العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03 / 09 / 2006


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

مقاومة العدوان الإسرائيلي على لبنان

نتائج ودروس

بذريعة قيام المقاومة في لبنان بأسر جنديين إسرائيليين، بدأ العدو الإسرائيلي هجوماً مدبراً على لبنان بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٠٦، استمر ٣٤ يوماً لم يستطع خلالها أن يحقق أي من أهدافه المعلنة وهي استرداد الجنديين الأسيرين وتصفية المقاومة اللبنانية وإجبار حزب الله على نزع سلاحه تنفيذاً للقرار ١٥٥٩ الصادر عن مجلس الأمن الدولي.

خلال خمسة أسابيع مارس العدو الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة، مستخدماً الآلة العسكرية الأمريكية الأكثر فتكاً دافعاً بخمسة فرق مدرعة تضم ٣٠٠٠٠ جندي معززة بأسطول من المدمرات، ونفذت قواته الجوية أكثر من ١٥٠٠٠ غارة، وألقت بآلاف الأطنان من المتفجرات والقنابل حتى تلك المحرمة دولياً، استهدفت ٧٥٠٠، هدفاً دمرت أغلب البنى التحتية للبنان، و ١٥٠٠٠ بناء سكنياً، وسقط أكثر من ١٢٠٠ شهيد، وأكثر من ٣٠٠٠ جريح في صفوف المدنيين، وتمّ تهجير أكثر من ٠٠٠ ١٢٠٠ مواطن، كل ذلك جعل إسرائيل تضيف إلى سجلها الأسود واحدة من أكبر الجرائم ضد الإنسانية التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام.

هذه الحرب المفتوحة ضد لبنان جاءت لتستكمل تلك الحرب المفتوحة التي يشنها العدو الإسرائيلي ضد غزة منذ أكثر من شهرين : قصف للمدنيين، وتدمير البنية التحتية الفلسطينية، وهدم المنازل، وتجريف الحقول والمزارع، ومطاردة المقاومين الفلسطينيين من مختلف الفصائل، وقتلهم خارج إطار القضاء، وخطف عدد من الوزراء ومن أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني. إنه إرهاب الدولة تمارسه إسرائيل التي تضع نفسها فوق القانون الدولي، منتهكة كل الشرائع، وكل مبادئ حقوق الإنسان.

قامت المقاومة بالتصدي للعدو بشكل فاجأ العالم، وكبّدت قواته خسائر فادحة في الأرواح بلغت ١١٩ قتيلاً، وأكثر من ٤٠٠ جريح وأكثر من ١٢٠ دبابة ميركافا، والعديد من طائراته المروحية وناقلات الجنود والجرافات وطائرات التجسس، وأصابت بارجتين مما أربك العدو ودفعه إلى استبدال قائد الجبهة الشمالية، وتبادل الإتهامات بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية. كل ذلك وسط إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على استمرار القتال، ومنح إسرائيل الوقت اللازم أملاً في تمكين القوات الإسرائيلية من تحقيق نصر واضح.

ولم يتوقّف الأمر على مقاومة العدوان، وإنما نجحت المقاومة اللبنانية في نقل المعركة إلى عمق الأراضي المحتلة باستهداف المستوطنات والمدن مثل كريات شمونة وطبريا وصفد وحيفا، وأهداف على مقربة من تل أبيب، ونشرت الصواريخ الهلع في صفوف المستوطنين، واضطر الكثير منهم لمغادرة مدنهم وقراهم ومستوطناتهم وأُجبر الباقون على قضاء أيامهم ولياليهم في الملاجئ، مما أدى إلى سقوط أكثر من ٨٠ قتيلاً و٥٠٠ جريح كما هدّد قائد المقاومة السيد حسن نصر الله بقصف تل أبيب إذا تجرأت إسرائيل على قصف بيروت.

سعت الولايات المتحدة إلى إصدار قرار جائر يتجاهل الانتصار الذي حققته المقاومة على الأرض وسيادة لبنان وحقه باسترداد معتقليه في السجون الإسرائيلية ويرشح الصراع للاستمرار ويهدد المنطقة بأسرها.

غير أن الحكومة اللبنانية رفضت هذا المشروع الإسرائيلي (بلباس أمريكي - فرنسي)، وأمام صلابة الوحدة الوطنية التي تجلت في لبنان، والإلتفاف الشعبي والعربي مع لبنان، سارع وزراء الخارجية العرب إلى عقد اجتماع لهم في بيروت، قرّروا فيه دعم النقاط السبعة التي حددتها الحكومة اللبنانية، وتشكيل وفد طار إلى نيويورك لإقناع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بتعديل مشروعهما بما يتوافق مع النقاط السبعة.

وكنتيجة لهذه المفاوضات صدر القرار ١٧٠١ القاضي بوقف العمليات الحربية، وتسليم الجنديين الإسرائيليين الأسيرين، ونشر الجيش اللبناني على كافة الحدود وإرسال ١٥٠٠٠ جندي من الأمم المتحدة بناء على الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذي لا ينص على استخدام القوة.

هزيمة إسرائيل العسكرية تحولت وفق هذا القرار إلى شبه انتصار سياسي لها، تم تسويقه لدى الرأي العام الإسرائيلي، لإنقاذ حكومة أولمرت وسمعة الجيش الإسرائيلي. غير أن اسرائيل راحت تطالب لبنان بحشد جيشه على الحدود السورية! تحت ذريعة وقف تهريب الأسلحة لحزب الله وراحت الولايات المتحدة الأمريكية تعد مشروعاً مكمّلاً للقرار ١٧٠١ يقضي بنزع سلاح حزب الله، من قبل القوات الدولية، غير عابئة بوجوب الانسحاب من مزارع شبعا.

أمام هذا العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان وعلى غزة، والاحتلال الأمريكي للعراق، وانفضاح تواطؤ النظام الرسمي العربي، وتوتر الأوضاع الإقليمية، وعجز المجتمع الدولي، تبرز من جديد مجموعة من المسائل الهامة يتوجّب على حركة التحرر العربية استيعابها والبناء عليها للتوصل إلى امتلاك استراتيجية في سعيها نحو التحرير والديموقراطية والوحدة العربية والتقدم الاجتماعي، ومساهمتها مع بقية الأمم في تقدم الإنسانية. هذه المسائل تتلخص فيما يلي :

١ - الاتفاق حول طبيعة العدو الإسرائيل ككيان صهيوني - عنصري ذو أهداف توسعية واستيطانية لا يقيم وزناً لأية شرائع دولية ولا لأية قيم إنسانية أو أخلاقية، ولا يفهم سوى منطق وحيد هو القوة.

٢ - الاتفاق حول طبيعة الصراع العربي - الإسرائيلي بكونه صراع وجود وإنه يستهدف .الأمة العربية كياناً وبشراً وثروات ومستقبلاً

٣ - الاتفاق حول العلاقة العضوية بين الكيان الإسرائيلي والاستعمارين البريطاني والفرنسي ثم بروز الدور الأمريكي منذ الستينات الذي يستخدم إسرائيل كذراع ضاربة له حماية لمصالحه الاستراتيجية والنفطية في المنطقة.

٤ - الإقرار بعجز المجتمع الدولي عن إدارة الصراع في العالم، وحماية السلم العالمي بوجود قطب وحيد يفرض هيمنته على العالم، وهذا يتطلّب إصلاحاً جذرياً لهيئة الأمم المتحدة.

٥ - الاتفاق حول حقيقة الأنظمة العربية، كونها أنظمة تستمد شرعيتها من الخارج وخصوصاً من الولايات المتحدة الأمريكية وهي في حال طلاق مع شعوبها، همّها الوحيد الاستمرار في كراسي السلطة، ونهب ثروات شعوبها مستعدة للتواطؤ مع العدو لتضمن استمرارها وهي جميعها عبء على بلدانها وليس من خيار أمام شعوبها إلا تغييرها بأنظمة ديموقراطية وطنية.

وهنا لا بد من التوضيح أن تواطؤ الأنظمة العربية لا يمكن تبريره بما تسربه تلك الأنظمة من خوف من هلال شيعي قيد التشكيل، في حين أن وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية كونداليزا رايس قد صرّحت بتاريخ ٢١/ ٧/ ٢٠٠٦ بأن آلام الحرب الحالية هي آلام مخاض «شرق أوسط جديد»، مما كشف أبعاد الأهداف الأمريكية بوضوح غير مسبوق.

وهكذا يجد العرب أنفسهم أمام خريطة طريق أمريكية للشرق الأوسط الجديد، تقسّم المُقسّم، وتُفتّت المُفتّت، وتُدخل المنطقة العربية في أتون حروب أهلية، تطوي صفحة سايكس - بيكو، لتُشرّع لدول الطوائف والدول الإثنية...

الآن بعد أن توقفت العمليات الحربية، على القوى السياسية العربية أن تستوعب الدروس المستفادة من انتصار المقاومة في لبنان، وأن تتخلّص من عقدة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وأن تعرف أن خصمنا الرئيسي ليس فقط إسرائيل وإنما الولايات المتحدة الأمريكية، تلك القوة العظمى التي هزمتها بسالة شعب فيتنام، وأن نؤمن بأن إرادة الشعوب هي الأعلى مهما بلغت قوة العدو من ضخامة وبربرية.

٦ - إن محاولة النظام السوري تجيير انتصار المقاومة لصالحه يندرج تحت تاريخ طويل من لهاث النظام لإسناد دور له في التسوية، ومن هنا نستطيع أن نفهم حرصه على استمرار صمت جبهة الجولان منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتخليه عن شعار  «الصمود والتصدي» وتحقيق «التوازن الاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي» إلى شعار السلام هو «الخيار الاستراتيجي الوحيد» لسوريا. وتحوّلت الحرب إلى فرصة لإعادة طرح مسألة الجولان، وصدرت جملة تصريحات عن المسؤولين الإسرائيليين بهذا الشأن، وسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت لتجديد الشروط الإسرائيلية لبدء أي محادثات. من المؤكد أن إسرائيل غير مستعجلة للتفاوض في ظل ميزان قوى عسكري يميل لصالحها بشدة، وفي ظل دعم مطلق للولايات المتحدة لسياساتها، وهكذا رأينا رأس النظام في خطابه الأخير يحرص على إعادة خلط الأوراق اللبنانية، وتحريض الأطراف على بعضها البعض، معوّلاً على إعادة الاعتبار للدور السوري هناك، لتقوية مواقعه التفاوضية! غير أن هذا الموقف لقي صدى سلبياً من سائر القوى اللبنانية ولم يخف حزب الله تحفظه عليه. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية على الأرض يجب أن يمكّن حزب الله من أن يأخذ مسافة عن سياسات النظام السوري، لكي يدير سياساته الداخلية وفقاً لحساباته الوطنية اللبنانية، ويمكن للمستقبل القريب أن يعزز أو ينفي هكذا توجّه.

أما الدروس فأهمها :

١ - إن خيار المقاومة قد أثبت جدواه، ويجب أن يتحوّل إلى خيار استراتيجي عربي، إذا أردنا أن نحافظ على وجود أمتنا، ومصالحها، ومستقبل أجيالها.

٢ - إن خيار المقاومة اعتمدته كافة الشعوب المحتلة وهو حق تكفله المواثيق الدولية، وهو واجب وطني وإنساني وأخلاقي، وهو يتناقض مع مفهوم «الإرهاب» الذي تمارسه حقيقة قوى العدوان والهيمنة الدولية. كما لا بد من التأكيد على أن حق المقاومة يتناقض مع العنف الطائفي المجرم الموجّه إلى أبناء البلد الواحد (بدل أن يتصدى للمحتل)، وهو ما يعاني منه الشعب العراقي في السنوات الأخيرة بعد احتلاله.

٣ - إن خيار المقاومة يتطلّب توفير مجموعة من الشروط في مقدمتها ترسيخ الوحدات الوطنية لبلداننا، وتشكيل مناخ ديموقراطي يطلق مبادرات شعوبنا يجعل في بلادنايتمتع بحريته الإنسان ويعتز بمواطنيته ويعزز انتمائه الوطني ويحمي خيارات الأمة.

٤ - الاتحاد قوة والفرقة ضعف، وهذا يعني عدم ترك العدو يستفرد بجبهة لوحدها، وهذا يتطلّب التنسيق بين قوى المقاومة بمفهومها الواسع العسكري والسياسي والمجتمعي والثقافي.

٥ - إن ردود فعل الشعوب العربية على أهميته لم يكن بالمستوى المطلوب، حيث استطاعت الجاليات العربية في العالم أن تستنفر قوى الحرية والديموقراطية في بلاد المهجر بما فاق بكثير ما تمّ في البلدان العربية، وهذا يعود إلى مناخ الحرية الذي تتمتع به الجاليات في بلدان الهجرة، وحالة الإحباط التي تسود الشعوب العربية في ظل أنظمة القمع والتواطؤ والتجويع.

٦ - إن الكثير من السياسيين والمثقفين العرب الذين يعولون على «الديموقراطية الأمريكية» خلاصاً من أنظمتهم القمعية والشمولية توفّرت لهم فرصة جديدة لمعرفة حقيقة الديموقراطية الأمريكية في فلسطين ولبنان والعراق. وإن عملية التغيير الديموقراطي لا بد أن تكون مستقلة عن كافة الجهات الأجنبية لضمان سيرها لصالح شعوبنا.

٧ - إن الرهان على قوى «السلام» في إسرائيل أثبت فشله نظراً للتأييد الواسع الذي حظي به العدوان الغاشم على لبنان من قبل الرأي العام الإسرائيلي ولا يقلل من صحة ذلك وجود بعض الأصوات الهامشية والمعزولة المعادية للحرب.

إن لجنة التنسيق من أجل التغيير الديموقراطي في سورية تهيب بكافة القوى الحية في وطننا العربي سياسية منها أو مدنية توخي الحذر لأن العدوان الإسرائيلي قد فشل ولكن الولايات المتحدة الأمريكية ستجعله يعاود الكرة حتى تستطيع تمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد، وبكل الأحوال ورغم القرار ١٧٠١ فإن إسرائيل لا تزال تحاصر لبنان جواً وبحراً وبراً.

أما على الصعيد السوري فإننا نحذّر من سعي النظام للمساومة على ورقة المقاومة اللبنانية أو لعب أي دور من شأنه أن يصدّع الوحدة الوطنية في لبنان أو سيادته واستقلاله.

إن إنجاز التغيير الوطني الديموقراطي في سورية مهمة لا تقبل التأجيل أمام المشاريع الأمريكية - الصهيونية، ولقد علمتنا خبرات التاريخ أن الشعوب تبقى عصية على الاندحار ما دامت تمتلك إرادة المقاومة بكافة تجلياتها السياسية والثقافية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية.

لجنة التنسيق من أجل التغيير الديموقراطي في سورية ٢٠٠٦/٨


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ