوياً من أصل (300) طالب مجموع عدد طلاب المدرسة ، أي (90 % ) من عدد طلاب المدرسة .

والخلاصة بينت لنا حادثة المدفعية السلوك الطائفي من جانبين :

1 ـ من جهة النظام الأسدي الذي احتكر الجيش للطائفة العلوية .

2 ـ من جهة النقيب إبراهيم اليوسف الذي قتل هؤلاء الطلاب لأنهم علويون فقط .

ولا ينكر سوري عاقل أن النظام السوري الأسدي احتكر الجيش لصالح الطائفة العلوية ، بعد أن أبعد الطائفة السنية عنه ، ثم حاول إبعاد بقية الطوائف مثل الاسماعيلية والدروز .

وسوف أستبق فأقول استخدم حافظ الأسد الطائفة العلوية ، وسخرها للوصول إلى هدفـه ، المرسوم لـه من جهات عالمية عليا ، كما استخدم حزب البعث ، والطوائف الأخرى ، ثم رفس الحزب أولاً ، ثم رفس الطائفة الاسماعيلية ، ثم الطائفة الدرزية ، وأخيراُ رفس الطائفة العلوية نفسها ، كما اتضح من صراعه مع صلاح جديد وأخيه رفعت وكبار ضباط جيشه الذين وطدوا حكمه . [ للمزيد انظر مقالتي : ماذا تعرف عن حافظ الأسد في موقع أدباء الشام ، ساحة حرة ] .

 

يقول فان دام :

وهكذا يبدو أن المعايير الطائفية قد طُبقت في تسريح الضباط وضباط الصف الذين دعوا إلى الخدمة في أوائل انقلاب 8 مارس (آذار) 1963: تأثر العسكريون السنيون بالذات من جراء هذه التسريحات .

ويتابع فان دام قوله :

إضافة إلى ذلك يبدو أن السنيين قد عانوا من التمييز لدى تقدمهم للالتحاق بالكلية العسكرية ومراكز التدريب الأخرى ، وتكرر الأمر لدى السماح لأشخاص عسكريين جدد بالانضمام لتنظيم حزب البعث العسكري أو لدى تجنيد أعضاء جدد بالحرس الوطني البعثي أو الشعبة السياسية أو المخابرات أو مؤسسات السلطة البعثية، بينما كان يحظى العلويون والدروز والإسماعيليون والمسيحيون (الروم الأرثوذكس) بتمييز إيجابي في المعاملة في الكثير من الحالات .

ورغم أن جديد والأسد، شأنهما شأن عمران، قد اعتمدا بصورة واسعة على أنصارهما الشخصيين من العسكريين العلويين للاحتفاظ بمراكز سلطتهما، ومن المحتمل أنهما استفادا من الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية لتقوية مراكزهما فإنهما تمتعا بقدر من الحكمة بحيث لم يعلنا عن ذلك صراحة مثلما فعل عمران.

انظر مطاع الصفدي. حزب البعث. ص339-340. الذي أعطى الوصف التالي المبالغ فيه حول هذه التسريحات: "إن التسريحات بالمئات استهدفت جميع الضباط من أبناء المدن الكبرى، ومن (السنيين) خاصة. حتى فرغت أسلحة كاملة من ضباطها الرئيسيين، كسلاح الطيران وسلاح البحرية، والآليات. وكذلك اتبعت نفس الخطة حيال صف الضباط والجنود. حتى أصبح من المتعارف عليه أن ألوية كاملة بأركان حربها وصف ضباطها وجنودها، وقف على طوائف معينة، كاللواء السبعين والخامس مثلا".

 

ويتابع فان دام في وصف الواقع الطائفي في الجيش السوري :

في 8 مارس (آذار) 1963 أطاح انقلاب بقيادة ائتلاف من الضباط البعثيين والناصريين والوحدويين المستقلين بـ"نظام الانفصال"، وما لبث أن ازداد عدد أعضاء الأقليات في سلك الضباط السوريين مرة أخرى على حساب السنيين. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن القادة البعثيين العسكريين الذين شاركوا في الانقلاب قاموا باستدعاء العديد من الضباط وضباط الصف الذين تربطهم بهم أواصر عائلية أو عشائرية أو إقليمية لتعضيد مراكزهم الجديدة التي حصلوا عليها على وجه السرعة .

وكان معظم العسكريين الذين تم استدعاؤهم بهذه الطريقة ينتمون إلى الأقليات وخاصة العلويين والدروز والإسماعيليين، ولم يكن الأمر مثيراً للدهشة حيث إن معظم أعضاء اللجنة العسكرية البعثية المشرفة على نشاطات التنظيم العسكري كانوا من أعضاء الأقليات . وقد تم وصف هذا الأسلوب في التجنيد فيما بعد في إحدى الوثائق الداخلية لحزب البعث بالآتي:

ألحت ظروف الثورة الأولى، ومرحلتها الصعبة على دعوة عدد كبير من العسكريين الاحتياطيين (ضباط وضباط صف) حزبيين ومؤيدين لملء الشواغر التي نجمت عن تصفيات الخصوم، ولتدعيم موقف الثورة وحمايتها، ولم يسمح ذلك الإلحاح آنذاك باعتماد أسس موضوعية في عملية الاستدعاء وإنما عوامل الصداقة والقرابة، وأحياناً مجرد المعرفة الشخصية هي الأساس، مما أدى إلى تسرب عدد معين من العناصر الغريبة البعيدة عن منطق الحزب ومنطلقاته، وسبب بالنتيجة –وبعد تجاوز المرحلة الصعبة- استخدام هذا الموضوع سلاحاً للطعن في نوايا بعض الرفاق والتشكيك بهم .

ويبدو أن الجزء الأخير من هذا الاقتباس يشير إلى اتهام بعض أعضاء اللجنة العسكرية بالقيام بتعزيز الجيش بأفراد جالياتهم بناء على أسس طائفية . وطبقاً لأحد التقارير فإن الكثير من العلويين كانوا ضمن هؤلاء الضباط الذين كان عليهم شغل فراغات الجيش بعد تصفية القوى السياسية المعارضة عقب انقلاب 8 مارس (آذار) 1963 مباشرة. ولقد تم استبدال نحو نصف عدد الضباط المسرحين والبالغ عددهم نحو 700 بعلويين .

ومن الجدير بالذكر أنه أثناء الانقلاب كان خمسة من اللجنة العسكرية البعثية من الأربعة عشر عضواً من العلويين. لذلك فإنه ليس من المثير للدهشة أن يلعب الضباط العلويون فيما بعد دوراً هاماً في الجيش. علاوة على ذلك فإن القيادة العليا للجنة العسكرية كانت تقع في قبضة ثلاثة علويين هم محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد . وقد شغل جديد منصب رئيس أركان الجيش السوري فيما بين أغسطس (آب) 1963 وسبتمبر (أيلول) 1965، وأصبح الأسد قائداً للقوات الجوية السورية، أما عمران وهو الأكبر سناً بين الثلاثة فقد رأس اللواء سبعين المدرع المتمركز جنوب دمشق والذي كان مقرراً أن يكون العمود الفقري لتنظيم البعث العسكري لبعض الوقت في المستقبل. وقد استطاع قادة اللجنة العسكرية العلويون الثلاثة أن يلعبوا دوراً عظيماً من خلال هذه المراكز العسكرية في "التحويل البعثي" الذي طرأ على القوات المسلحة السورية في الفترة التي تلت 8 مارس (آذار) 1963.

 

استبعاد الأقليات الأخرى من الجيش :

في 13 سبتمبر (أيلول) 1966 عقد حاطوم مؤتمراً صحفياً في عمان وسرد روايته لما حدث في السويداء ، وصرح بأن "الوضع في سوريا مهدد بوقوع حرب أهلية نتيجة لتنمية الروح الطائفية والعشائرية التي يحكم من خلالها اللواء صلاح جديد واللواء حافظ الأسد والفئات الموجودة حولهما" ، وأضاف حاطوم قائلاً:

إن الروح الطائفية تنتشر بشكل فاضح في سوريا وخاصة في الجيش سواء بتعيين الضباط وحتى المجندين وإن الفئة الحاكمة تعمد إلى تصفية الضباط والفئات المناهضة لها وتحل مكانها من أتباعها في مختلف المناصب، فقد بلغت نسبة العلويين في الجيش خمسة مقابل واحد من جميع الطوائف الأخرى .

وفي مقابلة مع حاطوم وأبو عسلي مع صحيفة النهار بتاريخ 14 سبتمبر (أيلول) 1966 صرح حاطوم بأنهم فروا إلى الأردن من أجل أن يناضلوا بأسلوب آخر أو بطريقة أخرى "لإنقاذ الجيش وإبعاد الروح الطائفية التي سيطرت عليه" ومضى قائلاً:

إذا ما سئل عسكري سوري عن ضباطه الأحرار سيكون جوابه أنهم سرحوا وشردوا ولم يبق سوى الضباط العلويين، إن الضباط العلويين متمسكون بعشيرتهم وليس بعسكريتهم وهمهم حماية صلاح جديد وحافظ أسد، إن الاعتقالات الأخيرة شملت مئات الضباط من جميع الفئات إلا العلويين .

وكل من يكبر ويصم أذنيه عن هذه الحقائق المؤسفة بل المـرة التي رزحـت سوريا لها ومازالت ترزح قرابة نصف قرن ... يرسخ الطائفية المقيتة ويدعمها في سوريا .

وهذه الطائفية المتحكمة في الجيش والذي جعلته حكراً على الطائفة العلوية فقط ، خربت الجيش ، وحرمته من الكفاءات التي يجدها في غير الطائفة العلوية ، وعندما يتقدم للكلية العسكرية آلاف الشباب من مختلف طوائف الشعب السوري ، ويمرون على الفحص الطبي ، والثقافي ، والنفسي ، ثم ينتقى الأكفأ والأصلح ، دون اعتبارات طائفية ، تكون النوعية المنتقاة نوعية ممتازة ، على عكس ما عشناه خلال الخدمة العسكرية ، إذ كنا نلتقي ببعض الضباط لايصلحون عمالاً ( مستخدم ) في المدارس ، ولكن لأنه ( علوي ) صار ضابطاً ، وأكرر هذا ينطبق على بعض من قابلناهم ، وبالوقت نفسه قابلنا بعض الضباط العلويين الأكفاء .

وأوصل هذا السلوك الطائفي إلى إنهاك الجيش السوري ، لذلك يكتب قائد سرب طيران إسرائيلي هذا العام (2005 ) يقول : أنا أدرب الطيارين الصغار الآن في الأجـواء السورية ، دون أن يتعرض لنا أحد ، لاطائرات ولامقاومة أرضية ...

وعندما ندعو إلى نبذ الطائفية ، فإننا نريد سوريا لجميع أبنائها ، من جميع الأديان والطوائف والعروق ... أي سوريا الديموقراطية ... وندعو الله عزوجل أن يكون ذلك اليوم قريباً .... والله على كل شيء قدير .

الدكتور : خالد الأحمد ... كاتب سوري في المنفى

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ